أدوات شخصية
User menu

رمضان

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث

محتويات

التهنئة بقدوم رمضان

"كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما أخرجه الإمام أحمد، والنسائي فعن أبي قلابة عن أبي هريرة قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبشر أصحابه "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" [١] .

قال ابن رجب: "هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان. من أين يشبه هذا الزمان زمان؟!

قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم. وقال يحيى بن أبي كثير: "كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلا".


بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه.

عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "كان رجلان من بلى من قضاعة أسلما مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واستشهد أحدهما وأُخِّر الآخر سنة قال طلحة بن عبيد الله: فأريت الجنة فرأيت فيها المؤخر منهما أدخل قبل الشهيد فعجبت لذلك فأصبحت فذكرت ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو ذُكر ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة أو كذا وكذا ركعة صلاة السنة" [٢].

عن أبي سلمة، عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين من بَليِّ قدما على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان إسلامهما جميعا: فكان أحدهما أشد اجتهاداً من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي.

قال طلحة: فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ثم خرج فأذن للذي استشهد ثم رجع إلي فقال: أرجع فإنك لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث الناس فعجبوا لذلك فبلغ ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحدثوه الحديث: فقال: من أيِّ ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشد الرجلين اجتهاداً ثم استشهد ودخل هذا الآخر الجنة قبله فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى: قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض" [٣] .

من رحم في رمضان فهو المرحوم، ومن حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم. أتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد


.فأد حقوقه قولاً وفعلاً ... وزادك فاتخذه للمعاد فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوّه نادماً يوم الحصاد

وقال الشاعر: إذا رمضان أتى مقبلاً ... فأقبل بالخير يستقبل لعلك تخطئه قابلاً ... وتأتي بعذر فلا يقبل كم ممن أمّل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر، كم من مستقبل يوماً لا يستكمله، ومؤمل غداً لا يدركه، إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.


اعلم يا أخي أن الناصح لنفسه لا تخرج عنه مواسم الطاعات وأيام القربات عطلاً لأن الأبرار ما نالوا البر إلا بالبر. يضع نصب عينيه قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده" [٤] . وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً".

فيتعرض لإحسان مولاه، سبحانه من كريم أضحت رحالنا بباب كرمه مطروحة ورمضان سيد الشهور وتاج على مفرق الأيام والدهور.

رمضان ربيع التقي وقد فاح فواحه ... رمضان يوسف الزمان في عين يعقوب الإيمان. فمرحى بشهر طيب كريم مبارك.


كيف نستقبل رمضان

قال الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، أمر الملك سبحانه أن من شهد فليعمل، وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك، لا تجعلهما سواء"، لا بد من التغيير.

إنه بمجرد ظهور هلال رمضان في السماء تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين وينادي المنادي.

سبحان الملك!، تغير جذري عجيب في الكون كله، يجب أن يستشعره المؤمن صاحب العقل اليقظ والقلب الحي، ويحصل منه استقبال لهذا الشهر، استقبالًا حقيقيًّا، فيظهر أثر ذلك الاستقب الذي تغيير نمط الحياة؛ لأنه يتعامل مع الكون، فإذا تغير الكون يجب أن يتغير هو أيضًا؛ لذلك أول ما نستقبل به الشهر:

فُكَّ الشدَّ العصبي في العِراك مع الحياة لتحصل المصالحة ..

لا بد من عقد هدنة بين جميع الأطراف خلال هذ الشهر لنصل إلى الهدف المنشود بسلام: العتق من النار، فإليك هذه الوصايا العشر، اعمل بها يرحمك الله.


الوصية الأولى: هدنة مع المناقشات والجدال:

في المنزل مع الزوجة والأولاد، وتهيئة بيئة رمضانية إيمانية، قال سبحانه: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80]، ويكون ذلك بما يلي:

(1) محاولة فض جميع المشاكل والمنازعات قبل دخول الشهر، حتى لا تعكر عليك جوك الإيماني، وحتى لا تعرقل طاعاتك التي تريد القيام بها , لا بد أن تتخلص من هذه المشكلات وأن تضع لها حلولًا جذرية حتى لا تؤثر على عبادتك.

(2) إجراء محاضر صلح بين أفراد الأسرة جميعًا، فتنقي البيئة من حولك من شائبة الاختلافات والخصومات، واعمل على أن تُوجِد جوًّا من المحبة والتواد والتقارب بين أفراد الأسرة؛ فإن ذلك مما ييسر السبيل أن يطيعوك ويطيعوا ربهم سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53].

(3) عقد اجتماع طارئ وعاجل مع جميع أفراد الأسرة للاتفاق على المبادئ والأصول التي سيتم السير في ظلالها خلال شهر رمضان، ومن هذه المبادئ:

- التخلي عن التلفاز ومشاهدته، وإقناعهم أنهم لن يخسروا شيئًا إذا فعلوا، وتعالوا نجرب أن نستبدل ذلك بأعمال إيمانية وقربات نافعة.

- إيقاف سيول الأغاني الجارفة التي تقتل الإيمان.

- ضبط اللسان والحذر من انحرافه إلى ما يغضب الله.

- إلغاء السهرات والعزومات والدعوات أو التقلل منها، قدر الإمكان

(4) اتخاذ السبل الجادة لإنقاذ جميع أفراد الأسرة من النار، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: أي علِّموهم الخير وأدبوهم.


الوصية الثانية: إقامة هدنة في العمل الزملاء والمسؤلين:

وذلك يكون بالتجاوز عن الخصومات ومصالحة الجميع ونسيان الخلافات،

والبدء بصفحة نقية بيضاء، لا نريد زوبعة المشاكل في العمل، ولا نريد الانشغال بقيل وقال، لا نريد ضياع الأوقات في فضول الكلام، ولابد من الإصلاح بين المتخاصمين والوصول إلى حل وسط لإرضاء جميع الأطراف في غير معصية الله، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1].

نريد أن يكون تعاملك مع زملائك في العمل مبنيًّا على حصول المكاسب لك في الدين، وإن خسرت الدنيا, ولابد كذلك من إتقان العمل وإحسانه لا سيما وأنت صائم تراقب الملك سبحانه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" [٥].


الوصية الثالثة: إقامة هدنة مع نفسك للتخلص من سموم القلب:

وسموم القلب خمسة: فضول الطعام، وفضول الكلام، وفضول النوم،

وفضول الاختلاط، وفضول النظر.

1 - هدنة مع الأكل، إنه شهر صيام وتقلل لا شهر أكل ونهم وتوسع:

الطعام وقود الشهوات، وامتلاء المعدة بالطعام سبب لكسل البدن عن العبادة، وإذا أكل المرء كثيرًا شرب كثيرًا، فنام كثيرًا وخسر كثيرًا، وتأمل كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الشاب العَزَب بالصيام؛ وعلل ذلك بأن الصيام "وِجاء" أي قاطع للشهوة، يقضي عليها ويهذبها، وقد علمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فِقْهَ الطعام فقال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلًا، فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفَسِه" [٦]، نريد


هدنة مع الأكل، قال سبحانه: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)} [طه: 81]، اكتف بلقيمات كما أمرت.

2 - هدنة مع الكلام: رجاء .. أغلق فمك في رمضان:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت" <ref>متفق عليه، البخاري (5672)، مسلم (47).</ref>، كل كلمة تخرج من فمك فهي إما ثواب وإما عقاب، قال الله جل جلاله: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وكثرة الكلام مَدعاة للخطأ.

وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صمتَ نجا" [٧]، وقد جعل الله لك لسانًا واحدًا وأذنين ليكون ما تسمع أكثر مما تتكلم، والبلاء موكلٌ بالنطق، فاحذر فضول الكلام، واحذر الاسترسال في الحديث عن الدنيا فإن ذلك يقسي القلب، وإن استطعت ألا ترد على الهاتف إلا لأمر ضروري فافعل، وأن تأمر زوجتك بالتوقف عن المكالمات التي تمتد لساعات بلا فائدة، والتي تضيع الوقت، وعادة ما تؤدي إما إلى الحديث في أمور الدنيا، وإما في الغيبة والنميمة فهكذا أحاديث النساء دائمًا.

فلا تستخدم الهاتف إلا لطاعة الله كأن تبر والديك أو تصل رحمك أو تنهي أعمالا مهمة أو تدل على خير، وألجم لسانك عن قول ما لا يرضي الله عز وجل، وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: "الفم والفرج" [٨]



وهما أيضًا سبب لدخول الجنة، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" [٩] وهذا يدلك على خطر اللسان وخطر كل ما يخرج منه.

الشاهد إخوتاه: لا بد أن تتخلص من فضول الكلام؛ فإنه من سموم القلب، واستقبل رمضان بالصوم أيضًا عن الكلام.

3 - هدنة السرير .. دعه يستريح منك شهرًا:

النوم نعمة من الله على عباده، لكنها إذا تعدت حد الإفراط أفسدت القلب، سيأتي معنا في برنامج الصائم اليومي أنه يكفيك أن تنام أربع ساعات في اليوم في رمضان؛ لأنك تطلب شيئًا عظيمًا، بل تطلب أعظم شيء وهو جنة الله، اللَّهم إنا نسألك الجنة يا رب، فلابد أن تقلل من ساعات نومك؛ لأنك في حالة طوارئ، تتعب في تحصيل غاية كبيرة، بل هي أكبر غاية، فاحذر كثرة النوم حتى لا يضيع عمرك ويضيع دينك وقلبك.

كلما حدثتك نفسك بالنوم والتكاسل عن العبادة، أغمض عينيك وتخيل الجنة، وقل لنفسك: أترضين أن نخسر الجنة؟، أتنامين وهناك من يسبقنا الآن إليها، أما علمت أن فلانًا يتلو القرآن الآن، وفلانًا يصلي من الليل الآن، فماذا سيفيدك النوم إذا سبقك هؤلاء إلى الجنة بدرجات!!

لذلك أنصحك -أخي- أن تجعل لك صديقًا مخلصًا ذا همة عالية تتنافس معه في العبادات، تتنافسان من يختم القرآن أولًا وكم مرة، تتنافسان على قيام الليل، وعلى ذكر الله، ويوقظ كل منكما الآخر فإن ذلك يجلب لك همة ونشاطًا، قال الله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].


4 - هدنة مع الناس .. أنفاس الناس دخان القلوب:

ومخالطة الناس بلاء، قال بعض السلف: هذا أوان السكوت ولزوم البيوت.

إن الناس يثبطونك ويخذِّلونك عن الطاعة، وقلما تجد منهم ناصحًا أمينًا، فاحذر مخالطة أهل الدنيا، فإن خلائقَ السفهاء تُعدي، وكما يقول علماء التربية: "الطِّباعُ سَرَّاقة"؛ و"الإنسان ابن بيئته"، فإن كان لا بد من مخالطة فلتكن يسيرة، ولتكن بالصالحين، وعليك بذوي الهمم العالية منهم، من إذا دللته على خير سبقك إليه لا يثبطك عنه. ابحث عمن تعلم أن همته في الثريا وليست في الثرى.

وقد أُمِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يصبر نفسه مع المؤمنين المجدين في السير إلى الله؛ فقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ} [الكهف: 28]، ثم أمره تعالى بأن يجتنب مخالطة الغافلين وطاعتهم فقال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، وقد حذرنا ربنا عَزَّ وَجَلَّ كذلك من الركون إلى الظلمة ومخالطتهم، وهذا يشمل العصاة المجاهرين بالعصيان كذلك، فرؤيتهم تقسي القلوب، كما أن رؤية الصالحين تذكر بالله، قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113].

5 - هدنة مع العينين .. أغمض عينيك .. أرح بصرك:

قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30]، وفي الآية التي تليها مباشرة: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31]، والنظر إلى المتبرجات يفتت عزم القلب .. يشتت القلب ويهلكه لأنه سم، وإطلاق البصر سبيل لحصول الظلمة في القلب، كما

أن غض البصر سبيل لحصول النور والبصيرة في القلب، ولذا جاءت آيات النور بعد آيات الأمر بغض البصر، وليس غض البصر عن النساء فقط، وإنما كذلك غضه عن النظر إلى متاع الدنيا الذي يُنسي ويُلهي، قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].

لا بد من راحة للبصر لكي تنطلق البصيرة، وسبيل ذلك أن يسعك بيتك ولا تنطلق في الشوارع، اشغل نفسك ببعض الطاعات: لا تجد وقتًا للخروج، واشغل بصرك بالنظر في المصحف، لا ترى أحدًا.

الوصية الرابعة: عمل هدنة الأرحام والوالدين:

إن شعورك -مجرد شعورك- أن كل الناس يحبونك ويعجبون بك.

مجرد شعور أنك ليس لك أعداء ولا أحد يحقد عليك.

هذا الشعور بمجرده يجلب راحة نفسية وهدوءا قلبيًّا وراحة ضمير، وراحة بال مطلوبة يحتاج الإنسان إليها.

وأنت أحوج لأن تستشعر هذا الأمر من المحيطين بك، وأقرب الناس إليك، أن ترى رضاهم عنك وسرورهم بك وحبهم لك، إننا نطلب هذا لا لنعجب بأنفسنا ولا طلبًا لراحة قلوبنا فقط وهدوئنا النفسي فحسب ولكن:

لنستطيع أن نجمع الهم ويسكن روع القلب، كي نعبد ربنا كما ينبغي .. إن الأجواء الإيمانية تتسم بالهدوء والسكينة واللطف .. ولاستقبال رمضان كما ينبغي لا بد من تهيئة هذه الأجواء، ولكن كيف؟!! ..

الإحسان إلى الجميع .. إراحة الجميع .. ولو على حساب نفسك .. مسامحة الكل والتنازل عن الحقوق، وأداء جميع الواجبات تجاه الجميع، ابذل كل ما تستطيع لعقد هدنة مع كل من حولك من الأقارب.

طاعة الوالدين فرض واجب ما لم يأمرا بمعصية الله، فيجب عليك طاعتهما والإحسان إليهما والبر بهما , ولابد أن تصل رحمك وأن تحذر من قطع الأرحام، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]، يعني واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله خلق الرحم، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك" <ref> أخرجه البخاري (4552).</ref>، ومن وصل رحمه وصله الله ومن قطعها قطعه الله؛ لذلك لا بد من زيارة الأرحام والسؤال عنهم ومساعدتهم إذا استدعى الأمر، كي يصلك الله برحمته في هذا الشهر الكريم، فابدأ شهرك بصلة رحمك. قال سبحانه: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] فلهؤلاء حق وليس تفضلًا منك يا مسلم.

وإذا كان حق المسلم على المسلم ست؛ فإن ذا الرحم يزداد حقه على ذلك بصفة الرحم، والوالدان حقهما أعظم، ولا بأس من حمل شيء من الهدايا، والهدية تذهب وَحْرَ الصدر، الهدية تكون سببًا في المودة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تهادوا تحابوا" [١٠].


الوصية الخامسة: عمل هدنة النفس لترك الذنوب والمعاصى والسيئات:

(1) هدنة في الحرب مع الله:

قال سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ


الظَّالِمُونَ (229)} [البقرة: 229]، حاول أن تعقد اتفاقًا مع نفسك لكي تكف عن الحرب بترك الذنوب والمعاصي تمامًا .. ابدأ فورًا بإقامة العهد مع النفس بالإقلاع عن الذنوب، والتوبة إلى الله جل جلاله.

ولابد أن تكون هذه التوبة نصوحًا، بأن تكون شاملة لكل الذنوب، وأن تندم على كل ما عملت، وأن تعزم وتنوي ألا ترجع إليها مرة أخرى.

والتوبة واجبة من كل ذنب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8]، وتأمل كيف أمر الله المؤمنين جميعًا بالتوبة وعلق عليها فلاحهم فقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

لا بد أن تعاهد نفسك على ترك المعاصي والسيئات، لا بد أن تتوب، وإن لم تتب فأنت ظالم بنص كلام الله جل جلاله، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]، ولابد أن تتخلص من إصرار النفس على الذنوب؛ فإن الإصرار على الذنب ذنب آخر.

(2) البعد عن أسباب المعاصي، فلابد أن تغلق باب المعصية عن نفسك، ابتعد عن أماكن الاختلاط، ابتعد عن التلفاز، ابتعد عن قراءة المجلات والجرائد التي تدعو إلى الفتن، ابتعد عن كل سبب من أسباب المعاصي، حتى تحافظ على إيمانك، فإن للمعصية ظلمة في القلب وسوادًا في الوجه وبغضًا في قلوب الخلق.

لماذا تضع نفسك بين الفتن ثم تحارب لتنجو منها.

ولماذا تقترب من أسباب المعصية مع علمك بأن أسلم طريقة للنجاة من الفتن البعد عنها؟، وأنت تعرف حديث قاتل المئة كيف أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بترك أرضه التي كان يعيش فيها؛ لأنها أرض سوء .. أسباب المعصية فيها

متوفرة، وأمره أن يذهب إلى أرض كذا وكذا؛ لأن فيها قومًا صالحين ليعبد الله معهم، فأمره بالبعد عن سبب المعصية، والاقتراب من سبب الطاعة.

(3) العزم على عدم العودة؛ أن تنوي نية حقيقية صادقة ألا تعود إلى الذنب؛ لأن في الرجوع إلى الذنب هلاكك؛ لأنه قد يكون في رجوعك إليه سقوطك من عين الله .. إنك إذا رجعت إلى الذنب قد تموت عليه فتلقى الله عاصيًا، فانهض إلى طاعة ربك وأتبع السيئات الحسنات، ولا تلتفت بقلبك إلى الذنب، واحذر أن تقع فيه؛ بل اعزم على عدم العودة إليه أبدًا.


الوصية السادسة: هدنة مع طول الغياب خارج المنزل وكثرة الارتباطات والمواعيد واللقاءات:

ابدأ في التقليل من الخروج وكثرة الارتباطات والمواعيد واللقاءات .. تفرغ في رمضان لعبادة ربك، لمعالجة نفسك والعمل على تهذيبها، أنت في فترة عناية مركزة للقلب، لماذا تكثر الخروج من البيت؟، تشتري كذا وتزور فلانًا وتكلم فلانًا، يمكنك أن تشتري حاجيات رمضان قبل دخوله حتى لا تنشغل بغير العبادة، يمكنك أن تشتري ملابس العيد قبل دخول رمضان وتتركها حتى العيد، الأشياء الأخرى التي تريدها في العيد اشترها من الآن.

سأل عقبة بن عامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النجاة فقال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" [١١] ..


الوصية السابعة: هدنة مع كثرة النفقات والتبذير:

شُرع الصيام للتقلل من الطعام والشراب؛ ولكن للأسف الشديد! تجد الناس ينفقدن في الطعام والشراب في رمضان ما لا ينفقون في غيره!! والتبذير


ليس من أخلاق المؤمنين، بل هو من صفات الشياطين، قال تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26 - 27]، وقد أمرنا ربنا بالاعتدال في الإنفاق وحرم التبذير فقال: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، ويمكن أن تتفق مع الأسرة على أمور:

(1) الاتفاق على صدقة:

والصدقة برهان على صدق المرء في إيمانه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" [١٢]، فاتفق على أن تتصدق كل يوم ولو بشيء قليل؛ فإن الله يضاعفه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يقبل الصدقة من أحدكم فيربيها له كما يربي أحدكم مهره حتى تكون اللقمة مثل الجبل" [١٣]، قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها - لما سألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما بقي من الشاة؟ "، قالت: كتفها، قال - صلى الله عليه وسلم -: "بقيت كلها إلا كتفها" [١٤]، تصدق أنت مرة، وأعط زوجتك هي الأخرى، وأعط ولدك يتصدق؛ لكي يتعود على العطاء والبذل، والله يضاعف لمن يشاء.

(2) إفطار الصائمين:

اجتهد أن تُفَطِّر صائمًا أو صائمين أو ثلاثة أو عشرة كل يوم قدر استطاعتك؛ فإن لك مثل أجره كل يوم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من فطَّر صائمًا فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء" [١٥]، أبرم مع الله عقد


تأمين على الصيام، هل تريد أن يكتب لك رمضان ستمائة يوم؟، الأمر يسير جدًّا، ما عليك إلا أن تفطر كل يوم عشرين صائمًا فتكون في خلال ثلاثين يومًا قد فطرت ستمائة صائم؛ فكتب لك رمضان ستمائة يوم.

3 - إطعام المساكين:

قال الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]، وإطعام الطعام قربة يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" <ref>أخرجه أحمد (5/ 451)، وصححه الألباني (569) في "السلسلة الصحيحة".</ref>، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يفطر كل يوم مع المساكين.

4 - مساعدة المحتاجين:

تُرشِدُ ضالًّا، تعين ضعيفًا في طلب حقه، تؤازر مسكينًا، تنصر مظلومًا، من احتاج شيئًا تثبته له. ذهب جماعة إلى الحسن البصري في حاجة فقال: مروا على فلان في المسجد وخذوه معكم، فذهبوا إليه فقال: إني معتكف، فقال: ارجعوا وقولوا له: يا أعمش، أما علمت أن مشيك في حاجة أخيك حتى تثبتها له خير من اعتكافك، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "واللهُ في عونِ العبدِ، ما كان العبد في عونِ أخيه" [١٦]


الوصية الثامنة: هدنة مع العقول والقلوب من التفكير والتدبير للدنيا:

الدنيا لا تستحق أن تفكر فيها، الدنيا أهون من ذلك، وأحقر من أن تنشغل بها وتدبر لها؛ لذلك اجعل تفكيرك كله في الآخرة:


(1) فكر في حسنة جديدة تعملها، ابحث عن عبادة مهجورة لتقوم بها، ابحث عن ذكر مهجور لا يقوله كثيرٌ من الناس أو لم تقله أبدًا واذكر الله به، فكِّر كيف تجمع الحسنات وتدَّخِر الأجر عند الله جل جلاله.

(2) فكر في خدمة المسلمين كيف تخدمهم، كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -وهو خليفة المسلمين يحلب للحي شياههم، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يذهب إلى عجوز مُقعَدَة ضعيفة ليخدمها، فوجد أن رجلًا سبقه إليها قد نظف بيتها وأزال عنها الأذى وملأ لها آنيتها؛ فتعجب من هذا الذي سبقه إليها وقام بهذا فوجد أنه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -!! كانوا يتسابقون في خدمة المسلمين وبذل الخير لهم.

(3) التفكير في خدمة الدين: تفكر كيف تخدم دينك، وكيف تبذل في سبيله، تعطي شريطًا هدية، تقوم بإلقاء موعظة، تهدى، كتيبًا، تدعو رجلًا لترك التدخين، وتدعو آخر للمحافظة على الصلوات، تقوم بعمل مجلة حائط، تقوم على حلقة لتحفيظ القرآن وتجويده .. وتفكر في خدمة دينك، وديننا يحاج إلى كل يد تكتب عنه وتدافع عنه، وإلى كل لسان يبيِّن عظمته وحقيقته للناس، وإلى كل قلب ينبض بحبه.

(4) التفكير في لذة أخروية: تفكر كيف تفوز غدًا بالجنة، كيف تستشعر قرب الله إذا ذكرته، كيف تحقق الخشوع في الصلاة، كيف تخلو بربك في ساعة النزول الإلهي، تبكي بين يديه وتتضرع إليه، فتشعر بقربه منك وقربك منه وحبه لك، قيل للحسن: مالنا نرى أهل الليل أحسن الناس وجوهًا؟، قال: خَلَوْا بالرحمن فألبسهم من نوره.


الوصية التاسعة. هدنة مع إستهلاك الأعضاء:

في رمضان أرح عينيك بعدم التطلع إلى الدنيا، بعدم النظر إلى

المتبرجات، تريحها بالنظر إلى كلام الملك جل جلاله، تريح عينك من عناء الذنوب، وتريح أذنك من ضجيج الكلام وصخب الهموم والغموم .. تريح أذنك من سماع الغيبة والنميمة والكذب، تريح أذنك من سماع الأغاني، وتريح رجليك من كثرة الانتقال هنا وهناك بغير فائدة، تريح رجلك بالاستقرار في بيتك أو مسجدك، تريح رجليك من كثرة السعي لتحصيل ما لا فائدة من ورائه.

وتريح عقلك من هموم الدنيا ونكدها .. تنشغل بالطاعات والأذكار والاستغفار فلا يبقى عندك مكان لهذه الهموم التي تنخر في جسمك وتؤذيك، وتريح معدتك بعدم دس الطعام فيها على الدوام، بل تبقى في نهار رمضان خالية مستريحة، تريحها من ثقل الطعام، وتريح أمعاءك كذلك، تريح قلبك من التعلق بالبشر والتعلق بالأسباب والانشغال بغير الله، اجمع همك وأرح جوارحك تستمتع بحب الله.


الوصية العاشرة: هدنة مع الهموم:

أريدك أن تطرح الهموم عن صدرك .. لا تشغل ذهنك بها، فهذا رجل طلب منه أولاده ملابس المدرسة، وكتب المدرسة، وكراريس المدرسة، فلم يدر من أين يأتي بالمال لكي يشتري لأولاده ما يريدون، وظل الهم في صدره، ونام وعقله مشغول بذلك، ولكنه استراح من ذلك الهم فجأة، أتدرون ماذا حدث؟، مات .. راحة أبدية من هذه الدنيا .. لذلك أقول: واللهِ .. إن هذه الدنيا لا تستحق أن تقتل نفسك من أجلها.

لذلك: اجعل الهم همًّا واحدًا، وهو رضا الله سبحانه وتعالى، اجعل هذا همك: أن ترضي الله وحده، فلو رضي عنك لنالك كُلُّ خيرِ وبِرٍّ وبركةٍ

وفضل، هذا الهم لا يؤجل وجميع الهموم تؤجل، فليكن همُّكَ في رمضان هو عتق رقبتك من النار، والفوز برضوان الله عَزَّ وَجَلَّ.

إذا كانت هذه الهدنة التامة .. كانت الراحة التامة .. فكان الاستقبال

لرمضان بحفاوة بالغة .. وبداية موفقة .. وعناية مركزة .. فنعيش رمضان ..


كيف تعيش رمضان

كيف يعيش المسلم يومًا من أيام رمضان؟، يأتي هذا الكلام؛ لأن الأمة -وللأسف الشديد- لم تذق طعم رمضان منذ أن ذاقت طعم الهزيمة، منذ أن عاشت معنى الذل للأعداء، منذ أن تخبطت وتلونت ولم تذق طعم النصر ولم تَتَوَجَّه إلى الله عَزَّ وَجَلَّ وحده، ولو صامت الأمة يوما كما ينبغي منذ جرى لها ذلك؛ لتغيرت، ولو تغيرت لغير الله حالها، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

ولكي نعيش رمضان كما ينبغي ونصنع فيه صناعة الرجال، فلابد من السير على الخطوط الرئيسية الآتية:


أولًا: تحديد الأهداف:

أيها الأخوة، إننا بحاجة إلى تحديد الأهداف التي ندخل بها رمضان، ثم رسم الطريق لتحقيق هذه الأهداف، ثم وضع خطة للتقويم .. تقويم العمل، ثم متابعة تحصيل الثمار. إن الناس اليوم إذا أراد أحدهم أن يقوم بمشروع يستثمر فيه أمواله؛ فإنه قبل كل شيء لا بد أن يقوم بعمل دراسة جدوى، وقبل أن يجتمع المجتمعون في أي اجتماع ذي شأن لا بد أن يضعوا برنامج عمل أو جدول أعمال، هذا في عرف أهل الدنيا، هذا أصل عندهم، أفلا يكون هذا أصلًا عند أهل الآخرة، لا سيما وهم يطلبون أعلى شيء وهو الجنة؟!، فهم بهذا أولى.

نعم والله: أهل الآخرة أحق أن يقوموا بعمل دراسة جدوى لصيام

رمضان، هل ستكون له نتيجة حقيقية، هل سيكون له ثمرة فعلية، وما المطلوب أن أعمله لكي تأتي الثمرة المرجوة .. إن من يريد تقويم عمله؛ ينظر في ثمرته أولًا بأول، إذًا فلابد أن نقف في كل ليلة من رمضان مع أنفسنا لننظر، ولأن لله في كل ليلة عتقاء من النار؛ فلابد أن يكون في كل ليلة وقفة: هل أنا في هذا اليوم كنت ممن أُعتَق، وماذا أفعل لأتدارك ما فات من عتق ومغفرة، اللَّهم أعتق رقابنا من النار يا رب ..

أيها الإخوة، لكي تعتق رقابنا من النار، فلابد من تحديد الأهداف، لا بد من رسم خطة العمل، ووضع الوسيلة للوصول إلى هذه الأهداف، ووضع نموذج لتقويم العمل وتحصيل الثمار، وأولًا إليكم الأهداف:

الهدف الأول: تشوق القلب للرحمة:

لا بد أن تهدف لأن ينال قلبك رحمةُ الله، ولابد أن يسمو، ويتمنى، ويرجو، ويحب، ويأمل أن ينال من الله رحمة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لن يدخل أحدكم الجنة عمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" ( متفق عليه)، سبحان الله!!، حتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو رسول الله .. حبيب الله .. إمام الخلق .. وحبيب الحق محمَّد - صلى الله عليه وسلم - لن يدخل الجنة إلا برحمة الله.

إذًا فأنت محتاج لأن تُرحم، وعندما ينزعج قلبك لطلب الرحمة؛ هنا ستنزل عليك -إن شاء الله- رحمة الله، وخصوصًا أن لله في كل ليلة من رمضان رحمات يختص بها من يشاء من عباده، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ في رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان:29 - 31].


الهدف الثاني: استحضار نية المغفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (متفق عليه،)، هذا الحديث يحتاج إلى وقفة.

ينبغي أن تنتبه لتلاحظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترط أن تصوم إيمانًا واحتسابًا، فهل أنت تصوم إيمانًا واحتسابًا؟!

هل تعرف بدايةً ما معنى إيمانًا واحتسابًا؟، لعلك تصوم كما يصوم الناس فتمتنع عن الأكل والشرب والجماع من الفجر حتى المغرب، إذا أذن المغرب تفطر وإذا أذن الفجر تمسك "أتوماتيكيا"، أين النية؟!، أين الاحتساب؟!

إن من العجيب أن تجد بعض الناس يتساءل، هل لا بد أن تنوي لصيام رمضان؟، أقول: نعم، لا بد أن تُبَيِّتَ النية، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يبيِّتَ الصيامَ من الليل فلا صيامَ له" [١٧]، لا بد من النية.

دعك من هذه الآلية في الحياة، قد يقال: سمعت بعض الناس يقولون: السحور نية، أقول لك: نحن لا نأمرك أن تقول: نويت أصوم يومًا من أيام رمضان فرضًا عليَّ لله العلي العظيم، هذا بدعة، لكن الذي أريده: أن يستحضر قلبك أنك ستصوم لله.

لماذا؟؛ إيمانًا: يعني استسلامًا للملك سبحانه وتعالى؛ يا رب، أمرتني أن أصوم فصمت.

واحتسابًا: أن تحتسب الأجر عند الله.


وقد أوقعتني هذه المسألة في حيرة مدة من الزمان، واستشرت فيها كثيرًا من المشايخ وهي: هل الاحتساب شرط لحصول الأجر؟، أي لو أن رجلًا جلس في المسجد دون أن يستحضر نية الاعتكاف ونزول الرحمة وغير ذلك من النوايا؛ فهل هذا ليس له أجر؟، والراجح أنه ليس له أجر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (متفق عليه)، وهذا لم ينو شيئًا فليس له شيء.

فلابد أن تستحضر في كل عمل نية الاحتساب والاستسلام لأمر الله.

يا رب، تركت هذا لأجلك؛ لأحتسب عندك الأجر .. عندما تغمرك هذه النية وتملأ قلبك؛ حينها تحصل على الأجر، لذلك لا بد من استحضار نية المغفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، كي يغفر لك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنك مطالب أن يكون قلبك يقظًا دائمًا متحفزًا سميعًا مجيبًا لأوامر الشرع.

الهدف الثالث: سمو الروح للعتق من النار:

لا بد من استشعار معنى العتق، أن تستشعر أنك قد تكون فعلًا من أهل النار.

  • تصدَّقَ يونس بن عبيد يوم أضحى بلحم كثير ثم قال لغلامه:

والله ما أراه يتقبل مني شيئًا؛ وإني والله أخشى أن أكون من أهل النار.

قال الإِمام الذهبي في السير: كل من لم يخشَ أن يكون من أهل النار؛ فهو مغرور قد أَمِن مكر الله به.


فلا تأمن من أخي مكر الله وخصوصًا أنك كثير المكر واحذر أن تكون من أهل النار وأنت لا تشعر.

ولابد للتخلص من هذا أن تعتق رقبتك من النار، فإذا كان لله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار، فما أشد خسارتك إذا مرت عليك ليلة واحدة من رمضان ولم تعتق، وإذا علمت خطر النار وشدة حرها، وشدة عذابها , لهان عندك أن تقدم الأعمال الصالحات لكي تكون سببًا لعتقك منها؛ لو عرفت النار وأدركت خطرها وعرفت أن أمامك فرصة للعتق منها؛ لبذلت الغالي والنفيس للحصول على هذا العتق، ولصار هذا الأمر همك طيلة الشهر، اللَّهم أعتق رقابنا من النار يا رب.

الهدف الرابع: سمو الروح للارتفاع عن كثافة المادة وهم الفرج والبطن:

يقول ابن القيم في كتاب "زاد المعاد" في الطب النبوي: "إن الصوم جُنَّةٌ من أدواء الروح والقلب والجسد، وجنة يعني وقاية"، فلذلك لا بد أن تنوي بالصيام أن يشفى قلبك من حب الدنيا، وتجعل ذلك هدفًا لك في الصيام، وتتسامى روحك عن هم البطن والفرج .. عن الطين .. عن الأرض .. عن غذاء الجسم ..

الهدف الخامس: إقامة حاكمية الله على النفس:

إن الإنسان في حياته العادية يعيش في غفلة شديدة غالبًا، يتابع نفسه في كل ما تشتهيه: تطلب نفسه الطعام فيأكل، وتشتهي الشراب فيشرب، وتنزع إلى الخروج فيخرج .. وهكذا ... فتستأسد النفس وتطغى، فإذا جاء رمضان ومنعها الإنسان ملذوذ مباحها؛ فينبغي على الإنسان استشعار هذا المعنى: إقامة حاكمية الله على النفس.

يعني: أن يُشْعِر نفسه أنها ليست الآمرة الناهية الطاغية المستولية، إنما هي أَمَةٌ مأمورة خادمة مطيعة منقادة للملك الكبير سبحانه يقول: كُلْ ساعة كذا واترك ساعة كذا فتسمع وتطيع وليس لها أن تخالف .. إن استشعار هذا المعنى وإذاقة النفس مرارة الذل والطاعة المطلقة لله وأنها لا تطاع بل تطيع، وإنها يجب عليها أن تستجيب لكل ما تؤمر به غاية وهدف من رمضان وفرض صيامه ودوام ذلك لمدة ثلاثين يومًا، وينبغي أن يرصد هذا الهدف لنخرج به من هذا الشهر الفضيل.

الهدف السادس: إقامة دستور الأخلاق:

قال بعضهم: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وشهر رمضان شهر التقوى .. شهر الأخلاق، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصوم جنة، فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم؛ فلا يَرفُث، ولَا يَفْسُق، ولا يَصْخَب، ولا يَجْهَل، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" ( أخرجه أحمد وصححه الألباني).

المحافظة على دستور أخلاق الإِسلام شهرًا كاملًا بألا يلفظ بلفظ يخالف الشرع، وأن يتحكم في انفعالاته، ويتذكر دوما تلبسه بالعبادة بقوله لمن قاتله: "إني صائم"، مدرسة تربوية عظيمة، نجعلها هدفًا نخرج به من رمضان.

الهدف السابع: التدريب على المداومة:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (متفق عليه)؛ ولذلك كان عمله - صلى الله عليه وسلم - دِيمة. إن آفة الأعمال الانقطاع والاستحسار وترك العمل، وفي


هذا الشهر تدريب النفس على أن تستمر على العمل الصالح، فهذه ثلاثون يومًا صيامًا، وثلاثون ليلةً قيامًا؛ لتألف النفس العمل فتستمر عليه دائمًا.

هذه بعض الأهداف، وهناك حوالي خمسة وعشرين صنفًا من الأهداف، وإنما نختصر اختصارًا، هذه هي الأهداف إخوتاه، فما هو الطريق لتحقيق هذه الأهداف؟


ثانيًا: الطريق لتحقيق الأهداف:

أيها الإخوة، لا بد من إعداد العدة، ويكون ذلك بما يلي:

  • أولًا: تقليل ساعات النوم.
  • ثانيًا: تقليل كمية أكل ما أمكن.
  • ثالثًا: تقليل الكلام.
  • رابعًا: تقليل الخلطة بالبشر.

يعني إجمالًا: التخلص من سموم القلب الضارة. إن البرنامج الذي سنضعه لتحصيل هذه الأهداف لن يستطيع أن يقوم به من ينام في الليلة عشر ساعات أو ثمان ساعات أو ست في رمضان، إنما يكفيك في رمضان أن تنام أربع ساعات، وأنا وأنت نعرف أن كثيرًا من أهل الدنيا ينامون أقل من ذلك، سل أي طالب في الثانوية العامة كم ساعةً ينامها أيام الامتحانات؟، تجده يقول لك: ساعتين على الأكثر، هذا واقع.

وهذا كله من أجل الحصول على شهادة الثانوية العامة، وأنت تريد الجنة، فأيهما أغلى؟!، كم تدفع لتدخل الجنة؟، إننا لا نريد منك غير التضحية بيسير من النوم والطعام والكلام والاختلاط، ضَحِّ .. وإن لم تضح في رمضان؛ فلن تضحيَ أبدًا .. أليس كذلك؟!

لا بد أن تضحيَ بشيءِ من النوم، سنكتفي فقط بأربع ساعات من النوم في اليوم والليلة، وعشرون ساعة شغل مع الله، إذا كان عندك استعداد فهيا شمَّر عن ساعد الجِد، وإلا فلا تَبْرَحْ مكانَك، وانتظر مآل اللاعبين.

هذه الأهداف التي ذكرناها أهداف غالية، وبهذا تصنع الأمة في رمضان، وإن لم تصنع بهذا في رمضان فأبدًا لن تكون، إننا بحاجة إلى تجربة: هل آمتنا تصلح للتمكين أم لا، فهيا لنبدأ البرنامج بإذن الله، ولكن هل أنت مستعد لأن تبذل، هل أنت مستعد لأن تضحي بعمرك كله؟!، استعن بالله وقل: نعم .. إن شاء الله.


خطة اليوم في رمضان

يوم في حياة صائم:

بدايةً: بركة اليوم.

التبكير إلى صلاة الصبح وسماع الأذان في المسجد:

والتبكير له فضل، وله بركته، ولكن للأسف الشديد! تجد كثيرًا الناس ولا سيما الإخوة الملتزمين لا يبكرون إلى المسجد إلا بسبب أن شيخًا مشهورًا سيستمعون إليه؛ فيضطر للتبكير ليراه وليقترب منه وليصافحه، ولكنه لا يبكر لوجه الله، أما المسجد الذي يصلي فيه في حيه فإنه يتأخر عن صلاة الجمعة والجماعة، يأتي في نصف الخطبة، أو يجلس قريبًا من الباب؛ لتكون مغادرته للمسجد سريعًا بعد إنتهاء الخطيب، أسال الله أن يهدينا ويهديهم ويتوب علينا وعليهم.

أيها الإخوة، انتبهوا .. نريد أن نبكر إلى صلاة الصبح، ونسمع الأذان ونحن في المسجد، وهناك فوائد كثيرة للتبكير إلى المسجد وانتظار الصلاة، منها:

(1) ترديد الأذان والدعاء بعده.

(2) المحافظة على صلاة الجماعة.

(3) المحافظة على تكبيرة الإحرام.

(4) إدراك الصف الأول، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (متفق عليه)، وقال


النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها" [١٨]، سبحان الله!! تصلي في الجماعة الأولى في المسجد وتكون من شر صفوف الرجال؟!؛ فلذلك ينبغي أن تسارع إلى الصف الأول.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول" [١٩]، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستغفر للصف المقدم ثلاثًا، وللصف الثاني مرة[٢٠]، ثم يسكت ويلتفت ويصلي.

لذلك فإن مسألة الاحتساب تحتاج إلى بحث، ابحث عن فضائل الأعمال، وهناك كتاب في فضائل الأعمال للمقدسي ارجع إليه تجد خيرًا كثيرًا بإذن الله.

(5) إدراك ميمنة الصف، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" [٢١].

(6) إدراك التأمين وراء الإِمام في الصلاة الجهرية، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا آمين؛ فإن من وافق قولُهُ قولَ الملائكة؛ غُفر له ما تقدم من ذنبه" (5متفق عليه).

قلت: يا لَلْخَيبة إنْ لم يَغفرِ اللهُ لنا!؛ لأنها مسألة سهلة جدًّا أنك بمجرد قولك: آمين منضبطة خلف الإِمام مع الإِمام يغفر لك فماذا يمنعك؟!، والوعود بمغفرة الذنوب المتقدمة كثيرة جدًّا، فبعد هذا كله إذا لم يغفر لك


فكيف ومتى يغفر لك؟!، قال تعالى: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس: 108]، وقال جل جلاله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].

اللَّهم إنا نسألك الجنة يا رب.

(7) التبكير إلى المسجد تمكِّنك من الإتيان بالنوافل المشروعة بين الأذان والإقامة.

(8) التبكير إلى الصلاة دليل على أن القلب معلق بالمساجد، فمن السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه "ورجلٌ قلبُهُ معلق بالمساجد" [٢٢] فإنه إذا اقترب موعد الصلاة فاذهب مسرعًا إلى المسجد، قال سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -:

لي أربعين سنة لم يؤذن المؤذن لصلاة من الصلوات الخمس إلا وأنا في المسجد، سبحان الله!، أربعين سنة يا من لا تقدر على أربعين يومًا، إن للعمل الصالح ثوابًا وللمداومة ثوابًا، والقلب المعلق بالمسجد لا يفارقه، بل يحب المكث فيه ويسارع بالعودة إليه.

(9) التبكير إلى المسجد وانتظار الصلاة سبب لحضور القلب، وإقبال المرء على صلاته، وهذا الأمر هو لب الصلاة، كلما طال مكثه في المسجد وذكر الله؛ زالت مشاغله ومتعلقاته الدنيوية، وأقبل على ما هو فيه من قراءة وذكر.

فمهما كان عندك من الهموم والمشاكل في العمل ومع الأهل والزوجة؛ فصل ركعتين {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، سترتفع عن الهموم الأرضية، وتحلق في سماء الطاعة، أما إذا جئت متأخرًا إلى الصلاة فاتك كل هذا الفضل والخير.

فأقبل على الصلاة مبكرًا، واقعد بين الأذان والإقامة؛ ليمحو الله همومك


بالذكر والصلاة وإقبالك بكليتك على الله، إن الذي يأتي إلى الصلاة متأخرًا سيظل قلبه مشغولًا بما هو فيه من هموم الدنيا أثناء الصلاة؛ ولذلك تلاحظ أن أول الناس دخولًا إلى المسجد هم آخر الناس خروجًا، والعكس صحيح، وما ذلك إلا لما ذكرته لك.

(10) المبكر إلى الصلاة يتمكن من قراءة القرآن بين الأذان والإقامة، لقد ذكرت لك مرارًا كيف تختم القرآن كل ثلاثة أيام، وذلك بأن تبكر إلى الصلاة وتقرأ جزءًا قبل الصلاة بين الأذان والإقامة، وبعد الصلاة تقرأ جزءًا آخر، إذًا تقرأ في كل صلاة جزئين، في الخمس صلوات تكون قد قرأت عشرة أجزاء؛ فتختم القرآن في ثلاثة أيام.

(11) يتمكن المبكر إلى الصلاة من الدعاء بين الأذان والإقامة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" [٢٣] وكذلك تتمكن من الإتيان بأذكار الصباح والمساء بعد الصبح وقبل المغرب.

(12) إن من يأتي إلى الصلاة مبكرًا يأتي غالبًا بسكينة ووقار فيكون ممتثلًا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيحوز حبه، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتموا" (متفق عليه)، وفي الرواية الأخرى: "إذا أتيتم الصلاة ائتوها بسكينة ووقار"، من يأتي إلى الصلاة مبكرًا يأتي ماشيًا، ومن يأتي متأخرًا يأتي مسرعًا.

هذه بعض فوائد التبكير إلى الصلاة، والتبكير يكون في كل الصلوات، ولكني أخص بالذكر الفجر والمغرب، وأحب أن أنبهك أن تستيقظ لصلاة الفجر لله وليس للعمل أو للسحور والأكل والشرب أو غير ذلك، بل لله


وحده؛ لأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا وأشرك فيه غيري تركته وشركه" أو "فهو للذي أشرك" [٢٤]، فالعمل قليله وكثيره إذا كان منه شيء لغير الله لم يقبله الله جل جلاله، فقم الفجر لله، ولا تقم لغير الله؛ لأن الله لا يتقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه.

واخرج إلى الصلاة لا تريد إلا الصلاة لتحصل على الأجر كاملًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلا الصلاة، لم تزل رجله اليسرى تمحو سيئة، وتكتب الأخرى حسنة حتى يدخل المسجد" (متفق عليه).

في صلاة الفجر بعد أن تصل إلى المسجد صل ركعتين فقط ولا تزد على ركعتين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلى بين الأذان والإقامه في الفجر إلا ركعتي النافلة، ثم استحضر الخشوع والسكينة وعليك بالدعاء؛ لأن قرآن الفجر مشهود تشهده الملائكة، والله سبحانه وتعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل نزولا يليق بجلاله حتى تنتهي صلاة الصبح.

وجمهور المفسرين على أن المراد بقرآن الفجر في قول الله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، أنه القرآن الذي يُقرأ في الصلاة، لتهيئ بذلك قلبك لقرآن الفجر.

احتفظ بحرارة الخشوع بعد الصلاة، وذلك بالمكث في المسجد أكبر فترة ممكنة بعد الصلاة، لا بد أن تعتكف حتى الشروق وبعد شروق الشمس بعشرين دقيقة تصلي ركعتين.

(1)


ماذا تصنع بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس؟

أولًا: تقول أذكار الصباح

ثانيًا: تقرأ وردك من القرآن.

ثالثًا: الكلمات الخمس.

لا بد أن توطن نفسك على هذا، على أن تمكث في المسجد أطول فترة ممكنة، كان شيخ الإِسلام ابن تيمية إذا قضى صلاة الصبح أقبل بوجهه إلى الحائط في محرابه حتى الضحى ولا يلتفت ويقول: هذه غَدوتي إذا تركتها سقطت قوتي، يعني هذا غذائي إن لم أفعله أموت.

لذلك أقول لك: إذا جلست في المسجد بعد صلاة الفجر فممنوع أن تتكلم، ممنوع التعامل مع أحد، ممنوع الانشغال بشيء غير الأذكار، لا تلتفت، لا تنظر إلى أحد، وجِّه وجهك إلى الحائط، وقيل الأذكار، واقرأ وردك من القرآن، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" أ[٢٥] في "السلسلة الصحيحة".، ولا تنس الكلمات الخمس التي هي وصايا مهمة لا بد منها: المشارطة، المراقبة، المجاهدة، المحاسبة، المعاتبة، والمعاقبة.

أولًا: المشارطة:

أن تشترط على نفسك وتقول لها: يا نفس، إن معنا رأس مال وهو العمر، ومعنا أدوات وهي الجوارح، ومطلوب أن نتاجر مع الله ونحصل على أكبر ربح وهو الجنة، فإن استطعت -أيتها النفس- أن تأخذي رأس المال


والأدوات وتعطيني بعد ذلك الجنة فعلت وإلا فلا، فإذا استصعبتْ عليك نفسك فألزمها بالمكث في المسجد عقابًا لها. كان محمَّد بن المنكدر يجلس في المسجد يخاصم نفسه يقول لها: لماذا تحبين الخروج من بيت ربك؟!، تريدين أن تنظري إلى دار فلان ودار فلانة؟!، واللهِ ليس لكِ إلا هذه العجوز (يعني زوجته)، والله ليس لكِ طعام إلا هذه الكِسرة، وليس لك شرابٌ إلا هذه الشربة من ماء المسجد، أترضين أم تحبين أن تموتي؟، يقول: فأراها تقول: رضيتُ .. رضيتُ، فهكذا افعل مع نفسك، لكن النفس مخادعة أمارة بالسوء توافقك ظاهرًا، وتريد أن تخالفك وترفض ما تشترط عليها؛ فتأتي الكلمة الثانية وهي المراقبة.

ثانيًا: المراقبة:

راقب نفسك وكن رقيبًا على تصرفاتك، ولا تدع للنفس فرصة للتفلت منك، إنك قد تخرج من المسجد فتقع عينك على امرأة متبرجة، فتجاهد نفسك وتمنعها من النظر وتقول لها: ألم نشترط الجنة؟!، كان أحد السلف يمشي في الشارع فوقعت عينه على امرأة؛ فضرب عينه حتى نفرت (يعني تورمت) وجعل يقول: مالي أراك تتطلعين إلى ما لا يحل لك. فراقب نفسك وألجمها وامنعها مما لا يحل لها، خذ بزمامها وخطامها وألزمها الصراط المستقيم، ولا تغفل عنها لكي تنجو.

ثالثًا: المجاهدة:

وأشد شيء جهاد النفس، فهي مقيدة بقيد الجسم، مقيدة في هذا الجسم، ثم هي مقيدة بقيد العبودية، ثم أنت تتوعدها بقيد ثالث وهو قيد المكث في المسجد، فالنفس تحتاج إلى مجاهدة، وهذه المجاهدة لا بد لها من صبر وثبات أمام طغيان هذه النفس وتملصها، جاهدها لكي لا تضيعك وتسير في طريق جهنم، جاهدها ما استطعت.

رابعًا: المحاسبة:

لا بد من محاسبة النفس، قال الله سبحانه وتعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} [آل عمران: 30]، وقال سبحانه: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [النبأ: 40]، سترى عملك بعينك وتسمعه بأذنك؛ لذلك يجب أن تجلس مع نفسك وتنظر في أعمالك لتصلحها قبل أن تراها يوم القيامة، اكتب أعمالك وضعها أمامك، وقل لنفسك: أتحبين أن تقابلي ربك بهذه الصحيفة؟!، هل ستأخذين كتابك باليمين أم بالشمال؟، هل هذا تدخلين به الجنة أم تدخلين به النار؟، هل هذا يرضي الله عنك أم يسخطه عليك؟، وهذا هو توبيخ النفس وزجرها؛ لتعلم حقيقتها وقدرها.

خامسًا: المعاتبة والمعاقبة:

وذلك بأن تعاتب نفسك وتؤدبها وتعاقبها بأن تمنعها مثلًا من بعض المباحات تأديبًا وزجرًا، وتهذيبًا وتربية، أو تعاقبها بأن تلزمها وتفرض عليها استغفار عشرة آلاف مرة وتمنعها من النوم، تعاقبها بأن تأكل خبزًا جافًّا بغير إدام وتشرب بعد الخبز ماءً فقط. بعض السلف أراد أن يعالج نفسه من الغيبة فما استطاع أن يعالجها بعد أن جرب معها بعض العلاجات، ثم عاقبها بأنه إذا اغتاب إنسانًا تصدق، فكلما اغتاب إنسانًا تصدق، حتى قال: فغلبني حبُّ الدنانير فتركت الغِيبة، فعاقب نفسك لعلك تستطيع قيادة زمامها.

تتمة الأعمال:

ثم بعد ذلك هناك صلاة الضحى فصلها ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان، ثم انصرف من المسجد، إن كان ثمة وقت للنوم أو المضي إلى العمل فامْضِ، ثم المحافظة على الأذكار الموظفة كأذكار دخول المسجد والخروج

منه، ودخول البيت والخروج منه، أذكار النوم، دعاء الأكل والشرب، دعاء الركوب، وعليك في هذا الشأن بكتاب حصن المسلم للقحطاني، أو كتاب مختصر النصيحة في الأذكار والأدعية الصحيحة.

فإذا مضيت إلى عملك فاعلم أنك في عبادة من ساعة نويت الصوم عند طلوع الفجر، كأنك دخلت الصلاة بتكبيرة الإحرام؛ فإياك أن تلتفت بقلبك عن الله أثناء النهار.

نعم: إنَّ نية الصيام عند الفجر بمثابة تكبيرة الإحرام، فأنت منذ ذلك الوقت في هذه العبادة -أي الصيام- متلبث بها، فلا تنصرف بقلبك عنها، فلا يصح أن تكون في عبادة وتكذب أو تغتاب أو تنم أو تنظر إلى امرأة متبرجة؛ لذلك قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الطعام والشراب، وقال جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك من الكذب، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

ليصم سمعك عن الحرام، ليصم عن الأغاني والغيبة، ليصم عن النفاق والنميمة، ليصم عن البذاءة والفحش، ليصم عن السب والشتم واللعان، ليصم سمعك عن سماع كل ما يغضب الله عَزَّ وَجَلَّ، وليصم بصرك عن النظر إلى النساء المتبرجات في الشوارع، في المجلات، في الأفلام والمسلسلات، في الفوازير والمسرحيات، في الإنترنت والفضائيات، ليصم بصرك عن الحسد واحتقار الناس، ليصم بصرك عن النظر إلى متاع الدنيا، ليصم بصرك فلا يرى إلا الخير والنور .. لا يرى إلا القرآن .. لا يرى إلا صفحة الكون المنظورة التي تزيده إيمانًا ويقينًا وخوفًا وتعظيمًا لله جل جلاله.

إنك قد تجد بعض الناس يصوم عن الحلال ويفطر على الحرام، يصوم عن زوجته الحلال ويفطر على النساء في الشوارع، يصوم عن الطعام الحلال ويأكل لحم أخيه ميتا بالغيبة والنميمة وهو حرام، يجلس أمام التلفاز فيرى النساء العاريات ويسمع الكذب والبذاءة، إخوتي، انتبهوا فإن المعصية في رمضان تختلف عن المعصية في غيره، والطاعة فيه تختلف عن الطاعة في غيره، فللأوقات المعظمة عظمة وحرمة، وقد قال الله تعالى في الأشهر الحرم: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، تعظيمًا لهذه الأشهر.

لذا كان من علامات التوفيق إقبال الطاعات وإدبار المعاصي، ومن علامة الخذلان إقبال المعاصي واستثقال الطاعات، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)} [محمَّد: 17].

شهر القرآن:

ثم انتبه إلى أن رمضان شهر القرآن، فينبغي أن يكون العمل مضاعفًا في هذا الشهر، لا بد أن تكثف وتكثر في هذا الشهر من تلاوة القرآن.

أخي الحبيب، ألست تحب الله؟، فلماذا لا تكثر من تلاوة كلامه؟

لو أحببت الله لأطعته، وأنا أقول لك: نعم وليس شرط المحب العِصمة، ولكن شرطه كلما زل أن يتلافى تلك الوَصْمة.

قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، فكأن وجود القرآن قبل التكليف بالعبادة، فكأنه قيل: احتفلوا بالقرآن .. وتفرغوا لقراءة القرآن .. ولكن -للأسف الشديد- تفرغ المسلمون اليوم للدورات الرمضانية في كرة القدم، ومشاهدة المسلسلات، وصنع الطعام والكنافة، شيء عجيب!، الله فرغنا لتلاوة كتابه ونحن نعرض عنه!!

كان حال السلف في رمضان مع القرآن عجيبًا، أذكر لك حال الشافعي عليه رحمة الله، كان يختم في رمضان ستين ختمة، في اليوم يختم ختمتين، ختمة بالليل وختمة بالنهار، ولهذا علق الحافظ ابن رجب رحمه الله على حديث أنه "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث" (1)، بأنه يجوز في الأماكن الفاضلة والأزمنة الفاضلة أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث حيث ورد هذا عن كثير من السلف وعن الصحابة، فقد ورد عن عثمان - رضي الله عنه - أنه ختم القرآن في ركعة أوتر بها في الحِجر.

قال ابن رجب: كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها.

كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان يختم في غير رمضان في كل ست ليال.

كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.

قال النووى: روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا - رحمه الله - كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل.

قال ابن الحكم: كان الإِمام مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.

وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.


وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.

قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.

قال أبو الحسين محمَّد بن علي صاحب الجنيد: صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبا بآدابه، وكان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات.

أين نحن من هؤلاء!! ..

إذًا فليستحوذ القرآن على غالب وقتك بالنهار قراءًة وتدبرًا وترتيلًا ..

ولتحرص على الختمة دائمًا فلا تترك المصحف من يدك أبدًا، أما إذا كنت في عملك فالزم الذكر ولا تفتر مطلقًا.

احذر الذين يأكلون وقتك:

بعد أن تذهب إلى كليتك أو عملك ستجد من يقابلك فيقول لك: هل سمعت فزورة أمس؟، تعال نلعب لكي نسلي صيامنا .. هل رأيت المسلسل؟ .. هل رأيت المسرحية؟ .. يريد أن يضيع وقتك ويعطلك عن طاعة ربك؛ لأن قلبه فارغ فيريد منك أن تكون مثله، وأشر ما على القلب خلطة البشر، لذلك أريدك -أيها الحبيب- أن تحُول الحوار لصالح الدين، أن تحول مجلس الغيبة والنميمة واللغو إلى مجلس لذكر الله، إذا قال لك: هل رأيت المسلسل؛ فقل له: وهل سمعت أنت أن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].

هكذا يبتعد عنك أو تكون قد أفدته وعمَّمت الخير ودعوت إلى هدى، فإذا قرأ عشر آيات فكأنك قرأتها؛ لكني أريدك أن تنجو بنفسك .. أن تعبد الله وحدك بجد ونشاط؛ فقد فاتت سنين طويلة وأنت تسوف وتؤجل، فها هو رمضان قد جاء فلا تضيع وقتك، فليس هناك مجال لتضييع الوقت، وإذا مدت إليك فتاة يدها لتصافحك؛ فقل لها: "إني لا أصافح النساء" (1) كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا قلت ذلك فسوف تتخلص من هذه المشكلة نهائيًا.

واحذر أن تضيع رمضان في المزاح, دعك من الضحك واللَّهو وتضييع الأوقات بالنكات الكاذبة الفجة المنكرة، إنما ينبغي أن يعلوك الحزن؛ لأنك تخاف ذنوبك، وتخاف يومًا تشيب فيه النواصي، فهل تستطيع أن تضحك في هذا اليوم والله يقول: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71]، أريد أن تمتنع عن الضحك والمزاح قليلًا .. خفف منه ما استطعت.

عكس المطلوب:

وكذلك تقلل من الأكل، والمصيبة أن الناس جعلوا رمضان موسمًا للأكل، شرع الله الصيام للامتناع عن الطعام بالنهار، فانفتح الناس فيه بالليل، وتجد تكلفة الطعام عنده في رمضان ضعف غيره من الشهور، لو قلت له: إنك تأكل في غير رمضان ثلاث وجبات، وفي رمضان وجبتين فقط، فلماذا لا تجعل الثالثة للفقراء؛ فيقول: ومن أين؟، إنني أقترض في رمضان من أجل الطعام ..

هذا هو الواقع عند كثير من الناس، صاموا عن الطعام بالنهار، وتوسعوا فيه بالليل .. صاموا عن شهوة الفرج في النهار، فسخر بهم شياطين الإنس


بالمسلسلات والأفلام والفوازير ليزيدوا لهم من هذه الشهوة في الليل، وهكذا حَصَّل الناسُ عكسَ المقصود من مشروعية الصيام في رمضام، فزادت الشهوات التي شُرِع رمضان لعلاجها وضبطها، وتلك عقوبة.

قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، وقال سبحانه: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]؛ لذلك أقول لك: انس الضحك والكلام في نهار رمضان، أغلق فمك واكتب عليه: (مغلق للتحسينات والافتتاح في آخر رمضان إن شاء الله) .. تعوَّد على المجاهدة، كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يضع على لسانه حصاة يثقل بها لسانه حتى لا يتكلم.

اخرج للعمل وأنت ذَكَّار .. وأريدك أن تعد الأذكار حتى تتشجع، قل سيد الاستغفار خمسمائة مرة .. قلها مئة مئة .. قل مئة، فإذا شعرت بلذة الذكر فاستمر وأكمل، فلا تدري متى يغلق عنك باب هذه اللذة، وهكذا ينفتح لك باب الأذكار .. قل: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ألف مرة أو أكثر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" (متفق عليه)، حبيبتان إلى الرحمن!، سبحان الله العظيم!!، الله يدلك على ما يحبه ثم أنت لا تقوله!!، قل: رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم، أو صَلِّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة الإبراهيمية أو بأي صيغة أخرى من صيغ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

صلينا الصبح في جماعة، وجلسنا في المسجد حتى شروق الشمس، ثم


صلينا الضحى، ثم ذهبنا إلى العمل، وفي العمل تنشغل بعملك فقط وتتقنه، وإن لم يكن هناك عمل فانشغل بالقرآن أو بالذكر، وحتى وأنت تعمل تستطيع أن تعمل بيدك، ولسانُك وقلبُك منشغلان بذكر الله، انشغل طوال يومك بالذكر في الطريق، في السيارة، في البيت، في كل وقت انشغل بذكر الله، لا تغفل .. لا تفتر.

متابعة أهل البيت:

أخي الحبيب، الآن عدت من العمل، عندما تدخل بيتك، قبل أن تسأل زوجتك عن الطعام سلها عن الصلاة: هل صليتِ العصر .. هل صليتِ الظهر .. هل قلتِ الأذكار .. كم مرة استغفرت اليوم؟، كم جزءًا قرأتِ في هذا اليوم؟، وتتابع أولادك: تعال يا بني ماذا حفظت اليوم؟، استغفرتَ اليوم كم مرة؟، صليت على النبي - صلى الله عليه وسلم - كم مرة؟، بماذا دعوت الله اليوم؟، قل يا بني: من ربك؟، ما دينك؟، من نبيك؟، قل يا بني: ما معنى الإِسلام .. ما معنى اليقين .. ما معنى الإخلاص؟، تعلَّم وعلِّم ولدك وزوجتك .. هات المصاحف واجلسوا في حلقة تقرأ فيها معهم القرآن وتتدارسوه.

اللَّهم املأ بيوت المسلمين قرآنا وخيرًا وبركة، آمين.

البيوت اليوم مليئة بالمشاكل؛ لأنه لا يذكر الله فيها إلا قليلًا، البيوت مليئة بالمشاكل؛ لأن الزوجة ترى الزوج غافلًا فتزدادَ غفلة .. ترى الزوج يعصي الله فتزدادَ هي عصيانًا .. ترى الزوج لا يطيع الله فتجترىء عليه.

قال بعض السلف: إني لأرى ذنوبي في خُلُق دابتي وامرأتي .. اللَّهم أصلح زوجات المسلمين يا رب.

أخي الحبيب، لا تغفل عن السؤال عن الصلاة والصيام والذكر والقرآن ..

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كانت الآخرةُ همَّه جمع الله عليه شملَه، وجعل غِناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (1)، اجلس مع أولادك وزوجتك قبل المغرب اقرءوا جزءًا من القرآن، واجتمعوا للدعاء لأنفسكم وللمسلمين .. فيصبح البيت جنة، تعيش في جنة مع زوجة من الجنة وأولاد من الجنة.

انشغل بأذكار المساء حتى يؤذن المغرب، ثم تفطر على ثلاث تمرات، ثم تشرب شيئًا من الماء، وعندما تفطر لا تنس دعاء وذكر الإفطار: ذهبَ الظمأ وابتلتِ العروق وثَبَتَ الأجرُ إن شاء الله .. نسأل الله أن يأجرنا وأن يكتب لنا الأجر كاملًا، ثم صل بعد الأذان سنة المغرب القبلية، فيجتمع لك أمران: أن الوقت بين الأذان والإقامة يستجاب فيه الدعاء، وأن هذه ساعة إفطار يستجاب فيها الدعاء، وأنك وأنت ساجد يُستجاب لك الدعاء، فجمعت بين هذه الثلاثة؛ فاجعل من الدعاء دعاء للأمة، اللَّهم اكشف الغمة عن جميع الأمة.

صلاة المغرب في المسجد:

ثم سارع إلى صلاة المغرب جماعًة في المسجد، إذا أُذِّنَ للمغرب أفطِر، يباح الأكل مع الأذان وأنت تردده، ولا تنس أن للصائم عند فطره دعوةً مستجابة، فيا ترى ما هو الذي ستطلبه في هذا الدعاء؟، اطلب الجنة وأسبابها، اللَّهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل.

حين يؤذن المؤذن تذكر أنك مطالبٌ بصلاة فريضة، لا تجعل الارتباط بالأذان هو الأكل فقط، إنما الأذان نداء للصلاة، حي على الصلاة .. حي على الفلاح، والأفضل أن تذهب إلى المسجد قبل الأذان وتقف تنتظر


الصلاة، وساعتها تتذكر يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتجتهد في الدعاء أن ينجيك الله في هذا اليوم، فوائد كثيرة وكلها نافعة.

إن بعض الناس يقول: سوف أفطر ثم أخرج إلى الصلاة، وهذا غالبا ما تفوته ركعة لاستعجال الناس بصلاة المغرب، أقول: بل خذ معك تمرًا واذهب إلى المسجد، فإذا لقيت أحدًا في الطريق فأعطه تمرة يفطر عليها، فيكون لك مثل أجره، وادعه لصلاة المغرب معك في المسجد، وتكون قد أَمَّنْتَ على عبادتي الصيام والصلاة.

وتلك هي هواية التأمين على العبادات .. من الناس من يهوى التأمين على السيارات والعمارات وعلى الحياة، وشركات التأمين حرام لا يجوز، فكن أنت من هواة التأمين على العبادات، عندما تذهب إلى الصلاة اصطحب معك أحد الناس، فلو خرجت من صلاتك بخمسين بالمائة فتكمل هذا النقص بصلاة هذا الذي صلى معك؛ لأن لك مثل أجره، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه"

فكذلك عند الصيام، فَطِّر صائمًا يكتب لك مثل أجر صيامه، حاول أن تؤمن على عباداتك بأن تجعل لك رصيدًا مؤخرًا ينفعك إذا حصل منك نوع تقصير، أعط صائمًا تمرة وقيل له: أفطر على هذه وادع لي، فإن للصائم دعوةً مستجابة، فعسى أن يدعو لك فيستجاب له، واحرص على أن يفطر معك كل يوم مسكينٌ، قد تقول: كيف أفطر مع مسكين وأترك أهلي وأولادي، أقول لك: اجمع بين الخيرين، واجعله هو يفطر مع أهله ولتفطر أنت مع أهلك بأن تعطيه جزءًا من الطعام الذي تعده لنفسك وأهلك الذي غالبًا تأكلون نصفه


وترمون الباقي، من الآن اشتر العمود الذي يوجد فيه أوان بعضها فوق بعض ويُحمل في اليد، لتملأه بأصناف الطعام كل يوم وتعطيه للفقير.

الإفطار الأمثل:

ثم تعود إلى بيتك سعيدًا منشرحًا، تلقي السلام وتبشرهم بالدعاء، ثم اجلس إلى الإفطار متذكرًا نعمة الله عليك، مستحضرًا حال من لم يجد الطعام، ولا تشغلك النعمة عن المنعم، وتذكر أن الله تعالى أمرك بالنظر قبل الأكل: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} [الأنعام: 99]، قبل أن يقول: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، فلابد أن تنظر إلى طعامك وتأمر أولادك بذلك لكي تشكروا نعمة الله، وتتدبروا رزق الله، وتشعروا بنعمة الله عليكم، هذه فائدة فاغتنمها.

ثم تذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلًا: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (1)، وإني أحذرك من مجاوزة الحد والطغيان الحاصل في بيوت المسلمين في رمضان في موضوع الطعام والشراب، قال الله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه: 81]، إياك والطغيان، وهو مجاوزة الحد، يجوز الشبع أحيانًا، لكن اعلم أنه إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.

فإذا استوفيت الإفطار تكدر الليل بالنوم، وإذا استوفيت السحور تخبط النهار بالكسل، بل تأكل عند الإفطار الثلث حتى تشعر عند السحور بالجوع،



فتستيظ للسحور طاعة لأمر الله وطلبا لمرضاته، والتماسا لصلاة الله وملائكته على المتسحرين، وأيضًا لدفع الجوع الحاصل، والتقوي بالطعام على الطاعة؛ لكي تستطيع أن تعمل في النهار، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، صلى الله عليك وسلم يا رسول الله، كان يمر الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيوت آل محمَّد نار، وهو سيدنا وسيد الخلق أجمعين - صلى الله عليه وسلم -.

سبحان الملك!، يظل شهرين ولا يذوق فيهما شيئًا قد طُهي على النار، فعلام كان يعيش هو وأزواجه؟، كانوا يعيشون على التمر والماء، فهل تستطيع أنت أن تعيش على التمر والماء؟، لماذا لا؟، ماذا سيحدث لو فعلت ذلك؟

إذا امتلأت بطنك، وأوشك الطعام أن يخرج من حلقك؛ سوف تستطيل الصلاة، ولن تخشع فيها، وتضطر للخروج إلى الحمام ويطول مكثك فيه، وإذا أردت أن تعرف مقامك، فانظر أين أقامك؛ لذلك خفف، كُلِ الثلثَ فقط، وخير الهدي هدي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.

تخير الإِمام والمسجد:

ثم عَجِّلْ بالخروج إلى صلاة العشاء مبكرا لتقف خلف الإِمام، وتخير مسجدًا تستريح له وإمامًا تستمتع بصوته، ابتعد عن هؤلاء الذين يغنون، وابتعد عن ضجيج المساجد المشهورة، وابحث عن مسجد هادئ نظيف، وابحث عن إمام إذا قرأ حسبته يخشى الله تعالى، ولو كان بعيدًا عن بيتك، لا تبخل فالخطوات محسوبة وأجرك مدفوع.

فإنك عندما تدخل هذا المسجد تشعر بالسكينة، وعندما يقرأ هذا الإِمام تريد ألا ينتهي، ابحث عن هذا لعله يُرحم فتُرحم معه، رأى علي بن أبي

طالب رجلًا يحمل أمه في الطواف، فطاف خلفه وقال: والله إني لأطوف وما كانت لي نية في الطواف؛ لأني لمَّا رأيت هذا يحمل أمه علمت أنه ستنزل عليه رحمة فأردت أن يصيبني شيءٌ منها .. فأنت عندما تصلي وراء إمام مخلص تشعر بأن الرحمة تنزل عليه وتصل إليك هذه الرحمة، ولا تمل من الصلاة خلفه.

تدبر القرآن آية آية .. تذكر كيف كانت هذه الآيات تنزل على قلب النبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، كيف كان الصحابة يعملون بها، وعندما تصلي خلف إمام واحد طيلة الشهر ستعرف بماذا يقرأ غدًا، فاقرأ القدر الذي سيقرؤه قبله أثناء النهار، وإذا لم تفهم كلمة وأنت تقرأ ارجع إلى كتب التفسير حتى تعيش المعنى الحقيقي للآية عندما يقرؤها الإِمام في القيام، فإذا عشت هذا المعنى فعلًا؛ فلن تمل حتى ولو قرأ الإِمام طيلة الليل.

كيف أُحصِّل الخشوع في القيام؟

ولكي تحصل الخشوع يجب أولًا أن تعرف فائدة الخشوع، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن العبد إذا قام يصلي أُتِيَ بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد سقطت عنه ذنوبه" (1)، قال الإِمام المُنَاوي في "فتح القدير": المراد أنه كلما أتم ركنًا سقط عنه ركن من الذنوب، حتى إذا أتم الصلاة تكامل السقوط، وهذا شرط في صلاة متوفرة الشروط والأركان والخشوع كما يؤذِن به لفظ العبد والقيام، "إن العبد إذا قام يصلي" .. فالشرط أن يكون عبدًا وقام، إذ هو إشارة إلى أنه قام بين يدي ملك الملوك مقامَ عبدٍ ذليل.


فائدة تحصيل الخشوع:

أولًا: أنك كلما ركعت أو سجدت سقطت عنك الذنوب.

ثانيًا: أن الأجر المكتوب بحسب الخشوع.

ثالثًا: ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.

رابعًا: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارةً لما قبلها" ([٢٦]).

خامسًا: أن الخاشع في صلاته إذا انصرف منها وجد خِفةً من نفسه، وأحس بأثقالٍ قد وضعت عنه، يجد نشاطًا وراحة، وتصبح الصلاة قرةَ عينه وروحه، وجنةَ قلبِهِ ومستراحِهِ في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا بلال، أرحنا بالصلاة" ([٢٧])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "وجُعِلَت قرةُ عيني في الصلاة" ([٢٨]).

هذه خمس فوائد للخشوع اجعلها سببًا لتحصيل الخشوع، لتخشع في الصلاة المفروضة، وصلاة القيام وتظل مع الإِمام حتى يتم صلاته.

استمر في الصلاة مع الإِمام حتى ينتهي، فقد جاء في حديث أبي ذر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل إذا صلى مع الأمام حتى ينصرف حُسِبَ له قيامُ ليلة" ([٢٩]).

ماذا افعل بعد الرجوع من القيام؟

ثم تعود إلى البيت، لتجري مسابقة نافعة لأولادك مثلًا، استخرج آية من


التي كان الإِمام يقرؤها فتقول لولدك أو زوجتك: متى سَمِعْتَ هذه الآية آخر مرة؟، فمن أجاب أعطه جائزة: تمرة .. أو كتيبًا .. أو ورقة أذكار .. أو شريطًا جديدًا .. أو ملابس العيد .. أو هدية مناسبة، أو اجعلهم يتنافسون من يختم القرآن أولًا، تفنن في أن تحبب الله إلى أولادك وزوجتك.

اجعلهم يحبون الله، أعطهم وأحسن إليهم وقل لهم: لولا أن الله أمرني بهذا ما فعلت هذا معكم أبدًا، فيحبون الله، فيحبونك، اجعل ابنك يحب الله لكي يحبك؛ لأنه لو أحبك من أجل أنك تعطيه، فسوف يكرهك عندما تمنعه، لكن لو أحب الله لأحبك سواء أعطيته أو منعته؛ لأن الله أمره بهذا، وكذلك فافعل مع زوجتك، وبعد أن ترجع من المسجد إياك أن تغفل، احتفظ بحرارة الخشوع، ولست أطلب منك أن تختم القرآن كل يوم مرة، ولا كل ثلاثة أيام، اختمه في كل أسبوع مرة، يعني اقرأ كل يوم خمسة أجزاء.

اقرأ جزءًا في الصباح قبل الصلاة، وجزءًا في المواصلات، وجزءًا بعد العصر مع الأولاد، وجزءًا قبل النوم، ونصف جزء تقوم به ركعتين في البيت، فتختم القرآن أربع مرات، فتكون قد كَوَّنْتَ ثروةً كبيرة من الحسنات، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة .. تذهب إلى البيت تقرأ جزءًا من القرآن، وتجلس للمحاسبة، ثم تنام مبكرًا لتستطيع أن تستيقظ مبكرًا.

التهجد:

قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 179] تصلي التهجد ركعتين فقط كي تصيب السنة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "أفضل الصلاة طول القنوت" (1)، وعندما تقوم لا تنس أن تقيم امرأتك معك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:


"رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى ركعتين وأيقظ أهله، فإن أَبَتْ نَضَحَ في وجهها الماء" (1)، اجتهد أن تقوم ساعة أو أكثر قبل أذان الفجر، فهذا وقت التنزل الإلهي كل ليلة، ينادي ربنا جل جلاله كل ليلة في السحر في ثلث الليل الآخر: "هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه" (2)، حتى يطلع الصبح وذلك كل ليلة، فلا يفوتنك هذا الفضل العظيم، وكن من الذاكرين في هذه الساعة فهي بركة اليوم وكل يوم.

قال بعض السلف: ما علَّمني القيام إلا ولدي، قرأ يومًا: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 1 - 2] فقال: يا أبت، ما معنى قم الليل؟، قلت: يا بني أن يصلي العبد في الليل، قال: يا أبت فمالي لا أراك تقوم، قلت: هذه الآية خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما تعلم الولد: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17]، قال: يا أبت، من هؤلاء؟، قلت: عباد الله المؤمنون، قال: فمالي لا أراك تقوم؟، قلت: سأقوم من الليلة يا بني، قال: يا أبت دعني إذا قمت أقوم معك، فقلت: يا بني أنت صغير لم تكلف بعد، فنم حتى تستريح، قال: يا أبت، أرأيت لو بعثني الله يوم القيامة فسألني: لِمَ لَمْ تقم؟!، أقول له: أبي قال لي: ثم؟!، فبكى الرجل وقال: يا بني قم.

فهكذا ينبغي أن نعلم أولادنا القيام، أن نربيهم على ذلك، اليوم كثيرٌ منا لا يستطيع أن يصلي الصبح؛ لأنه لم يتربَّ في بيتٍ يصلي أو كان أهل البيت يصلون لكنهم لم يوقظوه، وإن استيقظ لا يصلي في المسجد، فلهذا ينبغي أن نعود زوجاتنا وأولادنا على الاستيقاظ من النوم للصلاة؛ بل يجب أن تكون أنت وزوجتك متناوبين؛ توقظها وتوقظك للصلاة، وتتعاتبا وتتعاقبا إن لم تقوما.


تقوم قبل الفجر بساعة أو بساعتين، توقظ أولادك كبيرهم وصغيرهم، وقبل الفجر بنصف ساعة تحضرون طعام السحور، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "السحور أكله بركة؛ فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جَرعة من ماء، فإن الله -عز وجل- وملائكته يصلون على المتسحرين" (1)، تأكلون في عشر دقائق، وتذهب إلى المسجد مبكرًا، وتصلي تحية المسجد قبل الأذان وتجلس تستغفر الله، {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18]، وفي الحديث القدسي السابق يقول الله: "هل من مستغفر فأغفر له"، ثم تصلي الصبح، صلاة مشهودة محضورة .. وهكذا تم يومك.

إخوتاه .. هل عزمتم؟!، هل من مشمر؟!، أسأل الله -عز وجل- أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله أن يوفقنا إلى الخير دائمًا في رمضان وفي غير رمضان .. وهكذا أجبنا -بحول الله وقوته- على سؤال: كيف تعيش يومًا في رمضان؟

البرنامج الرمضاني

(1) التبكير إلى صلاة الصبح في المسجد، فتخرج من بيتك قبل الفجر بربع ساعة، وصلاة المرأة في بيتها أفضل؛ حكم الشرع.

(2) صلاة ركعتين تحية المسجد، ولزوم الاستغفار حتى يؤذن للصلاة، ثم صلاة ركعتي السنة.

(3) تلاوة جزء من القرآن ما بين الأذان والإقامة إن استطعت وإلا فهو عليك بعد الصلاة.


(4) المكوث في المسجد بعد الصلاة، وقراءة أذكار الصباح، وجزء من القرآن آخر حتى طلوع الشمس، مع مراعاة عدم التحدث مع أحد أو الانشغال بأحد.

(5) صلاة ركعتي الضحى ثم الخروج من المسجد.

(6) الذهاب إلى العمل أو المدارس والكليات، أو العودة إلى البيت إن كان هناك وقت، والنوم لمدة ساعتين.

(7) إذا كنت ستذهب إلى العمل فعليك بالذكر طوال الوقت، ولا تتحدث إلا فيما يرضي الله -عز وجل-، وأتقن عملك، ولا تفسد صيامك، وأحسن خلقك، إياك واللغو والرفث والغيبة والنميمة والكذب والفحش فكلها تنقض الصيام، واقرأ جزءًا من القرآن قبل صلاة الظهر وبعدها، وكذلك في صلاة العصر.

(8) إذا كنت ستعود إلى المنزل، أو المرأة التي صلت في بيتها، فستنام لمدة ساعتين وتستيقظ في التاسعة تقرأ القرآن وتذكر الله حتى صلاة الظهر.

(9) عند العودة من عملك، أو انتهاء المرأة من إعداد الطعام وأعمال المنزل عليك بجمع أولادك حولك تتابعهم وتسألهم ماذا أنجزوا من عباداتهم.

(10) يمكنك عمل حلقة قرآن في البيت مع زوجتك وأولادك، تقرؤون القرآن حتى قرب المغرب، ثم عليكم بالدعاء فإنه لا يرد.

(11) الإفطار على ثلاث تمرات وشربة ماء، وصلاة السنة القبلية للمغرب في البيت، ثم الخروج لصلاة المغرب في المسجد.

(12) عليك بأخذ بعض التمر معك، أو العجوة، أو العصير؛ لإفطار الصائمين الذين لم يعودوا إلى منازلهم بعد.

(13) صلاة ركعتين تحية المسجد إن كان هناك وقت لذلك، ثم صلاة المغرب، ثم العودة إلى بيتك للإفطار مع أهلك، وتكون زوجتك قد صلَّت المغرب مع أولادها الصغار.

(14) لا تنس إفطار الفقراء والمساكين، واشكر نعمة الله.

(15) التبكير إلى صلاة العشاء في المسجد لكي تقف خلف الإِمام، ويمكنك أن تأخذ زوجتك وأولادك معك، وصلِّ مع الإِمام حتى ينتهي.

(16) عد إلى بيتك واقرأ جزئي قرآن.

(17) نم حتى الساعة الثانية صباحًا.

(18) الاستيقاظ وصلاة ركعتي تهجد، وراع فيهما طول القنوت "الوقوف".

(19) السحور قبل الفجر بنصف ساعة.

(20) الاستغفار، ثم الذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر.

نصائح:

(1) المحافظة على الأذكار الموظفة (الصباح والمساء، دخول البيت والخروج منه، دخول المسجد والخروج منه، دعاء الركوب، دخول الخلاء والخروج منه ....).

(2) التقليل من الكلام والإكثار من ذكر الله.

(3) التقليل من الطعام، والتقليل من الإنفاق والتبذير.

(4) التقليل من النوم، والمحافظة على ورد تلاوة القرآن.

(5) التقليل من المواعيد والارتباطات واللقاءات والمكالمات الهاتفية.

(6) التقليل من الخروج من المنزل.

(7) التقليل من مخالطة البشر.

(8) غض البصر، حسن الخلق، الزهد في الدنيا.

(9) حفظ اللسان من آفاته جميعًا مثل: (غيبة، نميمة، كذب، رياء، بهتان، لغو، رفث، فضول ...).

(10) المحافظة على جميع السنن القبلية والبعدية للصلوات.

(11) المحافظة على السواك.

(12) دوام صدق التوبة باستمرار كل ساعة.

(13) صلة الرحم، بر الوالدين، صدقة كل يوم.

(14) إفطار صائمِين، إطعام فقراء ومساكين.

(15) تجريد النية وتحقيقها.

(16) علو الهمة والمنافسة.

(17) ختم القرآن أربع مرات على الأقل خلال الشهر مرة كل أسبوع.

(18) المحافظة على وردك من الذكر يوميًّا خمسة آلاف مرة (ألف استغفار، ألف سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، ألف الباقيات الصالحات، ألف صلاة على النبي، وألف وِرد مختلف يوميًّا: تهليل، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، ومن زاد فهو أفضل.

(19) عدم مشاهدة التلفاز.

(20) الدعاء بظهر الغيب لجميع المسلمين.

(21) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(22) الكف عن المعاصي تمامًا في رمضان وتجديد التوبة كل ساعة.

وصيتي لك ..

أيام رمضان أيام تُصان، هي كالتاج على رأس الزمان، وصل توقيع القدم من الرحيم الرحمن: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185].

ياله من وقت عظيم الشأن تجب حراسته مما إذا حل شأن، كأنكم به قد رحل وبان، ووجه الصالح مع الله ما بان، فسوف يكون عليك شاهد {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

فمن اللازم أن تحُرس فيه العينان، من الواجب أن يُحفظ فيه اللسان، من المتعين أن تُمنع الخُطا في الخطأ القدمان فإنه شهر عظيم الشَّان: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

إخوتاه .. زِنوا أعمالكم في هذا الشهر بميزان، اشتروا خَلَاصَكُم بما عز وهان، فإن عجزتم فسلوا المعين وقد أعان، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

إخوتاه .. قد ذهبت السَّنَةُ وضاعت البضاعة ما بين التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعةً بعد ساعة، والشمس والقمر بحسبان، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

يا واقفًا في مقام التحير، هل أنت على عزمِ التغير، إلرل متى ترضى بالنزول في منازل الهوان، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

في زمن مضى هل مضى من أيامك يومٌ صالح، سلِمتَ فيه من جرائم القبائح، تالله قد سبق الرابح، وأنت راضٍ بالخسران في شهر رمضان، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

عينك مطلقةٌ في الحرام، ولسانك منبسطٌ في الآثام، ولأقدامك على الذنوب إقدام، والكل في الديوان حتى في {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

قلبك غائب في صلواتك، وفكرك ينقضي في شهواتك، فإن ركن إليك رَاكِنٌ في معاملاتك؛ دخلت به خَانَ مَنْ خَان، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

يا هذا .. أكثرُ كلامِك لهوٌ وهَذَر، والوقت بالتفريط شَزَرَ مَزَر، فإن اغتبت مسلمًا لم تُبْقِ ولم تَذَر، الأمان منك الأمان ولو في {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

تالله لو عَقَلْتَ حالك، أو ذكرت ارتحالك، أو تصورت أعمالك؛ لبنيت بيت الأحزان، واعتكفت في {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

أخي في الله، سيشهد رمضان عليك، بنطق لسانك، ونظر عينيك، وسيُشار يومَ الجمع إليك: شقي فلان بن فلان؛ لأنه ضيع {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

أخي .. في كل لحظة تقترب من قبرك، فانظر لنفسك في تدبير أمرك، وما أراك إلا في أول شهرك الأول والآخر سِيَّان، متى تصبح في {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

إخوتاه .. قد ذهب العام ومن شعبان النصف، وما أرى من عملك النصف، فإن كان في الماضي قد قبح الوصف؛ فقم الآن .. قم الآن وادع الله أن يصلحك في {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

فضائل شهر رمضان

رمضان شهر نزول القرآن والكتب السماوية

عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشر خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان" [٣٠] .

قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) [البقرة: 185] ، وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [القدر:1] . وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) [الدخان: 3] .

قال ابن جرير الطبري: "نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما أراد الله إنزاله إليه".

عن ابن عباس قال: "أنزل القرآن جملة من الذكر [٣١] ، في ليلة أربع وعشرين من رمضان[٣٢]فجعل في بيت العزة.

وعن سعيد بن جبير: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان فجعل في سماء الدنيا. وعن ابن عباس: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا، جملة واحدة، ثم فرّق في السنين بعدُ. قال: وتلا ابن عباس هذه الآية. (فلا أقسم بمواقع النجوم) [الواقعة: 75] قال: نزل مفرقاً [٣٣] .

أنزل في فضله القرآن: قاله سفيان بن عيينة [٣٤] . والقرآن: "كتاب هذه الأمة الخالد، الذي أخرجها من الظلمات إلى النور فأنشأها النشأة وبدَّلها من خوفها أمناً، ومكَّن لها في الأرض، ووهبها مقوماتها التي بها صارت أمة، ولم تكن من قبل شيئاً، وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض، ولا ذكر في السماء، فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم الشهر الذي نزل في القرآن" [٣٥]

القرآن كتاب هذه الأمة، هو روحها وباعثها، وقوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها، هو بيانها وترجمانها، هو دستورها ومنهجها، وهو زاد الطريق.

ولكن ستظل هناك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا، ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية ذات وجود حقيقي، ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة، وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك.

سيظل هناك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة، لا علاقة لها بواقع الحياة البشرية، بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوساً ووقائع وأحداثاً حية، لقد خاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كلها معها، ولكنه مع هذا يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة، وكأنما هو يتنزل اللحظة الأخيرة لمواجهة الجماعة المسلمة في شئونها الجارية وفي صراعها الراهن، وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير" [٣٦] .

في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة".

قال ابن رجب: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان". وفى حديث فاطمةَ عليها السلام عن أبيها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين.

وفي حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً) [المزمل: 6] .

فكتاب الله أفضل مؤانس وسميرك إذا احلولكت ظلمة الحنادس. نعم السمير كتاب الله إن له ... حلاوة هي أحلى من جني الضرب به فنون المعاني قد جمعن فما ... تفتّر من عجب إلَّا إلى عجب أمر ونهي وأمثال وموعظة ... وحكمة أودعت في أفصح الكتب لطائف يجتليها كل ذي بصر ... وروضة يجتنيها كل ذي أدب

قال تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرّاً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور) [فاطر: 29-30] . قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أوصيك بتقوى الله تعالى؛ فإنه رأس كل شيء وعليك بالجهاد فإنه

"كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة"

"وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث" .

والشافعي قال عنه ربيع بن سليمان: "كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلا في صلاة".

وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: كنت أختم القرآن في رمضان ستين مرة. وقال الحميدي: كان الشافعي يختم القرآن كل يوم ختمة، وعن أبي حنيفة نحوه) .

"وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الرجوي يختم كل يوم".

وأبو العباس بن عطاء: قال عنه أبو الحسين محمد بن علي صاحب الجنيد: "صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدباً بآدابه، وكان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات".

قال النووي: "روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهداً رحمه الله كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء" وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل" .

وعن منصور: "كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان"

قال ابن رجب: وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام. قال ابن الحكم. كان مالك إذا دخل رمضان يفرّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم. قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكانت عائشة (رضي الله عنها) تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت. وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه. "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصاً في الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد، وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره" (1) . قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون. قال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه يشير إلى سهره وطول تهجده. قال وهيب بن الورد: قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي. قال أحمد بن الحواري: إني لأقرأ القرآن وانظر في آية فيحير عقلي بها،


رمضان شهر التراويح والتهجد

شهر رمضان شهر المصالح، شهر التهجد والتراويح، واهاً لأوقاته من زواهر ما أشرفها، ولساعاته التي كالجواهر ما أظرفها، أشرقت لياليها بصلاة التراويح، وأنارت أيامها بالصيام والتسبيح، حليتها الإخلاص والصدق، وثمرتها الخلاص والعتق.

فطوبى لعبد صام نهاره، وقام أسحاره ... يا حسنه ومصابيح النجوم تزهر، والناس قد ناموا وهو في الخير يسهر، غسل وجهه من ماء عينه وعَين العين أطهر.

وكم من فوائد ومعان في التراويح: 1-قيام رمضان من الإيمان، ومغفرة لسالف الذنوب قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" [٣٧] وزاد مسلم في أوله: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرغِّبُ في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمته ثم يقول: "من قام رمضان ... "

قال الألباني: "هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تغفر له بسبب هذه العبادات، فإن لم يكن للإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب"


2-استحقاق قائمة اسم الصديقين والشهداء:

وهذا فيض الكريم وجوده يسوقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفيه الغنم كل الغنم: "جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذ شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فَمِمن أنا؟ قال: "من الصديقين والشهداء" [٣٨]. ولفظ ابن خزيمة: "جاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجل من قضاعة، فقال له: إن شهدت ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات وصمت الشهر وقمت رمضان، وآتيت الزكاة؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء".

كان عمر بن الخطاب إذا دخل أول ليلة من رمضان يصلي المغرب ثم يقول: "أما بعد، فإن هذا الشهر كُتب عليكم صيامه، ولم يُكتب عليكم قيامه، فمن استطاع منكم أن يقوم فليقم، فإنها نوافل الخير التي قال الله"

.

وقال أحدهم: ما على أحدكم أن يقول: الليلة ليلة القدر، فإذا جاءت أخرى قال: الليلة ليلة القدر". وكان ابن عون إذا جاء شهر رمضان جاء برمل فألقاه في المسجد، ثم يقول لبنيه: "ما تبتغون بعد شهر رمضان وكان لا ينام"

3- من قام مع إمامه كتب له قنوت ليلة: جاء في حديث أبي ذر قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة" [٣٩] .

قال الألباني: [والشاهد من هذا الحديث قوله: "من قام مع الإمام ... " فإنه ظاهر الدلالة على فضيلة قيام رمضان مع الإمام] .

قال صاحب عون المعبود: "حصل له ثواب قيام ليلة تامة".

وعن أبي إسحاق الهمداني: خرج علي بن أبي طالب في أول ليلة من رمضان، والقناديل تزهر في المسجد، وكتاب الله يتلى فجعل ينادي: نوّر الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نوّرت مساجد الله بالقرآن"

فاتق الله في عمرك، وأقبل على صلاة التراويح يقبل الله عليك وانظر إلى سلفك من الصحابة.

عن السائب بن يزيد أنه قال: "أمر عمر بن الخطاب أبيّ بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنّا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر" خشية أن يفوتنا الفلاح: السحور .


رمضان شهر تكفير الذنوب

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أتاني جبريل، فقال: يا محمد، من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، قال: يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات ولم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، قال: ومن ذُكرت عنده فلم يُصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين" [٤٠] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "رغم أنف [٤١] رجل ذُكرت عنده فلم يصل على، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" [٤٢] .

قال المناوي. "رغم أنف من علم أنه لو كفّ نفسه عن الشهوات شهراً في كل سنة، وأتى بما وُظفَ له فيه من صيام وقيام غفر له ما سلف من الذنوب فقصّر ولم يفعل حتى انسلخ الشهر ومضى، فمن وجد فرصة عظيمة بأن قام فيه إيماناً واحتساباً عظّمه الله، ومنْ لم يعظِّمه الله حقَّره وأهانه" [٤٣] .

"والغفران مشروط بشرطين: الإيمان والاحتساب، وهما مدار الفرق بين العادة والعبادة فبدونهما يكون الصوم إرثاً وتقليداً قلّما يدفع صاحبه إلى الخير وينهاه عن الشر" [٤٤].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" [٤٥]


وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". قال الخطابي: " (إيماناً واحتساباً) أي نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق والرغبة في ثوابه، طيبة به نفسه غير كاره له، ولا مستثقل لأيامه لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب".

وقال البغوي: "احتساباً" أي طلباً لوجه الله وثوابه: يقال فلان يحتسب الأخبار ويتحسبّها: أي يتطلبها. قال المناوي: "أي صام أيامه كلها إيماناً بفرضيته ومصدقاً طلباً للثواب".

قال الحافظ ابن حجر: ظاهره يتناول الصغائر والكبائر وبه جزم ابن المنذر. وقال النووي: "المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، وقال بعضهم. ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة".

وقال المناوي: "غفر له ما تقدم من ذنبه" لكنْ خصه الجمهور بالصغائر والتصديق والاحتساب وهو الطواعية شرط لنيل الثواب والمغفرة في صوم رمضان، فينبغي الإتيان به بنية خالصة وطويّة صافية امتثالاً لأمره تعالى واتكالاً على وعده من غير كراهية وملالة لما يصيبه من أذى الجوع والعطش وكلفة الكفّ عن قضاء الوطر، بل يحتسب النصب والتعب في طول أيامه، ولا يتمنى ساعة انصرافه ويستلذ مضاضيته".

يا مضيعاً اليوم تضييعه أمس، تيقظ.... ويحك ... فقد قتلت النفس، وتنبه للسحور فإلى كم نحس، واحفظ بقية العمر فقد بعت الماضي بالبخس.

يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه، يا مؤثراً الهوى على التقى لقد ضاع حزمه، يا معتقداً صحته فيما هو سقمه، يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا طويل الأمل وقد رق عظمه .

يا لديغ الأمل قد بالغ فيه سمه.... حبال الأمل رثاث، وساحر الهوى نفّاث، رحل العصاة إلى ظلام الأجداث، باتوا شباعاً من المعاصي فإذا هم غِراث .

يا قليل العبر وقد رحل أبوه وأمه، يا من سيجمعه اللحد عن قليل ويضمّه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه. كيف يُوقظ من نام قلبه لا عينه ولا جسمه؟!

رمضان شهر الجود والإحسان

في حديث أبي هريرة: " ... وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة". وعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لله عند كل فطر عتقاء" (1) . رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجود الناس: وقد جبل الله نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أكمل الأخلاق وأشرفها، وكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيّ أجود بني آدم. في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وزاد أحمد في آخره "لا يسأل عن شيء إلى أعطاه". قال ابن حجر في "الفتح" (4/139) : "قال الزين بن المنير: وجه التشبيه بين أجوديته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سبباً لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أيْ فيعم خيره وبره مَنْ هو بصفة الفقر والحاجة، ومَنْ هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعمّ الغيث الناشئة عن الريح المرسلة". - وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحسن الناس وأشجع الناس، وأجود الناس. "وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولم يزل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافاً كثيرة. - وفي "صحيح مسلم" عن أنس قال: "ما سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة".

وفي رواية: "يعطي عطاء ما يخاف الفقر".

قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.

وفيه أيضاً عن صفوان بن أمية قال: "لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليّ فما برح يعطني حتى إنه لأحب الناس إليّ". قال ابن شهاب أعطاه يوم حنين مائة من الغنم ثم مائة ثم مائة.

- وفي مغازي الواقدي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى صفوان يومئذ وادياً مملوءً إبلاً ونعماً فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.

- وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أن الأعراب علقوا بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرجعه من حنين يسألونه أن يقسم بينهم فقال: "لو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً".

وفيهما عن جابر قال: ما سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئاً فقال لا، وأنه قال لجابر: "لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا وقال بيديه جميعاً". - وخرج البخاري من حديث سهل بن سعد أن شملة أهديت للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلبسها وهو يحتاج إليها فسأله إياها رجل فأعطاه فلامه الناس وقالوا كان محتاجاً

وفي تضاعف جوده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:

- منها شرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه. -ومنها إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعاتهم فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم. وفي حديث زيد بن خالد رضي الله عنه، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" (2) . وفي حديث آخر: عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من فطر صائماً، أو جهز غازياً، فله مثل أجره" (3) . -ومنها أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار لا سيما في ليلة القدر. والله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل. -ومنها أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما جاء في حديث علي رضي الله عنه، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن في الجنة غرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها قالوا: لمن هي يا رسول الله قال: لمن طيّب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام"، وهذه الخصال كلها كون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام.

-ومنها أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم: والمباعدة عنها وخصوصاً إذا ضم إلى ذلك قيام الليل. فالصيام جنة، وفي حديث معاذ: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وقيام الرجل من جوف الليل" يعني أن يطفئ الخطيئة أيضاً وقد صرّح بذلك في رواية الإمام أحمد. وفي الحديث الصحيح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اتقوا النار ولو بشق تمرة".

-ومنها: الصدقة تجبر ما في الصوم من خلل: إن الصيام لابد أن يقع فيه خلل أو نقص، وتكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه.


رمضان شهر فتح أبواب الجنان غلق أبواب النيران

- عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا جاء رمضان، فُتحتْ أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار وصُفدت الشياطين" [٤٦]. وفي رواية لمسلم: "فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين". - وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفّدت (أي شدت بالأغلال) الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ويناد مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة" [٤٧] . وفي رواية ابن خزيمة: الشياطين مردة الجن أي بغير واو. - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم" [٤٨] . اعلم يا أخي أن فتح أبواب الجنة في رمضان حقيقة لا تحتاج إلى تأويل وهذه نعمة عظيمة ومنة كريمة من الله يتفضل بها على عباده في هذا الشهر فأبواب الجنان مغلقة لا تفتح إلا في تمام النعمة. يقول ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) الآية [الزمر: 73] .

رمضان شهر الصبر والتربية

والصبر جواد لا يكبو، وصارم لا ينبو، وجند لا يهزم، وحصن حصين لا يهدم، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد.

- وقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب، أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب.

- وأخبرهم أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين) [الأنفال: 46] ، فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة.

- وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) [السجدة: 24] . - وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً باليمين، فقال تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) [النحل: 126] .

- وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط فقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط) [آل عمران: 120] .

- وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصّلاه إلى محل العز والتمكين فقال: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [يوسف: 90] .

- وعلّق الفلاح بالصبر والتقوى، فعقل ذلك منه المؤمنون، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) [آل عمران: 200] .

- وأخبر عن محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى: (والله يحب الصابرين) [آل عمران: 146] .

- ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون فقال تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون - أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) [البقرة: 155، 156] . - وأوصى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: 45] .

- وجعل الفوز بالجنة لا يحظى به إلا الصابرون فقال تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) [المؤمنون: 111] .

- وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أولو الصبر المؤمنون فقال تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون) [القصص: 80] .

- وأخبر أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم، وأن هذه الخصلة لا يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. - وأخبر سبحانه خبراً مؤكداً بالقسم: (إن الإنسان في خسر - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر: 2، 3] .

- وقسّم خلقه قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة، وخص أهل الميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة. - وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييزا لهم بهذا الحظ الموفور. فقال في أربع من آياته: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) .

- وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، وذلك على من يسّره يسير فقال: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) .

- وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور، فقال: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) [الشورى: 43] .

- وأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالصبر والحكمة، وأخبر أن صبره إنما هو لربه وبذلك جميع المصائب تهون.

- وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما رزق عبد خيراً له ولا أوسع من الصبر" [٤٩].

- قال عمر بن الخطاب: "أفضل عيش أدركناه بالصبر".

وقال عليّ بن أبي طالب: الصبر مطية لا تكبو، وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطه الله إلا لعبد كريم عنده، وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبده نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عَوّضه خيرا مما انتزعه"


رمضان شهر الشكر

رمضان شهر الشكر والحياء.. ولو سجدنا لله على إبر الشوك إلى يوم لقياه ما قدرنا حق عطاياه.. فكيف بنعم الله وفضله في رمضان شكر على الإسلام وكفى بها نعمة! أم شكر على نعمة البقاء وإدراك رمضان ونحن أحياء؟ أم شكر على غفران الذنوب؟ أم شكر على فتح أبواب الجنان؟ أم شكر على غلق أبواب النيران؟ أم شكر على تصفيد الشياطين؟ أم شكر على إجابة الدعاء؟ أم شكر على العتق من النيران؟ أم شكر على رفرفة الأرواح نحو الملأ؟ أم شكر على التحرير من ثقلة الأرض وحمأة الطين؟ أم شكر على التهجد والتراويح؟ أم شكر على الصدقات والتسبيح؟ أم شكر على مواساة الفقير؟ قال تعالى: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) .

الشكر لله درجات، تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته، وتنتهي بالتجرد لشكره، والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن، وفي كل لفظة لسان وفي كل قطرة جنان.. مع كل خفقة ووجيب قلب. ومن كلام شيخ الإسلام ابن القيم مفرقاً: "جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة فقال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) ، وقال: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) . ومنزلة الشكر من أعلى المنازل، وهي فوق "الرضى" وزيادة، فالرضى مندرج (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) [البقرة: 152] .

- وقرن سبحانه الشكر بالإيمان فقال تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) الآية.

- وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنّته عليهم من بين عباده فقال تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) [الأنعام: 53] .

- وقسّم العباد إلى شكور وكفور قال تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) [الإنسان: 3] - وقد أمر الله به، ونهى عن ضده وذمه، فقال تعالى: (إن الإنسان لربه لكنود) [العاديات: 6] . يعد المصائب وينسى النعم.

- وهو غاية الرب من عبده، وهو الغاية من خلقه وأمره، قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [النحل: 78] .

- وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من يشكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال: (واشكروا لله إن كنتم إيّاه تعبدون)

- وأول وصية وصى بها الإنسان بعد ما عقل عنه الشكر له وللوالدين: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته

أمه وهناً على وهن وفصالُه في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير) [لقمان: 14] .

- وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى: (وإن تشكروا يرضه لكم) .

- وأثنى على أهله ووصف به خواصّ عباده، وأثنى عليه خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشكر نعمه فقال: (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) [النحل: 121] ، فختم صفات خليله بأنه شاكر، فجعل الشكر غاية خليله.

- وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى: (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) [الأعراف: 144] .

- وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال تعالى: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً) [الإسراء: 3] ، وفي تخصيص نوح ها هنا بالذكر، وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني، فإن الله لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلاً إلا من ذريته كما قال تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين) [الصافات: 77] . - وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه كقوله: (وقليل من عبادي الشكور) .

- وقابل الله سبحانه بين الشكر والكفر فقال عن نبيه سليمان عليه الصلاة والسلام (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني كريم) [النمل: 40] .

- ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سبباً للمزيد من فضله (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) [إبراهيم: 7] . "فاللهم إنا نعوذ بك أن نبدل نعمتك كفراً، وأن نكفرها بعد أن عرفناها، وأن ننساها ولا نثني بها" كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

رمضان شهر الدعاء المستجاب

إن لم يكن رمضان وقت الدعاء المستجاب ففي أي شهر يكون الدعاء؟ وهو وقت الشفاة الذابلة والطاعة الكاملة، والبطون الضامرة، وقت نزول الملائكة، وقت فتح أبواب الرحمة وأبواب السماء قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [البقرة: 186] .

وعجيب وجميل أن يذكر الدعاء وسط الكلام عن الصيام وأحكامه.

قال الشيخ محمد رشيد رضا: هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام إلى خطاب الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يذكرهم ويعلمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص والتوجه إليه وحده بالدعاء الذي يعدهم للهدي والرشاد.

قال البيضاوي في "وجه الاتصال": "واعلم أنه تعالى أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيداً له وحثاً عليه" . - وقال الرازي في "التفسير الكبير": "في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها الأول: أنه تعالى لماّ قال بعد إيجاب فرض الصوم وبين أحكامه (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) فأمر العبد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر، بينّ أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه، ويجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه .

الثاني: أنه أمر بالتكبير أولاً، ثم رغّبه في الدعاء ثانياً، تنبيهاً على أن الدعاء لابد وأن يكون مسبوقاً بالثناء الجميل.

الثالث: أن الله تعالى لماّ فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم، فشقّ ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبراً لهم بقبول توبتهم، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم.

قبل أن يمضي سياق الآيات التي تتحدث عن الصوم في سورة البقرة في "بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام، وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك.. نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة. نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم، والجزاء المعجل على الاستجابة لله.. نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله، وفي استجابته للدعاء.. تصوره ألفاظ رفافة شفافة تكاد تنير: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [البقرة: 186] .

فإني قريب.. أجيب دعوة الداع إذا دعان.. أية رقة؟ وأي انعطاف؟ وأية شفافية؟ وأي إيناس؟ وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود، وظل هذا القريب، وظل هذا الإيناس؟

وفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة: إضافة العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه.. لم يقل لهم، فقل لهم: إني قريب.. إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال.. قريب.. ولم يقل أسمع الدعاء.. إنما عجل بإجابة الدعاء.. (أجيب دعوة الداع إذا دعان) .

إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين.. ويعيش منها المؤمن في جناب رضى وقربى نديّة، وملاذ أمين وقرار مكين.

وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الوحية يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح.

- وعليه بآداب الدعاء وهي عشرة: (الأول) أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع ووقت السحر من ساعات الليل. (الثاني) أن يغتنم الأحوال الشريفة وهذه الأوقات والأحوال التي فيها يستجاب الدعاء: 1- وقت التنزل الإلهي في الثلث الاخير من الليل. 2- في السجود. 3- أن يبيت على ذكر فيتعار من الليل فيدعو: 4- عند الأذان: 5- بين الأذان والإقامة. 6، 7، 8- عند نزول المطر، وعند التقاء الجيوش، وعند إقامة الصلاة. 9- آخر ساعة من نهار الجمعة. 10- دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب. 11- دعوة المسافر. 12- دعوة المظلوم. 13- دعوة الوالد لولده. 14- دعوة الصائم. 15- عدم العجلة: 16- دعاء رمضان: فهو وقت صيام، وزمان شريف.

(السادس) التضرع والخشوع والرغبة والرهبة: قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية) .

وقال تعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً) الآية.

(السابع) أن يجزم بالدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه.

(الثامن) أن يلح في الدعاء ويعظم المسألة ويكرر الدعاء ثلاثاً


قال ابن مسعود: "كان عليه السلام إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً" .

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه"

(التاسع) أن يفتتح الدعاء بذكر الله والثناء عليه وأن يختمه بالصلاة على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كل دعاء محجوب حتى يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -" [٥٠]

(العاشر) وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: "التوبة ورد المظالم والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة، فذلك هو السبب القريب في الإجابة".

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم

رمضان شهر مضاعفة الأجر

اعلم يا أخي أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب:

- منها شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم: ولذلك تضاعف الصلاة في مسجدي مكة والمدينة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".

- ومنها شرف العامل عند الله وقربه منه وكثرة تقواه: كما يضاعف أجر هذه الأمة على أجور من قبلهم من الأمم وأعطوا كفلين من الأجر.

- ومنها شرف الزمان كشهر رمضان وعشر ذي الحجة.

وفي الصحيحين عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة" [٥١] .

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "عمرة في رمضان كحجة معي" [٥٢] ، وعند مسلم "عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي".

قال المناوي (4/361) : "أي تقابلها وتماثلها في الثواب لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت، ولا تقوم مقامها في إسقاط الفرض بالإجماع".

قال ابن العربي: هذا صحيح مليح وفضل من الله ونعمة نزلت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها. وفيه أنه يسن إكثار العمرة في رمضان وعليه الشافعية.

قال ابن رجب: "ذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره". ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة، فلما كان الصيام في نفسه مضاعفاً أجره بالنسبة إلى سائر الأعمال كان صيام شهر رمضان مضاعفاً على سائر الصيام لشرف زمانه، وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها" (1) . فهلمّ إلى فعل الخير أما ترى دعاء الملك في رمضان إلى الخيرات والتقصير من السيئات "يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر".


رمضان شهر تصفيد الشياطين

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين" [٥٣] . وعند مسلم: "فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".

- وعند الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب".

ولفظ ابن خزيمة "صفدت الشياطين مردة الجن" بغير واو.

- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أتاكم شهر رمضان، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين" [٥٤] .

قال ابن خزيمة في صحيحه (3/187-188) : " لفظ عام مراده خاص في تصفيد الشياطين إنما أراد بقوله "صفدت الشياطين" مردة الجن منهم، لا جميع الشياطين، إذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم".

وقال ابن حبان في "الإحسان" (8/221) : "إنما يصفد الشياطين في شهر رمضان مردتهم دون غيرهم". - والتصفيد على ظاهره ولا حاجة للتأويل وصرف اللفظ عن ظاهره، نؤمن بهذا.

- قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/136-137) : "قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقوا السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل

أن يكون أن المراد لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع للشهوات، وبقراءة القرآن والذكر.

وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه.

قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين.

وقال الزين بن المنير: والأول أَوْجَه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره.

وقال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية.

وقال القرطبي بعد أن رجّح على ظاهره: فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين بالصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات.

أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع فيه شر ولا معصية لأن لذلك أسباباً غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية.

وقال غيره في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له: قد كُفّت الشياطين عنك، فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية".

رمضان شهر تربية المجتمع

"وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صياماً كلهم فإن الصوم يكون يسيراً عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي يلتقي عليه الجميع".

إن الذي يقارن بين صوم النافلة وصوم رمضان يجد أن في صوم النافلة شيئاً من الكلفة بينما يجد أن صوم رمضان المفروض يسير سهل لا كلفة فيه ولا مشقة للسبب الذي سلف ذكره، حيث أن الصائم في رمضان لا يرى حوله إلا صائمين مثله، فإن خرج إلى السوق وجد الناس فيه صياماً، وإن دخل البيت وجد أهله صياماً، وإنْ ذهب إلى دراسته أو عمله وجد الناس صياماً.. وهكذا فيشعر بمشاركة الجميع له في إمساكه فيكون ذلك عوناً له ومُنْسياً له ما قد يجده من المشقة ولذلك نجد المسلمين الذين يدركهم رمضان في بلاد كافرة دفعتهم الضرورة للذهاب إليها؛ إما لمرض أو لغيره نجدهم يعانون مشقة ظاهرة في صيام رمضان لأن المجتمع من حولهم مفطرون يأكلون ويشربون وهم مضطرون لمخالطتهم.

إذن فشعور الصائم بأن الناس من حوله يشاركونه عبادته يخفف عليه أمر الصوم ويعينه على تحمله بيسر وسهولة وهذا الأمر ملحوظ حتى في المجتمعات التي لم يبق فيها إلا بقايا قليلة للإسلام، فإنك تجد آثار رمضان ظاهرة على الجميع حتى الفساق في ذلك المجتمع الذي غلب عليه الفساد يظهر عليهم أثر هذا الشهر الكريم، وفي ذلك -بلا شك- تربية للمجتمع بجملته.

ومن هنا كانت عناية الإسلام بإصلاح المجتمعات عناية كبيرة، فالفساد بصفته حوادث فردية لا مناص من وقوعه في المجتمع وقد وقع شيء من تلك الحوادث الفردية في مجتمع الصحابة الأطهار، فكان هناك من سرق ومن شرب الخمر ومن زنى فهذا الأمر لابد من وقوعه، لكن الذي لا يصح أن يقع في المجتمع المسلم هو أن تعلن المنكرات ويجاهر بها فيتلوث المجتمع العام ويصبح من العسير على الفرد الذي يريد طريق الخير أن يهتدي لأن المجتمع يضغط عليه ويثنيه عن غايته.

ومن هذا المنطلق حرص أعداء الإسلام على إفساد المجتمعات الإسلامية، ولعلّ من أحدث وسائلهم في ذلك ما يسمى (البث المباشر) وهذه الوسيلة -مع ما يعترض طريقها من صعوبات- متوقعة الحدوث، ولا ريب أن فيها من الشرور والأخطار على المجتمع الإسلامي فكرياً وعقدياً وأخلاقياً وتقليدياً ما لا يخفى. فالحاصل أن تربية المجتمع من مقاصد الإسلام، والصوم من وسائل ذلك، وأثره في ذلك المجال واضح ولعلّ من مظاهر ذلك -إضافة إلى ما سبق- أنك تجد صغار السن في المجتمع يصومون، وتجد أهل الفسق يستترون بالعصيان، وترى الكفار لا يستطيعون أن يعلنوا الأكل والشرب"

رمضان شهر ليلة القدر

وليلة القدر ليلة يفتح فيها الباب، ويقرب فيها الأحباب، ويسمع الخطاب ويرد الجواب ويُسنى للعاملين عظيم الأجر.

هي ليلة عتق ومباهاة، وخدم ومفاجأة، وقربة ومصافاة.

قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر - وما أدراك ما ليلة القدر - ليلة القدر خير من ألف شهر - تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر - سلام هي حتى مطلع الفجر) [القدر كاملة] . "الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال. ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً، العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري.

تنزل الملائكة وجبريل معهم في ليلة القدر من كل أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل. قال قتادة: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. (سلام هي حتى مطلع الفجر) .

قال ابن جرير: سلام ليلة القدر من الشر كله من أولها إلى طلوع الفجر من ليلتها. قال قتادة: "هي خير كلها إلى مطلع الفجر" (2) .

عن أنس رضي الله عنه قال: "دخل رمضان، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم" [٥٥] .


- ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقاً مع نور الوحي ونور الملائكة، وروح السلام المرفرف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود (سلام هي حتى مطلع الفجر) ، قد يكون معناه التقدير والتدبير. وقد يكون معناه القيمة والمقام. وكلاهما يتفق مع ذلك الحدث العظيم.. حدث القرآن والوحي والرسالة.. ليس أعظم منه ولا أقوم في أحداث هذا الوجود وليس أدل منه كذلك على التقدير والتدبير في حياة العبيد.

وهي خير من ألف شهر. والعدد لا يفيد التحديد. في مثل هذه المواضع من القرآن إنما يفيد التكثير. والليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر.

فكم من آلاف الشهور وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار وتحولات.

قال الزهري: سميت ليلة القدر لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم لفلان قدر أي شرف ومنزلة. "ليلة القدر: قال مجاهد: ليلة الحكم. وقال سعيد بن جبير: يؤذن للحجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم، وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم". قال رجل للحسن وأنا أسمع: رأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال: نعم، والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة القدر "فيها يفرق كل أمر حكيم" فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها. عن ابن عمر: ليلة القدر في كل رمضان. (وما أدراك ما ليلة القدر - ليلة القدر خير من ألف شهر) . قال ابن جرير: قال بعضهم معنى ذلك العمل في ليلة القدر بما يرضي الله، خير من العمل في غيرها ألف شهر. عن مجاهد قال: "عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر".

وقال عمرو بن قيس الملائي: "عمل فيها خير من عمل ألف شهر".

وقال آخرون: معنى ذلك أن ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.

عن قتادة: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وسرد أقوال أخرى، ثم قال ابن جرس: وأشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنزيل قول من قال: عمل في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر"

عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها، قال: قولي "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" [٥٦] ليلة القدر: قال ابن حجر: "وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل. وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الجمهور ليلة سبع وعشرين" (4) .

فيا مَنْ ضاع عمره في لا شيء استدرك ما فات فى ليلة القدر فإنها تحسب بالعمر. شفيت بها قلباً أطيل غليله ... زمانا فكانت ليلة بليالي

معاني الصوم

الإخلاص عنوان الصوم

أحلى أعطيات الصوم وأغلى معانيه الإخلاص، والإخلاص لله خلاص وتجرد بعيداً بعيداً عن أوحال الأرض. والصوم هو العبادة الوحيدة التي خُصَّت بالنسبة إلى الله "إلا الصيام فإنه لي" (1) .

وكما قال الإمام أحمد: لا رياء في الصوم، فلا يدخله الرياء في فعله، من صفى صفى له، ومن كَدَّر كدر عليه، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، وإنما يُكال للعبد كما كال.

والجنة لا تطلب إلا قلباً خالصاً لله (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) [يوسف:79] . والصوم يعلم الناس الإخلاص، فما صام منافق مرائي.

والغاية الواحدة في مصطلح القرآن هي الإخلاص وهي محور دعوات الرسل، يقول تبارك وتعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين..) [الزمر: 2] الآية، (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ... ) [الزمر: 11] الآية، (قل الله أعبد مخلصاً له ديني..) [الزمر: 14] الآية، (وادعوه مخلصين له الدين ... ) [الأعراف: 29] الآية، (فادعوا الله مخلصين له الدين) [غافر: 14] الآية.

والإخلاص: التعري عما دون الله ونسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.. أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة وإخراج الخلق عن معاملة الرب.

التقوى حكمة الصوم العليا

قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة: 183] . إن الغاية الأولى هي إعداد القلوب للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله تعالى، "هكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم.. إنها التقوى.. فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثاراً لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها، ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفاً وضيئاً يتجهون إليه عن طريق الصيام (لعلكم تتقون) ثم يثني بتقرير أن الصوم أيام معدودات، فليس فريضة العمر وتكليف الدهر، ومع هذا فقد أعفى من أدائه المرضى حتى يصحِّوا، والمسافرون حتى يقيموا تخفيفاً وتيسيراً.

وظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد، فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر، وهذا هو الأولى في فهم النص القرآني، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومع الضرر لإرادة اليسر بالناس لا العسر.

فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات، إنما يقودهم بالتقوى وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى.

والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء، لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق.

وهذا الدين دين الله لا دين الناس، والله أعلم بتكامل هذا الدين، بين مواضع الترخص ومواضع التشدد، وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها، بل لابد أن يكون الأمر كذلك، ومن ثم أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخص لهم.

وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال، فإن صلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام، ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع، وسد للذرائع، فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف، إذ هي حساب بين العبد والرب، والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب، وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت، ولم يستخدم الرخصة إلى حيث يرتضيها قلبه، ويراها وهى الأولى

.

ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون

"هذه غاية من غايات الفريضة.. أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم، وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة، وهم مكفوفو القلب عن التفكير في المعصية، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها.. وهم شاعرون بالهدى ملموساً محسوساً، ليكبروا الله على هذه الهداية، وليشكروه على هذه النعمة، ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة، كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام "لعلكم تتقون" وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقّاً على الأبدان والنفوس، وتتجلى الغاية التربوية منه، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير" .[٥٧]

"وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر إشارة إلى أن الله يعبد بالصوم، وأنه منزَّه عن ضراوة الأصنام" [٥٨] .

"ولعلكم تشكرون" تعليل آخر وهو أعم من مضمون جملة "ولتكبروا الله ... " فإن التكبير تعظيم يتضمن شكراً والشكر أعم لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله ويكون بفعل القرب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر" .


لقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة به على البشرية، وللشهادة على الناس، فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها واحتمال ضعفها وثقلها، إيثاراً لما عند الله من الرضى والمتاع، وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك؛ والذي تتناثر على جوانبه الرغاب والشهوات؛ والذي تهتف بالسالكيه آلاف المغريات" (2) .


الصوم رياضة للنفس على ترك الشهوات

إذا كان من المتعذر على الإنسان بما هو مستودع فيه أن يتجرد عن شهوة الجسد، إذ من المتعذر عليه الانقطاع البات عن إمداد جسده بما فطره الله فيه، فكان من اللازم لتطلب ارتقاء نفسه أن يتدرج به في الدرجات الممكنة من تهذيب شهوته وتخليصه من التوغل فيها بقدر الإمكان، لذلك كان الصوم من أهم مقومات هذا الغرض، لأن فيه خصلتين عظيمتين؛ هما: الاقتصاد في إمداد القوى الحيوانية وتعود الصبر بردها عن دواعيها "وبذلك يحصل للإنسان دُربة على ترك شهواته، فيتأهل للتخلق بالكمال، فإن الحائل بينه وبين الكمالات والفضائل هو ضعف التحمل للانصراف عن هواه وشهواته.

إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم يَنْه قلباً غاوياً حيث يَمَّما فيوشك أن تلقى له الدهر سبة ... إذا ذكرت أمثالُها تملأُ الفما

أشواق الروح بطبيعتها لا تنتهي، فيعارضها الجسم بجعل حاجاته غير منتهية، يحاول أن يطمس بهذه على تلك، وأن يغلِّب الحيوانية على الروحانية، فإذا أتى الصوم كفَّه وأمات أكثر نزعاته، ووضع لكل حاجة حدّاً ونهاية. يقول الرافعي: الصوم يصنع الإنسان صناعة جديدة، تخرجه من ذات نفسه وتكسر القالب الأرضي الذي صُبّ فيه، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه، فلا تغره الدنيا ولا يمسكه الزمان ولا تخضعه المادة، إذا كانت هذه هي صفات المستعبد بأهوائه لا الحرّ فيها، والخاضع بنفسه لا المستقل بها، والمقبور في إنسانيته لا الحيّ فوق إنسانيته؛ ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور لا وجود له إلا في حكم حواسه، فعمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله، ويتصل بكل شيء اتصالاً مبتوراً ينتهي في هوى من أهواء الحيوان الذي فيه، والصوم يطلق من سلطان نفسه، وينقح الآدمية فيه يجعله يجد نفسه، وموضع نفسه" [٥٩]

الصوم والمراقبة

الصوم أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرف له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع له لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظاً عند عروض كل رغيبة له -من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجة أو جمالها الداعي إلى ملابستها- أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها فلا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى، والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس مؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا ولسعادتها في الآخرة.

كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضاً، انظر هل يقدم من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟ هل يسهل عليه أن يراه الله آكلاً لأموالهم بالباطل؟ هل يحتال على الله في منع الزكاة؟ هل يحتال على أكل الربا؟ هل يقترف المنكرات جهاراً؟ هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستاراً؟ كلا! إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى وإذا نسي وألمّ بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) [الأعراف: 201] .

فالصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء؛ فأجدر بالصائم أن يكون حرّاً يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبداً للشهوات، إنما روح الصيام وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة".

رقيب حيّ في قلبه لا يرائيه ولا يجامله، ولا يخدع من تأويل ولا يُغرّ بفلسفة ولا تزين ولا يسكته ما تسول النفس، ولا يزال دائماً يقول للنفس: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك.

فضل الصيام

الفضيلة الأولى: الصائمون هم السائحون

قال تعالى: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) [التوبة: 112] .

قال ابن جرير: أمَّا قوله "السائحون" فإنهم الصائمون.

قالت عائشة: سياحة هذه الأمة: الصيام.

وقال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة: هم الصائمون.

الفضيلة الثانية: الصوم لا مثل له

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: "عليك بالصوم، فإنه لا عدل له". قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: "عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل له" [٦٠] . وفي رواية للنسائي قال: أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقلت: يا رسول الله، مرني بأمر ينفعني الله به، قال: "عليك بالصيام؛ فإنه لا مثل له

الفضيلة الثالثة:إضافته لله تعالى تشريفاً لقدره وتعريفاً بعظيم فخره

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، الصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يصخب، فإنْ سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" [٦١] . وفي رواية للبخاري: "يترك طعامه وشرابه من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها".

وعند ابن خزيمة قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، الصيام جُنة، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه"[٦٢] .

قال: " كل عمل ابن آدم له حسنة بعشر أمثالها, إلى سبعمائة ضعف, قال الله: إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به, يدع الطعام من أجلي يدع الشراب من أجلي ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلى، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك, وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه".


قال ابن عبد البر: كفى بقوله: "الصوم لي" فضلاً للصيام على سائر العبادات وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: "الصيام لي وأنا أجزي به" مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال:-

أحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره.

قال أبو عبيد في غريبه: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى على الناس، وهذا وجه الحديث عندي".

قال القرطبي: "لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يَطّلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: "يدع شهوته من أجلي". وعند مالك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، فالصيام لي بزيادة الفاء وهي للسببية، أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي.

وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلَّ أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم. وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لمَّا كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم بخلاف الصوم، فإن حال الممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً، يعني في الصورة الظاهرة.

ومعنى: "لا رياء في الصوم" أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها.

الفضيلة الرابعة: رفعة الدرجات

قال الحافظ ابن حجر: "المراد بقوله: "وأنا أجزي به" أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس.

قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير.

ويشهد لهذا السياق رواية الموطأ، وكذا رواية الأعمش عن أبى صالح حيث قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله" قال الله: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" أي أجازي عليه جزاءً كثيراً من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) انتهى, والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال قلت: وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [٦٣]

قال المناوي: "وأنا أجزي به" إشارة إلى عظم الجزاء عليه وكثرة الثواب لأن الكريم إذا أخبر بأنه يعطي العطاء بلا واسطة اقتضى سرعة العطاء وشرفه" [٦٤] .

الفضيلة الخامسة: الصيام مناسب لصفة من صفات الحق

الله هو الغني، وهو القيوم، وهو الصمد. والصمد هو الذي لا يحتاج إلى الطعام والشراب.

قال الحافظ: "والاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه.

وقال القرطبي: إن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه يقول: إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي" [٦٥]

وكذلك المعنى بالنسبة إلى الملائكة لأن ذلك من صفاتهم.

الفضيلة السادسة:الصوم كفارة للخطيئات :

قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" [٦٦]

  • وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" [٦٧]

الفضيلة السابعة:تشريف الله والملائكة له بالصلاة عليه

قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" [٦٨] .

وعن عبد الله بن عمرو موقوفاً: "الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة" [٦٩]

فإنْ كان الله وملائكته يصلون على المتسحرين، والسحور عون على الصيام فما ظنك بالصيام؟ فأكرم بها من عبادة يصلي الله عليك بها والملأ الأعلى. يا هذا: تبيع صلاة الله والملائكة بشبع وتخمة، ولا تصوم عن لقمة!! "إنما يريد العاقل أن يأكل ليحيا لا أن يحيا ليأكل". وإن خير المطاعم ما استُخدِمت، وإن شرها ما خُدمت، وهل عالج الحجامة وفصد الفصاد إلا خارج عن حد الاقتصاد"[٧٠] .

الفضيلة الثامنةالصيام جنة من النار

قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الصوم جُنَّة من عذاب الله" [٧١] .

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الصوم جُنَّة يستجن بها العبد من النار" [٧٢] .

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الصيام جُنَّة من النار، كجنة أحدكم من القتال" [٧٣]

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الصيام جُنَّة وحصن حصين من النار" [٧٤].

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قال الله تعالى: الصيام جنة يستجن بها العبد من النار، وهو لي وأنا أجزي به" [٧٥].

قال المناوي: "وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة وحفظ الجوارح وفي الآخرة من النار". وقال: "الصوم جنة من عذاب الله فليس للنار عليه سبيل كما لا سبيل لها على مواضع الوضوء لأن الصوم يغمر البدن كله فهو جنة لجميعه برحمة الله من النار" [٧٦] . قال ابن عبد البر: حسبك بهذا فضلاً للصائم.

قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من صام يوماً في سبيل الله بَعَد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً" (7) . [٧٧] رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي عن أبي سعيد.

قال المناوي (6/161) : "أي نجاه منها أو عجل إخراجه منها قبل أوان الاستحقاق، عبر عنه بطريق التمثيل ليكون أبلغ لأن من كان مبعداً عن عدوه بهذا القدر لا يصل إليه ألبتة". (سبعين خريفاً) : سنة أي نحّاه وباعده منها مسافة تقطع في سبعين سنة إذ كل ما مرّ خريف انقضت سنة، فهو من إطلاق اسم البعض على الكل، وذكر الخريف من ذكر الجزء وإرادة الكل، وخصه دون غيره من الفصول لأنه وقت بلوغ الثمار وحصول سعة

الفضيلة التاسعة:الصوم في الصيف يورث السقيا يوم العطش

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك، قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة، إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف، سقاه الله يوم العطش [٧٨] .

  • وعن أبي موسى بنحوه إلَّا أنه قال فيه. قال: "إن الله قضى على نفسه أنّ من عطّش نفسه لله في يوم حار كان حقّا على الله أن يُرويه يوم القيامة".

قال: فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حرّاً فيصومه [٧٩] . صيام نهار الصيف من خصال الإيمان لطول نهار الصيف وشدة حره. قال ابن رجب: "عن بعض السلف قال: بلغنا أنه يوضع للصوّام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهم يأكلون، فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم وقاموا ونمتم".

وما بكى العباد على شيء عند موتهم إلا على ما يفوتهم من ظمأ الهواجر.

قال معاذ بن جبل عند موته: "مرحباً بالموت، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة، اللَّهم كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللَّهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر" [٨٠] .

الفضيلة العاشرة:الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة

قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة" [٨١] .

وقال عمر بن الخطاب: "الشتاء غنيمة العابدين" [٨٢] .

قال المناوي: "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة" أي الغنيمة التي تحصل بغير مشقة والعرب تستعمل البارد في شيء ذي راحة، والبرد ضد الحرارة لأن الحرارة غالبة في بلادهم فإذا وجدوا برداً عدّوه راحة، وقيل الباردة: الثابتة من برد لي على فلان كذا أي ثبت، أو الطيبة من برد الهواء إذا طاب، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب وأيضاً فإن الهواء والماء لما كان طيبها ببردهما سيما في بلاد تهامة والحجاز قيل هواء بارد وماء بارد على سبيل الاستطابة ثم كثر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة ذكره الزمخشري.

الفضيلة الحادية عشر :دخول الجنة من باب الريان

"في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون" [٨٣]

عن سهل بن سعد (رضي الله عنه) عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن في الجنة باباً يقال له (الريَّان) ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحد" [٨٤] .

وزاد الترمذي: "ومن دخله لم يظمأ أبداً"

وعند ابن خزيمة قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "للصائمين باب في الجنة يقال له الريَّان، لا يدخل (فيه) منه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق، ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً" عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من أبواب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريّان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة"، فقال أبو بكر (رضي الله عنه) : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم وأرجو أن تكون منهم" [٨٥] .

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "في الجنة باب يقال له الريان أعد للصائمين، فإذا دخل آخراهم أغلق" "إن في الجنة باباً".

قال الزين بن المنير: إنما قال في الجنة ولم يقل للجنة ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم والراحة ما في الجنة فيكون أبلغ في التشوق إليه.

"فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد" كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيداً.

قال عز الدين بن عبد السلام: "أما تخصيص دخولهم الجنة بباب الريّان فإنهم ميزوا بذلك الباب لتميز عبادتهم وشرفها" [٨٦] . قال ابن حجر عن الريان: "وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين".

قال القرطبي: "اكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع" [٨٧] . قال القاري: "الريان" إما لأنه بنفسه ريَّان لكثرة الأنهار الجارية إليه، والأزهار والثمار الطريدة لديه، أو لأن من وصل إليه يزول عنه عطش يوم القيامة، ويدوم له الطراوة والنظافة في دار المقامة.

قال الزركشي: الريان فعلان كثير الري نقيض العطش سمي به لأنه جزاء للصائمين على عطشهم وجوعهم.

ليس المراد به المقتصر على شهر رمضان بل ملازمة النوافل من ذلك وكثرتها" [٨٨] .

الفضيلة الثانية عشر شفاعة الصيام يوم القيامة لصاحبه

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي إني منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فُيشَفَّعَان" [٨٩]

قال الألباني: "أي يشفعهما الله فيه ويدخله الجنة".

الفضيلة الثالثة عشر :دعوة الصائم لا ترد

قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر" (3) .

-وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر" [٩٠]

وعند البيهقي: "دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر" -وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم" [٩١] .

فأعظم به من دعاء تنطق به شفاة ذابلة من الصيام يصعد إلى السموات فما يرده -بكرمه- الرحمن.

الفضيلة الرابعةعشر:الصيام شعار الأبرار

قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأئمة ولا فجار" [٩٢] .

قال المناوي (3/348) : "والظاهر أن المراد بالصلاة هنا الدعاء من قبيل دعائه لقوم أفطر عندهم قوله "صلت عليكم الملائكة". فانظر إلى شعار الأبرار كما وصفهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قيامهم بالليل وصيامهم بالنهار، والأبرار سادات المتقين.

الفضيلة الخامسةعشر:للصائم فرحتان

قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "للصائم فرحتان، فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه" [٩٣] .

قال العلامة ابن رجب: "أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحا بإباحة ما مُنعت منه خصوصاً عند اشتداد الحاجة إليه، فإن النفوس تفرح بذلك طبعاً فإن كان ذلك محبوباً لله كان محبوباً شرعاً، والصائم عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حرم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات فقد أذن له فيها في ليل الصيام بل أحب منه المبادرة إلى تناولها في أول الليل وآخره فأحب عباده إليه أعجلهم فطراً، والله وملائكته يصلون على المتسحرين، فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقرباً إلى الله وطاعة له ويبادر إليها في الليل تقرباً إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله فإنه يرجى له المغفرة أو بلوغ الرضوان بذلك، وفي الحديث: "إن الله ليرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها"، وربما استجيب دعاؤه عند ذلك، وإن نوى جمله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثاباً على ذلك. قال أبو العالية: الصائم في عبادة وإن كان نائماً على فراشه فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي فالصائم في ليله ونهاره في عبادة ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره فهو في نهاره صائم صابر وفي ليله طاعم شاكر.

وأما فرحه عند لقاء ربه: فبما يجده عند الله من ثواب الصيام مدّخراً فيجده أحوج ما كان إليه كما قال تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا)

الفضيلة السادسة عشر:خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك

عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، والصيام لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" [٩٤] . فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة.

عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى الله فرح بصومه" [٩٥] .

قال أبو حاتم: شعار المؤمنين في القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقاً بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طِيبُ خلوفهم أطيب من ريح المسك ليعرفوا بين ذلك الجمع بذلك العمل، نسأل الله بركة ذلك اليوم.

خلوف الصائم قد يكون أطيب من ريح المسك في الدنيا: عن أبي هريرة (رضى الله عنه) عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، يقول الله إلا الصوم، فهو لي وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي، والشراب من أجلي، وشهوته من أجلي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك" [٩٦].


قال الحافظ ابن رجب "خلوف الفم: رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة لخلو المعدة من الطعام بالصيام، وهي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدنيا لكنها طيبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته وابتغاء مرضاته، كما أن دم الشهيد يجيء يوم القيامة يثغب دماً لونه لون الدم وريحه ريح المسك، وبهذا استدل من كره السواك للصائم أوْ لمْ يستحبه

الفضيلة السابعة عشر:الصوم جُنَّة[٩٧]

قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الصوم جُنَّة" [٩٨]

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الصيام جنة، وإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث [٩٩] ، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، [يقول الله: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها] " وفي حديث جابر: "يا كعب بن عجرة، الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة، والصلاة برهان -أو قال: قربان- يا كعب بن عُجْرة، الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها" [١٠٠]

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خصاء أمتي الصيام" رواه أحمد، والطبراني في "الكبير" عن ابن عمرو وصححه الألباني.

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"[١٠١] .

قال ابن حجر: "الجنة الوقاية والستر، وتبين بالروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر، وأما صاحب "النهاية" فقال: معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات".

الفضيلة الثامنة عشر:رقة القلب وصيانة الجوارح

مراد الله من الناس رقة قلوبهم وأكرم بها من نعمة. قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير" [١٠٢] .

يقول القسطلاني معدداً لثمرات الصوم: "رقة القلب وغزارة الدمع وذلك من أسباب السعادة فإن الشبع مما يذهب نور العرفان ويقضي بالقسوة والحرمان".

ثم يقول في ثمرات الصوم أيضاً: "صيانة جوارحه عن استرسالها في المخالفات وهذا هو أعظم ثمرات الصوم، بل هو الأصل في تحقيق المعنى، فإن النفس إذا مسّها ألم الجوع ذلت وانقادت، وأذعنت، واشتغلت بما هي فيه عن امتداد أملها إلى الفِكَر الدنية، فتسكن جوارحها عن الحركات الردية، وتمتنع عن انتهاك المحارم المردية، والجوارح سبع: العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل، والنفس هي الممدِّة لهذه الجوارح، وهي الأصل عند الاعتبار، فإذا ضعف الأصل ضعف الفرع، وهذا هو سر الصوم، ولأجل ذلك قيل: إذا ما المرء صام عن الخطايا ... فكل شهوره شهر الصيام فإن قصّر في حفظها، أو حفظ شيء منها ربما أداه إلى الدخول إلى جهنم من سعة أبوابها، فإنه ما يستحق أحد جهنم إلا بعصيانه بأحد هذه الجوارح فمن رعاها في صيامه، أمّنه الله في الآخرة من انتقامه"[١٠٣]

ثمرات الصيام

أما ثمراته فأنواع:

أحدها: "صحة الأبدان"

النوع الثاني: سلامة الأذهان وتصحيح أفكارها فإن الحرارة الغرورية يثيرها الجوع والعطش فيقوى إدراكها لفهم المعاني ويكثر تدبرها لما من الأعمال الصالحة تعاني.

النوع الثالث: نهضة القوة الحافظة وتقليل نسيانها فإن كثرة الأكل تكثر الرطوبة في الجسد وتوجب البلادة في الطبع.

النوع الرابع: خفة حركة الأعضاء للطاعات فإن الشبع يرخي الجسد ويقتضي التثاقل عن العبادة والإبطاء عن الإجابة إليها.

النوع الخامس: خذلان أعوان الشيطان ونصر أجناد الرحمن.

النوع السادس: رقة القلب وغزارة الدمع.

النوع السابع: إجابة الدعاء وذلك من علامة اللطف والاعتناء.

النوع الثامن: فرحه عند لقاء ربه بصومه.

النوع التاسع: فرحه عند فطره، وليس المراد بأكله وشربه، وإنما المراد فرحه بتوفير أجره عند تمام صومه وسلامته عند قاطع يقطعه عليه.

النوع العاشر: صيانة جوارحه عن استرسالها في المخالفات.

النوع الحادي عشر: المباهاة به يوم القيامة.

النوع الثاني عشر: اختصاصه بالدخول إلى الجنة من باب الريان.

وفضائله وثمراته وهي أكثر من أن تُحصى ولله الحمد والمنة.

مختصر من كتاب نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان للعفاني

ماذا بعد رمضان

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}

وماذا بعد رمضان؟!

جاء رمضان .. ومضى رمضان ..

سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، ويتوجع المسلم لفراق رمضان ويظل يتذكر أيامه ولياليه كيف كانت عامرة بالخيرات، ممتلئة بالعبادات، منيرة بالطاعات ..

وينتهي رمضان وإذا بالمساجد تعود مرةً أخرى خاويةً على عروشها إلا من أهلها الذين هم أهلها، ويتباكى الدعاة إلى الله على جهدٍ على مدار شهر بذلوه؛ وإذا هم في نهاية الأمر لم يجدوا له الأثر الذي ظنوه وانتظروه ..

لماذا ينتكس الناس بعد رمضان وينشغلون مرة أخرى بدنياهم بعد أن ذاقوا حلاوة القرب من مولاهم؟

لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف أبو بكر يقول: من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت ..

وهأنذا أقول: من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد انقضى، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 - 27]، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88].

أحبتي في الله ..

قال ربكم جل جلاله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92] .. هل رأيت امرأة تغزل ثوبًا وتغزل ثم تغزل، وبعد أن تم لها ذلك قامت فنقضت غزلها .. أعادت الثوب خيطًا كما كان، فهل هذا

فعل إنسانٍ عاقل ..

هكذا حالك: إنك بعد أن كنت تقوم الليل إحدى عشرة ركعة يوميًّا في رمضان؛ تريد أن تترك هذا كله فلا تقوم الليل ولو بأربع ركعات، فأين أثر القيام فيك إذًا؟!

ألست قد وجدت لذةً في قيام رمضان؟، فلماذا تحرم نفسك من هذه اللذة؟، لماذا تحرم نفسك من الأجر؟، لماذا تترك سوسة الكسل تنخر في إيمانك؟!

إخوتاه .. إن ديننا هو دين الاستقامة لا يصلح فيه التلون والتفلت والزوغان، قال الله سبحانه وتعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [هود: 112]، فاستقم على أمر الله .. استقم على طاعة الله حتى تلقاه فيكون ذلك يوم عيدك الحقيقي، قال ربنا جل جلاله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، واليقين: الموت، فكن ربانيًّا ولا تكن رمضانيًّا.

استقم على طاعة الله ولا تتلون.

لما جاء حذيفةَ بنَ اليمان الصحابيَّ الجليلَ - رضي الله عنه - الموتُ جلس عبد الله بن مسعود عند رأسه فقال: أوصني، فقال له: ألم يأتك اليقين؟، قال ابن مسعود: بلى وعزةِ ربي، فقال له حذيفة: فإياك والتلون؛ فإنه دين الله واحد.

إنك لا بد أن تخرج من رمضان بقلبٍ قد أَلِفَ الطاعة وأحبها واعتادها حتى صارت له كالهواء والماء للإنسان، فإياك أن تقتل إيمانك بالتثاقل إلى الأرض، والإخلاد إلى الكسل، والرضا بالقعود والنكوص.

إننى أريدك أيها الحبيب أن تكون شخصيةً ربانية مدى حياتك، لا على

فترات متقطعة في حياتك فتكون رجلَ المناسبات، إياك أن تهجر الطاعة، لا تهجر حفظ القرآن وتلاوته .. فالأعمال لم تنقطع بعد انتهاء رمضان، لم يُرفع عنك القلم بعد رمضان، قيل لأحد الصالحين: أيهما أفضل: رجب أم شعبان؟، فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيًّا!!، لا بد أن تثبت وتصطبر وتربي نفسك وتُلزمها.

إن أول خطوات طريق الفشل والضياع أن تتحكم فيك نفسك وتسيِّرك كيف شاءت، قم تقوم، اخرج تخرج، ثم تنام، كل تأكل، لا بد أن تمتلك أنت زمام المبادرة، لا بد أن تتحكم أنت في نفسك وتذللَّها لطاعة الملك جل جلاله.

أيها الإخوة، لازالت الأعمال بعد رمضان لم تنقطع.

فالقرآن لا يهجر بمجرد انتهاء رمضان، بل حافظ على وِردك الثابت فيه، دُمْ على ذلك فالقرآن هو الذي يزكِّي نفسك ويصلح قلبك، ويثبتك على طريق الحق، فلتستمر في قراءة القرآن جزءين في اليوم على الأقل، ثم زد إلى ثلاثة ثم إلى خمسة لتختم كل أسبوع كما كان يفعل الصحابة.

كذلك القيام لم ينقطع، قم كل ليلة بإحدى عشرة ركعة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يترك قيام الليل، فإذا فاته يومًا من وجع أو غيره صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، وذُكر أن الحسن بن صالح باع جاريةً له، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل البيت، الصلاة .. الصلاة، قالوا: طلع الفجر؟، قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟!!، ثم جاءت إلى الحسن فقالت: بعتني إلى قومٍ لا يصلون إلا المكتوبة؟!! .. رُدَّني.

والصيام لم ينقطع، فعليك أن تبادر بصيام ستة أيام من شوال حتى تكون كأنك صمت السنة كلها، رمضان ثلاثون يومًا، والحسنة بعشر أمثالها فيكون ثلاثمائة، وستة أيام بعشر أمثالها إذًا ستون يومًا، فتكتمل السنة، كأنك صمت

سنةً كاملة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صام رمضان ثم أتبعه سِتًا من شوال؛ كان كصيام الدهر" (1)، وهناك ثلاثة أيام في كل شهر كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصومها ويأمر بصيامها هي الأيام البيض: ثالث عشر، ورابع عشر وخامس عشر من كل شهر عربي.

قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث لن أدعهن ما عشت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وألا أنام حتى أوتر" (2)، وأريدك أن تنتبه جيدًا إلى قوله - رضي الله عنه -: لن أدعهن ما عِشت.

وهناك غير ذلك صيام الاثنين والخميس، قال - صلى الله عليه وسلم -: "تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم" (3).

وهناك الصوم في المحرم، فيستحب فيه الصيام استحبابًا عظيمًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم" .

باع قومٌ من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان!، لقد كنتُ عند قوم كُلَّ زمانِهم رمضان، رُدوني عليهم ..

وأنواع الصيام كثيرة كصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام شعبان؛ بل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى يقول الصحابة: لا يفطر، ويفطر حتى


يقولوا: لا يصوم، فالصيام مدرسة لتزكية النفس، وهي وصيتي الخاصة للشباب وخصوصًا في هذه الأيام التي امتلأت بالفتن، أسال الله أن ينجيني وإياكم منها.

والأعمال الصالح؛ كلها لم تنقطع بانقطاع رمضان.

قيل لبشر: إن قومًا يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقط، فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في رمضان.

إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنن؛ كلها، فأكثِر من الصدقة والإنفاق في سبيل الله، كلما مَنَّ الله عليك بفضله، وأكثر من ذكر الله وتسبيحه في كل أحوالك وفي كل أحيانك.

حتى الاعتكاف لم ينقطع بانتهاء رمضان، فالاعتكاف مشروع طيلة السنة.

إخوتاه .. بادروا بالأعمال الصالح؛ فطوبى لمن بادر عمره القصير، فعمَّر به دار المصير، وتهيأ لحساب الناقد البصير، قبل فوات القدر؛ وإعراض النصير.

كان الحسن يقول: عجبتُ لأقوام أُمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون!!

وكان يقول: يا ابن آدم، السكِّينُ تُشحَذ، والتَّنور يُسجر، والكَبشُ يُعتلف.

وقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها؛ فإنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إلى قليلٍ ولا كثير.

وكان عون بن عبد الله يقول: كم من مستقبلِ يوم لا يستكمله، وكم من مؤملٍ لغدٍ لا يدركه، إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره؛ لأبغضتم الأمل وغروره.

وكان أبو بكر بن عياش يقول: لو سقط من أحدكم درهمٌ لظل يومه يقول: إنا لله .. ذهب درهمي، وهو يذهب عمره ولا يقول؛ ذهب عمري، وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات، ويحفظون الساعات، ويلازمونها بالطاعات.

هذا الفاروق عمر - رضي الله عنه - ما مات حتى سَرَدّ الصوم.

وكانت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تسرد، وسرد أبو طلحة بعد رسول الله أربعين سنة.

وقال نافع: ما رأيت ابن عمر صائمًا في سفره، ولا مفطرًا في حضره.

وقال ثابت البُناني: ما تركت في المسجد سادِنةً إلا وختمتُ القرآن عندها.

وقيل لعمرو بن هانئ: لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم؟، قال: مائة ألف، إلا ما تخُطئ الأصابع.

وصام المنصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، وكان الليل كله يبكي، فتقول له أمه: يا بني، قتلت قتيلًا؟، فيقول: أنا أعلمُ بما صنعتُ بنفسي.

قال الجماني: لما حضرتْ أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته، فقال: لا تبك، وأشار إلى زاوية في البيت، إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة.

كان بعض السلف يقول: صم الدنيا واجعل فطرك الموت، الدنيا كلها شهر صيام المتقين يصومون فيه عن الشهوات المحرمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم.

وقَدْ صُمْتُ عَنْ لذاتِ دَهْرِي كُلِّها ... ويَوْمَ لِقَاكُمْ ذَاكَ فِطرُ صِيامِي

من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجل ما حُرَّمَ عليه

قبل وفاته؛ عوقب بحرمانه في الآخر؛ وفواته، قال الله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20].

كان الإمام علي يقول في آخر ليلة من رمضان: ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه.

وكذلك كان يقول ابن مسعود - رضي الله عنهما -: من هذا المقبول منا فنهنيه؟، ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟

وكأن المستفاد من ذلك أولًا أن قبول الأعمال غيب، وأن غاية ما كان من سعي المكلفين إنما هو في تحصيل صور الأعمال ومظاهرها، وأما المعول والذي عليه المدار في القبول؛ إنما هو حقائق الأعمال ومقاصدها.

فليت شعري من هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه؟

إن ذلك غيب، لا يدري أحدٌ أين المقبول؟، وأين المحروم؟

واستفدنا كذلك أنه لا بد بعد إنقضاء العمل من وقفة المحاسبة للنفس، والنظر فيما كان فيه هذا العمل، وهل وقع هذا العمل من الله تعالى موقع القبول، أو كان هذا العمل في محل الرد والحرمان؟

فاكتسبت النفس لذلك وَجَلًا بعد ما ظنت انقضاء زمان السعي والمجاهدة، جاءها زمان آخر .. زمان المحاسبة للنفس، والمعاقبة على تقصيرها، والمجاهدة لشكر نعم الله -عز وجل- عليها.

قال بعض السلف: كانوا يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم: أيقبل منهم أم لا، فما ينفكون من وجلهم وإشفاقهم في أثناء أعمالهم، وما يذهب عنهم وجلهم ولا إشفاقهم بعد انقضاء تلك الأعمال، لا يدرون قبلت منهم أعمالهم أم ذهبت تلك الأعم الذي غير محل القبول؟

واستفدنا كذلك من قول الصحابيين الجليلين أن لايزال العبد واقفًا بباب الله، فهذا المقبول لا ينقضي بعمله المقبول سعيُه، بل يقتضي هذا العمل المقبول سعيًا موصولًا في شكر نعمة الله -عز وجل- التي آتاه، وفي القيام بحق الله -عز وجل- في التوفيق للعمل الصالح، وفي مزيد التنعم بما أذاقه الله عز وجل من حلاوة الطاعة.

وكذلك ذلك المحروم، لا ينقطع به الرجاء من ربه الكريم جل جلاله سبحانه وتعالى؛ بل إن حرمانه ذلك يعني ذهاب جولة من جولات السعي بسبب سوء فعله ومرذول قصده، فإذا حصل له التنبه لذلك فلابد أن تكون جولة سعيه الأخرى أحظى بالقبول وأرجى لاستحقاق رحمة أرحم الراحمين.

مَنْ هذا المقبول الذي أُعين على الصيام والقيام، وعلى إصلاح وظائف الأعمال من الصلوات المكتوبات والجمعات.

مَنْ هذا المقبول الذي أُعين على وظيفة الصدقة ووظيفة تلاوة القرآن، وختم له رمضان بالسداد في الأعمال الصالحات؟

مَن هذا المقبول فنهنيه؟


مقتضيات القبول:

أولًا: الانكسار لعظمة الله:

وتهنئتنا له وتهانينا إليه بفضل الله -عز وجل- الذي آتاه، وأن ذلك يعني منه مزيد إنكسار لعظمة الله، وعرفان بنعمة الله -عز وجل-، ومزيد سعي لشكران تلك النعم.

فعن أبي عمران الشيبانى: قال موسى يوم الطور: يا رب .. إن أنا صليتُ فمن قِبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا بلَّغتُ رسالاتك فمن قِبلك، فكيف أشكرك؟، فقال الله تعالى لموسى: الآن شكرتني.

فهذا قول الكليم .. كليم الله -عز وجل- .. وهو قول العارف بفضل الله المقر بإحسانه، قال: يا رب، إن أنا صليت فمن قِبلك، لا من سعي نفسي، ولا من تحصيلها، فلو وُكِلْتُ إلى نفسي، ولو وُكِلَتْ النفسُ إلى ما فيها؛ لما كان من العبد إلا العجز والتقصير، والتواني والذنب، والخطيئة والسيئات.

يا رب .. إن أنا صليتُ فمن قِبلك، وإن أنا تصدقتُ فمن قِبلك؛ فكذلك ليس المال من تحصيلي؛ بل هو من رزقك وفضلك وعطائك، ولو شئتَ لم أكتسب شيئاً من ذلك المال، وقد أُحضرت الأنفس الشُّح، وجُبلت على الإمساك والبخل، فلولا أن تجود عليَّ بمباعدة شُحِّ نفسي؛ ما كان مني صدقة ولا إنفاق.

فيا رب، إن أنا تصدقت فمن قِبلك، فليس لي من ذلك العمل أيُّ شيء أنسبه لنفسي.

ويا رب، إن أنا بلغتُ رسالاتك فمن قِبلك، فليس ذلك البيان، ولا الشفقة على المكلفين، ولا الإعانة على البلاغ، ولا إيصال ذلك إلى قلوب المكلفين، ولا حركة المكلفين بموجب ذلك، وليس شيءٌ من ذلك من سعي العبد ولا من تحصيله؛ بل كل ذلك بفضل الله -عز وجل- وإحسانه.

وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك؛ فكيف أشكرك؟

فلو كانت الصلاة شكرًا، فما هي من سعيي، والشكر فعل ينسب إلى العبد لا إلى صاحب الإنعام والإكرام.

وإن كانت الصدقة شكرًا، فهي كذلك من فضلك؛ فليس ينسب إلى العبد شيء من ذلك.

وإن كان البيان عن الله والبلاغ لرسالته شكرًا؛ فهو كذلك من الله -عز وجل- لا من المخلوقين.

ذهبت حيل السعاة في شكر الله، وعجزوا عن شكر الله -عز وجل- على نعمه، فأصبح إقرارهم بالعجز هو إعلانهم بالشكر لله -عز وجل- على نعمائه.

فكان جواب الكريم للكليم: الآن شكرتني.

إقرارك بعجزك عن الشكر هو حقيقة ذلك الشكر، فإن شكر نعمة الله -عز وجل- يكون بنعمةٍ أخرى من الله -عز وجل- وفضلٍ وإحسان، يستوجب شكرًا آخر، حتى يكون الشكر الآخر نعمةً أخرى تستوجب شكرًا آخر، وهكذا.

فيُفضي الحال إلى الإقرار بالعجز، والإعلان بالقصور، وأن شكر نعمة الله -عز وجل- هو الإعلان بالعجز عن شكره.

ثانيًا: شهود مِنَّةِ الله:

فليت شِعري مَنْ هذا المقبول فنهنيه، على فضل الله الذي آتاه، وأن ذلك يقتضي الإعلان بشكر نعمة الله، والإعلان بالعجز عن القيام بذلك، وأن ذلك يقتضي مع تلك التهنئة الالتفات للعمل والنظر إليه، حتى يشهد منة الله عز وجل فيما كان، وحتى يرى تقصير نفسه في كل عبادة يرى فيها أوجه عجزه وأبواب قصوره وضعفه وتوانيه وتباطئه مع فضل الله -عز وجل- السابق، وإحسان الله تعالى الغالب عليه.

ثالثَا: مطالعةُ عيبِ النفسِ والعمل:

وتهنئة المقبولين تعني التفاتًا إلى نعمة رب العالمين، وتعني رجوعًا إلى هذه الأعمال التي كانت، بالنظر إليها، والتفتيش في أوجه القصور والنقص فيها، وأنه كان ينبغي أن تكون هذه الأعمال أفضل مما تأدت، وأن حق الله -عز وجل- أعظم من ذلك، وأن حق خطايا هؤلاء المقبولين وسيئاتهم يقتضي عملًا أكثر، فما يُزيل أدرانَ قلوبهم أضعاف أضعاف ما قدموا؛ بل إن هذه السيئات والعيوب

تقتضي منهم سعيًا موصولًا وعبادةً غيرَ منقطعة وشغلًا دءوبًا بذكر الله -عز وجل- ومحبته إلى الممات، لا يقوم حق الله -عز وجل- بدون ذلك.

فليت شِعري مَنِ المقبول؟، حتى يستحق تلك التهاني، وينال مع تلك التهاني تنبيهات على سعيه.

رابعًا: استقامة القلب:

ليت شِعري مَن هذا المقبول فنهنيه؟، حتى تكون تهنئتنا له على ما نال قلبه من ذلٍّ لله -عز وجل- وتعظيم لأمره، وانكسارٍ من ذلك القلب، ورقةٍ على الخلق ليستديم ذلك الحال، وليتحول إلى شخصٍ آخر بعد منحة الله -عز وجل- له في رمضان، وعطائه إليه وإحسانه.

خامسًا: الثبات على العمل الصالح:

ليتَ شِعري مَن المقبول فنهنيه؟، بأن يرجو موسم رمضان آخر بينهما عبادة موصولة، وشغلٌ بالله -عز وجل- وطاعته وخدمته ومحبته، شغلٌ دائمٌ غيرُ منقطع.

ليتَ شِعري من هذا المقبول فنهنيه؟، حتى تكون تهنئتنا له سببًا لثباته على ما وفَّقهُ الله -عز وجل- له من العمل الصالح.

فما ينقضي مع انقضاء رمضان صيامه ..

وما يذهب مع ذهاب ليالي رمضان قيامه ..

وما يعود إلى ما كان منه من وحشةٍ بينه وبين مصحفه وورِد قرآنه ..

ليتحول إلى شخصٍ مقتدٍ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - "فقد كان عمله - صلى الله عليه وسلم - دِيْمَةً" (1).


وأخبر - صلى الله عليه وسلم -: "إن أحب الأعمال إلى الله -عز وجل- أدومها وإن قل" (1)، فأحب العمل أدومه وإن قل، فيكون تهنئتنا للمقبولين سببًا لدوامهم على ما آتاهم الله -عز وجل- من أسباب التوفيق، فيقتدون في ذلك بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].


وليت شِعري من هذا المحرو فنعزيه؟

حتى يرى أن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا، وأن التفسير الذي يكون في عمله الصالح ينبغي أن يكون أشد عليه من ضره في بدنه أو ماله، وأنه مهما أصابه من مصائب الدنيا، فحق جبرانها وتعويضها مضمون، وأما مصيبة الدين فحظه من الله -عز وجل- قد ذهب، وحظه من الآخرة قد ولَّى.


مقتضيات الحرمان:

فليت شِعري كيف يستدرك ذلك، وقد فات وذهب بذهاب أيامه وأزمانه؟

أولًا: الإقرار بظلمه لنفسه:

ليت شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، وكلنا ذلك المحروم، حتى يعلم أن ما أصابه بكسبه ومرذول عمله وسيئاته في قصده ووجهته، وأن ذلك مع إحسان الله -عز وجل- وفضله غيرُ لائقٍ منه، وغيرُ مناسبٍ لعقله وإيمانه، وأن الله تعالى لم يظلمه شيئًا، ولكن ظلم نفسه.

قال سبحانه في الحديث القدسي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (1).

ثانيًا: التنبه لشؤم السيئات:

ليت شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، ويعلم أن هذه السيئات والتفريطات إنما هي نتاجُ سابقِ السيئاتِ والتفريطات، وأن جزاء الحسنةِ التوفيقُ لحسنةٍ بعدها، وأنَّ عقوبة السيئة الخذلان حتى يقع في سيئةٍ تتلوها وتكون بعدها.

ثالثًا: لزوم الوقوف بالباب:

ليت شِعري من هذا المحروم حتى نعزيه؟، ويكون عزاؤنا أن فضل الله -عز وجل- الواسع يقتضي لزوم الوقوف بالباب، وألا يفارق العبد باب ربه مهما كان من ظلم العبد أو سوء فعله، فلا يزال من الله -عز وجل- الكرم والجود، وإن كان من العبد البخل والإمساك، ولايزال من الله -عز وجل- الإحسان والعطاء، وإن كان من المكلفين الإساءة وسوء الفعل.

رابعًا: لزوم التوبة:

ليتَ شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، ويعلم أنَّ الله -عز وجل- يبسط يده بالله ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلع الشمس في مغربها، ويعلم أن باب الله -عز وجل- لا يزال مفتوحًا، وأن الله تعالى لا يرد توبة التائب "لله -عز وجل- أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " (1).

فلا تزال التوبة متاحة ما لم تبلغ روحك أيها المحروم حلقومك، فمتى أمدك الله -عز وجل- وأفسح في أجلك فلا تزال مدةُ تراجعِك قائمة، لايزال أمرُ توبتِك لازمًا غير معفيِّ أنتَ منه.

خامسًا: إصلاح العمل:

ليتَ شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، حتى يعلم أنه لا بد له من أن يصلح عمله؛ حتى يكون عمله ذلك بالنية الخالصة لرب العالمين ..

وحتى يكون عمله ذلك وَفْقَ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ..


وحتى يكون عمله ذلك خاليًا من آفة الغرور وآفة العجب، فلا يرى عملًا يُعجبُ به؛ بل يرى فضل الله الذي يستوجب انكساره وذله لربه، صاعلانه بالعجز عن شكره، ولا يرى نفسه التي تأدى منها العمل، بل يرى نفسه التي هي أسباب القصور في العمل والعجز عن القيام بحق الله تعالى.

سادسًا: إنما يتقبل الله من المتقين:

قال علي - رضي الله عنه -: "كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتمامًا بالعمل، ألم تسمعوا الله -عز وجل- يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ}.

وقال بعضهم: لأن أكون أعلم أن الله يتقبل مني مثقال حبَّة من خردل أحب إلى من الدنيا وما فيها؛ لأن الله -عز وجل- يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ}.

وقال بعضهم: كانوا يدعون الله -عز وجل- ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان.

كل ذلك يعني أن رمضان بذهاب أيامه ينقض، وأن وظائف رمضان لا تزال قائمة، وأن ما كان من عمل في رمضان فلا يزال ينادي على المكلفين ويستتبع اهتمامهم بقبول ذلك العمل، بعد ما وقع منهم العمل، فقد كانوا يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا، وكان خوفهم ألا يقبل منهم عملهم أشد عليهم من العمل نفسه، فما يذهب بذهاب مواسم الطاعات الإقبال على الله -عز وجل-، ولا الاهتمام بالأعمال الصالحات.

بل إذا ذهبت مواسم الطاعات؛ بقي بعد ذلك استكمال حقوق هذه الطاعات، واستتمام ما يكون من لوازمها، من النظر فيها، والتفتيش في آفاتها، والحذر من إفشائها؛ حتى تكون أبعدَ عن الرياء.


ليت شِعري من المحروم فنعزيه؟، حتى يحبس نفسه على طاعة الله ويمنعها من مألوفاتها ومحبوباتها وشهواتها، ويعلم أن ذلك الحرمان إنما أصابه لاستغراقه في تحصيل شهواته، ولتركه سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قعدت به عاداته ومألوفاته عن فوزٍ عظيم. يا حسرةً على ما فاته!! ..

من صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن لا يعصي الله تعالى؛ فإنه

مقبولٌ بغير حساب ولا عذاب، ومن صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن يعصي الله تعالى، فصومه مردود عليه، وعمله غير مقبول منه.

فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه؟، حتى يكون عزاؤنا له إلزامًا له ببداية توبته واستكمال استقامته، وحذره من أن لا يأتيه رمضان آخر، حتى يكون ذلك تحذيرًا له من أن يأتيه الموت بغتة، {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الزمر: 56 - 59].


وقد يسأل: كيف أعرف أنني من المقبولين؟

والجواب والله أعلم:

(1) أن يجد قلبه أقرب إلى الله، وآنس به وأحب إليه، فهذه ثمرة الطاعة وعلامة القبول.

(2) أن يحب الطاعات ويقبل عليها، ويشعر أن أبوابها تتفتح له وييسر له فعلها، ويشعر أن أبواب المعاصي تغلق عنه ويصرف عنها، ويكرهها ويستنكف عن فعلها.

(3) أن لا يفقد الطاعات التي كان يقوم بها في رمضان، بل يواظب عليها، بل ويستحدث بعد رمضان أعمالًا لم تكن له قبل رمضان.

(4) أن لا يعود إلى الذنوب التي تاب منها في رمضان، فقد تكلم العلماء فيمن تاب من ذنب ثم عاد إليه، أن هذا دليل على أن توبته لم تقبل؛ لأنها لو قبلت لما عاد إلى الذنب مرةً أخرى، لذلك ثبت في الحديث أن "من أساء في

الإِسلام أخذ بالأول والآخر" (1)، أي عوقب بذنوبه السابقة أيضًا؛ لأن في الإساءة بعد التوبة حبوط للتوبة، ولعل من أسرار هذا، الأمر بالعمل الصالح بعد التوبة، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]، {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحها" (2)، فاشتراط العمل الصالح بعد التوبة حزمُ في منع الرجوع إلى الذنب.

(5) استشعار المنة، وعدم الإدلال بالعمل:

قد يبتلى العبد بعد رمضان بشعور غامر أنه أدى ما عليه، وحبس نفسه في رمضان عن أشياء كثيرة مما يشتهيه، فتجده يوم العيد عاصيًا!!، وهذه من علامات عدم القبول، أن ينقلب على عقبيه بعد رمضان مباشرة، {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، ولذلك من علامة القبول أن تجده خائفًا على العمل وجلًا ألا يتقبل، مستشعرًا فضل الله ونعمته عليه، متحدثًا بذلك، شاكرًا لأنعم الله، مواصلًا للذكر.

(6) ذكر ابن رجب -عليه رحمة الله وبركاته- أن من علامات قبول رمضان: صيام ستٍّ من شوال، وذكر لصيام الست فوائد عظيمة لا أستطيع أن أغفلها، فخذها هنيئًا مريئًا، وافرح إن صمت الأيام الست بهذه النيات، ولعل فهمك لهذه الفوائد وعملك بها رزق ساقه الله إليك ليقبلك، فهيا أيها المقبول أبشر بعد أن تعمل:


فوائد صيام ستٍّ من شوال بعد رمضان:

(1) تحصيل ثواب صيام الدهر: وذلك أن صيام الدهر -والله يجزي على الحسنة عشر أمثالها-يعني أن يكتب للعبد صيام عشرة أشهر مقابل صيام شهر رمضان، ويكون صيام الستة أيام قائما مقام ثواب صيام شهرين آخرين، فيكون العبد بذلك قد استكمل ثواب صيام دهره.

(2) صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرائض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة، وأكثر النأس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال؛ ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول الرجل: صمت رمضان كله أو قمت رمضان كله، قال الصحابي: لا أدري أَكرِهَ التزكية، أم لا بد من غفلة.

وكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم، يعني من لم يجد ما يخرجه صدقةً للفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر؛ فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في تكفير السيئات، كما يقوم مقامه في كفارات الأيمان وغيرها من الكفارات.

(3) معاودة الصيا بعد صيام رمضان علامةٌ على قبول صيام رمضان؛ فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبدٍ وفقه لعملٍ صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها؛ كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة، كان ذلك علامةَ رد الحسنة وعدم قبولها، فمن رام أن يعلم مدى قبول عمله من ذلك، فليعود نفسه على الصيام والقيام من جديد حتى يكون صيامه الثاني علامةً قبول صيامه الأول، وحتى يكون قيامه الآخر علامةً على قبول قيامه السابق عليه.

من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها، فعلامة قبولها أن يصلها بطاعةٍ أخرى، وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية .. ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها .. ذنبٌ واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبًا قبلها، النكسة أصعب من المرض وربما أهلكت، سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحَوْر بعد الكَوْر، ما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة، وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة.

(4) صيام رمضان يستوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، وأن الصائمين لرمضان يوفَّوْن أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز، فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرًا لهذه النعمة، فإن شكر النعمة إنما يكون بفعلٍ من جنسها؛ حتى يكون الصيام نعمةً تستوجب شكرًا بصيام آخر، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، ألم تر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم حتى تتفطر قدماه، فيقال له: تفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: "أفلا أكون عبدا شكورا" (1)، فكان قيامه - صلى الله عليه وسلم - ذلك القيام الطويل حتى تتورم قدماه .. ثم حتى تتفطر قدماه .. ثم حتى تتشقق قدماه بعد تورمها، كل ذلك شكرًا لله -عز وجل- على مغفرته لذنوبه.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره نقال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرًا عقيب ذلك.


كان بعض السلف إذا وُفِّقَ لقيام ليلة من الليالي؛ أصبح في نهارها صائمًا، ويجعل صيامه شكرًا للتوفيق للقيام.

وكان وهيب بن الورد يُسأل عن ثواب شيءٍ من الأعمال كالطواف ونحوه فيقول: لا تسألوا عن الثواب، ولكن سلوا ما الذي على مَنْ وُفِّقَ لهذا العمل من الشكر، للتوفيق والإعانة عليه.

كل نعمةٍ على العبد من الله -عز وجل- في دينٍ أو دنيا تحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدًا فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر.

(5) أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان؛ بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيًّا، وهذا معنى الحديث أن الصائم بعد رمضان كالكارّ بعد الفار، يعني كالذي يفر من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه، وذلك لأن كثيرًا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان؛ لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه، ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعًا، فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تَكَرَّهَ به.

وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل" (1)، وفُسر بصاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، كلما حل ارتحل، والعائد إلى الصيام سريعًا بعد فراغ صيامه، شبيةٌ بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عاد إليه، في المعنى، والله أعلم.


(6) في صيام هذه الأيام الستة من شوال استدراكٌ لما فات العبد من وظائف الصيام، من وظائف إصلاح نفسه، وإقامتها على أمر الله -عز وجل-، ومن الوظائف المرجوة كذلك من الصيام من الإحسان إلى الفقراء، ومن إدراك نعمة الله -عز وجل- في الأموال، ومن شكر نعم الله -عز وجل-، ومن تخلي العبد للذكر والفكر، فإن شأنه في الفطر أن يكون مشغولًا عن الذكر والفكر، والصيام معينٌ له على ذكر الله -عز وجل- والتفكر في آخرته.

(7) في صيام أيام شوال إعلانٌ ببقاء وظائف العبادة ما بقى العبد دهرَه؛ فليست تذهب مع المواسم الطاعات؛ بل إن ذهبت المواسم فلا يزال الله عز وجل أهل العفو وأهل المغفرة، ولاتزال مغفرة الله -عز وجل- وعفوه يُرْجَوان بالعبادة من الصيام والقيام، فما تنقضي أبد الدهر وظيفةُ الصيام، وما تنقضي مدة حياة العبد وظيفة القيام وتلاوة القرآن.

(8) في صيام هذه الأيام من شوال، وفي إتباعها رمضان من غير مهلة ولا تراخ، إعلان بعدم سآمة العبد من العبادة، وأنه لم ينتظر ذهاب رمضان وانقضائه، وأنه ما مَلَّ وقوفه بباب ربه، وما سَئِمَ التعرض لفضله وعطائه ونواله، وأنه لايزال باقيًا مُصِرًّا، باقيا على وظيفة العبادة، مصرًّا على التعرض لفضل الله -عز وجل- وعطائه.

مسألة قضاء رمضان أولًا أم ست من شوال؟

عن أم سلمة أنها كانت تأمر أهلها: من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر، فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال؛ فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أوْلى من التطوع بصيام ستٍّ من شوال، فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض، هل يجوزَ أن يتطوع قبله أم لا؟، وعلى قول من جوز التطوع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال.

فمن كان عليه قضاء من رمضان ثم بدأ بصيام ستٍّ من شوال تطوعًا لم يحصل له ثواب من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال؛ حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة أيام من شوال أجر صيام السنة بغير إشكال.

ومن بدأ بالقضاء في شوال، ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ستٍّ من شوال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنًا؛ لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال، ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان؛ لأن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إكمال عدة رمضان.


ومن علامات القبول أيضًا:

1 - إذا كنت بعد رمضان تسارع إلى الطاعات محبًّا لها، وتترك المعاصي أنفةً منها؛ فتلك من علامات القبول، وإذا رأيت أبواب الخير تفتح لك مثل البكاء، ورقة القلب، والسهر، وقلة النوم فهذه من ثمرات رمضان أيضًا، كما هي في رمضان أو أزيد، فهذه من علامات القبول.

2 - إذا كنت بعد رمضان أفضل مما كنت عليه قبل رمضان، وتستشعر أن لك قلبًا جديدًا ينبض بحب الله، وتحس أنك تحب ربك أكثر، وتحب ذكره والقيام بين يديه، وتحب شكره وتحب الإقبال عليه، فهذه من علامات القبول.


حراسة الطاعات:

ثم إنه أيها الأحبة في الله إذا كان حَقٌّ كل عمل إذا صُحِب بالإخلاص، فكانت النية فيه غير مشوبة برياء أو سُمعة؛ كان لا بد في ذلك العمل من حراسة له؛ حتى لا يتطرق إليه ضرب من ضروب الخلل.

والحراسة تكون:

أولًا: بالحذر من الإدلال بالطاعة:

أول ذلك حراسة ذلك العمل من أن يحصُلَ من العبد به مَنٌّ على الله عز وجل، أو على خلقه، فما يرى ذلك العمل حتى ينتظر حقًّا يتقاضاه من الخلق، أو شيئًا يوجب له شيئًا آخر من الرب -عز وجل-، فهو وإن كان ثَمَّ عمل، فلا يزال يرى نفسه أقل إخوانه وأكثرهم ذنوبًا وأشدهم عيوبًا، فما له عليهم حَقُّ يتقاضاه بعمله.

وهو كذلك لا يُدِلُّ بذلك العمل على ربه، لا يرى أنه صنع شيئًا له على الله -عز وجل- به حق أو دلال، فما يرى ذلك العمل نعمة الله -عز وجل- التي تستوجب منه شكرًا آخر، وسعيًا موصولًا، واجتهادًا غير منقطع إلى الممات.

ثانيًا: بالحذر من العجب:

حَقُّ العمل بعد إنقضائه الحذر من أن يدرك النفس به عجبٌ، ودفع العجب بشهود منة الله -عز وجل- عليك، وتقصير نفسك، فتندفع رؤيتك لعملك، حين تكون مستغرقًا برؤية نعمة الله -عز وجل- لا برؤية عملك.

ثالثًا: بالحذر من الغرور:

وحق ذلك العمل بعد انقضائه حذر النفس من الغرور، فغرورها مبنيٌّ على نسبة ما كان من السعي لكسبها، ومن العمل لتحصيلها، وهي نسبة كاذبة غير صحيحة، فما كان من سعي أو كسب؛ فذلك فضل الله -عز وجل-، عطاؤه ومنته، إحسانه وجوده، لا نسبة لشيءٍ من ذلك للعبد ألبتة.

رابعًا: بالمداومة على الطاعات:

وحق ذلك العمل بعد انقضائه أن يعلم المرء أن علامة قبوله إنما هي

التوفيق لنظائره وأمثاله بعد انقضائه، وأن يعلم أن انقضاء موسم ذلك العمل يعني استجماع عدوِّه قوتَهُ في حبسه عن المزيد من ذلك العمل، حتى يجمع العدو اللعين كل الموانع والقواطع عن الصيام والقيام وتلاوة القرآن، فيحصل بعد رمضان انحدار شديد لما كان من الأعمال الصالحة بذهابها وفواتها.

خامسًا: بالاستعانة بالله لدفع الشواغل:

فحق تلك الأعمال التي أوتيتموها وأعانكم الله عليها أن تحذروا لها من مكايد العدو المتربص بها، حتى إذا جمع الشواغل، وكَثَّر الهموم والموانع والقواطع؛ كان عندكم من استعانتكم بالله -عز وجل-، واستمدادكم لقوته، كان عندكم من ذلك ما يدفع الشواغل والموانع والقواطع، وإلا فإن أي استسلام لذلك يعني ذهاب رمضان وانقطاعه بأعماله الصالحات، ويعني رجوع العبد إلى مرذول عاداته وسئ مألوفاته التي هي حبسٌ عن الله -عز وجل-، وانقطاعٌ عن السير إليه، وتقصيرٌ في تحصيل أسباب النجاة.

إخوتاه ..

اعلموا أن الراحة لا تُنال بالراحة، ومعالي الأمور لا تُنال بالفتور، ومن زرع حصد، ومن جد وجد.

لله دَرُّ أقوامٍ شغلهم تحصيلُ زادهم عن أهاليهم وأولادهم، ومال بهم ذِكرُ المآل عن المال في معادهم، وصاحت بهمُ الدنيا فما أجابوا شُغْلًا بمرادهم، وتوسدوا أحزانهم بدلًا من وسادهم، واتخذوا الليل مسلكًا لجهادهم واجتهادهم، وحرسوا جوارحهم من النار عن غيِّهم وفسادهم.

أقبلت قلوبهم ترعى حَقَّ الحَقِّ؛ فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق.

فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى، والقلوب في رياض الملكوت ترعى.

نازلهم الخوفُ فصاروا والِهين، وناجاهم الفكرُ فعادوا خائفين.

وجَنَّ عليهمُ الليلُ فباتوا ساهرين، وناداهم منادي الصلاح: حيَّ على الفلاح، فقاموا متجهين.

وهبَّت عليهم ريحُ الأسحار فتيقظوا مستغفرين، وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين.

فرجعوا وقت الفجر بالأجر .. فيا خيبةَ النادمين.

إخوتي في الله ..

إن عمل الصالحات لا ينقطع عنك ما دامت فيك روح .. فعل الطاعات لا يسقط عنك ما دام يتردد فيك نَفَس .. وأيُّما وجدت خيرًا فسارع إليه وشارك .. اللَّهم ارزقنا فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين .. ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار .. اللَّهم خذ بنواصينا إلى ما تُحِبُّ وترضى؛ إنك على ما تشاء قدير .. وبالإجابة جدير.

إخوتاه ..

هذه الشهور والأعمال والليالي والأيام كلها مقادير للآجال، ومواقيت للأعمال، ثم تنقضي سريعًا، وتمضي جميعًا، والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باقٍ لا يزول، ودائمٌ لا يحول؛ هو في جميع الأوقات إلهٌ واحد، ولأعمال عباده رقيبٌ مشاهد.

فسبحان من قلَّبَ عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخَدَم؛ ليسبغَ عليهم فيها فواضل النعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم.

لما انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام، وآخرها شهر

الصيام؛ أقبلت بعدها الأشهر الثلاثة، أشهر الحج إلى البيت الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه غُفر له ما تقدم من ذنبه؛ فمن حج البيت ولم يرفث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أمه.

فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات؛ فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف، ويتقرب بها إلى مولاه وهو راجٍ خائف، والمحبُّ لا يَمَلُّ من التقرب بالنوافل إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه.


صفحات ذات صلة

رمضان ويكيبيديا إمساكية شهر رمضان 2015 حدث في رمضان فضائل شهر رمضان كيف نستقبل شهر رمضان http://www.saaid.net/mktarat/ramadan/556.htm http://www.eslam.de/arab/begriffe_arab/10ra/ramadan.htm مختارات رمضانية أهلاً رمضان..! لماذا نجدد التوبة قبل رمضان ؟ يا من استقبلت رمضان وعدت يا رمضان كيف نقبل على رمضان؟

المصادر وشرح الكلمات :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. إسناده صحيح: "رواه النسائي والبيهقي، كلاهما عن أبي قلابة، انظر "مسند أحمد" (7148، 9493، 8979) تحقيق شاكر، عن أبي هريرة، قال الشيخ أحمد شاكر في التعليق على مسند أحمد (7148) ، إسناده صحيح، وفى "التهذيب" يقال أنه لم يسمع من أبي هريرة ولم أجد ما يؤيد هذا، وأبو قلابة -عبد الله بن زيد- لم يعرف بتدليس والمعاصرة كافية في الحكم بوصل الإسناد.
  2. (1) إسناده صحيح انظر مسند أحمد بتحقيق شاكر حديث رقم (8380، 8381) (16/170-171) .
  3. (2) صحيح رواه ابن ماجة في "سننه" كتاب الرؤيا باب تعبير الرؤيا" وصححه الألباني، انظر "صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم (3171 ج 2/345-346)
  4. (2) حسن: رواه الطبراني في "الكبير" عن أنس وقال الهيثمي إسناده رجاله رجال الصحيح وحسنه الألباني في "الصحيحة" رقم (1890)
  5. (1) أخرجه أبو يعلى والطبراني في "الكبير" (24/ 306)، وصححه الألباني (1880) في "صحيح الجامع".
  6. (2) أخرجه ابن ماجه (2/ 111)، وصححه الألباني (1983) في "صحيح إرواء الغليل".
  7. أخرجه أحمد (2/ 159)، وصححه الألباني (536) في "السلسلة الصحيحة".
  8. أخرجه أحمد (2/ 392)، وصححه الألباني (1723) في "صحيح الترغيب والترهيب".
  9. أخرجه البخاري (6109).
  10. أخرجه البيهقي (6/ 169)، وحسنه الألباني (3004) في "صحيح الجامع".
  11. أخرجه الترمذي (2406)، وصححه الألباني (2741) في "صحيح الترغيب والترهيب".
  12. أخرجه مسلم (223).
  13. أخرجه مسلم (1014)
  14. أخرجه أحمد (6/ 50)، وصححه الألباني (2544) في "السلسلة الصحيحة".
  15. أخرجه أحمد (4/ 114)، وصححه الألباني (6415) في "صحيح الجامع".
  16. أخرجه مسلم (2699).
  17. أخرجه البيهقي (4/ 202)، وصححه الألباني (6535) في "صحيح الجامع".
  18. أخرجه مسلم (440).
  19. أخرجه أحمد (4/ 268)، وصححه الألباني (493) في "صحيح الترغيب والترهيب".
  20. أخرجه أحمد (4/ 126)، وصححه الألباني (9083) في "صحيح الجامع".
  21. أخرجه ابن حبان (2160)، وحسنه شعيب الأرنؤوط.
  22. متفق عليه
  23. أخرجه أحمد (3/ 119)، وصححه الألباني (265) في "صحيح الترغيب والترهيب".)،
  24. (أخرجه مسلم (2985).)
  25. خرجه الترمذي (586)، وصححه الألباني (3403)
  26. أخرجه مسلم (228).
  27. أخرجه أحمد (5/ 364).
  28. أخرجه أحمد (3/ 128)، وصححه الألباني (3098) في "صحيح الجامع"
  29. (4) أخرجه أحمد (5/ 159)، وصححه الألباني (1615) في "صحيح الجامع".
  30. (1) حسن: رواه الطبراني في "الكبير" عن واثلة، وأحمد في "مسنده"، وابن عساكر، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (1509) .
  31. اي اللوح المحفوظ
  32. وهي عند ابن عباس ليلة القدر والوتر من العشر الأواخر كما يقول ابن تيمية قد يكون باعتبار ما مضى من الشهر أو باعتبار ما بقي.
  33. "تفسير الطبري" (2/114-115) طبعة مصطفى الحلبي. أنزل القرآن بفرض صيامه قاله مجاهد والضحاك.
  34. (1) "التبصرة" لابن الجوزي (2/73)
  35. "الظلال" (1/171-172) .
  36. من وحي القلم.
  37. (1) أخرجه أصحاب الكتب الستة، ومالك، وأحمد، والدارمي، والفريابي في "كتاب الصوم" وعبد الغني المقدسي في "فضائل رمضان".
  38. (4) صحيح: رواه البزار، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما" واللفظ لابن حبان، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" رقم (993) ، و"التعليق على ابن خزيمة" (2212) .
  39. (3) سنده صحيح: رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجة، وابن أبي شيبة، وقال الألباني: سنده صحيح "صلاة التراويح" (ص 15) .
  40. صحيح: رواه الطبراني في (الكبير عن جابر بن سمرة، ورواه ابن حبان في "صحيحه"، وصححه الألباني فى "صحيح الجامع" رقم (75) .
  41. رغِم: بالكسر أي لصق بالرغام أي: التراب هذا أصله، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف.
  42. صحيح: رواه الترمذي في الدعوات، وقال: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح، وقال بن حجر: له شواهد، وقال الألباني: وإسناده حسن، وأخرج منه الحاكم (1/549) الفقرة الأولى من هذا الوجه، وأخرج مسلم الفقرة الأخيرة منه عن أبي هريرة، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة (رقم 927) ، و"صحيح الجامع" رقم (3510) .
  43. "فيض القدير" (4/34) .
  44. "الصوم في ضوء الكتاب والسنة" للأشقر ص (14) .
  45. رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة مختصراً.
  46. (1) رواه البخاري ومسلم.
  47. (3) صحيح: رواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقي عن أبي هريرة.
  48. (4) حسن: رواه النسائي والبيهقي عن أبي هريرة، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" رقم (989 ج4181)
  49. (3) صحيح: رواه الحاكم في "المستدرك" وصححه عن أبي هريرة وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (5626) .
  50. (2) حسن: رواه الديلمي في "مسند الفردوس" عن أنس، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن علي موقوفاً، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (4523) ، ورواه ابن حبان عن معاذ، وابن مخلد عن علي مرفوعاً.
  51. رواه أحمد والبخاري وابن ماجه عن جابر، وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس، وابو داود والترمذي وابن ماجه عن أم معقل، وابن ماجه عن وهب بن خنيس والطبراني في الكبير عن ابن الزبير.
  52. صحيح: رواه سموية عن أنس وصححه ابن العربي والسيوطي والألباني في صحيح الجامع.
  53. (1) رواه البخاري ومسلم.
  54. (2) صحيح: رواه النسائي والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وصححه الألباني.
  55. (3) حسن: رواه ابن ماجه وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (1/418 حديث رقم 990) .
  56. (3) إسناده صحيح: رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه الترمذي، وقال الألباني: إسناده صحيح "المشكاة" (رقم 2091) .
  57. الظلال
  58. "التحرير والتنوير" (2/177) . بفعل القرب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر" (1)
  59. "من وحي القلم" للرافعي.
  60. ) صحيح: رواه النسائي، وابن خزيمة في "صحيحه" (هكذا بالتكرار وبدونه، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (11/413) .
  61. (1) رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم، وعند أحمد "وإذا لقي الله فجزاه فرح" وسنده صحيح على شرط مسلم.
  62. (5) وهي عند أحمد، وكذا البخاري وهي هنا الرواية الأولى، لكن ليس فيها قوله "يوم القيامة" وهو عند النسائي في
  63. (3) "فتح الباري" (ج 4 /130) .
  64. "فيض القدير" للمناوي (4/251)
  65. "فتح الباري" (4/130) .
  66. رواه البخاري ومسلم، والترمذي، وابن ماجة عن حذيفة.
  67. رواه البخاري ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وأحمد.
  68. حسن: رواه ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (1844) ، والصحيحة رقم (1654) .
  69. (3) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو موقوف له حكم الرفع، قاله الألباني في "الضعيفة" (3/502-503) ، وأخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وابن المبارك.
  70. (4) "مقامات ابن الجوزي" (ص 91)
  71. (1) صحيح: رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عثمان بن أبي العاص، ورواه أحمد والنسائي، وابن ماجة وابن خزيمة، وابن حبان، وصححه السيوطي والألباني في "صحيح الجامع" برقم (3867) .
  72. (2) صحيح: رواه الطبراني في "الكبير" عن عثمان بن أبي العاص، ورواه أحمد، النسائي, وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان، وقال الهيثمي سنده حسن، وصححه السيوطي والألباني في "صحيح الجامع" رقم (3868) .
  73. (3) صحيح: رواه أحمد في "مسنده"، والنسائي، وابن ماجة عن عثمان بن أبي العاص، ورواه ابن عبد البر، وابن حبان، وابن خزيمة، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" برقم (3879) .
  74. حسن: رواه أحمد، والبيهقي في "شعب الإيمان"، عن أبي هريرة وصححه السيوطى، وقال المناوي في "فيض القدير" (4/250) "قال الهيثمي: هو في الصحيح خلا قوله وحصن إلخ وسنده حسن" وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (3880) .
  75. حسن: رواه أحمد، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن جابر وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (4308) .
  76. "فيض القدير" (4/242، 250) .
  77. رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي عن أبي سعيد.
  78. حسن: قال المنذري: رواه البزار بإسناد حسن إن شاء الله، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (1/412) .
  79. حسن: حسّنه الألباني في "صحيح الترغيب" (1/412) .
  80. "الثبات عند الممات" لابن الجوزي (ص 119) ، "الزهد" للإمام أحمد (ص 180) ، "حلية الأولياء" (1/239) .
  81. حسن: رواه أحمد في مسنده، وأبو يعلى في مسنده، والبيهقي في "السنن الكبرى" عن عامر بن مسعود، ورواه الطبراني في الأوسط، وابن عدي في "الكامل"، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أنس، وابن عدي والبيهقي فى "شعب الإيمان" عن جابر، ورواه ابن أبي شيبة، والضياء عن عامر، وأشار السيوطي إلى حسنه، وحسّنه الألباني في "صحيح الجامع رقم (3868) . وصح وقفه على أبي هريرة كما في "زوائد الزهد" لعبد الله بن أحمد وعنه أبو نعيم وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقال البيهقي: هذا موقوف، وقال السخاوي: "وهو أصح".
  82. موقوف على عمر بن الخطاب وهو صحيح: رواه أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم في "الحلية" عن أبي عثمان النهدي، عن عمر: وإسناده صحيح على شرطهما.
  83. رواه البخاري عن سهل بن سعد.
  84. رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي.
  85. رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.
  86. "فوائد الصوم" لعز الدين بن عبد السلام.
  87. "فتح الباري" (4/134) .
  88. "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (4/230)
  89. . صحيح: رواه أحمد في "مسنده"، والطبراني في "الكبير"، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الجوع" وغيره بإسناد حسن، ورواه الحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (1/411) .
  90. حسن: رواه أبو الحسن بن مهرويه في "الثلاثيات"، والضياء عن أنس، والألباني في "صحيح الجامع" رقم (3032)
  91. حسن: أخرجه ابن حبان في "صحيحه"، وأحمد في "مسنده"، والطيالسي، والبيهقي، وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال ابن حجر في "أمالي الأذكار" هذا حديث حسن، وأخرجه البزار في "مسنده" قال محقق "الإحسان في تقريب ابن حبان" (8/215) .
  92. صحيح: رواه عبد بن حميد، والضياء عن أنس، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (3097) .
  93. صحيح: رواه الترمذي عن أبي هريرة، ورواه أحمد في "مسنده"، مسلم وابن حبان.
  94. رواه ابن حبان واللفظ له وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه مسلم والنسائي.
  95. إسناده صحيح: رواه ابن حبان واللفظ له، وابن خزيمة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي.
  96. إسناده صحيح على شرط الشيخين: رواه ابن حبان في "صحيحه" واللفظ له، وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم، وابن ماجة.
  97. الجنة: بضم الجيم: كل ما ستر، ومنه (المجن) وهو الترس، وإنما كان الصوم جنة لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، قال ابن الأثير في "النهاية": معنى كونه جُنّة: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات.
  98. صحيح: رواه النسائي عن معاذ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (3866) ، وقال العامري: صحيح.
  99. الرفث: الكلام القبيح، أو الجماع.
  100. إسناده صحيح على شرط مسلم، رواه ابن حبان، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد، والحاكم في "المستدرك" وصحح إسناده ووافقه الذهبي.
  101. الوجاء: رضّ أنثيي الفحل رضَاً شديداً يذهب شهوة الجماع ويتنزل في قمة منزلة الخصي، قال ابن الأثير: نزل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كسر الصوم للشهوة منزلة رض الأنثيين في حسم الشهوة. وقال القرطبي: جنة أي سترة، يعني بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه عن ما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث"، ويصح أن يراد أن ستره بحسب فائدة وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله "يدع شهوته"، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات.
  102. رواه مسلم، وأحمد، عن أبي هريرة.
  103. "مدارك المرام" ص (79، 80) .
  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٨ يونيو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٣٩.
  • تم عرض هذه الصفحة ٦٧٬٤٦٦ مرة.