أدوات شخصية
User menu

الدولة الإيلخانية

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


[654 - 744 هـ= 1256 - 1344م].

تعود تسمية الدولة الإيلخانية بهذا الاسم إلى هولاكو خان الذى لُقِّب بإيلخان، وهى كلمة مكونة من مقطعين «إيل» بمعنى تابع، و «خان» بمعنى ملك أو حاكم، والمقصود أن حاكم الدولة الإيلخانية تابع للخان الحاكم فى قراقورم.

1 - آباقا خان

يعد «هولاكو» المؤسس الأول لسلسلة سلاطين المغول فى «إيران» و «العراق» الذين ظلوا يحكمون هذه البلاد من سنة (654هـ) حتى سنة (756هـ)، وقد تُوفى «هولاكو» سنة (663هـ)، وخلفه ابنه «آباقا خان» فى حكم البلاد، التى امتدت من «نهر جيحون» حتى «العراق العربى» غربًا، ومن جنوبى روسيا شمالا حتى «البحر العربى» جنوبًا.

وقد جنحت الدولة الإيلخانية منذ إنشائها إلى الاستقلال عن العاصمة المغولية، فى أمور السياسة والحكم - منذ عهد «آباقا خان» - وكأن حكامها مستقلون تمامًا عن العاصمة قراقورم.

وساعد البعد الجغرافى الذى يفصل بين «منغوليا» والإيلخانيين فى «إيران» و «العراق»، على أن يتخذ الإيلخانيون أساليب وعادات ونظمًا وغير ذلك من التقاليد الحضارية التى كانت موجودة فى «إيران»، والتى لم يعهدها المغول من قبل، فأصبح الإيلخانيون وكأنهم من ملوك الفرس.

اتخذ «آباقا» من «تبريز» عاصمة له، فاحتلت فى عهده مكانة ممتازة، وجعل «آباقا» قائده الأمير «سونجاق» واليًا على «العراق» وإقليم «فارس»، ففوض هذا الأمير بدوره المؤرخ «علاء الدين عطا ملك الجوينى» فى حكم «العراق»، وعهد «آباقا» بمنصب الوزارة إلى «شمس الدين محمد الجوينى» أخى «علاء الدين»، فكانا سببًا من أسباب ازدهار دولة «آباقا»، وعلى الرغم من الجهود الذى بذلها الجوينيون فى خدمة هذه الدولة وتوطيد أسسها، ودعم أركانها، فإنهم تعرضوا - فى نهاية الأمر - لنكبة تشبه نكبة البرامكة عندما تكاثر عليهم الأعداء والخصوم، وقُتل الجوينيون جميعًا فى عهد«أرغون» سنة (683هـ) الذى قضى على جميع أفراد هذه الأسرة.

تزوج «آباقا» ابنة امبراطور «القسطنطينية»، فتوطدت علاقته بالنصارى، وأكثر من القساوسة فى بلاطه، على الرغم من أنه كان إلى ذلك الوقت وثنيا، وحرص المسيحيون على مداهنة المغول واجتلابهم نحو المسيحية؛ أملا فى انضمام هؤلاء المحاربين الأشداء إلى صفوف النصارى ومحاربة أشد أعدائهم، المسلمين.

وفى الوقت نفسه كان «آباقا» يريد من وراء توطيد علاقته بالمسيحيين أن يحصل على معاونتهم فى حربه ضد المسلمين، وخاصة المماليك، ليثأر لهزيمة المغول أمامهم فى «عين جالوت»، غير أن محاولاته ذهبت جميعها عبثًا، ولحقت به الهزائم فى كل مرة التقت فيها جيوشه بجيوش المماليك بقيادة «الظاهر بيبرس»، وكانت معركة «أبلستين» التى قامت بين الطرفين فى عام (675هـ) من أهم المعارك التى دارت بين الجانبين، وانتصر فيها المماليك فى «مصر» و «الشام» انتصارًا حاسمًا، ثم تُوفى «آباقا» فى سنة (680هـ.) 2 - أحمد تكودار [681 - 683هـ]:

كان «آباقا خان» يريد أن يخلفه عن العرش ابنه «أرغون» لكنه لم يستطع لأن هذا الإجراء كان يعد مخالفة كبيرة لأحكام الدستور المغولى الذى وضعه جنكيز الذى يسمى «الياسا»، فقد كان يتعين إذا مات الخان أن يخلفه على العرش أكبر الأمراء الأحياء، ولقد كان أكبرهم هو «تكودار» وليس «أرغون»، ولذلك أجمع الأمراء المغول الذين اجتمعوا فى المجلس العام الذى يسمى «قوريلتاى» وقرروا انتخاب «تكودار» إيلخانًا فى سنة (681هـ).

اعتنق تكودار المسيحية فى صغره، لكنه مال إلى الإسلام شيئًا فشيئًا؛ لكثرة اتصاله بالمسلمين، وتوطيد علاقته بعظماء المسلمين وكبار أئمتهم، فأعلن إسلامه، وسُمى بالسلطان «أحمد تكودار»، فكان أول مَن اعتنق الإسلام من الإيلخانيين.

كان إسلام السلطان «أحمد» عاملا قويا فى تهذيب طباعه وتقويم خلقه، ولم يعد ذلك المغولى الذى كان كل همه سفك دماء المسلمينوتخريب ديارهم، وإنما أصبح يرى المسلمين إخوته، ويجب أن يحل بينهم الوئام؛ لذا تبادل الرسائل الودية مع السلطان «قلاوون» سلطان المماليك فى «مصر»، فقضى بذلك - مؤقتًا- على الأحقاد والضغائن، ولم تحدث حروب بين الجانبين، وكذلك كان لإسلام «أحمد تكودار» أثر كبير فى «إيران»، فقويت شوكة المسلمين، وعادت المعابد البوذية وكنائس النصارى إلى مساجد كما كانت من قبل؛ ووصل المسلمون إلى المناصب الرئيسية فى الدولة، وتطلَّع أبناء البلاد الأصليين من الفرس إلى شغل المناصب الإدارية بالدولة المغولية.

ونتيجة لذلك كله خاف أمراء المغول على مصالحهم الشخصية -خاصة أن السلطان كان يحرص على خطب ودهم - وبخاصة الأمير «أرغون» الذى كان يطمع فى العرش فثار على السلطان «تكودار» وتمكن من قتله فى سنة (683هـ)، وضعفت بذلك شوكة المسلمين فى «إيران» ثانية.

3 - أرغون خان [683 - 690هـ]:

بعد مقتل السلطان «أحمد» اجتمع الأمراء المغول ونصبوا الأمير «أرغون ابن آباقا» إيلخانًا عليهم فى جمادى الآخرة سنة (683هـ)، فنصب ابنه «غازان» حاكمًا على «خراسان» وعين الأمير «نوروز» نائبًا له عليها، وأنعم على الأمير «بوقا» بلقب «أمير الأمراء»، وأطلق يده فى تسيير شئون الدولة، وقتل الوزير «شمس الدين الجوينى» وجميع أفراد أسرته تقريبًا فى شعبان سنة (683هـ)، وذلك لموقفهم مع السلطان «أحمد تكودار» ومساندتهم له فى المعركة التى دارت بينه وبين أفراد المغول بقيادة الأمير «أرغون»؛ والتى انتهت بمقتل السلطان وتنصيب الأمير سلطانًا.

وزارة سعد الدولة اليهودى

بعد مقتل الوزير الجوينى «شمس الدين» ازداد نفوذ الأمير «بوقا» إلى حد كبير، وأصدر «الإيلخان» قرارًا يقضى بأنه ليس لأحد فى الدولة الحق فى محاسبة الأمير «بوقا» - حتى إذا ارتكب أكبر الجرائم - إلا السلطان نفسه، ولاشك أن هذه السلطة المطلقة التى حصل عليها «بوقا» جعلته يميل إلى الاستبداد والبطش والهيمنة على شئونالدولة، ولم يبقَ للسلطان (الإيلخان) إلا الاسم فقط.

لم يقتصر عداء «بوقا» على المسلمين وحدهم بل امتد بطشه إلى أمراء المغول أنفسهم، كما أنه لم يكن على دراية كافية بشئون البلاد الإدارية والمالية، فأدى ذلك إلى حالة من الفوضى والارتباك فى البلاد، وقد أثار ذلك حنق الأمراء المغول وغضبهم وجعلهم يفكرون فى التخلص منه، فحرضوا الإيلخان «أرغون» على التخلص من الأمير بوقا.

وكان من أشد أعداء هذا الأمير طبيب يهودى يدعى سعد الدولة وكان اجتماعيا؛ يكثر الاختلاط بالناس ويوسع دائرة معارفه بينهم، كما كان ملما بأحوال الموظفين والصيارفة فى «بغداد»، ويجيد عدة لغات، ويعمل بالطب الذى كان وقفًا فى بلاد الإيلخان على اليهود وحدهم، ولذا عملوا على التدخل فى شئون الدولة من خلال عملهم، وحملوا الإيلخان «أرغون» على تعيين «سعد الدولة» طبيبًا لبلاطه، وتصادف أن اعتلَّت صحة الإيلخان، ومرض مرضًا شديدًا، وتمكن «سعد الدولة» من معرفة الدواء المناسب لمرضه، فشفى «الإيلخان»، وكافأ «سعد الدولة» وقرَّبه منه، وزاد قدره عنده، فاستغل الطبيب ذلك، وأخذ يشى بالأمير «بوقا» ويزيِّن للسلطان التخلص منه، حتى أوغر صدره ضده، فأمر السلطان بالقبض على «بوقا» وقتله بتهمة التآمر على السلطان، وتعيين الطبيب «سعد الدولة» وزيرًا له على البلاد.


استطاع الوزير سعد الدولة أن يستميل إليه قلوب الناس برفع المظالم عنهم، وإجراء الصدقات على فقرائهم ومحتاجيهم، فمدحه الشعراء، وقصد بابه الأدباء والعلماء، ولكنه لم يكد يطمئن إلى ثبات مركزه فى الدولة، وارتفاع منزلته عند السلطان حتى أخذ يكيد للمسلمين ويعمل على التضييق عليهم، فضاقوا به وتحينوا الفرصة للخلاص منه، كما ضاق به الأمراء المغول لاستبداده بالحكم، وقضائه على ما كانوا يتمتعون به من نفوذ، وانتظروا كذلك الفرصة للقضاء عليه، فمرض «أرغون» فجأة، واشتد عليه المرض، وحاول الأطباء برئاسة «سعدالدولة» معالجته وإنقاذه بكل السبل، ولكنهم عجزوا عن ذلك، فقبض الأمراء المغول على «سعد الدولة» وقتلوه فى شهر صفر سنة (690هـ)، ولم يلبث الإيلخان بعده إلا فترة قصيرة ثم مات، فعمت مشاعر البهجة والسرور أنحاء البلاد الإسلامية؛ لمقتل «سعد الدولة»، وثار الناس على اليهود فى كل مكان، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا.

سياسة أرغون الخارجية

حاول «أرغون» أن يحد من نفوذ «مصر» فى المشرق الإسلامى، فأقام علاقات سياسية وطيدة مع قادة الدول المسيحية مثل: «البابا» و «إدوارد الأول» ملك «إنجلترا»، و «فيليب لوبل» ملك «فرنسا»، تمهيدًا لتكوين حلف للقضاء على النفوذ المصرى فى «آسيا الصغرى»، و «العراق» و «الشام»، و «فلسطين». وشجعت هذه العلاقات (المغولية - الأوربية) عددًا من الرحالة الأوربيين على زيارة بلاد المغول، وسافر الرحالة الشهير «ماركو بولو» إلى العاصمة المغولية، وأقام فى بلاط الامبراطور المغولى «قوبيلاى» نحو عشرين عامًا، عمل فيها مستشارًا له ووزيرًا، ولم تقع حروب تذكر بين الجانبين - المصرى والمغولى - فى عهد «أرغون» لانشغال كل منهما بمشكلاته الداخلية.

4 - كيخاتو خان [690 - 694هـ]:

بعث الأمراء المغول عقب وفاة «أرغون» إلى أخيه «كيخاتو خان» يخبرونه بوفاته، فقدم على الفور من بلاد الروم التى كان يحكمها، وتولى عرش الإيلخانية فى رجب سنة (690هـ)، ثم عين «صدر الدين أحمد الزنجانى» وزيرًا له، ولقبه بلقب «صدر جهان» وأوكل إليه التصرف فى شئون الدولة كافة دون تدخل من أحد، وعين أخاه «قطب الدين الزنجانى» قاضيًا للقضاة، وأطلق عليه لقب «قطب جهان»، ثم انصرف «كيخاتو» إلى ملذاته وشهواته وإنفاق الأموال فى سبيلها دون حساب، فاضطربت مالية الدولة، وأصبحت خزانتها شبه خاوية ومهددة بالإفلاس، ووقف الوزير حائرًا لا يدرى ماذا يفعل حيال ذلك، فظهر له رجل اسمه «عز الدين محمد بن المظفر» - وكانعلى دراية بالأحوال المالية فى «بلاد الصين» - واقترح عليه العدول عن استخدام الذهب والفضة فى المعاملات المالية، واستخدام أوراق مالية - تعرف عند الصينيين باسم «الجاو» - بدلا منها، لإنقاذ البلاد من الإفلاس، كما فعل الصينيون، فاستحسن الوزير هذا الاقتراح، واستصدر قانونًا من الإيلخان فى سنة (693هـ) ينص على التعامل بهذه الأوراق، ويحرم التعامل بالذهب والفضة تحريمًا تاما.

رفض الناس التعامل بالأوراق المالية فى معاملاتهم، على الرغم من أنهم أُجبِروا على ذلك بالقوة، فاضطربت أحوال البلاد والناس اضطرابًا كبيرًا، وكسدت التجارة، وتعذرت الأقوات، وانقطعت الموارد من كل نوع، وامتنع البائعون عن بيع سلعهم بهذه الأوراق، فكان الرجل يضع الدرهم تحت إحدى الأوراق المالية (الجاو) ويعطيها الخباز أو القصاب وغيرهما، ليحصل على ما يريد، خوفًا من أتباع السلطان الذين يراقبون الناس والبائعين فى تعاملاتهم، فضاقت الحياة أمام الناس واستحكمت الأزمة، وكاد الأمر ينذر بثورة عارمة، إلا أن الإيلخان تدارك الموقف وأصدر قانونًا لإبطال التعامل بهذه الأوراق، والعودة إلى النظام القديم.

ولما كان «كيخاتو» مغرمًا بشرب الخمر، سيئ الخلق فاسقًا، كرهه الأمراء وثاروا عليه، وبخاصة بعد أن أغلظ القول - ذات ليلة - لابن عمه «بايدو» أحد كبار الأمراء، فحقد عليه، وتآمر مع الأمراء الآخرين على قتله، وعلم «كيخاتو» بالمؤامرة، فآثر الفرار، ولكن الأمراء تتبعوه، وتمكنوا من قتله فى سنة (694هـ).

5 - بايدوخان [694هـ]:

بعد مقتل «كيخاتو» وقع اختيار الأمراء على «بايدوخان بن طرغاى بن تولوى بن جنكيزخان» ليكون إيلخانًا، فاعتلى العرش فى جمادى الأولى سنة (694هـ)، ثم تخلص من أتباع «كيخاتو»، وقرر إعادة الحقوق والوظائف إلى أصحابها، وأعفى الأوقاف الإسلامية من الضرائب، وعهد بأمور الجيش ورئاسة الوزراء إلى الأمير «طغاجار»،وسلك مسلك «آباقا خان» حيث جعل الإدارة لا مركزية، وجعل أميرًا من الأمراء على كل ولاية من الولايات، ونصب «جمال الدين الاستكردانى» وزيرًا له.

لم يكد «بايدو» يتولى أمور الحكم حتى بلغ «غازان خان» ما حدث لعمه «كيخاتو»، فأقبل بجنوده ومعه الأمير «نوروز»، وأرسل رسله إلى «بايدو» ينكر عليه قتل كيخاتو، ويطالبه بإجراء تحقيق ليلقى القتلة جزاءهم، فلما لم يلقَ جوابًا دارت رحى الحرب بين الفريقين، وفى هذه الأثناء عرض الأمير «نوروز» الإسلام على «غازان»، وحَسَّن له اعتناق هذا الدين بتشريعاته السمحة ونظمه الدقيقة، وما ينادى به من عدل ورحمة ومساواة، فاعتنق «غازان» الدين الإسلامى، ومال إليه أكثر الأمراء، وانتصر على «بايدو» فى الحرب، فهرب «بايدو» ولحق به الأمير «نوروز»، وألقى القبض عليه، وأرسله إلى «غازان»، فأمر بقتله فى شهر ذى الحجة عام (694هـ).

6 - السلطان محمود غازان [694 - 703هـ]:

تولى «غازان» عرش المغول عقب مقتل «بايدو» فى ذى الحجة سنة (694هـ)، وبعد أن اعتنق الإسلام تبعه جميع الأمراء والجنود المغول، وأسلم بإسلامه أكثر من مائة ألف شخص منهم فى فترة وجيزة، ولقب «غازان» نفسه باسم السلطان «محمود غازان»، وأعلن الإسلام دينًا رسميا للدولة، وأمر المغول بأن يغيروا ملابسهم التقليدية، ويلبسوا العمامة للتدليل على خضوعهم للإسلام، وأمر بهدم الكنائس والمعابد اليهودية والمزدكية والهياكل البوذية، وتحويلها إلى مساجد، وبارتداء اليهود والنصارى ثيابًا تميزهم عن غيرهم من المسلمين، كرد فعل لما لقيه المسلمون من ضروب المهانة والذلة فى عهد كل من: «هولاكو» و «آباقا» و «أرغون».

عرف «غازان» بشخصيته القوية، ونشاطه الموفور، وصبره الذى لا ينفد، وبأنه رجل دولة من الطراز الأول يقف على كل صغيرة وكبيرة فى شئون البلاد، فضلا عن إحاطته الكاملة بتقاليد قومه وعاداتهم، وإلمامه التام بمختلف الحرف والصناعات السائدة فى عصره، واطِّلاعهعلى العلوم المعروفة لدى المسلمين، وإجادته عدة لغات إلى جانب لغته المغولية، لكنه كان قاسيًا على أعدائه، ولا يأبه بحياة الناس حين تتعارض مع تحقيق أهدافه وطموحاته، وتجلى ذلك حين تخلص من الأمير «نوروز» الذى ساعده ووقف إلى جانبه فى كثير من المواقف بسبب وشاية، وكذلك حين أمر بقتل وزيره «صدر الدين» فى رجب سنة (697هـ)، وعين بدلا منه المؤرخ «رشيد الدين فضل الله» الذى توسم فيه النبوغ والعبقرية والإخلاص، وأشرك معه رجلا يدعى «سعد الدولة» لمساعدته فى مهام الوزارة.

حملات غازان خان على بلاد الشام

قام «غازان» بثلاث حملات على «بلاد الشام»، كانت الأولى فى سنة (699هـ)، وانتصر فيها على قواد «الناصر محمد بن قلاوون» بالقرب من منطقة «مرج المروج» شرقى «حمص»، وقد انتشر المغول بعد انتصارهم فى الأماكن المجاورة، وخربوا البلاد جريًا على عادتهم القديمة، وكأنهم لم يعتنقوا الدين الإسلامى، ثم عين «غازان» واليًا من قبله على البلاد التى استولى عليها، وعاد بعد ذلك إلى «إيران». وفى سنة (700هـ) عاود المغول الكرَّة على بلاد الشام، واستولوا على مناطق جديدة بها، إلا أنهم لم يتمكنوا من التقدم والاستمرار؛ إذ هطلت عليهم الأمطار بغزارة، واشتدت البرودة، وكثر الوحل، وهلك كثير منهم، ووجد «غازان» نفسه مضطرًا إلى العودة إلى «إيران»، ولكنه عاد بعد ذلك بعامين فى سنة (702هـ) بحملته الثالثة على «سوريا»، وتحرك إلى مدينة «عانة» على شاطئ «الفرات»، وبرفقته وزيره المؤرخ «رشيد الدين» ثم عاد أدراجه إلى عاصمته «تبريز» تاركًا جيشه بالشام ليواصل مهمته، ولكن النتيجة جاءت على غير ما كان يتوقع، إذ هُزم جيشه هزيمة منكرة على يد السلطان «الناصر محمد بن قلاوون» فى موقعة «مرج الصفر» بالقرب من «دمشق» فى (2 من رمضان عام 702هـ)، فاعتلَّت صحته، وغلبه المرض، وتآمر عليه الأمراء، وكثرت من حوله الدسائس، ومات فىشوال سنة (703هـ)، وهو لايزال فى ريعان شبابه.

إصلاحات غازان

قام «غازان» بإصلاحات كثيرة ومهمة فى كثير من الميادين، وكانت أبرزها إصلاحاته العمرانية، حيث أقام شمالى غرب «تبريز» محلة عُرفت باسم «شام غازان»، وتفصلها عن مدينة «تبريز» حدائق ومتنزهات كثيرة، وأمر كبار مهندسيه بإقامة بناء عالٍ فى ذلك المكان؛ تعلوه قبة كبيرة، ليكون مدفنًا له، وقد استمرت عمارة القبة وتوابعها نحو خمس سنوات، واشتملت على مسجد وخانقاه ومدرستين (إحداهما للشافعية والأخرى للحنفية)، ومستشفى، ومكتبة، ومرصد، ومدرسة لتعليم العلوم الطبية، وبيت لحفظ كتب القوانين التى أصدرها الإيلخان عرف باسم «بيت القانون»، كما أنشأ مسكنًا للأطفال وآخر للأشراف، وضمت هذه الأبنية بعض الحمامات العامة، وملجأ واسعًا لليتامى؛ به مكتب لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه، وملجأ آخر يتسع لنحو خمسمائة أرملة من النساء اللائى فقدن عائلهن، فضلا عن ذلك أنشأ «غازان» الأجران الواسعة المملوءة بالحبوب، والمزودة بأحواض المياه لكى تتزود منها الطيور المهاجرة من الشمال إلى الجنوب فى الفصول الباردة من السنة خلال رحلتها عبر الهضبة الإيرانية التى تغطيها الثلوج فى هذا الوقت من السنة، خاصة أن أعدادًا كثيرة من هذه الطيور كانت تلقى حتفها، لتعذر حصولها على الغذاء، فأقام لها «غازان» هذه الأجران رحمة بها، وأصبحت هذه المؤسسات والمنشآت التى أقامها «غازان» مفخرة العالم الإسلامى والحضارة الإسلامية، حيث حول الإسلام القبائل الهمجية البربرية إلى أناس مهذبى الطباع، منظمين محبين للحضارة والعمران، وامتلأت قلوبهم رحمة وعطفًا حتى على الطيور والحيوانات.

7 - السلطان أولجايتو [703 - 716هـ]:

قدم السلطان «أولجايتو» من «خراسان» التى كان حاكمًا عليها، وتولى العرش خلفًا لأخيه «غازان» فى سنة (703هـ)، وجعل الوزارة مشاركة بين «رشيد الدين فضل الله الهمدانى» وسعد الدين الساوجى.

إنشاء مدينة السلطانية

بدأ إنشاء هذه المدينة فى عهد السلطان «غازان»، وهى تقع على بعد خمسة فراسخ من «زنجان»، فعمد «أولجايتو» إلى استكمال تشييدها وأمر بالتوسعة فى منشآتها العمرانية، فساهم الأمراء والوزراء فى بناء بعض أحيائها، وأنشأ الوزير «رشيد الدين فضل الله» محلة بها على نفقته الخاصة؛ اشتملت على ألف منزل، ومسجد كبير. وأمر السلطان ببناء قبة كبيرة فوق مقبرته، ومازالت هذه القبة قائمة حتى اليوم دليلا على عظمة العمارة فى هذا العصر.

تمكن «أولجايتو» فى سنة (706هـ) من بسط سيطرته على إقليم «جيلان»، وهو الإقليم الذى لم يتمكن المغول من السيطرة عليه حتى هذه السنة لكثرة غاباته، ووعورة مسالكه، وأعاد بناء مرصد «مراغة» الذى بناه «هولاكو» من قبل، وحين بلغ «أولجايتو» الثالثة والثلاثين من عمره اشتد عليه المرض واعتلَّت صحته، وتوفِّى فى رمضان سنة (716هـ).

سياسة أولجايتو الخارجية

شق الأمير المملوكى «شمس الدين قرا سنقر» حاكم «دمشق» عصا الطاعة على السلطان «الناصر محمد بن قلاوون» سلطان المماليك فى «مصر» و «الشام» فى سنة (712هـ)، وفر إلى «إيران» لاجئًا، فاستقبله «أولجايتو» أحسن استقبال، فشجعه «قرا سنقر» على القيام بحملة على «الشام»، فوافقه وخرج بحملته، وحاصر مدينة «الرحبة» بالعراق، ولكن أهل المدينة استعطفوه، وتدخل الوزير «رشيد الدين» فرفع «أولجايتو» الحصار فى رمضان سنة (712هـ)، وعاد بجيشه إلى عاصمته دون الدخول فى معارك مع المماليك، فكانت هذه الحملة آخر حملات الإيلخانيين على المماليك فى «مصر» والشام.

8 - السلطان أبو سعيد بهادر [716 - 736 هـ]:

تولى «أبو سعيد» حكم البلاد بعد وفاة السلطان «أولجايتو»، وكان لايزال فى الثالثة عشرة من عمره، فاضطربت أحوال البلاد وتعددت ثورات الأمراء المغول فى مناطق متفرقة ضده، غير أن «أبا سعيد» استعان عليهم بقائد جيشه الأمير «جوبان»، فقضى عليهم، وأعادإلى البلاد استقرارها وهدوءها. الوزارة:

شهد منصب الوزارة تغييرات كثيرة، حيث أبقى السلطان «أبو سعيد» على «رشيد الدين الهمدانى» و «تاج الدين التبريزى» فى منصب الوزارة، ولكن «تاج الدين» الذى كان يجيد المعاملات التجارية والمالية مع كونه أميا لا يعرف القراءة والكتابة، أراد أن ينفرد بهذا المنصب، وعمد إلى الدهاء والوقيعة لدى السلطان للتخلص من «رشيد الدين» ونجح فى ذلك، وأمر السلطان بقتل «رشيد الدين» فى سنة (718هـ)، فانفرد «تاج الدين عليشاه» بالوزارة حتى وفاته فى أوائل سنة (724هـ)، فوليها من بعده «دمشق خواجه» ابن الأمير «جوبان»، وصارت أمور الجيش والشعب فى أيدى الأمير وابنه وعلا شأنهما، وتجاهلا السلطان فى معظم الأمور، فغضب السلطان من ذلك وأمر بقتلهما، ثم نصب «غياث الدين بن رشيد الدين فضل الله» فى هذا المنصب، لشعوره بالندم على قتل أبيه فضلا عن أن «غياث الدين» كان أصلح الناس لهذا المنصب فى ذلك الوقت؛ حيث إنه كان واسع الأفق، ومطَّلعًا على العلوم العقلية والنقلية، فأحسن إدارة شئون الدولة وتوخى العدل، وعمل على رعاية مصالح الناس، وظل فى منصبه حتى وفاة «أبى سعيد» فى (13 من ربيع الأول سنة 736هـ).

كان «أبو سعيد» آخر سلاطين الإيلخانيين الأقوياء، كما كان كريمًا جوادًا، شجاعًا، محبا للعلم، فراجت فى عهده العلوم والآداب، وعاش فى بلاطه كثير من الشعراء والمؤرخين؛ حين كان هو نفسه شاعرًا وله أشعار جيدة باللغة الفارسية، واشتهر بجودة الخط والغناء.

سياسة أبى سعيد الخارجية

تعرضت العلاقة بين «مصر» والبلاد الفارسية فى عهد الإيلخانيين لنوبات من الحرب والسلام، ولكن هذه العلاقة دخلت مرحلة جديدة من الصداقة والوئام فى عهد السلطان «أبى سعيد»، وتم توقيع اتفاقية بين الطرفين فى عام (721هـ) فى عهد السلطان «أبى سعيد» الإيلخانى، والسلطان المملوكى «الناصر محمد ابن قلاوون».

انهيار دولة الإيلخانيين المغول

تعرضت «الدولة الإيلخانية» -عقب وفاة السلطان «أبى سعيد بهادر» - للضعف والزوال، حيث كان السلاطين الذين اعتلوا عرش هذه الدولة بعد «أبى سعيد» ضعاف الشخصية، كما كانوا ألعوبة فى أيدى الأمراء المغول وكبار رجال الدولة، وظل هذا حال هذه الدولة حتى وفاة «أنوشيروان» آخر السلاطين الإيلخانيين فى سنة (756هـ)، فتقاسم خمسة من كبار الأمراء المغول أملاك هذه الدولة، وكون كل منهم دولة صغيرة مستقلة، وهذه الدول هى:

- دولة آل جلائر (الجلائريون).

- دولة الجوبانيين.

- دولة آل المظفر.

- دولة السربداريون.

- دولة آل كرت.

وأخذت هذه الدويلات الخمس تتنازع فيما بينها، ودخلت كل منها فى حروب طاحنة مع غيرها، وظلت على ذلك حتى خرج عليها الأمير «تيمورلنك» وتمكن من القضاء عليها نهائيا بحملاته المتعددة التى بدأها فى سنة (788هـ) على إيران والعراق.

مظاهر الحضارة

- الإدارة ونظم الحكم

استعان المغول بالموظفين الفرس فى إدارة شئون الدولة، إذ لم يكن بوسع هؤلاء المغول الأميين وحدهم إدارة شئون هذه البلاد المترامية الأطراف، وجمع الضرائب والأموال، وإقرار الأمن.

وكانت هناك أسر فارسية تتوارث منصب الوزارة، مثل: أسرة الجوينيين، وأسرة رشيد الدين فضل الله، ولقد كان لهذه الأسر فضل كبير فى تحقيق الاستقرار الداخلى، لاطمئنان أفراد الشعب بأن حكامهم المباشرين ليسوا غرباء عنهم ولا خصومًا لهم، كما كان لهذه الأسر فضل آخر فى التأثير على ملوك المغول وأمرائهم وجذبهم بالتدريج إلى الاندماج فى الحياة الاجتماعية على نمط فارسى إسلامى، فبدا لمن يرقب أحوالهم ويتتبع تفصيلات حياتهم أنهم كانوا وكأنهم أسرة من الأسر الإيرانية الحاكمة.

وعلى الرغم من ذلك ظل المغول ينظرون إلى الفرس على أنهم خصوم وأعداء لهم حتى دخل المغول فى الإسلام أفواجًا فى عهد «السلطان غازان»، فتغيرت عندئذٍ نظرتهم، ولم يعودوا يرون أهل البلاد الأصليين غرباء عنهم وخصومًا لهم.

ولاشك أن القوانين والإصلاحات الجديدة التى وضعها غازان أدت إلى تحسن الأوضاع الإدارية والاقتصادية والاجتماعية فى إيران والعراق، وصاغتها صياغة جديدة، نالت قبول الناس جميعًا، وظل هذا التحسن مستمرًا إلى نهاية عهد السلطان أبى سعيد بهادر، آخر سلاطين الإيلخانيين العظام (736هـ)، فعادت الشئون الإدارية والاقتصادية والاجتماعية إلى الاضطراب من جديد.

وأيا ما كان الأمر، فقد نهجت الدولة الإيلخانية فى إيران والعراق نهج الإمبراطورية المغولية الكبرى التى اتخذت من قراقورم عاصمة لها، فحذت فى تشكيلاتها الإدارية والسياسية حذوها وسارت على نسقها.

لقد كان الأمراء الملكيون (شاهزادهـ) والقادة العسكريون (نوين) والأمراء المغول تابعين تبعية مباشرة للإيلخان، أو السلطان فيما بعد، وكان الإيلخان يخصص لهم أراضى واسعة ومدنًا بأكملها كإقطاع لهم، ويتولون جمع خراج هذه الإقطاعات ويخصون به أنفسهم.

كان الجهاز الحاكم فى الدولة الإيلخانية ينقسم إلى أربعة أقسام تتفاوت فيما بينها بتفاوت الجنسية، واللغة، والدين، والمستوى الاجتماعى، على النحو التالى:

1 - قادة المغول.

2 - الموظفون المدنيون، وكان معظمهم من الفرس.

3 - رجال الدين المسلمون، ولقد كان رجال الدين من المسلمين والمسيحيين فى بلاد القوقاز وآسيا الصغرى خاصة فى مرتبة واحدة.

4 - الأعيان المحليون فى أقاليم فارس والعراق.

وكان اهتمام الدولة منصبا أساسًا على جمع أكبر قدر من الأموال والضرائب من أفراد الشعب.

ويرأس الإدارة المدنية فى الدولة «صاحب الديوان» أو رئيس الوزراء.

ويعهد إليه الإشراف على شئون الخزانة، والدخل والخرج، والشئون المكتبية والإدارية وتعيين الموظفين وعزلهم. وبالإضافة إلى الديوان العالى للإدارة المركزية، كانت هناك دواوين أخرى مثل «ديوان إينجو» الذى كان يتولى إدارة الأملاك المنقولة - وغير المنقولة - للإيلخان نفسه، ولأقاربه من الدرجة الأولى، وهذا الديوان يشبه إلىحد بعيد «ديوان الخاص» الذى عرف فى مصر فى عهد المماليك.

وأبقى الإيلخانيون على منصب قاضى القضاة، وكان شاغله يقوم بالفصل بين الخصوم، والحكم بين الناس، وتولية القضاة ومراقبتهم، وكذلك مراقبة أحوال الناس ومعيشتهم وصنائعهم، وله الحق فى الأخذ على يد الخارج منهم.

وكانت هناك مناصب: الصدر، والناظر، والشحنة، وهى وظائف إدارية تشرف على الإدارة المحلية، وجمع الأموال وصرفها، والإشراف على نظام الأمن، ومراقبة ولاة الأقاليم التابعة للدولة الإيلخانية.

الوضع الاقتصادى

نهضت الزراعة فى الدولة الإيلخانية لخصوبة الأرض، ووفرة مياه الأنهار والأمطار، وتميز الإيلخانيون بنظام الإقطاع وجعلوه نوعين:

أولهما الإقطاع المُملك، وهو أن يمنح الإيلخان الأمراء والأعيان وكبار رجال الدولة، مساحات من الأرض الزراعية، ويجعلها ملكًا خاصا بهم، وثانيهما: الإقطاع المستغل والمقصود به استغلال الأرض فى الزراعة والاستفادة منها دون تملكها.

واعتمد اقتصاد الإيلخانيين على الثروة الزراعية الآتية من مناطق: ما بين النهرين، والبصرة، والفرات (بين الأنبار وعانة)، ودجيل، ومنطقة على نهر دجلة، وخراسان، كما اعتمد على نظام الإقطاع فى الإنفاق على التجهيزات العسكرية والجيوش.

وتعددت الضرائب فى نظام دولة الإيلخانات فكانت هناك: ضريبة الأرض، وضريبة الرؤوس، وضريبة البيوت والعقارات، وضريبة الأسواق، وضريبة التمغات، وضريبة المراعى، وضريبة المساعدات والقروض. وتعمد الجباة إرهاق الناس فى جمع الضرائب، وحصلوا منهم على أموال كثيرة لم تكن مفروضة عليهم، وتآمر الحكام والجباة على الشعب، وظهر الفساد بصورة جلية فى هذا الشأن.

ولعل مشكلة العملة الورقية (الجاو) التى فرضها السلطان «كيخاتوخان» على الناس فى سنة (693هـ = 1294م)، كانت من أبرز المشاكل الاقتصادية التى اعترضت سبيل الدولة الإيلخانية، إذ رفض الناس التعامل بهذه العملة الورقية التى أجبرهم السلطان علىتداولها، واضطربت أحوال الشعب، وأغلق التجار محالهم، وامتنعوا عن البيع والشراء، فانتهى الأمر بإلغاء هذه العملة

وعمد الإيلخانيون إلى إصلاح ما أفسدته وخربته الحروب، وأعادوا فتح الأسواق، وأكثروا منها، وازدهرت صناعة المنسوجات، وصناعة اللؤلؤ.

ونشطت التجارة وأصبحت العراق وإيران من أشهر مراكز التجارة فى ذلك الوقت، وقامت علاقات تجارية واسعة بين الإيلخانيين والصينيين والتركستان، وصُدِّرت المصنوعات الحريرية، واللؤلؤ إلى أوربا عن طريق الهند. وكانت «تبريز» مركز رواج وازدهار التجارة لوجود عدة طرق برية بها، تمر منها القوافل.

وعلى الرغم من الطبيعة البدوية التى غلبت على المغول الأُول، وعدم اكتراثهم بالمنشآت العمرانية وتفضيلهم للعيش فى الخيام، فإن هولاكو - على سبيل المثال -شرع بعد استقراره فى إيران فى إنشاء المبانى الكبيرة والقصور الفخمة فى أذربيجان و «تخت سليمان»، كما بنى مرصدًا فى مراغة سنة (658هـ)، وعهد إلى العالم الفيلسوف «نصير الدين الطوسى» بالإشراف على بنائه وإدارته، وقد تم تأسيس مكتبة كبرى إلى جوار هذا المرصد، ولم يكن يعمل فيه الفلكيون العرب والإيرانيون فحسب بل عمل فيه أيضًا المنجمون الصينيون والهنود.

الوضع الدينى

تدهور الوضع الدينى منذ البداية فى الدولة الإيلخانية، حيث نشبت الصراعات المذهبية والدينية بين أهل السنة بالعراق، وأصحاب المذهب الشيعى بالدولة الإسماعيلية بإيران، ومما لاشك فيه أن فتنة الكرخ التى حدثت بالعراق، وما ترتب عليها من فوضى أمنية كانت سببًا رئيسًا فى الاجتياح المغولى لهذه البلاد.

وقد ظل الصراع محتدمًا بين السنة والشيعة فى ظل حكم دولة الإيلخانيين، وتبوأ المسيحيون مكانًا بارزًا على الرغم من الاختلافات المذهبية التى كانت قائمة بين أتباعها، واستغل البوذيون كل هذه الخلافات والصراعات وتبوءوا مكانة عالية. ومع ذلك كان الإيلخانيونينظرون إلى الجميع نظرة واحدة مؤداها أنهم رعية، وعليهم السمع والطاعة.

ولقد ظل هذا الوضع قائمًا حتى تولى السلطان «محمود غازان» الحكم، فأعلن الدين الإسلامى دينًا رسميا للدولة الإيلخانية، ومن ثم اقتصرت وظائف الدولة على المسلمين. وبعد:

فقد تكونت «الدولة الإيلخانية» من قبائل وطوائف متعددة، لم يكن بينها رابط ثقافى أو وطنى، ولم تكن تجمعها تحت راية واحدة إلا قوة الإيلخانيين الأقوياء، فلما مات السلطان «أبوسعيد» آخر السلاطين العظماء ولم يعقِّب ولدًا يخلفه على العرش؛ تبددت القوة المركزية للدولة، وانتقلت المبادرة إلى أيدى الأمراء المغول الذين غلب عليهم طابع البداوة، فاختل التماسك، وتمزقت البلاد، وضاع الهدف الذى من أجله أقيمت هذه الدولة، وطغت المصلحة الشخصية على المصالح العامة، ثم ما لبثت الدويلات التى أقامها الأمراء على أنقاض الدولة الأم أن ضاعت هى الأخرى على يد «تيمورلنك»، فأسرع جانب من المغول الذين كانوا يقيمون فى «إيران» إلى الاندماج فى العناصر التركية التى تعيش فى تلك البلاد، بينما اندمج جانب آخر منهم فى الإيرانيين الفرس الذين يعيشون بينهم، وذابوا فيهم، وهكذا سقطت «الدولة الإيلخانية» على أيدى أمرائها.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٥ أبريل ٢٠١٥ الساعة ١١:٢٨.
  • تم عرض هذه الصفحة ٤٬٥٧٨ مرة.