أدوات شخصية
User menu

أقوال ومواقف السلف في مواعظ

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


  • عن يحيى بن أبي كثير: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان يقول في خطبته: أين الوضآء، الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؛ أين الملوك: الذين بنوا المدائن، وحصنوها بالحيطان؛ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب: قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور؛ الوحا الوحا، النجاء النجاء.حلية الأولياء(</1/ 34ـ35)


  • عن عبد الله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله تعالى أثنى على زكريا، وعلى أهل بيته، فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].

ثم اعلموا عباد الله: أن الله تعالى قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي؛ وهذا كتاب الله فيكم: لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره؛ فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة؛ فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين، يعلمون ما تفعلون. ثم اعلموا عباد الله: أنكم تغدون وتروحون، في أجل قد غيب عنكم علمه؛ فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله: فافعلوا؛ ولن تستطيعوا ذلك، إلا بالله. فسابقوا في مهل آجالكم، قبل أن تنقضي آجالكم، فيردكم إلى أسوأ أعمالكم؛ فإن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم؛ فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم؛ الوحا الوحا، النجا النجا؛ إن وراءكم طالب حثيث، أمره سريع.حلية الأولياء(</1/ 35)


  • عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال: لما حضر أبا بكر الموت: دعا عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال له: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عز وجل عملاً بالنهار، لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل، لا يقبله بالنهار؛ وأنه لا يقبل نافلة، حتى تؤدى الفريضة.

وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة: باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم؛ وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً: أن يكون ثقيلاً؛ وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة: باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم؛ وحق لميزان يوضع فيه الباطل غداً: أن يكون خفيفاً. وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأخاف أن لا ألحق بهم؛ وإن الله تعالى ذكر أهل النار، فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم أحسنه؛ فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء، فيكون العبد راغباً راهباً، لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمته عز وجل. فإن أنت حفظت وصيتي: فلا يكن غائب أحب إليك من الموت، وهو آتيك؛ وإن أنت ضيعت وصيتي: فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجزه.حلية الأولياء(</1/ 37)


  • عن علي - رضي الله عنه - قال: ليس الخير: أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير: أن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وأن تباهى الناس بعبادة ربك؛ فإن أحسنت: حمدت الله، وإن أسأت: استغفرت الله؛ ولا خير في الدنيا، إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنباً، فهو تدارك ذلك بتوبة؛ أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوى، وكيف يقل ما يتقيل؟.حلية الأولياء(</1/ 75)


  • قال علي بن أبي طالب: أيها الناس، إنكم والله، لو حننتم حنين الوله العجال، ودعوتم دعاء الحمام، وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان، ثم خرجتم إلى الله من الأموال والأولاد: التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده، أو غفران سيئة أحصاها كتبته: لكان قليلاً فيما أرجو لكم من جزيل ثوابه، وأتخوف عليكم من أليم عقابه.

فبالله بالله بالله، لو سالت عيونكم رهبة منه ورغبة إليه، ثم عمرتم في الدنيا: ما الدنيا باقية؛ ولو لم تبقوا شيئاً من جهدكم، لأنعمه العظام عليكم، بهدايته إياكم للإسلام ما كنتم تستحقون به الدهر، ما الدهر قائم بأعمالكم جنته؛ ولكن برحمته ترحمون، وإلى جنته يصير منكم المقسطون؛ جعلنا الله وإياكم من التائبين العابدين.حلية الأولياء(</1/ 77)


  • عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: أن علياً شيع جنازة، فلما وضعت في لحدها: عج أهلها وبكوا؛ فقال: ما تبكون؟ أما والله، لو عاينوا ما عاين ميتهم: لأذهلتهم معاينتهم عن ميتهم؛ وإن له فيهم لعودة ثم عودة، حتى لا يبقى منهم أحداً.

ثم قام، فقال: أوصيكم عباد الله بتقوى الله: الذي ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وجعل لكم أسماعاً تعي ما عناها، وأبصاراً لتجلوا عن غشاها، وأفئدة تفهم ما دهاها في تركيب صورها، وما أعمرها؛ فإن الله لم يخلقكم عبثاً، ولم يضرب عنكم الذكر صفحاً؛ بل أكرمكم بالنعم السوابغ، وأرفدكم بأوفر الروافد، وأحاط بكم الإحصاء، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء. فاتقوا الله عباد الله، وجدوا في الطلب، وبادروا بالعمل مقطع النهمات، وهادم اللذات؛ فإن الدنيا: لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجائعها، غرور حائل، وشبح فائل، وسناد مائل؛ يمضي مستطرفاً، ويردي مستردفاً: باتعاب شهواتها، وختل تراضعها. اتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالآيات والأثر، وازدجروا بالنذر، وانتفعوا بالمواعظ؛ فكأن قد علقتكم مخالب المنية، وضمكم بيت التراب، ودهمتكم مقطعات الأمور بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياقة المحشر، وموقف الحساب، بإحاطة قدرة الجبار؛ كل نفس معها سائق يسوقها لمحشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها؛} وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69]. فارتجت لذلك اليوم البلاد، ونادى المناد وكان يوم التلاق، وكشف عن ساق؛ وكسفت الشمس، وحشرت الوحوش مكان مواطن الحشر، وبدت الأسرار، وهلكت الأشرار، وارتجت الأفئدة. فنزلت بأهل النار من الله سطوة مجيحة، وعقوبة منيحة، وبرزت الجحيم: لها كلب ولجب، وقصيف رعد، وتغيظ، ووعيد، تأجج جحيمها، وغلا حميمها، وتوقد سمومها؛ فلا ينفس خالدها، ولا تنقطع حسراتها، ولا يقصم كبولها؛ معهم ملائكة يبشرونهم: بنزل من حميم، وتصلية جحيم؛ عن الله محجوبون، ولأوليائه مفارقون، وإلى النار منطلقون. عباد الله، اتقوا الله: تقية من كنع فخنع، ووجل فرحل، وحذر فابصر فازدجر؛ فاحتث طلباً، ونجا هرباً؛ وقدم للمعاد، واستظهر بالزاد؛ وكفى بالله منتقماً وبصيراً؛ وكفى بالكتاب خصماً وحجيجاً، وكفى بالجنة ثواباً، وكفى بالنار وبالاً وعقاباً؛ وأستغفر الله لي ولكم.حلية الأولياء(</1/ 77ـ79)


  • عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه كان يسير في العسكر، فيقول: ألا رب مبيض لثيابه: مدنس لدينه، ألا، رب مكرم لنفسه: وهو لها مهين؛ ادرءوا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات؛ فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السماء، ثم عمل حسنة: لعلت فوق سيئاته، حتى تقهرهن.حلية الأولياء(</1/ 102)


  • عن عبدالله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود في هذا المسجد: يبدأ باليمين قبل الكلام؛ فقال: ما منكم من أحد، إلا أن ربه تعالى سيخلو به، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر؛ فيقول: يا ابن آدم، ما غرك بي؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟ ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت؟.حلية الأولياء(</1/ 131)


  • قال عبد الله بن مسعود: إن أصدق الحديث: كتاب الله عز وجل، وأوثق العرى: كلمة التقوى، وخير الملل: ملة إبراهيم، وأحسن السنن: سنة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وخير الهدى: هدى الأنبياء، وأشرف الحديث: ذكر الله، وخير القصص: القرآن، وخير الأمور: عواقبها، وشر الأمور: محدثاتها؛ وما قل وكفى: خير مما كثر وألهى، ونفس تنجيها: خير من أمارة لا تحصيها.

وشر العذيلة: حين يحضر الموت، وشر الندامة: ندامة القيامة، وشر الضلالة: الضلالة بعد الهدى. وخير الغنى: غنى النفس، وخير الزاد: التقوى، وخير ما ألقى في القلب: اليقين، والريب من الكفر، وشر العمى: عمى القلب، والخمر: جماع كل إثم، والنساء: حبالة الشيطان، والشباب: شعبة من الجنون، والنوح: من عمل الجاهلية. ومن الناس من لا يأتي الجمعة: إلا دبراً، ولا يذكر الله: إلا هجراً. وأعظم الخطايا: الكذب، وسباب المؤمن: فسوق، وقتاله: كفر، وحرمة ماله: كحرمة دمه، ومن يعف: يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ: يأجره الله، ومن يغفر: يغفر الله له، ومن يصبر على الرزية: يعقبه الله. وشر المكاسب: كسب الربا، وشر المأكل: مال اليتيم، والسعيد: من وعظ بغيره، والشقي: من شقي في بطن أمه. وإنما يكفي أحدكم: ما قنعت به نفسه، وإنما يصير إلى أربعة أذرع، والأمر: إلى آخرة، وملاك العمل: خواتمه، وشر الروايا: روايا الكذب، وأشرف الموت: قتل الشهداء، ومن يعرف البلاء: يصبر عليه، ومن لا يعرفه: ينكر، ومن يستكبر: يضعه، ومن يتولى الدنيا: تعجز عنه، ومن يطع الشيطان: يعص الله، ومن يعص الله: يعذبه.حلية الأولياء(</1/ 138ـ139)


  • قال علي بن أبي طالب: طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عز وجل.حلية الأولياء(</1/ 147)


  • عن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة؛ فقال: يا أيها الناس، أنا جندب الغفاري، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق؛ فاكتنفه الناس، فقال: أرأيتم، لو أن أحدكم أراد سفراً: أليس يتخذ من الزاد، ما يصلحه ويبلغه؟

قالوا: بلى. قال: فسفر طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم. قالوا: ما يصلحنا؟ قال: حجوا حجةً: لعظام الأمور، صوموا يوماً شديداً حره: لطول النشور، صلوا ركعتين في سواد الليل: لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، أو كلمة سوء تسكت عنها: لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك: لعلك تنجو من عسيرها؛ اجعل الدنيا مجلسين: مجلساً في طلب الآخرة، ومجلساً في طلب الحلال، والثالث: يضرك ولا ينفعك: لا تريده، اجعل المال درهمين: درهماً تنفقه على عيالك من حله، ودرهما تقدمه لآخرتك، والثالث: يضرك ولا ينفعك: لا تريده. ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس، قد قتلكم حرص لا تدركونه أبداً.حلية الأولياء(</1/ 165)


  • قال خالد بن عمير: خطبنا عتبة بن غزوان، قال: أيها الناس، إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها، إلا صبابة كصبابة الإناء؛ ألا وإنكم في دار أنتم متحولون منها، فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم.

وإني أعوذ بالله: أن أكون في نفسي عظيماً، وعند الله صغيراً؛ وإنكم والله، لتبلون الأمراء من بعدي؛ وإنه والله، ما كانت نبوة قط إلا تناسخت، حتى تكون ملكاً وجبرية. وإني رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سابع سبعة، ومالنا طعام: إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا؛ فوجدت بردة، فشققتها بنصفين، فأعطيت نصفها سعد بن مالك، ولبست نصفها؛ فليس من أولئك السبعة اليوم رجل حي، إلا وهو أمير مصر من الأمصار. فيا للعجب: للحجر يلقى من رأس جهنم، فيهوي سبعين خريفاً، حتى يتقرر في أسفلها. والذي نفسي بيده: لتملأن جهنم، أفعجبتم؟ وإن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة: مسيرة أربعين عاماً؛ وليأتين عليه يوم، وما فيها باب: إلا وهو كظيظ.حلية الأولياء(</1/ 171)


  • عن جرير قال: قال سلمان - رضي الله عنه -: يا جرير، تواضع لله؛ فإنه: من تواضع لله تعالى في الدنيا: رفعه يوم القيامة.

يا جرير، هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قلت: لا أدري؛ قال: ظلم الناس بينهم في الدنيا. قال: ثم أخذ عويداً لا أكاد أن أراه بين أصبعيه، قال: يا جرير، لو طلبت في الجنة مثل هذا العود: لم تجده؛ قال: قلت: يا أبا عبد الله، فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها: اللؤلؤ والذهب، وأعلاها: الثمر.حلية الأولياء(</1/ 202)


  • عن جعفر بن برقان قال: بلغنا: أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان يقول: أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث: ضحكت من مؤمل الدنيا، والموت يطلبه؛ وغافل لا يغفل عنه؛ وضاحك ملء فيه، لا يدري أمسخط ربه، أم مرضيه؛ وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة، محمد وحزبه؛ وهول المطلع عند غمرات الموت؛ والوقوف بين يدي رب العالمين، حين لا أدري: إلى النار انصرافي، أم إلى الجنة.حلية الأولياء(</1/ 207)


  • قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا أنفسكم من الموتى؛ واعلموا: أن قليلاً يغنيكم، خير من كثير يلهيكم؛ واعلموا: أن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى.حلية الأولياء(</1/ 212)


  • عن معمر عن صاحب له: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان رضي الله تعالى عنهما: يا أخي، اغتنم صحتك وفراغك: قبل أن ينزل بك من البلاء، ما لا يستطيع العباد رده؛ واغتنم دعوة المبتلى.

ويا أخي، ليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن المساجد بيت كل تقي وقد ضمن الله عز وجل لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة والجواز على الصراط إلى رضوان الرب عز وجل». ويا أخي، ارحم اليتيم، وأدنه منك، وأطعمه من طعامك؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ـ وأتاه رجل يشتكي قساوة قلبه ـ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتحب أن يلين قلبك؟» فقال: نعم؛ قال: «أدن اليتيم منك، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك؛ فإن ذلك يلين قلبك، وتقدر على حاجتك». ويا أخي، لا تجمع ما لا تستطيع شكره؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يجاء بصاحب الدنيا يوم القيامة، الذي أطاع الله تعالى فيها، وهو بين يدي ماله، وماله خلفه؛ كلما تكفأ به الصراط، قال له ماله: امض، فقد أديت الحق الذي عليك» قال: «ويجاء بالذي لم يطع الله فيه، وماله بين كتفيه؛ فيعثره ماله، ويقول له: ويلك، هلا عملت بطاعة الله عز وجل في؛ فلا يزال كذلك: حتى يدعو بالويل». ويا أخي، إني حدثت: أنك اشتريت خادماً؛ وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يزال العبد من الله، وهو منه: ما لم يخدم، فإذا خدم: وجب عليه الحساب». وإن أم الدرداء سألتني خادماً، وأنا يومئذ موسر؛ فكرهت ذلك لما سمعت من الحساب. ويا أخي، من لي ولك: بأن نوافي يوم القيامة، ولا نخاف حساباً؟ ويا أخي، لا تغترن بصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنا قد عشنا بعده دهراً طويلاً؛ والله أعلم بالذي أصبنا بعده. رواه ابن جابر والمطعم بن المقدام عن محمد بن واسع: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان مثله.حلية الأولياء(</1/ 214)


  • قال أبو الدرداء: لو تعلمون ما أنتم راءون بعد الموت، لما أكلتم طعاماً على شهوة، ولا شربتم شراباً على شهوة، ولا دخلتم بيتا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعدات: تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم، ولوددت أنكم شجرة تعضد، ثم تؤكل.حلية الأولياء(</1/ 216)


  • عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال: بلغني، أن أبا الدرداء كتب إلى أخ له: أما بعد، فلست في شيء من أمر الدنيا، إلا وقد كان له أهل قبلك، وهو صائر له أهل بعدك، وليس لك منه إلا ما قدمت لنفسك؛ فآثرها على المصلح من ولدك، فإنك تقدم على من لا يعذرك، وتجمع لمن لا يحمدك؛ وإنما تجمع لواحد من اثنين: إما عامل فيه بطاعة الله: فيسعد بما شقيت به؛ وإما عامل فيه بمعصية الله: فتشقى بما جمعت له؛ وليس والله واحد منهما بأهل: أن تبرد له على ظهرك، ولا تؤثره على نفسك؛ ارج لمن مضى منهم رحمة الله، وثق لمن بقي منهم رزق الله؛ والسلام.حلية الأولياء(</1/ 216)


  • عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أن رجلاً قال لأبي الدرداء: علمني كلمة ينفعني الله عز وجل بها؛ قال: وثنتين، وثلاثاً، وأربعاً، وخمساً: من عمل بهن، كان ثوابه على الله عز وجل: الدرجات العلا.

قال: لا تأكل إلا طيباً، ولا تكسب إلا طيباً، ولا تدخل بيتك إلا طيباً؛ وسل الله عز وجل، يرزقك يوماً بيوم؛ وإذا أصبحت: فاعدد نفسك من الأموات، فكأنك قد لحقت بهم، وهب عرضك الله عز وجل؛ فمن سبك، أو شتمك، أو قاتلك: فدعه لله عز وجل؛ وإذا أسأت: فاستغفر الله عز وجل.حلية الأولياء(</1/ 222)


  • قال أبو هريرة: إذا رأيتم ستاً، فإن كانت نفس أحدكم في يده، فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني: إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون بالدم، وقطعت الأرحام، وقطعت الجلاوزة، ونشأ نشء يتخذون القرآن مزامير.حلية الأولياء(</1/ 384)


  • قيل للربيع بن خيثم: كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين: نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.حلية الأولياء(</2/ 109)


  • قال الربيع بن خيثم: أريدوا بهذا الخير الله: تنالوه، لا بغيره؛ وأكثروا ذكر هذا الموت، الذي لم تذوقوا قبله مثله؛ فإن الغائب إذا طالت غيبته: وجبت محبته، وانتظره أهله، وأوشك أن يقدم عليهم.حلية الأولياء(</2/ 112)


  • عن هرم بن حيان العبدي، أنه كان يقول: ما رأيت مثل الجنة: نام طالبها، ولا مثل النار: نام هاربها؛ قال: وكان يقول: أخرجوا من قلوبكم حب الدنيا، وأدخلوا قلوبكم حب الآخرة. حلية الأولياء(</2/ 119)
  • قال الحسن البصري: إن المؤمن: يصبح حزيناً، ويمسي حزيناً، ولا يسعه غير ذلك؛ لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى: لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي: لا يدري ما يصيب فيه من المهالك.حلية الأولياء(</2/ 132)


  • عن الحسن البصري قال: يحق لمن يعلم: أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده: أن يطول حزنه.حلية الأولياء(</2/ 133)


  • عن الحسن البصري: أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز ـ والسياق: لأبي حميد الشامي ـ أعلم، أن التفكر: يدعو إلى الخير، والعمل به؛ والندم على الشر: يدعو إلى تركه؛ وليس ما يفنى ـ وإن كان كثيراً ـ يعدل ما يبقى، وإن طلبه عزيزاً؛ واحتمال المؤونة المنقطعة، التي تعقب الراحة الطويلة: خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية.

فاحذر هذه الدار: الصارعة، الخادعة، الخاتلة: التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة: العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أخبر عنها مدكر. فأبت القلوب لها إلا حباً، وأبت النفوس بها إلا ضناً، وما هذا منالها إلا عشقاً؛ ومن عشق شيئا: لم يعقل غيره، ومات في طلبه، أو يظفر به؛ فهما عاشقان، طالبان لها. فعاشق قد ظفر بها، واغتر، وطغى، ونسي بها المبدأ والمعاد: فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كانت له منيته: فعظمت ندامته، وكسرت حسرته، واشتدت كربته، مع ما عالج من سكرته، واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به. وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته، فذهب بكربه وغمه، لم يدرك منها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب؛ خرجا جميعاً بغير زاد، وقدما على غير مهاد. فاحذرها الحذر كله، فإنها مثل الحية: لين مسها، وسمها يقتل؛ فاعرض عما يعجبك فيها: لقلة ما يصحبك منها؛ وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها: لرخاء ما يصيبك، وكن أسر ما تكون فيها؛ احذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له: أشخصته عنها بمكروه؛ وكلما ظفر بشيء منها، وثنى رجلا عليه: انقلبت به. فالسار فيها غار، والنافع فيها غداً ضار؛ صل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء سرورها، مشوب بالحزن؛ وآخر الحياة فيها: الضعف، والوهن. فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق؛ واعلم: أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن؛ لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فيها، فينتظر. فاحذرها: فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر: إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية. فلقد كدت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى: لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلاً، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدار: قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل؛ فكيف؟ وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ. فما لها عند الله عز وجل قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصا، ولا مقدار ثراه في جميع الثرى، ولا خلق خلقاً فيما بلغت: أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها: مقتاً لها؛ ولقد عرضت على نبينا - صلى الله عليه وسلم - بمفاتيحها وخزائنها، ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء، إلا أنه علم: أن الله تعالى أبغض شيئاً فأبغضه، وصغر شيئاً فصغره، ووضع شيئاً فوضعه؛ ولو قبلها: كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه: كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه؛ ولو لم يدله على صغر هذه الدار، إلا أن الله تعالى حقرها: أن يجعل خيرها ثواباً للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذاباً للعاصين، فأخرج ثواب الطاعة منها، وأخرج عقوبة المعصية عنها. وقد يدلك على شر هذه الدار: أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه: اختباراً وبسطاً لغيرهم، اعتباراً واغتراراً؛ ويظن المغرور بها، والمفتون عليها أنه: إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وموسى المختار عليه السلام بالكلام له وبمناجاته؛ فأما محمد - صلى الله عليه وسلم -: فشد الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى عليه السلام: فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل: إلا طعاما يأكله من جوعه، ولقد جاءت الروايات عنه: أن الله تعالى أوحى إليه: أن يا موسى، إذا رأيت الفقر مقبلاً، فقل: مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل، فقل: ذنب عجلت عقوبته؛ وإن شئت: ثلثته بصاحب الروح والكلمة، ففي أمره عجيبة، كان يقول: أدمي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر وصلاتي في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني: ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام، أبيت وليس لي شيء، وليس أحد أغنى مني، ولو شئت: ربعت بسليمان ابن داود عليهما السلام، فليس دونهم في العجب: يأكل خبز الشعير في خاصته، ويطعم أهله: الخشكار، والناس: الدرمك، فإذا جنه الليل: لبس المسوح، وغل اليد إلى العنق، وبات باكياً حتى يصبح؛ يأكل الخشن من الطعام، ويلبس الشعر من الثياب. كل هذا: يبغضون ما أبغض الله عز وجل، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما فيه زهد؛ ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم، وألزموا الكد والعير، وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير عن متاع الغرور: الذي إلى الفناء يصير؛ ونظروا إلى آخر الدنيا، ولم ينظروا إلى أولها؛ ونظروا إلى عاقبة مرارتها، ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر، أنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة: التي لا يحل الشبع منها، إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس، ويقي الروح، ومكن اليوم، وجعلوها بمنزلة الجيفة: التي قد اشتد نتن ريحها، فكل من مر بها: أمسك على أنفه منها؛ فهم يصيبون منها لحال الضر، ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن. فقرنت عنهم، وكانت هذه منزلتها من أنفسهم؛ فهم يعجبون من الآكل منها شبعاً، والمتلذذ بها أشراً؛ ويقولون في أنفسهم: أما ترى هؤلاء لا يخافون من الأكل؟ أما يجدون ريح النتن؟ وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلة: أنتن من الجيفة المرصوفة؛ غير أن أقواماً استعجلوا الصبر، فلا يجدون ريح النتن؛ والذي نشأ في ريح الإرهاب النتن: لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده؛ وقد يكفي العاقل منها: أنه من مات عنها، وترك مالا كثيراً سره: أنه كان فيها فقيراً، أو شريفاً، أنه كان فيها وضيعاً، أو كان فيها معافى: سره أنه كان فيها مبتلى، أو كان مسلطناً: سره أنه كان فيها سوقة؛ وإن فارقتها: سرك أنك كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها فاقة؛ أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها؟ والله، لو كانت الدنيا، من أراد منها شيئاً: وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب؛ غير أنه إذا أخذ منها شيئاً: لزمته حقوق الله فيه، وسأله عنه، ووقفه على حسابه. لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها: إلا قدر قوته، وما يكفي حذر السؤال وكراهية: لشدة الحساب. وإنما الدنيا إذا فكرت فيها: ثلاثة أيام: يوم مضى، لا ترجوه؛ ويوم أنت فيه: ينبغي لك أن تغتنمه؛ ويوم يأتي: لا تدري: أنت من أهله، أم لا؟ ولا تدري: لعلك تموت قبله؛ فأما أمس: فحكيم مؤدب، وأما اليوم: فصديق مودع، غير أن أمس؛ وإن كان قد فجعك بنفسه: فقد أبقى في يديك حكمته؛ وإن كنت قد أضعته: فقد جاءك خلف منه؛ وقد كان عنك طويل الغيبة، وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغداً أيضاً في يديك منه أمله. فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل، قبل حلول الأجل؛ وإياك أن تدخل على اليوم: هم غد، أو هم ما بعده؛ زدت في حزنك، وتعبك، وأردت أن تجمع في يومك ما يكفيك أيامك؛ هيهات: كثر الشغل، وزاد الحزن، وعظم التعب، وأضاع العبد العمل بالأمل. ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك: أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك؛ غير أن الأمل منك في الغد: دعاك إلى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب؛ ولئن شئت واقتصرت: لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين: ساعة ماضية، وساعة آتية، وساعة أنت فيها. فأما الماضية والباقية: فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألما؛ وإنما الدنيا: ساعة أنت فيها، فخدعتك تلك الساعة عن الجنة، وصيرتك إلى النار؛ وإنما اليوم ـ إن عقلت ـ: ضيف نزل بك، وهو مرتحل عنك؛ فإن أحسنت نزله وقراه: شهد لك، وأثنى عليك بذلك، وصدق فيك؛ وإن أسأت ضيافته، ولم تحسن قراه: جال في عينيك. وهما يومان، بمنزلة الأخوين: نزل بك أحدهما، فأسأت إليه، ولم تحسن قراه فيما بينك وبينه؛ فجاءك الآخر بعده، فقال: إني قد جئتك بعد أخي، فإن إحسانك إلي: يمحو إساءتك إليه، ويغفر لك ما صنعت؛ فدونك إذ نزلت بك، وجئتك بعد أخي المرتحل عنك، فلقد ظفرت بخلف منه إن عقلت؛ فدارك ما قد أضعت، وإن ألحقت الآخر بالأول؛ فما أخلقك إن تهلك بشهادتهما عليك. إن الذي بقي من العمر: لا ثمن له، ولا عدل؛ فلو جمعت الدنيا كلها: ما عدلت يوماً بقي من عمر صاحبه؛ فلا تبع اليوم، ولا تعدله من الدنيا بغير ثمنه،، ولا يكونن المقبور أعظم تعظيماً لما في يديك منك وهو لك. فلعمري: لو أن مدفوناً في قبره قيل له: هذه الدنيا، أولها إلى آخرها: تجعلها لولدك من بعدك، يتنعمون فيها من ورائك ـ فقد كنت، وليس لك هم غيرهم ـ أحب إليك، أم يوم تترك فيه تعمل لنفسك؟ لاختار ذلك؛ وما كان ليجمع مع اليوم شيئاً: إلا اختار اليوم عليه: رغبة فيه، وتعظيماً له. بل: لو اقتصر على ساعة: خيرها، وما بين أضعاف ما وصفت لك، وأضعافه يكون لسواه: إلا اختار الساعة لنفسه، على أضعاف ذلك يكون لغيره. بل: لو اقتصر على كلمة يقولها، تكتب له؛ وبين ما وصفت لك وأضعافه: لاختار الكلمة الواحدة عليه. فانتقد اليوم لنفسك، وأبصر الساعة، وأعظم الكلمة، واحذر الحسرة عند نزول السكرة؛ ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة. نفعنا الله وإياك بالموعظة، ورزقنا وإياك خير العواقب؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.حلية الأولياء(</2/ 134ـ140)


  • قال الحسن البصري: رحم الله امرئ عرف ثم صبر، ثم أبصر فبصر.

فإن أقواماً عرفوا: فانتزع الجزع أبصارهم، فلا هم أدركوا ما طلبوا، ولا هم رجعوا إلى ما تركوا. اتقوا هذه الأهواء المضلة، البعيدة من الله؛ التي: جماعها الضلالة، وميعادها النار، لهم محنة: من أصابها أضلته، ومن أصابته قتلته. يا ابن آدم: دينك دينك، فإنه هو لحمك ودمك، إن يسلم لك دينك: يسلم لك لحمك ودمك؛ وإن تكن الأخرى: فنعوذ بالله؛ فإنها نار لا تطفئ، وجرح لا يبرأ، وعذاب لا ينفد أبداً، ونفس لا تموت. يا ابن آدم: إنك موقوف بين يدي ربك، ومرتهن بعملك، فخذ مما في يديك لما بين يديك عند الموت: يأتيك الخبر؛ إنك مسئول، ولا تجد جواباً؛ إن العبد لا يزال بخير: ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همه.حلية الأولياء(</2/ 145ـ146)


  • قال الحسن البصري: يا ابن آدم، سرطاً سرطاً، جمعاً جمعاً في وعاء، وشداً شداً في وكاء: ركوب الذلول، ولبوس اللين؛ ثم قيل: مات، فأفضى والله إلى الآخرة.

إن المؤمن: عمل لله تعالى أياماً يسيرة؛ فوالله، ما ندم أن يكون أصاب من نعيمها ورخائها، ولكن: راقت الدنيا له، فاستهانها، وهضمها لآخرته، وتزود منها؛ فلم تكن الدنيا في نفسه بدار، ولم يرغب في نعيمها، ولم يفرح برخائها؛ ولم يتعاظم في نفسه شيء من البلاء إن نزل به، مع احتسابه للأجر عند الله؛ ولم يحتسب نوال الدنيا، حتى مضى: راغباً راهباً. فهنيئاً هنيئاً، فأمن الله بذلك روعته، وستر عورته، ويسر حسابه؛ وكان الأكياس من المسلمين يقولون: إنما هو الغدو والرواح، وحظ من الدلجة والاستقامة؛ لا يلبثك يا ابن آدم: أن على الخير؛ حتى أن العبد إذا رزقه الله تعالى الجنة: فقد أفلح؛ وأن الله تعالى: لا يخدع عن جنته، يعطى بالأماني؛ وقد اشتد الشح، وظهرت الأماني، وتمنى المتمني في غروره.حلية الأولياء(</2/ 146ـ147)


  • عن الحسن البصري قال: ابن آدم، إنما أنت أيام: كلما ذهب يوم، ذهب بعضك.حلية الأولياء(</2/ 148)


  • عن الحسن البصري قال: إن أفسق الفاسقين: الذي يركب كل كبيرة، ويسحب على ثيابه؛ ويقول: ليس علي بأس؛ سيعلم أن الله تعالى: ربما عجل العقوبة في الدنيا، وربما أخرها ليوم الحساب.حلية الأولياء(</2/ 148)


  • عن الحسن البصري قال: رحم الله رجلاً: لبس خلقاً، وأكل كسرةً، ولصق بالأرض، وبكى على الخطيئة، ودأب في العبادة.حلية الأولياء(</2/ 149)


  • قال الحسن البصري: ابن آدم: أصبحت بين مطيتين لا يعرجان بك: خطر الليل والنهار، حتى تقدم الآخرة: فإما إلى الجنة، وإما إلى النار؛ فمن أعظم خطراً منك؟.حلية الأولياء(</2/ 152)


  • عن الحسن البصري قال: لما بعث الله عز وجل محمداً - صلى الله عليه وسلم -: يعرفون وجهه، ويعرفون نسبه؛ قال: هذا نبي، هذا خياري، خذوا من سنته وسبيله؛ أما والله، ما كان يغدى عليه بالجفان، ولا يراح، ولا يغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجبة؛ كان يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، وكان يلعق يده.حلية الأولياء(</2/ 153)


  • عن الحسن البصري قال: رحم الله رجلاً: لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس؛ ابن آدم: إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك؛ ابن آدم: وأنت المعنى، وإياك يراد.حلية الأولياء(</2/ 155)


  • عن الحسن البصري قال: يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في خير: فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في هلكة: فذرهم، وما اختاروا لأنفسهم.

قد رأينا أقواماً: آثروا عاجلتهم على عاقبتهم، فذلوا، وهلكوا، وافتضحوا. يا ابن آدم، إنما الحكم حكمان: فمن حكم بحكم الله: فإمام عدل، ومن حكم بغير حكم الله: فحكم الجاهلية. إنما الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق؛ فأما المؤمن: فعامل الله بطاعته، وأما الكافر: فقد أذله الله ـ كما قد رأيتم ـ، وأما المنافق: فههنا معنا في الحجر، والطرق، والأسواق ـ نعوذ بالله ـ؛ والله، ما عرفوا ربهم اعتبروا انكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة؛ وإن المؤمن: لا يصبح إلا خائفاً ـ وإن كان محسناً ـ، لا يصلحه إلا ذلك؛ ولا يمسي إلا خائفاً ـ وإن كان محسنا ـ لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى: لا يدري ماذا يصنع الله تعالى فيه، وبين أجل قد بقي: لا يدري ما يصيب فيه من الهلكات. إن المؤمنين: شهود الله في الأرض: يعرضون أعمال بني آدم على كتاب الله، فمن وافق كتاب الله: حمد الله عليه، وما خالف كتاب الله: عرفوا أنه مخالف لكتاب الله، وعرفوا بالقرآن: ضلالة من ضل من الخلق.حلية الأولياء(</2/ 157ـ158)


  • عن الحسن البصري قال: خصلتان من العبد، إذا صلحتا: صلح ما سواهما: الركون إلى الظلمة، والطغيان في النعمة؛ قال الله عز وجل: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113]. وقال الله عز وجل} وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81].حلية الأولياء(</2/ 158)


  • عن حماد عن ثابت: أن مطرفاً كان يقول: لو أن رجلاً رأى صيداً، والصيد لا يراه يختله: أليس يوشك أن يأخذه؟ قالوا: بلى؛ قال: فإن الشيطان هو يرانا، ونحن لا نراه، فيصيب منا.حلية الأولياء(</2/ 202)


  • عن أبي السليل قال: أتيت صلة العدوي، فقلت له: علمني مما علمك الله عز وجل؛ قال: أنت اليوم مثلي ـ أو نحوي ـ، حيث أتيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتعلم منهم؛ فقلت لهم: علموني مما علمكم الله؛ فقالوا: انتصح للقرآن، وانصح للمسلمين، وأكثر من دعاء الله ما استطعت، ولا تكونن قتيل العصا، قتيل عمية.

يا آل فلان، فإني لا أبالي: أبرجله مدت، أم برجل خنزير؟ وإياك، وقوماً يقولون: نحن المؤمنون، وليسوا من الإيمان على شيء: هم الحرورية، هم الحرورية.حلية الأولياء(</2/ 237ـ238)


  • عن أبي عمران الجوني قال: لا يغرنكم من الله تعالى: طول النسيئة، ولا حسن الطلب؛ فإن أخذه أليم شديد.حلية الأولياء(</2/ 309)


  • عن أبي عمران الجوني قال كثيراً: اهتبلوا غفلة الحمقى، وامضوا حيث أعلم لكم، وكلوا ما لا تعلمون إلى عالمه، قبل أن يأتي حضور مالا تستطيعون دفعه: من الموت، وجلائل الأمور.حلية الأولياء(</2/ 309)


  • عن ثابت البناني قال: وأي عبد أعظم حالاً، من عبد: يأتيه ملك الموت وحده، ويدخل قبره وحده، ويوقف بين يدي الله وحده؛ ومع ذلك: ذنوب كثيرة، ونعم من الله كثيرة.حلية الأولياء(</2/ 325)


  • عن قتادة قال: ابن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا بنشاط؛ فإن نفسك: إلى السآمة، وإلى الفترة، وإلى الملل أميل؛ ولكن المؤمن: هو المتحامل، والمؤمن المتقوي؛ وأن المؤمنين: هم العجاجون إلى الله بالليل والنهار، وما زال المؤمنون يقولون: ربنا، ربنا؛ في السر والعلانية، حتى استجاب لهم.حلية الأولياء(</2/ 336)


  • عن قتادة قال: يا ابن آدم، لا تعتبر الناس بأموالهم ولا أولادهم، ولكن: اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح؛ إذا رأيت عبداً صالحاً يعمل فيما بينه وبين الله خيراً، ففي ذلك فسارع، وفي ذلك فنافس ما استطعت إليه قوة؛ ولا قوة إلا بالله.حلية الأولياء(</2/ 336)


  • عن قتادة قال: اجتنبوا نقض هذا الميثاق، فإن الله تعالى: قد قدم فيه، وأوعد، وذكره في آي من القرآن: تقدمة، ونصيحة، وحجة؛ وإنما تعظم الأمور بما عظمها الله، عند ذوي العقل والفهم، والعلم بالله عز وجل؛ وإنا ما نعلم الله تعالى: أوعد في ذنب، ما أوعد في نقض هذا الميثاق.

وإن المؤمن: حي القلب، حي البصر؛ سمع كتاب الله فانتفع به، ووعاه، وحفظه، وعقله عن الله. والكافر: أصم، أبكم، لا يسمع خيراً، ولا يحفظه، ولا يتكلم بخير، ولا يعلمه في الضلالة؛ متسكعا فيها، لا يجد منها مخرجاً ولا منفذاً؛ أطاع الشيطان، فاستحوذ عليه؛ وتلا قوله: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71]. قال: خصومة علمها الله عز وجل محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة. وإن الله عز وجل: علمكم: فأحسن تعليمكم، وأدبكم: فأحسن تأديبكم؛ فأخذ رجل بما علمه الله، ولا يتكلف مالا علم به: فيخرج من دين الله، ويكون من المتكلفين. وإياكم: والتكلف، والتنطع، والغلو، والإعجاب بالأنفس؛ تواضعوا لله عز وجل، لعل الله يرفعكم؛ قال قتادة: قد رأينا والله أقواماً: يسرعون إلى الفتن، وينزعون فيها؛ وأمسك أقواماً عن ذلك: هيبة لله، ومخافة منه؛ فلما انكشفت: إذا الذين أمسكوا: أطيب نفساً، وأثلج صدوراً، وأخف ظهوراً من الذين أسرعوا إليها، وينزعون فيها؛ وصارت أعمال أولئك: حزازات على قلوبهم كلما ذكروها؛ وأيم الله، لو أن الناس يعرفون من الفتنة إذا أقبلت، كما يعرفون منها إذا أدبرت: لعقل فيها جيل من الناس كثير؛ والله، ما بعثت فتنة قط: إلا في شبهة وريبة؛ إذا شبت، رأيت صاحب الدنيا: لها يفرح، ولها يحزن، ولها يرضى، ولها يسخط؛ ووالله، لئن تشبث بالدنيا، وحدب عليها: ليوشك أن تلفظه، وتقضي منه.حلية الأولياء(</2/ 336ـ337)


  • عن قتادة قال: عليكم بالوفاء بالعهد، ولا تنقضوا هذه المواثيق؛ فإن الله قد نهى عن ذلك، وقدم فيه أشد التقدمة، وذكره في بضع وعشرين آية: نصيحة لكم، وتقدمة إليكم، وحجة عليكم.

قال الله عز وجل: {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم: 14]. وعدهم الله النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، فبين الله من يسكنها من عباده؛ فقال: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14]. وقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46]. وأن لله تعالى مقاماً هو قائمه، وأن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام: فنصبوا، ودأبوا بالليل والنهار؛ وقال: {فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47]. فخافوا والله ذلك: فعملوا، ونصبوا، ودأبوا بالليل والنهار. وقال: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} [إبراهيم: 31] علم الله أن في الدنيا خلالاً يتخاللون بها في الدنيا؛ فلينظر الرجل على من يخالل، ومن يصاحب؛ فإن كان لله: فليداوم؛ وإن كان لغير الله: فليعلم أن كل خلة: ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة؛ إلا خلة المتقين.حلية الأولياء(</2/ 337ـ338)


  • عن قتادة قال: كان يقال: إن الناس لا يطئون إلا آثاراً، ولا يتكلمون إلا برجيع من القول؛ المحسن على إثر المحسن: عمله كعمله، وثوابه كثوابه؛ والمسيء على إثر المسيء: عمله كعمله، وثوابه كثوابه؛ وإن البر التقي: عند فعله يحل؛ وإن الفاجر الشقي: عند فعله يحل؛ كل سيهجم على ما قدم، ويعاين ما قد أسلف: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.حلية الأولياء(</2/ 338)


  • عن قتادة قال: يا أيها الذين آمنوا، اصبروا على ما أمر الله، وصابروا أهل الضلالة: فإنكم على حق، وهم وعلى باطل؛ ورابطوا في سبيل الله، واتقوا الله لعلكم تفلحون.حلية الأولياء(</2/ 340)


  • عن هشام بن حسان قال: قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت أبا عبد الله؟ قال: قريباً أجلي، بعيداً أملي، سيئاً عملي.حلية الأولياء(</2/ 346)


  • عن مالك بن دينار قال: إنكم في زمان أشهب، لا يبصر زمانكم إلا البصير؛ إنكم في زمان كثير تفاخرهم، قد انتفخت ألسنتهم في أفواههم، وطلبوا الدنيا بعمل الآخرة؛ فاحذروهم على أنفسكم: لا يوقعونكم في شباكهم.حلية الأولياء(</2/ 363)


  • عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: من تباعد من زهرة الحياة الدنيا، فذلك: الغالب لهواه؛ ومن فرح بمدح الباطل: فقد أمكن الشيطان من دخول قلبه؛ يا قارئ: أنت قارئ، ينبغي للقارئ: أن يكون عليه دارعة صوف، وعصا راع، يفر من الله إلى الله عز وجل، ويحوش العباد على الله تعالى.حلية الأولياء(</2/ 364)


  • عن يحيى بن أبي كثير قال: ست من كن فيه، فقد استكمل الإيمان: قتال أعداء الله بالسيف، والصيام في الصيف، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، والتبكير بالصلاة في يوم الغيم، وترك الجدال والمراء وأنت تعلم أنك صادق، والصبر على المصيبة.حلية الأولياء(</3/ 68)


  • عن يحيى بن أبي كثير: أن سليمان قال لابنه: يا بني، لا تعجب: ممن هلك، كيف هلك؛ ولكن اعجب: ممن نجا، كيف نجا؛ يا بني، لا غنى أفضل من صحة جسم، ولا نعيم أفضل من قرة عين.حلية الأولياء(</3/ 72)


  • عن جعفر قال: دخلنا على أبي التياح نعوده؛ فقال: والله، إنه لينبغي للرجل المسلم: أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله، أن يزيده ذلك: جداً، واجتهاداً؛ ثم بكى.حلية الأولياء(</3/ 83)


  • عن عاصم الأحول قال: قال لي فضيل الرقاشي: يا هذا، لا يشغلك كثرة الناس عن نفسك؛ فإن الأمر يخلص إليك دونهم، وإياك أن تذهب نهارك، تقطعه ههنا وههنا، فإنه محفوظ عليك؛ رأيت شيئاً قط: أحسن طلباً، ولا أسرع إدراكاً: من حسنة حديثة لذنب قديم.حلية الأولياء(</3/ 102)


  • عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ما من شيء أحب إلى الله عز وجل من أن يسأل، وما يدفع القضاء: إلا الدعاء، وإن أسرع الخير ثواباً: البر، وأسرع الشر عقوبة: البغي، وكفى بالمرء عيباً: أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس: بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه: بما لا يعنيه.حلية الأولياء(</3/ 188)


  • عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال: لما قال سفيان الثوري: لا أقوم حتى تحدثني، قال له: أنا أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير؛ يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة، فأحببت بقائها ودوامها: فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله عز وجل قال في كتابه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]. وإذا استبطأت الرزق: فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:10ـ12]. يا سفيان، إذا حزبك أمر من سلطان أو غيره، فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة؛ فعقد سفيان بيده، وقال: ثلاث، وأي ثلاث؟ قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله، ولينفعنه الله بها.حلية الأولياء(</3/ 193)


  • عن جعفر بن محمد قال: الصلاة: قربان كل تقي، والحج: جهاد كل ضعيف، وزكاة البدن: الصيام، والداعي بلا عمل: كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من اقتصد، والتدبير نصف العيش، والتودد نصف العقل، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب يده على فخده عند مصيبته: فقد حبط أجره، والصنيعة لا تكونن صنيعة: إلا عند ذي حسب ودين؛ والله تعالى منزل الصبر: على قدر المصيبة، ومنزل الرزق: على قدر المؤونة؛ ومن قدر معيشته: رزقه الله تعالى، ومن بذر معيشته: حرمه الله تعالى.حلية الأولياء(</3/ 194ـ195)


  • قال جعفر بن محمد: لا زاد أفضل من التقوى، ولا شيء أحسن من الصمت، ولا عدو أضر من الجهل، ولا داء أدوى من الكذب.حلية الأولياء(</3/ 196)


  • عن زيد ابن زيد بن أسلم: أن موسى عليه السلام سأل ربه، فقال: يا رب، أخبرني بأهلك الذين هم أهلك، الذين تؤويهم في ظل عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك؛ قال: هم: الطاهرة قلوبهم، الندية أيديهم، يتحابون بجلالي؛ الذين إذا ذكرت: ذكروا بي، وإذا ذكروا: ذكرت بهم؛ الذين ينيبون إلى ذكري: كما تنيب النسور إلى وكرها؛ الذين يغضبون لمحارم الله إذا استحلت: كما تغضب النمرة إذا حرب؛ والذين يكلفون بحبي: كما يكلف الصبي بحب الناس.حلية الأولياء(</3/ 222)


  • عن أبي حازم - سلمة بن دينار - قال: لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله تعالى: إلا أحسن الله فيما بينه وبين العباد، ولا يعور فيما بينه وبين الله تعالى: إلا عور الله فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر: من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت الله: مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه: شنئتك الوجوه كلها.حلية الأولياء(</3/ 239)


  • قال أبو حازم -- سلمة بن دينار -: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها، فإنه لو قد جاء يوم نفاقها: لم تصل منها، لا إلى قليل، ولا إلى كثير.حلية الأولياء(</3/ 242)


  • عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان من كلامه: لا تقنعن لنفسك باليسير من الأمر في طاعة الله عز وجل، كعمل المهين الدنئ؛ ولكن: اجهد واجتهد، فعل الحريص الحفي؛ وتواضع لله عز وجل دون الضعف، فعل الغريب السبي.حلية الأولياء(</3/ 354)


  • عن وهب بن منبه قال: ألم يفكر ابن آدم، ثم يتفهم ويعتبر، ثم يبصر، ثم يعقل ويتفقه حتى يعلم؟ فيتبين له: أن لله حلماً: به يخلق الأحلام، وعلماً: به يعلم العلماء، وحكمة: بها يتقي الخلق، ويدبر بها أمور الدنيا والآخرة؛ فإن ابن آدم، لن يبلغ بعلمه المقدر على الله: الذي لا مقدار له، ولن يبلغ بحلمه المخلوق حلم الله: الذي به خلق الخلق كله، ولن يبلغ بحكمته حكمة الله: التي بها يتقى الخلق، ويقدر المقادير؛ وكيف يشبه ابن آدم رب ابن آدم؟ وكيف يكون المخلوق كمن خلقه؟.حلية الأولياء(</4/ 23ـ24)


  • عن وهب بن منبه قال في موعظة له: يا ابن آدم: إنه لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر مم طلبته في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه.حلية الأولياء(</4/ 24)


  • عن وهب بن منبه قال: لا يشكنّ ابن آدم: أن الله عز وجل يوقع الأرزاق متفاضلة ومختلفة، فإن تقلل ابن آدم شيئاً من رزقه: فليزده رغبة إلى الله عز وجل، ولا يقولن: لو اطلع الله هذا، وشعر به غيره، فكيف لا يطلع الله الشيء الذي هو خلقه وقدره؟

أولا يعتبر ابن آدم: في غير ذلك مما يتفاضل فيه الناس، فإن الله فضل بينهم في الأجسام، والألوان، والعقول، والأحلام؛ فلا يكبر على ابن آدم: أن يفضل الله عليه في الرزق والمعيشة، ولا يكبر عليه: أنه قد فضل عليه في علمه وعقله. أولا يعلم ابن آدم: أن الذي رزقه في ثلاثة أوان من عمره، لم يكن له في واحد منهن كسب ولا حيلة، أنه: سوف يرزقه في الزمن الرابع: أول زمن من أزمانه، حين كان في رحم أمه، يخلق فيه، ويرزق من غير مال كسبه، في قرار مكين، لا يؤذيه فيه حر ولا قر، ولا شيء يهمه. ثم أراد الله: أن يحوله من تلك المنزلة إلى غيرها؛ ويحدث له في الزمن الثاني: رزقاً من أمه، يكفيه ويغنيه، من غير حول ولا قوة. ثم أراد الله أن يعصمه من ذلك اللبن، ويحوله في الزمن الثالث: في رزق يحدثه له من كسب أبويه، يجعل له الرحمة في قلوبهما، حتى يؤثراه على أنفسهما بكسبهما، ويستعنيا روحه بما يعنيهما، لا يعنيهما في شيء من ذلك بكسب، ولا حيلة يحتالها حتى يعقل. ويحدث نفسه أن له حيلة وكسباً: فإنه لن يغنيه في الزمن الرابع، إلا من أغناه ورزقه في الأزمان الثلاث التي قبلها. فلا مقال له، ولا معذرة: إلا برحمة الله، هو الذي خلقه؛ فإن ابن آدم كثير الشك، يقصر به حلمه وعقله عن علم الله، ولا يتفكر في أمره، ولو تفكر حتى يفهم ويفهم، حتى يعلم علم: أن علامة الله التي بها يعرف خلقه الذي خلق، ورزقه لما خلق.حلية الأولياء(</4/ 25)


  • عن عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه في الطريق؛ فقلت: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي، وأوجز؛ قال: أوحى الله إلى داود: يا داود، أما وعزتي وعظمتي: لا يشعر بي عبد من عبادي دون خلقي، أعلم ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن: إلا جعلت له منهن فرجاً ومخرجاً؛ أما وعزتي وعظمتي: لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعلم ذلك من نيته: إلا قطعت أسباب السماوات من يده، وأرضخت الأرض من تحته؛ ولا أبالي في أي واد هلك.حلية الأولياء(</4/ 25ـ26)


  • عن وهب بن منبه قال في موعظة له: هذا يوم عظيم: يقال فيه بعسره، طويل: يعظ اليوم السعيد، ويستكثر من منافعه اللبيب.

يا ابن آدم، إنما جمعت من منافع هذا اليوم: لدفع ضرر الجهالة عنك، وإنما أوقدت فيه مصابيح الهدى: ليته يجزيك؛ فلم أر كاليوم: ضل مع نوره متحيراً واعياً مراوآت سقيم. يا ابن آدم، إنه: لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه. يا ابن آدم، إنه: قد ذهب منك ما لا يرجع إليك، وأقام معك ما سيذهب فما الجزع مما لا بد منه؛ وما الطمع فيما لا يرتجى، وما الحيلة في بقاء ما سيذهب. يا ابن آدم، أقصر عن طلب ما لا تدرك، وعن تناول ما لا تناله، وعن ابتغاء ما لا يوجد، وأقطع الرجاء عنك كما قعدت بك الأشياء؛ واعلم: أنه رب مطلوب هو شر لطالبه. يا ابن آدم، إنما الصبر عند المصيبة، وأعظم من المصيبة: سوء الخلق منها. يا ابن آدم، وأي أيام الدهر يرتجى في غنم؟ أو، أي يوم تستأخر عاقبته عن أوان مجيئه؟ فانظر إلى الدهر، تجده ثلاثة أيام: يوم مضى لا ترجوه، ويوم حضر لا تزيده، ويوم يجئ لا تأمنه؛ فأمس: شاهد مقبول، وأمين مود، وحكيم موارب، قد فجعك بنفسه، وخلف فيك حكمته؛ واليوم: صديق مودع، كان طويل الغيبة، وهو سريع الظعن، أتاك ولم تأته؛ وقد مضى قبله شاهد عدل، فإن كان فيه لك فاشفعه بمثله: أوثق باجتماع شهادتهما، لك أو عليك. يا ابن آدم، إنه: لا أعظم رزية في عقله: ممن ضيع اليقين، وأخطأه العمل. أيها الناس، إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نكن، وسنبلى، ثم نعود؛ إنما العوارى اليوم، والهبات غداً؛ ألا، وإنه قد تقارب منا سلب فاحش، أو عطاء جزيل؛ فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه. أيها الناس، ما أنتم في هذه الدنيا عرض: تنتضل فيه المنايا، وإنما أنتم فيه من دنياكم: نهب للمصائب، لا تتناولون فيها نعمة: إلا بفراق أخرى؛ ولا يستقبل منكم معمر يوماً من عمره: إلا بهدم آخر من أجله، ولا يجدد له زيادة في أكله: إلا بنفاذ ما قبله من رزقه، ولا يحيا له أثر: إلا مات له أثر؛ فنسأل الله أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة. يا ابن آدم، إنما أهل الدنيا سفر، لا يحلون عقدة الرحال إلا في غيرها، وإنما يتباقون بالعوارى؛ فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمعاد. يا ابن آدم، إنما الشيء من مثله، وقد مضت قبلنا أصول نحن من فروعها؛ فما بقاء الفرع بعد الأصل؟.حلية الأولياء(</4/ 30ـ31)


  • عن وهب قال: مر عابد براهب، فاشرف عليه؛ فقال: منذ كم أنت في هذه الصومعة؟ قال: منذ ستين سنة؛ قال: فكيف صبرت فيها ستين سنة؟ قال: مر، فإن الدنيا تمر؛ ثم قال: يا راهب، كيف ذكرك للموت؟ قال: ما أحسب عبداً يعرف الله تعالى: تأتي عليه ساعة لا يذكر الله فيها، وما أرفع قدماً: إلا أظن أني لا أضعها حتى أموت؛ قال: فجعل العابد يبكي؛ فقال له الراهب: هذا بكاءك في العلانية، فكيف أنت إذا خلوت؟ فقال العابد: إني لأبكي عند إفطاري، فاشرب شرابي بدموعي، وابل طعامي بدموعي، ويصرعني النوم، فأبل مضجعي بدموعي. قال: أما إنك إن تضحك وأنت معترف لله عز وجل بذنبك، خير لك من أن تبكي: وأنت تمر على الله عز وجل؛ قال: فأوصني بوصية؛ قال: كن في الدنيا بمنزلة النحلة، إن أكلت: أكلت طيباً، وإن وضعت: وضعت طيباً، وإن سقطت على شيء: لم تضره، ولم تكسره؛ ولا تكن في الدنيا بمنزلة الحمار، إنما همته: أن يشبع، ثم يرمي بنفسه في التراب؛ وانصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله: فإنهم يجيعونه ويطردونه، وهو يحرسهم؛ قال أبو عبد الرحمن: قال أشرس: وكان طاووس، إذا ذكر هذا الحديث بكى؛ ثم قال: عز علينا أن تكون الكلاب أنصح لأهلها منا لمولانا عز وجل.حلية الأولياء(</4/ 43ـ44)


  • عن وهب بن منبه قال: من عرف بالكذب: لم يجز صدقه، ومن عرف بالصدق: أئتمن على حديثه، ومن أكثر الغيبة والبغضاء: لم يوثق منه بالنصيحة، ومن عرف بالفجور والخديعة: لم يوثق إليه في المحبة، ومن انتحل فوق قدره: جحد قدره، ولا يحسن فيه ما يقبح في غيره.حلية الأولياء(</4/ 63)


  • عن ميمون بن مهران قال: يا ابن آدم، خفف عن ظهرك، فإن ظهرك لا يطيق كل الذي تحمل عليه: من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وشتم هذا؛ وكل هذا تحمله على ظهرك؛ فخفف عن ظهرك. وقال ميمون: إن أعمالكم قليلة، فاخلصوا هذا القليل.حلية الأولياء(</4/ 92)


  • عن أبي إدريس عن حصين قال: كان من كلام إبراهيم التيمي، أنه يقول:

أي حسرة أكبر على امرئ، من أن يرى عبداً كان له، خوله الله إياه في الدنيا: هو أفضل منزلة منه عند الله يوم القيامة. وأي حسرة على امرئ أكبر: من أن يصيب مالاً، فيرثه غيره، فيعمل فيه بطاعة الله تعالى، فيصير وزره عليه، وأجره لغيره. وأي حسرة على امرئ أكبر، من أن يرى من كان مكفوف البصر: ففتح له عن بصره يوم القيامة، وعمي هو أن من كان قبلكم يفرون من الدنيا، وهي مقبلة عليهم، ولهم من القدم ما لهم؛ وأنتم تتبعونها وهي مدبرة عنكم، ولكم من الأحداث مالكم، فقيسوا أمركم وأمر القوم.حلية الأولياء(</4/ 214)


  • عن عون بن عبد الله بن عتبة: أنه كان يقول اليوم المضمار، وغداً السباق، والسبقة: الجنة، والغاية: النار؛ فبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون، وبالأعمال تقتسمون المنازل.حلية الأولياء(</4/ 246)


  • عن عمر بن ذر قال: إعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون: من غبن خير الليل والنهار، والمحروم: من حرم خيرهما؛ وإنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالاً على الآخرين: للغفلة عن أنفسهم؛ فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيى القلوب بذكر الله؛ كم من قائم في هذا الليل: قد اغتبط بقيامه في حفرته، وكم من نائم في هذا الليل: قد ندم على طول نومه، عندما يرى من كرامة الله عز وجل للعابدين غداً؛ فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام، رحمكم الله.حلية الأولياء(</5/ 109)


  • قال عمر بن ذر: علي تحملون قسوة قلوبكم، وجمود أعينكم؟ علي تحملون العي إن لم أسمعكم؟ اليوم مواعظ من كتاب الله، من جاء يلتمس الخير: فقد وجد الخير؛ هذا تقويض الدنيا؛ ثم قرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1]. فكان ابن ذر يقول: هيهات العشار وأهل العشار، عطلها أهلها بعد الضن بها.حلية الأولياء(5/ 110)


  • عن عمر بن ذر قال: لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة: قد سكنوا إلى فرشهم، ورجعوا إلى ملاذهم: من الضجعة والنوم قاموا إلى الله، فرحين مستبشرين بما قد وهب لهم: من حسن عبادة السهر، وطول التهجد؛ فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم: فانقضى عنهم الليل، وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من طول العبادة؛ فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم الليل: بربح وغبن: أصبح هؤلاء قد ملوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجيء الليل للعبادة؛ شتان ما بين الفريقين.

فاعملوا لأنفسكم رحمك الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون: من غبن خير الليل والنهار، والمحروم: من حرم خيرهما؛ إنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم. فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيى القلوب بذكر الله؛ كم من قائم في هذا الليل: قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل: قد ندم على طول نومته عند ما يرى من كرامة الله للعابدين غداً؛ فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام رحمكم الله.حلية الأولياء(5/ 114)


  • عن عمر بن ذر قال: ما أغفل الناس عما خلوتم به وغدوتم إليه؛ فاتقوا الله مما تكاتمون: ألا تبادرون كلمتنا، وقد قرب، وهذا مقعد العائذين بك؛ أما والله، لو أعلم أني أبر ما افتررت ضاحكاً، حتى أعلم مالي مما علي؛ ولكنا إذا قمنا عما ترون عندنا إلى ما تعلمون.
  • قال أبو نعيم: وقرأ يوماً الحاقة حتى بلغ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة:19]. ثم قال: حمل ورب الكعبة ظنه على اليقين، ثم نادى، مسفر وجهه، ثلج قلبه، مطلقة يداه: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 25]. فأخذ ابن ذر يقول: صدقت يا كذاب، صدقت يا كذاب؛ ينادي، مسود وجهه، كاسف باله، مغلولة يداه إلى عنقه، وقال: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34ـ35]. علينا نكرر الوعيد، فلا وعزتك: ما نحتمل وعيد من هو دونك، ممن لا يضر ولا ينفع، ممن يشركنا في لذة نومنا، وطعامنا وشرابنا، حتى نعلم مالنا فيما وعدنا؛ اللهم، وهؤلاء الذين اغتنموا ظلمة الليل، وجاهدوك بما استخفوا به من غيرك؛ فإن كان في سابق العلم: ألا يحدثوا توبة، فأقد منهم بأسوأ أعمالهم.حلية الأولياء(5/ 114ـ115)


  • عن ابن ذر قال في كلامه: أما الموت فقد شهر لكم، فأنتم تنظرون إليه في كل يوم وليلة، من بين منقول: عزيز على أهله، كريم في عشيرته، مطاع في قومه: إلى حفرة يابسة، وأحجار من الجندل صم، ليس يقدر له الأهلون على وساد، إلا خالطه فيه الهوام، فوساده يومئذ عمله.

ومن بين مغموم غريب: قد كثر في الدنيا همه، وطال فيها سعيه، وتعب فيها بدنه؛ جاءه الموت من قبل أن ينال بغيته، فأخذه بغتة؛ ومن بين صبي مرضع، ومريض موجع، ورهن بالشر مولع، وكلهم بسهم الموت يقرع. أما للعابدين من عبر في كلام الواعظين؟ ولربما قلت: سبحانه وجل جلاله، لقد أمهلكم، حتى كأنه أهملكم؛ ثم أرجع إلى حلمه وقدرته، ثم أقول: بل أخرنا إلى حين آجالنا سبحانه: إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وتجف فيه القلوب، مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. يا رب، قد أنذرت وحذرت، فلك الحجة على خلقك؛ ثم قرأ:…} وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [إبراهيم: 44]. ثم يقول: أيها الظالم، أنت في أجلك الذي استأجلت: فاغتنمه قبل نفاذه، وبادره قبل فوته؛ وآخر الأجل: معاينة الأجل، عند نزول الموت؛ فعند ذلك: لا ينفع الأسف؛ إنما ابن آدم: غرض للمنايا منصوب، من رمته بسهامها: لم تخطئه، ومن أرادته: لم تصب غيره. ألا وإن الخير الأكبر: خير الآخرة الدائم: فلا ينفد، والباقي: فلا يفنى، والممتد: فلا ينقطع؛ والعباد المكرمون: في جوار الله تعالى، مقيمون في كل ما اشتهت الأنفس، ولذت الأعين، متزاورون على النجائب، ويتلاقون: فيتذاكرون أيام الدنيا؛ هنيئاً للقوم هنيئاً: لقد وجد القوم بغيتهم، ونالوا طلبتهم، إذ كانت رغبتهم: إلى السيد الكريم المتفضل.حلية الأولياء(5/ 115ـ116)


  • عن أبي عبد الله الصنابحي قال: الدنيا تدعو إلى فتنة، والشيطان يدعو إلى خطيئة؛ ولقاء الله: خير من الإقامة معهما.حلية الأولياء(5/ 129)


  • عن ابن محيريز قال: كلكم يلقى الله غداً، ولقبه كذبته؛ وذلك، أن أحدكم: لو كانت أصبعه من ذهب يشير بها، وإن كان بها شلل: لجعل يواريها.حلية الأولياء(5/ 140)


  • عن عبد الله بن أبي زكريا قال: والله، للبس المسوح، وسف الرماد، ونوم على المزابل مع الكلاب: ليسير في مرافقة الأبرار.حلية الأولياء(5/ 150)


  • عن عبد الرحمن بن عبد الله: أن رجاء بن حيوة الكندي، قال لعدي ابن عدي، ولمعن بن المنذر يوماً ـ وهو يعظهما ـ: انظرا الأمر الذي تحبان أن تلقيا الله عليه: فخذا فيه الساعة، وانظرا الأمر الذي تكرهان أن تلقيا الله عليه، فدعاه الساعة.حلية الأولياء(5/ 170)


  • عن خالد بن معدان قال: ما من عبد، إلا وله أربع أعين: عينان في وجهه: يبصر بهما أمور الدنيا، وعينان في قلبه: يبصر بهما أمور الآخرة؛ فإذا أراد الله بعبد خيراً: فتح عينيه اللتين في قلبه، فيبصر بهما ما وعد بالغيب، وهما غيب، فأمن الغيب بالغيب؛ وإذا أراد بعبد غير ذلك: تركه على ما هو عليه؛ ثم قرأ: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24].حلية الأولياء(5/ 212ـ213)


  • عن بلال بن سعد قال: رب مسرور مغبون، ورب مغبون لا يشعر؛ فويل لمن له الويل ولا يشعر، يأكل ولا يشرب، ويضحك ويلعب؛ وقد حق عليه في قضاء الله: أنه من أهل النار. زاد عباس في حديثه: فيا ويلا لك روحاً، ويا ويلا لك جسداً؛ فلتبك، وليبك عليك البواكي بطول الأبد.حلية الأولياء(5/ 223)


  • عن بلال بن سعد قال في مواعظه: يا أهل الخلود، يا أهل البقاء: إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للخلود والأبد؛ ولكنكم تنقلون من دار إلى دار.حلية الأولياء(5/ 229)


  • وزاد: كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف؛ ثم إلى الخلود: في الجنة، أو النار.حلية الأولياء(5/ 229)


  • عن بلال بن سعد قال: يا أولي الألباب، لا تقتدوا بمن لا يعلم؛ ويا أولي الألباب: لا تقتدوا بالسفهاء، ويا أولي الأبصار: لا تقتدوا بالعمي، ويا أولي الإحسان: لا يكن المساكين ومن لا يعرف: أقرب إلى الله منكم، وأحرى أن يستجاب لهم؛ فليتفكر متفكر فيما يبقى له وينفعه.حلية الأولياء(5/ 230)


  • عن بلال قال: أما ما وكلكم به: فتضيعون، وأما ما تكفل لكم به: فتطلبون! ما هكذا نعت الله عباده المؤمنين؛ أذووا عقول في طلب الدنيا، وبله عما خلقتم له؟ فكما ترجون رحمة الله، بما تؤدون من طاعة الله: فكذلك، أشفقوا من عقاب الله، بما تنتهكون من معاصي الله.حلية الأولياء(5/ 230ـ231)


  • عن بلال بن سعد قال: أربع خصال جاريات عليكم من الرحمن، مع ظلمكم أنفسكم وخطاياكم؛ أما رزقه: فدار عليكم، وأما رحمته: فغير محجوبة عنكم، وأما ستره: فسابغ عليكم، وأما عقابه: فلم يعجل لكم؛ ثم أنتم على ذلك: لاهون، تجترئون على إلهكم، أنتم تكلمون، ويوشك الله تعالى: يتكلم وتسكنون، ثم يثور من أعمالكم دخان تسود منه الوجوه.

فاتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت، وهم لا يظلمون. عباد الرحمن، لو غفرت لكم خطاياكم الماضية: لكان فيما تستقبلون شغل، ولو عملتم بما تعلمون: لكنتم عباد الله حقاً.حلية الأولياء(5/ 231)


  • عن بلال بن سعد قال في موعظته: عباد الرحمن، لو سلمتم من الخطايا: فلم تعملوا فيما بينكم وبين الله خطيئة، ولم تتركوا لله طاعة إلا جهدتم أنفسكم في أدائها، إلا حبكم الدنيا: لوسعكم ذلك شراً، إلا أن يتجاوز الله ويعفو.

قال: وسمعته يقول: عباد الرحمن، اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال لدار مقام، وفي دار نصب وحزن لدار نعيم وخلد؛ ومن لم يعمل على اليقين، فلا يغتر.حلية الأولياء(5/ 231)


  • عن بلال بن سعد قال: عباد الرحمن، هل جاءكم مخبر يخبركم: أن شيئاً من أعمالكم تقبل منكم؟ أو شيئاً من خطاياكم غفر لكم؟} أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]. والله، لو عجل لكم الثواب في الدنيا: لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم؛ أفترغبون في طاعة الله: بتعجيل دنيا تفنى عن قريب، ولا ترغبون ولا تنافسون: في جنة} أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد: 35].حلية الأولياء(5/ 231ـ232)


  • عن بلال بن سعد قال: عباد الرحمن، إن العبد: ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله، وقد أضاع ما سواها، فما زال الشيطان يمنيه فيها ويزين له، حتى ما يرى شيئاً دون الله.

فقبل أن تعملوا أعمالكم: فانظروا ما تريدون بها، فإن كانت خالصة لله: فامضوها، وإن كانت لغير الله: فلا تشقوا على أنفسكم، ولا شيء لكم؛ فإن الله تعالى: لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً؛ فإنه تعالى قال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]. عباد الرحمن، ما يزال لأحدكم حاجة إلى ربه تعالى: إما مسيئلة، وإما رغبة إليه، وأما عهد الله، وأمره، ووصيته؛ فعندك ضائع: أفكل ساعة تريدون أن يتم عليكم إحسان ربكم عندكم؟ ولا تتفقدون أنفسكم في حق ربكم عندكم؟ ما هذا بالنصف فيما بينكم وبين ربكم. عباد الرحمن، اشفقوا من الله، واحذروا الله، ولا تأمنوا مكره، ولا تقنطوا من رحمته؛ واعلموا: أن لنعم الله عندكم ثمناً، فلا تشقوا على أنفسكم؛ أتعملون عمل الله لثواب الدنيا؟ فمن كان كذلك: فوالله، لقد رضي بقليل، حيث استعنتم على اليسير من عمل الدنيا: فلم ترضوا ربكم فيها، ورفضتم ما يبقى لكم: وكفاكم منه اليسير.حلية الأولياء(5/ 232)


  • قال عمر بن عبد العزيز: يا أيها الناس، إنما أنتم أغراض تنتضل فيها المنايا، إنكم لا تؤتون نعمة: إلا بفراق أخرى، وأية أكلة: ليست معها غصة؟ وأية جرعة: ليس معها شرقة؟ وإن أمس: شاهد مقبول، قد فجعكم بنفسه، وخلف في أيديكم حكمته؛ وإن اليوم: حبيب مودع، وهو وشيك الظعن؛ وان غداً: آت بما فيه؛ وأين يهرب من يتقلب في يدي طالبه؟ إنه: لا أقوى من طالب، ولا أضعف من مطلوب؛ إنما أنتم سفر: تحلون عقد رحالكم في غير هذه الدار، إنما أنتم فروع أصول قد مضت، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله؟.حلية الأولياء(5/ 265)


  • عن عبيد الله بن العيزار قال: خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشام ـ على منبر من طين ـ، فحمد الله، وأثنى عليه؛ ثم تكلم بثلاث كلمات، فقال: أيها الناس، أصلحوا سرائركم: تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم: تكفوا دنياكم.

واعلموا: أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لمغرق له في الموت. والسلام عليكم.حلية الأولياء(5/ 265)


  • عن محمد الكوفي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب، فحمد الله وأثنى عليه؛ ثم قال: أيها الناس، إن الله تعالى خلق خلقه، ثم أرقدهم، ثم يبعثهم من رقدتهم؛ فإما إلى جنة، وإما إلى نار؛ والله، إن كنا مصدقين بهذا: إنا لحمقى، وإن كنا مكذبين بهذا: إنا لهلكى. ثم نزل.حلية الأولياء(5/ 266)


  • عن عبد الله بن المفضل التميمي قال: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز: أن صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه؛ ثم قال: أما بعد: فإن ما في أيديكم: أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون: كما تركها الماضون؛ ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة: تشيعون غادياً أو رائحاً إلى الله تعالى؟ وتضعونه في صدع من الأرض، ثم في بطن الصدع، غير ممهد ولا موسد؛ قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، وأسكن التراب، وواجه الحساب؛ فقير إلى ما قدم أمامه، غني عما ترك بعده.

أما والله، إني لأقول لكم هذا، وما أعرف من أحد من الناس مثل ما أعرف من نفسي؛ قال: ثم قال بطرف ثوبه على عينه، فبكى، ثم نزل؛ فما خرج، حتى أخرج إلى حفرته.حلية الأولياء(5/ 266)


  • قال: حج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز، فلما أشرف على عقبة عسفان: نظر سليمان إلى عسكره، فأعجبه ما رأى من حجره وأبنيته؛ فقال: كيف ترى ما ها هنا يا عمر؟

قال: أرى يا أمير المؤمنين دنيا يأكل بعضها بعضا، أنت المسئول عنها والمأخوذ بما فيها؛ فطار غراب من حجرة سليمان ينعب، في منقاره كسرة. فقال سليمان: ما ترى هذا الغراب يقول؟ قال: أظنه يقول: من أين دخلت هذه الكسرة، وكيف خرجت؟ قال: إنك لتجيء بالعجب يا عمر. قال: إن شئت أخبرك بأعجب من هذا، أخبرتك. قال: فأخبرني. قال: من عرف الله فعصاه، ومن عرف الشيطان فأطاعه، ومن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها. قال سليمان: نغصت علينا ما نحن فيه يا عمر، وضرب دابته وسار. فأقبل عمر، حتى نزل عن دابته، فأمسك برأسها، وذلك أنه سبق ثقله؛ فرأى الناس كل من قدم شيئاً: قدم عليه؛ فبكى عمر. فقال سليمان: ما يبكيك؟ قال: هكذا يوم القيامة: من قدم شيئاً: قدم عليه، ومن لم يقدم شيئاً: قدم على غير شيء. 0 حلية الأولياء(5/ 272)


  • عن مولى لمسلمة بن عبد الملك قال: حدثني مسلمة، قال: دخلت على عمر بعد الفجر، في بيت كان يخلو فيه بعد الفجر، فلا يدخل عليه أحد؛ فجاءت جارية بطبق عليه تمر صبحاني ـ وكان يعجبه التمر ـ؛ فرفع بكفه منه، فقال: يا مسلمة، أترى: لو أن رجلاً أكل هذا، ثم شرب عليه الماء، فأن الماء على التمر طيب؛ أكان يجزيه إلى الليل؟

قلت: لا أدري؛ فرفع أكثر منه. قال: فهذا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان كافيه دون هذا، حتى ما يبالي أن لا يذوق طعاماً غيره. قال: فعلام ندخل النار. قال مسلمة: فما وقعت مني موعظة، ما وقعت هذه.حلية الأولياء(5/ 277)


  • عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه:

من عبد الله عمر، أمير المؤمنين، إلى سالم بن عبد الله: سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله ابتلاني بما ابتلاني به من أمر هذه الأمة، عن غير مشاورة مني فيها، ولا طلبة مني لها، إلا قضاء الرحمن وقدره؛ فأسأل الذي ابتلاني من أمر هذه الأمة بما ابتلاني: أن يعينني على ما ولاني؛ وأن يرزقني منهم: السمع والطاعة، وحسن مؤازرة؛ وأن يرزقهم مني: الرأفة والمعدلة. فإذا أتاك كتابي هذا، فابعث إلي بكتب عمر بن الخطاب وسيرته، وقضاياه في أهل القبلة وأهل العهد، فإني متبع أثر عمر وسيرته إن أعانني الله على ذلك؛ والسلام. فكتب إليه سالم بن عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم؛ من سالم بن عبد الله بن عمر، إلى عبد الله عمر، أمير المؤمنين، سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد: فإن الله خلق الدنيا لما أراد، وجعل لها مدة قصيرة، كأن بين أولها وآخرها: ساعة من نهار؛ ثم قضى عليها وعلى أهلها الفناء، فقال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]. لا يقدر منها أهلها على شيء: حتى تفارقهم ويفارقونها. أنزل بذلك كتابه، وأنزل بذلك رسله، وقدم فيه بالوعيد، وضرب فيه الأمثال، ووصل به القول، وشرع فيه دينه، وأحل الحلال وحرم الحرام. وقص فأحسن القصص، وجعل دينه في الأولين والآخرين، فجعله ديناً واحداً: فلم يفرق بين كتبه، ولم تختلف رسله، ولم يشق أحد بشيء من أمره سعد به أحد، ولم يسعد أحد من أمره بشيء شقي به أحد. وإنك اليوم يا عمر: لم تعد أن تكون إنساناً من بني آدم، يكفيك من الطعام والشراب والكسوة ما يكفي رجلاً منهم؛ فاجعل فضل ذلك فيما بينك وبين الرب الذي توجه إليه شكر النعم؛ فإنك قد وليت أمراً عظيماً ليس يليه عليك أحد دون الله، قد أفضى فيما بينك وبين الخلائق؛ فإن استطعت أن تغنم نفسك وأهلك، وأن لا تخسر نفسك وأهلك: فافعل؛ ولا قوة إلا بالله. فإنه قد كان قبلك رجال: عملوا بما عملوا، وأماتوا ما أماتوا من الحق، وأحيوا ما أحيوا من الباطل؛ حتى ولد فيه رجال، ونشئوا فيه، وظنوا أنها السنة، ولم يسدوا على العباد باب رخاء إلا فتح عليهم باب بلاء؛ فإن استطعت أن تفتح عليهم أبواب الرخاء، فإنك لا تفتح عليهم منها باباً: إلا سد به عنك باب بلاء. ولا يمنعك من نزع عامل، أن تقول: لا أجد من يكفيني عمله، فإنك إذا كنت تنزع لله، وتعمل لله: أتاح الله لك رجالاً وكالا بأعوان الله؛ وإنما العون من الله على قدر النية، فإذا تمت نية العبد: تم عون الله له، ومن قصرت نيته: قصر من الله العون له بقدر ذلك؛ فإن استطعت: أن تأتي الله يوم القيامة، ولا يتبعك أحد بظلم؛ ويجيء من كان قبلك: وهم غابطون لك بقلة اتباعك، وأنت غير غابط لهم بكثرة أتباعهم، فافعل؛ ولا قوة إلا بالله. فإنهم قد عاينوا وعالجوا نزع الموت: الذي كانوا منه يفرون، وانشقت بطونهم: التي كانوا فيها لا يشبعون، وانفقأت أعينهم: التي كانت لا تنقضي لذاتها، واندقت رقابهم في التراب: غير موسدين بعد ما تعلم من تظاهر الفرش والمرافق؛ فصاروا جيفا تحت بطون الأرض، تحت آكامها؛ لو كانوا إلى جنب مسكين: تأذى بريحهم بعد إنفاق مالا يحصى عليهم من الطيب، كان إسرافاً وبداراً عن الحق؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ما أعظم يا عمر وأفظع: الذي سيق إليك من أمر هذه الأمة، فأهل العراق: فليكونوا من صدرك بمنزلة: من لا فقر بك إليه، ولا غنى بك عنه؛ فإنهم قد وليتهم عمال ظلمة: قسموا المال، وسفكوا الدماء؛ فإنه من تبعث من عمالك كلهم: أن يأخذوا بجبية، وأن يعملوا بعصبية، وأن يتجبروا في عملهم، وأن يحتكروا على المسلمين بيعاً، وأن يسفكوا دماً حراماً. الله الله يا عمر في ذلك، فإنك: توشك إن اجترأت على ذلك: أن يؤتى بك صغيراً ذليلاً، وإن أنت اتقيت ما أمرتك به: وجدت راحته على ظهرك، وسمعك، وبصرك. ثم إنك كتبت إلي: تسأل أن أبعث إليك بكتب عمر بن الخطاب، وسيرته، وقضائه في المسلمين وأهل العهد؛ وإن عمر عمل في غير زمانك، وأني أرجو، إن عملت بمثل ما عمل عمر: أن تكون عند الله أفضل منزلة من عمر؛ وقل كما قال العبد الصالح: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. والسلام عليك.حلية الأولياء(5/ 284ـ286)


  • عن عبد الله بن شوذب قال: حج سليمان ومعه عمر بن عبد العزيز، فخرج سليمان إلى الطائف، فأصابه رعد وبرق؛ ففزع سليمان، فقال لعمر: ألا ترى ما هذا يا أبا حفص؟ قال: هذا عند نزول رحمته، فكيف لو كان عند نزول نقمته؟.حلية الأولياء(5/ 288)


  • عن عمر بن عبد العزيز، قال في بعض خطبه: إن لكل سفر زاداً لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة: التقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله من ثوابه، وعقابه: ترغبوا، وترهبوا؛ ولا يطولن عليكم الأمد: فتقسى قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم؛ فإنه والله، ما بسط أمل من لا يدري: لعله لا يصبح بعد مسائه، ولا يمسي بعد صباحه؛ ولربما كانت بين ذلك خطفات المنايا، فكم رأيت ورأيتم من كان بالدنيا مغترا.

وإنما تقر عين: من وثق بالنجاة من عذاب الله، وإنما يفرح: من أمن من أهوال يوم القيامة؛ فأما من لا يداوي كلماً: إلا أصابه جرح في ناحية أخرى. أعوذ بالله، أن آمركم بما أنهى عنه نفسي: فتخسر صفقتي، وتظهر غيلتي، وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغنى والفقر، والموازين منصوبة. ولقد عنيتم بأمر: لو عنيت به النجوم: لانكدرت، ولو عنيت به الجبال: لذابت، ولو عنيت به الأرض: لتشققت؛ أما تعلمون: أنه ليس بين الجنة والنار منزلة، وإنكم صائرون إلى إحداهما.حلية الأولياء(5/ 291ـ292)


  • خطب عمر بن عبد العزيز هذه الخطبة، وكان آخر خطبة خطبها: حمد الله وأثنى عليه؛ ثم قال: إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدى؛ وإن لكم معاداً ينزل الله فيه: ليحكم بينكم، ويفصل بينكم؛ وخاب وخسر: من خرج من رحمة الله، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض.

ألم تعلموا، أنه لا يأمن غداً: إلا من حذر الله اليوم، وخافه، وباع نافداً بباق، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان؛ ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وستصير من بعدكم للباقين؟ وكذلك، حتى تردوا إلى خير الوارثين. ثم إنكم تشيعون كل يوم غادياً ورائحاً، قد قضى نحبه، وانقضى أجله؟ حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في شق صدع، ثم تتركوه غير ممهد ولا موسد؛ فارق الأحباب، وباشر التراب، ووجه للحساب؛ مرتهن بما عمل، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله، وموافاته، وحلول الموت بكم؛ أما والله، إني لأقول هذا، وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي، وأستغفر الله. وما منكم من أحد يبلغنا حاجته، لا يسع له ما عندنا: إلا تمنيت أن يبدأ بي وبخاصتي، حتى يكون عيشنا وعيشه واحدا. أما والله، لو أردت غير هذا من غضارة العيش: لكان اللسان به ذلولاً، وكنت بأسبابه عالما؛ ولكن، سبق من الله كتاب ناطق، وسنة عادلة: دل فيها على طاعته، ونهى فيها عن معصيته. ثم رفع طرف ردائه، فبكى، وأبكى من حوله.حلية الأولياء(5/ 295)


  • عن عثمان بن عبد الحميد قال: دخل سابق البربري على عمر بن عبد العزيز؛ فقال له: عظني يا سابق وأوجز؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين، وأبلغ إن شاء الله؛ قال: هات؛ فأنشده:

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى…ووافيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون شركته…وأرصدت قبل الموت ما كان أرصدا فبكى عمر، حتى سقط مغشياً عليه.حلية الأولياء(5/ 318)


  • عن كعب الأحبار أنه قال في القرآن: فيما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - آيتان أحصتا ما في التوراة والإنجيل؛ ألا تجدون: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7ـ8]؟

قال جلساؤه: نعم. قال: فانهما أحصتا ما في التوراة والإنجيل. وقال كعب: لا يضركم أن تسألوا عن العبد ماله عند الله بعد وفاته، إلا أن تنظروا ما يورث: فإن ورث لسان صدق: فالذي له عند ربه خير مما يورث، وإن ورث لسان سوء: فالذي له عند ربه شر مما يورث؛ والإنسان: تابعه خير وشر، والمرء: حيث وضع نفسه ومع قرينه: إن أحب الصالحين: جعله الله معهم، وإن أحب الأشرار: جعله الله معهم؛ أنتم شهداء الله على سائر الأمم، وجعل نبيكم - صلى الله عليه وسلم - شاهدا عليكم؛ ثم تلا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143].حلية الأولياء(6/ 3)


  • عن كعب الأحبار قال: إن الرب تعالى قال لموسى عليه السلام: يا موسى، إذا رأيت الغنا مقبلاً، فقل: ذنب عجلت عقوبته؛ وإذا رأيت الفقر مقبلاً، فقل: مرحباً بشعار الصالحين.

يا موسى، إنك لن تتقرب إلي بعمل من أعمال البر، خير لك من: الرضا بقضائي، ولن تأتي بعمل أحبط لحسناتك من: البطر؛ إياك والتضرع لأبناء الدنيا إذا أعرض عنك، وإياك أن تجود بدينك لدنياهم: إذاً، آمر أبواب رحمتي أن تغلق دونك. أدن الفقراء، وقرب مجالستهم منك؛ ولا تركنن إلى حب الدنيا: فإنك لن تلقاني بكبيرة من الكبائر أضر عليك: من الركون الى الدنيا. يا موسى بن عمران، قل للمذنبين النادمين: أبشروا، وقل للغافلين المعجبين: اخسئوا.حلية الأولياء(6/ 5)


  • عن كعب الأحبار، أنه كان يقول: اعمل عمل العبد: الذي لا يرى أنه يموت إلا هرماً، واحذر حذر المرء: الذي يرى أنه يموت غداً.حلية الأولياء(6/ 31)


  • عن عمرو بن قيس قال: ما كدت أن أعمر نفسي: حتى أبلى جسمي، وما من عبد أنزل الدنيا حق منزلتها: حتى يرضى أن يوطأ فيها بالأقدام، ومن الذلة ومن أهان نفسه في الله عز وجل: أعزه الله يوم القيامة؛ وإن أبغض الأجساد إلى الله: الجسد الناعم.حلية الأولياء(6/ 111)


  • عن صالح المري قال: يا عجباً لقوم: أمروا بالزاد، وأذنوا بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم، وهم يلعبون.حلية الأولياء(6/ 165)


  • عن الحسن بن حسان قال: كنا يوماً عند صالح المري، وهو يتكلم ويعظ؛ فقال لرجل حدث بين يديه: اقرأ يا بني، فقرأ الرجل: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18]. فقطع عليه صالح القراءة؛ فقال: وكيف يكون للظالمين حميم أو شفيع، والطالب له رب العالمين؟ إنك والله، لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي، يساقون في السلاسل والأغلال إلى الجحيم، حفاة، عراة، مسودة وجوههم، مزرقة عيونهم، ذائبة أجسامهم، ينادون: يا ويلاه، يا ثبوراه، ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين يذهب بنا؟ ماذا يراد منا؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النيران: فمرة يجرون على وجوههم، ويسحبون عليها متكئين؛ ومرة يقادون إليها عنتا مقرنين، من بين باك دماً بعد انقطاع الدموع، ومن بين صارخ، طائر القلب مبهوت.

إنك والله، لو رأيتهم على ذلك: لرأيت منظراً لا يقوم له بصرك، ولا يثبت له قلبك، ولا يستقر لفظاعة هو له على قرار قدمك. ثم نحب، وصاح: ياسوء منظراه، ويا سوء منقلباه، وبكى، وبكى الناس. فقام شاب به تأنيث، فقال: أكل هذا في القيامة يا أبا البشر؟ قال: نعم والله يا ابن أخي، وما هو أكبر من ذلك؛ لقد بلغني: أنهم يصرخون في النار، حتى تنقطع أصواتهم، فلا يبقى منها: إلا كهيئة الأنين من المدنف. فصاح الفتى: إنا لله، واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة، ويا أسفي على تفريطي في طاعتك يا سيداه، وا أسفاه على تض ييع عمري في دار الدنيا؛ ثم بكى، واستقبل القبلة؛ ثم قال: اللهم، إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لك، لا يخالطها رياء لغيرك؛ اللهم، فاقبلني على ما كان مني، واعف عما تقدم من عملي، وأقلني عثرتي، وارحمني ومن حضرني، وتفضل علينا بجودك أجمعين، يا أرحم الراحمين؛ لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي، وإليك أنبت جميع جوارحي، صادقاً بذلك قلبي؛ فالويل لي إن أنت لم تقبلني. ثم غلب، فسقط مغشياً عليه، فحمل من بين القوم صريعاً، يبكون عليه، ويدعون له؛ وكان صالح: كثيراً ما يذكره في مجلسه، يدعو الله له، ويقول: بأبي قتيل القرآن، بأبي قتيل المواعظ والأحزان. فرآه رجل في منامه، فقال: ما صنعت؟ قال: عمتني بركة مجلس صالح، فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شئ. قال: وكنا في مجلس صالح المري؛ فأخذ في الدعاء، فمر رجل مخنث، فوقف يسمع الدعاء، ووافق صالحاً يقول: اللهم، اغفر لأقسانا قلباً، وأجمدنا عيناً، وأحدثنا بالذنوب عهداً. فسمع المخنث، فمات؛ فرؤى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك. قال: غفر الله لي. قيل: بماذا؟ قال: بدعاء صالح المري؛ لم يكن في القوم أحد أحدث عهداً بالمعصية مني، فوافقت دعوته الإجابة، فغفر لي.حلية الأولياء(6/ 165ـ167)


  • عن صالح المري قال: دفعت إلي صحيفة في المنام، فيها: ما تخوفت عواقبه: فوطن نفسك على أن تجتنبه.حلية الأولياء(6/ 168)


  • قال الربيع بن برة: عجبت للخلائق، كيف ذهلوا عن أمر حق تراه عيونهم؟ وشهد عليه معاقد قلوبهم، إيمانا وتصديقا بما جاء به المرسلون؟ ثم هاهم في غفلة عنه، سكارى يلعبون.

ثم يقول: وأيم الله، ما تلك الغفلة: إلا رحمة من الله لهم، ونعمة من الله عليهم؛ ولولا ذلك: لألفى المؤمنون، طائشة عقولهم، طائرة أفئدتهم، محلقة قلوبهم، لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبداً، حتى يأتيهم الموت وهم على ذلك. أكياس مجتهدون، قد تعجلوا إلى مليكهم، بالاشتياق إليه بما يرضيه عنهم قبل قدومهم عليه؛ فكأني والله أنظر إلى القوم، قد قدموا على ما قدموا: من القربة إلى الله تعالى مسرورين، والملائكة من حولهم، يقدمونهم على الله مستبشرين، يقولون: {سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32].6/ 297)


  • كان الربيع بن برة يقول: نصب المتقون الوعيد من الله أمامهم، فنظرت إليه قلوبهم بتصديق وتحقيق؛ فهم والله في الدنيا منغصون، ووقفوا ثواب الأعمال الصالحة خلف ذلك؛ فمتى سمت أبصار القلوب إلى ثواب الأعمال: تشوقت القلوب، وارتاحت إلى حلول ذلك؛ فهم والله إلى الآخرة متطلعون: بين وعيد هائل، ووعد حق صادق؛ فلا ينفكون من خوف وعيد: إلا رجعوا إلى تشوق موعود؛ فهم كذلك، وعلى ذلك: حتى يأتي أمر الله؛ وهم أيضاً: مذابيل في الموت، جعلت لهم الراحة؛ ثم يبكي.6/ 298)


  • عن الربيع بن عبد الرحمن قال في كلامه: قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة الآجال، فنحن في الدنيا حيارى، لا ننتبه من رقدة: إلا أعقبتنا في أثرها غفلة؛ فيا أخوتاه: نشدتكم بالله، هل تعلمون مؤمناً بالله أغر؟ ولنقمه أقل حذراً من قوم هجمت بهم الغير على مصارع النادمين، فطاشت عقولهم، وضلت حلومهم: عندما رأوا من العبر والأمثال؛ ثم رجعوا من ذلك إلى غير عقله ولا نقله؟

فبالله يا اخوتاه: هل رأيتم عاقلاً رضي من حاله لنفسه بمثل هذه حالاً؟ والله عباد الله، لتبلغن من طاعة الله تعالى رضاه، أو لتنكرن ما تعرفون: من حسن بلائه، وتواتر نعمائه. إن تحسن أيها المرء: يحسن إليك، وإن تسئ: فعلى نفسك بالعتب فارجع؛ فقد بين، وحذر، وأنذر؛ فما للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزاً حكيماً.6/ 298)


  • عن الربيع بن صبيح قال: قلنا للحسن: يا أبا سعيد، عظنا.

فقال: إنما يتوقع الصحيح منكم: داء يصيبه، والشاب منكم: هرماً يفنيه، والشيخ منكم: موتاً يرديه؛ أليس العواقب ما تسمعون؟ أليس غداً تفارق الروح الجسد؟ المسلوب غداً أهله وماله، الملفوف غداً في كفنه، المتروك غداً في حفرته، المنسي غداً من قلوب أحبته، الذين كان سعيه وحزنه لهم. ابن آدم، نزل بك الموت، فلا ترى قادماً، ولا تجيء زائراً، ولا تكلم قريباً، ولا تعرف حبيبا؛ تنادي فلا تجيب، وتسمع فلا تعقل؛ قد خربت الديار، وعطلت العشار، وأيتمت الأولاد؛ قد شخص بصرك، وعلا نفسك، واصطكت أسنانك، وضعفت ركبتاك؛ وصار أولادك غرباء عند غيرك.6/ 304ـ305)


  • مر شيخ من الكوفيين ـ كان كاتباً لسفيان الثوري ـ فقال له سفيان: يا شيخ، ولي فلان؛ فكتبت له، ثم عزل، وولي فلان؛ فكتبت له، ثم عزل، وولي فلان.

فكتبت له: وأنت يوم القيامة أسوأهم حالاً، يدعى بالأول: فيسأل، ويدعى بك: فتسأل معه عما جرى على يدك له، ثم يذهب؛ وتوقف أنت، حتى يدعى بالآخر، فيسأل، وتسأل أنت عما جرى على يدك له، ثم يذهب؛ وتوقف أنت، حتى يدعى بالآخر؛ فأنت يوم القيامة أسوأهم حالاً. قال: فقال الشيخ: فكيف أصنع يا أبا عبد الله بعيالي؟ فقال سفيان: اسمعوا، هذا يقول: إذا عصى الله: رزق عياله، وإذا أطاع الله: ضيع عياله؛ قال: ثم قال سفيان: لا تقتدوا بصاحب عيال، فما كان عذر من عوتب، إلا أن قال: عيالي.6/ 380)


  • كان سفيان الثوري إذا ذكر الموت: لا ينتفع به أياماً؛ فإذا سئل عن الشيء، قال: لا أدري، لا أدرى.6/ 387)


  • عن سفيان الثوري قال: لا تصلح القراءة: إلا بالزهد، واغبط الأحياء: بما تغبط به الأموات، وأحب الناس: على قدر أعمالهم، وذل عند الطاعة، واستعص عند المعصية.7/ 21)


  • عن الحسن بن صالح قال: الليل والنهار: يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد؛ ويقول النهار: ابن آدم، اغتنمتني، فإنك لا تدري: لعله لا يوم لك بعدي؛ ويقول له الليل مثل ذلك.7/ 330)


  • قال ابن السماك في زهد داود الطائي حين مات: يا أيها الناس، إن أهل الدنيا: تعجلوا عموم القلب، وهموم النفس، وتعب الأبدان، مع شدة الحساب؛ فالرغبة: متعبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والزهادة: راحة لأهلها في الدنيا والآخرة.

وإن داود، نظر بقلبه إلى ما بين يديه: فأعشى بصر قلبه بصر العيون، فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر؛ فأنتم منه تعجبون، وهو منكم يتعجب؛ فلما نظر إليكم راغبين مغرورين، قد ذهبت على الدنيا عقولكم، وماتت من حبها قلوبكم، وعشقتها أنفسكم، وامتدت إليها أبصاركم: استوحش الزاهد منكم؛ فكنت إذا نظرت إليه: عرفت أنه من أهل الدنيا وحش، وذلك: أنه كان حياً وسط موتى. يا داود، ما أعجب شأنك، وقد يزيد في عجبك: أنك من أهل زمانك، ألزمت نفسك الصمت، حتى قومتها على العدل؛ أهنتها، وإنما تريد كرامتها؛ وأذللتها، وإنما تريد إعزازها؛ ووضعتها، وإنما تريد تشريفها؛ وأتعبتها، وإنما تريد راحتها؛ وأجعتها، وإنما تريد شبعها؛ وأظمأتها، وإنما تريد ريها؛ وخشنت الملبس، وإنما تريد لينه؛ وجشبت المطعم، وإنما تريد طيبه؛ وأمت نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذبتها قبل أن تعذب، وغيبتها عن الناس كي لا تذكر؛ ورغبت بنفسك عن الدنيا: فلم تر لها قدراً ولا خطراً؛ ورغبت بنفسك عن الدنيا: عن أزواجها، ومطاعمها، وملابسها: إلى الآخرة، وأزواجها، ولباسها، وسندسها، وحريرها، وإستبرقها. فما أظنك، إلا: قد ظفرت بما طلبت، وظفرت بما فيه رغبت؛ كان سيماك في عملك وسرك، ولم تكن سيماؤك في وجهك ولا إظهارك؛ فقهت في دينك، ثم تركت الناس يفتون ويتفقهون؛ وسمعت الأحاديث، ثم تركت الناس يتحدثون ويروون؛ وخرست عن القول، وتركت الناس ينطقون. لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الأمراء هدية، ولا تدنيك المطامع، ولا ترغب إلى الناس في الصنائع. آنس ما تكون: إذا كنت بالله خالياً، وأوحش ما تكون: إذا كنت مع الناس جالساً، فأوحش ما تكون: آنس ما يكون الناس، وآنس ما تكون: أوحش ما يكون الناس. جاوزت حد المسافرين في أسفارهم، وجاوزت حد المسجونين في سجونهم؛ فأما المسافرون: فيحملون من الطعام والحلاوة ما يأكلون؛ وأما أنت: فإنما هي خبزة، أو خبزتان في شهرك، ترمى بها في دن عندك؛ فإذا أفطرت: أخذت منها حاجتك، فجعلته في مطهرتك، ثم صببت من الماء ما يكفيك، ثم اصطبغت به ملجأ؛ فهذا إدامك وحلواؤك وكل نومك. فمن سمع بمثلك: صبر صبرك، أو عزم عزمك؛ وما أظنك: إلا قد لحقت بالماضين، وما أظنك: إلا قد فضلت الآخرين؛ ولا أحسبك: إلا قد أتعبت العابدين. داود، أنت كنت حياً في الآخرين، وقد لحقت بالأولين؛ وأنت في زمن الراغبين؛ ولقد أخذت بذروة الزاهدين. وأما المسجون: فيكون مع الناس محبوساً، فيأنس بهم؛ لأن العدد كثير منهم معه، وأما أنت: فسجنت نفسك في بيتك وحدك؛ فلا محدث ولا جليس معك، فلا أدري: أي الأمرين أشد عليك الخلوة في بيتك، تمر به الشهور والسنون؛ أم تركك المطاعم والمشارب: لا تأكل منها، ولا تريح إلى شيء منها؛ لا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا قصعة فيه غداؤك وعشاؤك؛ مطهرتك: قلتك، وقصعتك: تورك. وكل أمرك داود عجباً؛ أما كنت تشتهي من الماء بارده؟ ولا من الطعام طيبه، ولا من اللباس لينه؟ بلى، ولكنك زهدت فيه، لما بين يديك، مما دعيت إليه ورغبت فيه. فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت، وما أيسر ما فعلت في جنب ما أملت أو طلبت؛ أما أنت: فقد ظفرت بروح العاجل، وسعيت إن شاء الله في الآجل؛ عزلت الشهوة عنك في حياتك: لكيلا يدخلك عجبها، ولا تلحقك فتنتها؛ فلما مت: شهرك ربك بموتك، وألبسك رداء عملك: فلم تنثر ما عملت في سرك؛ فأظهر الله اليوم ذلك، وأكثر نفعك، وخشيت الجماعة. فلو رأيت اليوم كثرة تبعك: عرفت أن ربك قد أكرمك وشرفك؛ فقل لعشيرتك اليوم تتكلم بألسنتها، فقد أوضح اليوم ربك فضلها: أن كنت منها؛ فلو لم تسترح إلى خير تعمله: إلا حسن هذا النشر، وجميل هذا المشهد، لكثرة هذا التبع؛ إن ربك لا يضيع مطيعاً ولا ينسى صنيعاً؛ يشكر لخلقه ما صنع فيما أنعم عليهم: أكثر من شكرهم إياه؛ فسبحانه شاكراً، مجازياً، مثيباً.7/ 336ـ338)


  • عن إبراهيم بن أدهم قال: اذكر ما أنت صائر إليه حق ذكره، وتفكر فيما مضى من عمرك: هل تثق به، وترجو النجاة من عذاب ربك؟ فإن إذا كنت كذلك: شغلت قلبك بالاهتمام بطريق النجاة: عن طريق اللاهين، الآمنين، المطمئنين، الذين اتبعوا أنفسهم هواها، فأوقعتهم على طريق هلكاتهم؛ لا جرم: سوف يعلمون، وسوف يتأسفون، وسوف يندمون: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].8/ 18)


  • عن إبراهيم بن أدهم قال: كنت ماراً في بعض المدن، فرأيت نفسين من الزهاد والسياحين في الأرض.

فقال أحدهما للآخر: يا أخي، ما ورث أهل المحبة من محبوبهم؟ فأجابه الآخر: ورثوا النظر بنور الله تعالى، والتعطف على أهل معاصي الله. قال: فقلت له: كيف يعطف على قوم قد خالفوا محبوبهم؟ فنظر إلي، ثم قال: مقت أعمالهم، وعطف عليهم: ليردهم بالمواعظ عن فعالهم؛ وأشفق على أبدانهم من النار؛ لا يكون المؤمن مؤمناً حقاً: حتى يرضى للناس ما يرضى لنفسه؛ ثم غابوا، فلم أرهم.8/ 25)


  • قال إبراهيم بن أدهم: خرجت أريد بيت المقدس؛ فلقيت سبعة نفر، فسلمت عليهم؛ وقلت: أفيدوني شيئاً، لعل الله ينفعني به.

فقالوا لي: انظر كل قاطع يقطعك عن الله من أمر الدنيا والآخرة: فاقطعه. فقلت: زيدوني رحمكم الله. قالوا: انظر، ألا ترجو أحداً غير الله، ولا تخاف غيره. فقلت: زيدوني رحمكم الله. قالوا: انظر كل من يحبه: فأحبه، وكل من يبغضه: فابغضه. قلت: زيدوني رحمكم الله. قالوا: عليك بالدعاء، والتضرع، والبكاء في الخلوات، والتواضع والخضوع له حيث كنت، والرحمة للمسلمين، والنصح لهم. فقلت لهم: زيدوني رحمكم الله. فقالوا: اللهم، حل بيننا وبين هذا الذي شغلنا عنك، ما كفاه هذا كله؛ فلا أدري: السماء رفعتهم، أم الأرض ابتلعتهم؟ فلم أرهم، ونفعني الله بهم.8/ 25ـ26)


  • عن إبراهيم بن أدهم قال: خالفتم الله فيما أنذر وحذر، وعصيتموه فيما نهى وأمر، وكذبتموه فيما وعد وبشر، وكفرتموه فيما أنعم وقدر؛ وإنما تحصدون ما تزرعون، وتجنون ما تغرسون، وتكافؤن بما تفعلون، وتجزون بما تعملون.

فاعلموا إن كنتم تعقلون، وانتهوا من وسن رقدتكم لعلكم تفلحون. قال: وسمعته يقول: الله الله في هذه الأرواح والأبدان الضعيفة، الحذر الحذر، الجد الجد؛ كونوا على حياء من الله، فوالله، لقد ستر وأمهل، وجاد فأحسن، حتى كأنه قد غفر: كرماً منه لخلقه.8/ 35)


  • عن عمر بن عبد العزيز: أنه شيع جنازة، فلما انصرفوا، تأخر عمر وأصحابه ناحية عن الجنازة، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، جنازة أنت وليها، تأخرت عنها فتركتها وتركتها؟ فقال: نعم، ناداني القبر من خلفي: يا عمر بن عبد العزيز، ألا تسألني ما صنعت بالأحبة؟ قلت: بلى، قال: خرقت الأكفان، ومزقت الأبدان، ومصصت الدم، وأكلت اللحم؛ ألا تسألني ما صنعت بالأوصال؟ قلت: بلى، قال: نزعت الكفين من الذراعين، والذراعين من العضدين، والعضدين من الكتفين، والوركين من الفخذين، والفخذين من الركبتين، والركبتين من الساقين، والساقين من القدمين؛ ثم بكى عمر، فقال: ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وشبابها يهرم، وحيها يموت، فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من إغتر بها؛ أين سكانها الذين بنوا مدائنها، وشققوا أنهارها، وغرسوا أشجارها، وأقاموا فيها أياماً يسيرة؟ غرتهم بصحتهم، وغروا بنشاطهم، فركبوا المعاصي؛ إنهم كانوا والله في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع عليه، محسودين على كم، ما صنع التراب بأبدانهم، والرمل بأجسادهم، والديدان بعظامهم وأوصالهم؟ كانوا في الدنيا على أسرة مهدة، وفرش منضدة، بين خدم يخدمون، وأهل يكرمون، وجيران يعضدون؛ فإذا مررت فنادهم إن كنت منادياً، وادعهم إن كنت لا بد داعياً، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم التي كان بها عيشهم، وسل غنيهم ما بقي من غناه، وسل فقيرهم ما بقي من فقره، وسلهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانت إلى اللذات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة، والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان؟ محت الألوان، وأكلت اللحمان، وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء، وأين حجالهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم ومكنوزهم؟ والله ما زودوهم فراشاً، ولا وضعوا هناك متكأ، ولا غرسوا لهم شجراً، ولا أنزلوهم من اللحد قراراً؛ أليسوا في منازل الخلوات والفلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليس هم في مدلهمة ظلماء، قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة؟ فكم من ناعم وناعمة، أصبحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم نائية، وأوصالهم ممزقة، قد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً، ودبت دواب الأرض في أجسادهم، ففرقت أعضائهم، ثم لم يلبثوا والله إلا يسيراً، حتى عادت العظام رميماً، قد فارقوا الحدائق، فصاروا بعد السعة إلى المضايق، قد تزوجت نساؤهم، وترددت في الطريق أبناؤهم، وتوزعت القرابات ديارهم وتراثهم، فمنهم والله الموسع له في قبره، الغض الناضر فيه، المتنعم بلذته؛ يا ساكن القبر غداً، ما الذي غرك من الدنيا؟ هل تعلم أنك تبقى، أو تبقى لك؟ أين دارك الفيحاء، ونهرك المطرد؟ وأين ثمرك الناضر ينعه؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك؟ وأين بخورك؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟ أما رأيته قد نزل به الأمر، فما يدفع عن نفسه وجلاً، وهو يرشح عرقاً، ويتلمظ عطشاً، يتقلب من سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء، جاء من الأمر والأجل ما لا تمتنع منه، هيهات هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد، وغاسله، يا مكفن الميت وحامله، يا مخليه في القبر وراجعاً عنه، ليت شعري، كيف كنت على خشونة الثرى؟ يا ليت شعري، بأي خديك بدأ البلاء؟ يا مجاور الهلكات، صرت في محلة الموتى، ليت شعري، ما الذي يلقاني به ملك الموت؟ ثم خروجي من الدنيا، وما يأتيني به من رسالة ربي، ثم تمثل:

تسر بما يفنى وتشغل بالصبا…كما غر باللذات في النوم حالم نهارك يا مغرور سهو وغفلة…وليلك نوم والردى لك لازم وتعمل فيما سوف تكره غبه…كذلك في الدنيا تعيش ألبهايم ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة.5/ 261 - 263)


  • عن أبي محمد صدقة الزاهد قال: خرجنا مع داود الطائي في جنازة بالكوفة، قال: فقعد داود ناحية وهي تدفن، فجاء الناس فقعدوا قريباً منه، فقال: من خاف الوعيد، قصر عليه البعيد؛ ومن طال أمله، ضعف عمله، وكل ما هو آت قريب؛ واعلم يا أخي: أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشئوم، واعلم أن أهل الدنيا جميعاً من أهل القبور، إنما يفرحون بما يقدمون، ويندمون على ما يخلفون مما عليه أهل القبور ندموا، وعليه أهل الدنيا يقتتلون، وفيه يتنافسون، وعليه عند القضاة يختصمون.7/ 357 - 358)


  • دخل سليمان بن عبد الملك المدينة حاجاً، فقال: هل بها رجل أدرك عدة من الصحابة؟ قالوا: نعم، أبو حازم؛ فأرسل إليه، فلما أتاه، قال: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال: ونصف جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني، ولم تأتني؛ قال: والله، ما عرفتني قبل هذا، ولا أنا رأيتك، فأي جفاء رأيت مني؛ فالتفت سليمان إلى الزهري، فقال: أصاب الشيخ، وأخطأت أنا؛ فقال: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت؟ فقال: عمرتم الدنيا، وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب؛ قال: صدقت، فقال: يا أبا حازم، ليت شعري، ما لنا عند الله تعالى غداً؟ قال: إعرض عملك على كتاب الله عز وجل، قال: وأين اجده من كتاب الله تعالى، قال: قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار:13ـ14]. قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبوحازم: {قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [لأعراف: 56]. قال سليمان: ليت شعري، كيف العرض على الله غداً؟ قال أبوحازم: أما المحسن، كالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء، كالآبق يقدم به على مولاه؛ فبكى سليمان، حتى علا نحيبه، واشتد بكاؤه؛ فقال: يا أبا حازم، كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصلف، وتمسكوا بالمروءة، وتقسموا بالسوية، وتعدلوا في القضية؛ قال: يا أبا حازم، وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه بحقه، وتضعه بحقه في أهله؛ قال: يا أبا حازم، من أفضل الخلائق؟ قال: أولوا المروءة والنهى؛ قال: فما أعدل العدل؟ قال: كلمة صدق عند من ترجوه وتخافه؛ قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال: دعاء المحسن للمحسنين؛ قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المقل، إلى يد البائس الفقير، لا يتبعها من، ولا أذى؟ قال: يا أبا حازم، من أكيس الناس؟ قال: رجل ظفر بطاعة الله تعالى، فعمل بها، ثم دل الناس عليها؛ قال: فمن أحمق الخلق؟ قال: رجل اغتاظ في هوى أخيه وهو ظالم له، فباع آخرته بدنياه؛ قال: يا أبا حازم، هل لك أن تصحبنا، وتصيب منا، ونصيب منك؟ قال: كلا؛ قال: ولم؟ قال: إني أخاف أن أركن اليكم شيئاً قليلا، فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات، ثم لا يكون لي منه نصيراً؛ قال: يا أبا حازم، إرفع إلي حاجتك؛ قال: نعم، تدخلني الجنة، وتخرجني من النار؛ قال: ليس ذاك إلي؛ قال: فما لي حاجة سواها؛ قال: يا أبا حازم، فادع الله لي؛ قال: نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك، فيسره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان من أعدائك، فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى؛ قال سليمان: قط؛ قال أبو حازم: قد أكثرت وأطنبت إن كنت أهله، وإن لم تكن أهله، فما حاجتك أن ترمي عن قوس ليس لها وتر؟ قال سليمان: يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل نصيحة تلقيها إلي؛ قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر، فأخذوه عنوة بالسيف، من غير مشورة، ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة، وارتحلوا؛ فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم؟ فقال رجل من جلسائه: بئس ما قلت؛ قال أبو حازم: كذبت، إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق، ليبيننه للناس ولا يكتمونه؛ قال: يا أبا حازم، أوصني؛ قال: نعم، سوف أوصيك وأوجز: نزه الله تعالى، وعظمه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك؛ ثم قام، فلما ولى، قال: يا أبا حازم، هذه مائة دينار، أنفقها، ولك عندي أمثالها كثير؛ فرمى بها، وقال: والله، ما أرضاها لك، فكيف أرضاها لنفسي؟ أني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً، وردي عليك بذلاً، إن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما ورد ماء مدين، قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]. فسأل موسى عليه السلام ربه عز وجل، ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان، ولم تفطن الرعاة لما فطنتا إليه؛ فأتيا أباهما ـ وهو: شعيب عليه السلام ـ فأخبرتاه خبره، قال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعاً، ثم قال لإحداهما: إذهبي أدعيه، فلما أتته، أعظمته، وغطت وجهها؛ ثم قالت: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ} [القصص: 25]. فلما قالت: {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا {. كره موسى عليه السلام ذلك، وأراد أن لا يتبعها، ولم يجد بداً من أن يتبعها، لأنه كان في أرض مسبعة وخوف؛ فخرج معها، وكانت امرأة ذات عجز، فكانت الرياح تصرف ثوبها، فتصف لموسى عليه السلام عجزها، فيغض مرة، ويعرض أخرى؛ فقال: يا أمة الله، كوني خلفي؛ فدخل موسى إلى شعيب عليهما السلام، والعشاء مهيأ، فقال: كل، فقال موسى عليه السلام: لا، قال شعيب: ألست جائعاً؟ قال: بلى، ولكني من أهل بيت لا يبيعون شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، أخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما؛ قال شعيب عليه السلام: لا يا شاب، ولكن هذه عادتي وعادة آبائي، قرى الضيف، وإطعام الطعام؛ قال: فجلس موسى عليه السلام، فأكل. فإن كانت هذه المائة دينار عوضاً عما حدثتك، فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل منه، وإن كان من مال المسلمين، فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم، وإلا فلا حاجة لي فيها؛ إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى، حيث كانت أمراؤهم يأتون الى علمائهم رغبة في علمهم، فلما نكسوا، ونفسوا، وسقطوا من عين الله تعالى، وآمنوا بالجبت والطاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم، ويشاركونهم في دنياهم، وشركوا معهم في قتلهم؛ قال ابن شهاب: يا أبا حازم، إياي تعني، أو بي تعرض؟ قال: ما إياك اعتمدت، ولكن ما تسمع؛ قال سليمان: يابن شهاب، تعرفه؟ قال: نعم، جاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته كلمة قط؛ قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أجبت الله لأجبتني؛ قال ابن شهاب: يا أبا حازم، تشتمني؟ قال سليمان: ما شتمك، ولكن شتمتك نفسك، أما علمت: أن للجار على الجار حقاً كحق القرابة؛ فلما ذهب أبو حازم، قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين، تحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم؟ قال: لا.(3/ 234ـ237)


  • عن مالك بن دينار قال: كنت عند بلال بن أبي بردة، وهو في قبة له؛ فقلت: قد أصبت هذا خالياً، فأي قصص أقص عليه، فقلت في نفسي: ماله خير من أن أقص عليه ما لقي نظراؤه من الناس؛ فقلت له: أتدري من بنى هذا الذي أنت فيه؟ بناها عبيد الله بن زياد، وبنى البيضاء، وبنى المسجد، فولى ما ولى، فصار من أمره أن هرب، فطلب، فقتل؛ ثم ولى البصرة: بشر بن مروان، فقالوا: أخو أمير المؤمنين، فمات بالبصرة، فحملوه، وحشد الناس في جنازته؛ ومات زنجي، فحمله الزنج على طن من قصب، فذهب بأخي أمير المؤمنين، فدفنوه، وذهب بالزنجي، فدفنوه. ثم جعلت أقص عليه أميراً أميراً، حتى انتهيت إليه؛ فقلت في نفسي: قد بنيت داراً بالكوفة، فلم ترها حتى أخذت فسجنت، فعذبت، حتى قتل فيها.(2/ 379 - 380).


  • عن ليث بن أبي رقية كاتب عمر بن عبد العزيز في خلافته، أن عمر كتب إلى ابنه في العام الذي استخلف فيه ـ وابنه إذ ذاك بالمدينة، يقال له: عبد الملك ـ أما بعد: فإن أحق من تعاهدت بالوصية والنصيحة بعد نفسي أنت، وإن أحق من رعى ذلك وحفظه عني أنت؛ وإن الله تعالى له الحمد، قد أحسن إلينا إحساناً كثيراً بالغا، في لطيف أمرنا وعامته، وعلى الله إتمام ما عبر من النعمة، وإياه نسأل العون على شكرها؛ فاذكر فضل الله على أبيك وعليك، ثم أعن أباك على ما قوي عليه، وعلى ما ظننت أن عنده منه عجزاً عن العمل فيما أنعم به عليه وعليك في ذلك؛ فراع نفسك وشبابك وصحتك، وإن استطعت أن تكثر تحريك لسانك بذكر الله حمداً وتسبيحاً وتهليلاً، فافعل، فإن أحسن ما وصلت به حديثاً حسناً: حمد الله وذكره؛ وإن أحسن ما قطعت به حديثاً سيئاً: حمد الله وذكره؛ ولا تفتتن فيما أنعم الله به عليك فيما عسيت أن تقرظ به أباك فيما ليس فيه، إن أباك كان بين ظهراني إخوته عند أبيه، يفضل عليه الكبير، ويدني دونه الصغير؛ وإن كان الله وله الحمد: قد رزقني من والدي حسباً جميلاً، كنت به راضياً، أرى أفضل الذي يبره ولده علي حقاً، حتى ولدت، وولد طائفة من أخواتك، ولا أخرج بكم من المنزل الذي أنا فيه؛ فمن كان راغباً في الجنة، وهارباً من النار، فالآن في هذه الحالة، والتوبة مقبولة، والذنب مغفور، قبل نفاد الأجل، وانقضاء العمل، وفراغ من الله للثقلين، ليدينهم بأعمالهم في موطن: لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه المعذرة، تبرز فيه الخفيات، وتبطل فيه الشفاعات، يرده الناس بأعمالهم، ويصدرون فيه أشتاتاً إلى منازلهم؛ فطوبى يومئذ لمن أطاع الله، وويل يومئذ لمن عصى الله؛ فإن ابتلاك الله بغنى: فاقتصد في غناك، وضع لله نفسك، وأد إلى الله فرائض حقه في مالك، وقل عند ذلك ما قال العبد الصالح: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل:40] الآية. وإياك أن تفخر بقولك، وأن تعجب بنفسك، أو يخيل إليك: أن ما رزقته، لكرامة بك على ربك، وفضيلة على من لم يرزق مثل غناك؛ فإذا أنت أخطأت باب الشكر، ونزلت منازل أهل الفقر، وكنت ممن طغى للغنى، وتعجل طيباته في الحياة الدنيا؛ فإني لأعظك بهذا، إني لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري؛ ولو أن المرء لم يعظ أخاه حتى يحكم نفسه، ويكمل في الذي خلق له لعبادة ربه، إذا تواكل الناس بالخير، وإذا يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستحلت المحارم، وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض} فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجاثية: 36ـ37].(5/ 275 - 277)


  • عن عون بن عبد الله، أنه قال لابنه: يا بني، كن ممن نأيه عمن نأى عنه يقين ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه، ليس نأيه بكبر ولا بعظمة، ولا دنوه خداع ولا خلابة، يقتدي بمن قبله، فهو إمام لمن بعده؛ ولا يعزب، ولا يظهر جهله علمه، ولا يحضر جهله، ولا يعجل فيما رابه، ويعفو فيما يتبين له، يغمض في الذي له، ويزيد في الحق الذي عليه، والخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان مع الغافلين، كتب من الذاكرين، وإن كان مع الذاكرين، لم يكتب من الغافلين؛ لا يغره ثناء من جهله، ولا ينسى إحصاء ما قد علمه، إن زكى، خاف ما يقولون، واستغفر لما لا يعلمون؛ يقول: أنا أعلم بي من غيري، وربي أعلم بي من نفسي؛ فهو يستبطيء نفسه في العمل، ويأتي ما يأتي من الأعمال الصالحة على وجل، يظل يذكر ويمسي، وهمه أن يشكر؛ يبيت حذرا، ويصبح فرحاً، حذراً لما حذر من الغفلة، وفرحاً لما أصاب من الغنيمة والرحمة؛ إن عصته نفسه فيما يكره، لم يطعها فيما أحبت، فرغبته فيما يخلد، وزهادته فيما ينفد، يمزج العلم بالحلم؛ ويصمت ليسلم، وينطق ليفهم، ويخلو ليغنم، ويخالق ليعلم، لا ينصت لخير حين ينصت وهو يسهو، ولا يستمع له وهو يلغو، لا يحدث أمانته الأصدقاء، ولا يكتم شهادته الأعداء، ولا يعمل من الخير شيئا رياء، ولا يترك منه شيئا حياء مجالس الذكر مع الفقراء أحب إليه من مجالس اللهو مع الأغنياء.

ولا تكن يا بني ممن يعجب باليقين من نفسه فيما ذهب، وينسى اليقين فيما رجا وطلب، يقول فيما ذهب لو قدر شيء لكان، ويقول فيما بقي ابتغ أيها الانسان، شاخصا غير مطمئن، ولا يثق من الرزق بما قد ضمن. لا تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، فهو من نفسه في شك، ومن ظنه إن لم يرحم في هلك، إن سقم ندم، وإن صح أمن، وإن افتقر حزن، وإن استغنى افتتن، وإن رغب كسل، وإن نشط زهد، يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب، يقول لم أعمل فأتعنى، بل أجلس فأتمنى، يتمنى المغفرة ويعمل بالمعصية، كان أول عمره غفلة وغرة، ثم أبقى وأقيل العثرة، فإذا في آخره كسل وفترة، طال عليه الأمل فافتتن، وطال عليه الأمد فاغتر، وأعذر إليه فيما عمر، وليس فيما أعمر بمعذر، عمر ما يتذكر فيه من تذكر، فهو من الذنب والنعمة موقر، إن اعطي من ليشكر، أو إن منع قال لم يقدر، أساء العبد واستأثر، يرجو النجاة ولم يحذر، ويبتغي الزيادة ولم يشكر، حق أن يشكر وهو أحق أن لا يعذر، يتكلف ما لم يؤمر، ويضيع ما هو أكثر، أن يسأل أكثر، وان أنفق قتر، يسأل الكثير، وينفق اليسير، قدر له خير من قدره لنفسه فوسع له رزقه، وخفف حسابه، فاعطي ما يكفيه ومنع ما يلهيه، فليس يرى شيئا يغنيه، دون غنى يطغيه، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، يستبطيء نفسه في شكر ما أوتي، وينسى ما عليه من الشكر فيما وفى، ينهى فلا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يهلك في بغضه ويقصر في حبه، غره من نفسه حبه ما ليس عنده، وبغضه على ما عنده مثله، يحب الصالحين فلا يعمل أعمالهم، ويبغض المسيئين وهو أحدهم، يرجو الآخرة في البغض على ظنه، ولا يخشى المقت في اليقين من نفسه، لا يقدر في الدنيا على ما يهوى، ولا يقبل من الآخرة ما يبقى، يبادر من الدنيا ما يفنى ويترك من الآخرة ما يبقى، إن عوفي حسب أنه قد تاب، وان ابتلي عاد. يقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين، يكره الموت لإساءته، ولا ينتهي عن الإساءة في حياته، يكره الموت لما لا يدع، ويحب الحياة لما لا يصنع، إن منع من الدنيا لم يقنع، وإن أعطي منها لم يشبع، وإن عرضت الشهوة قال يكفيك العمل فواقع، وإن عرض له العمل كسل وقال يكفيك الورع. لا تذهب مخافته الكسل، ولا تبعثه رغبته على العمل. يرجو الأجر بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل، ثم لا يسعى فيما له خلق، ورغبته فيما تكفل له من الرزق، وزهادته فيما أمر به من العمل، ويتفرغ لما فرغ له من الرزق، يخشى الخلق في ربه، ولا يخشى الرب في خلقه، يعوذ بالله ممن هو فوقه، ولا يعيذ بالله من هو تحته، يخشى الموت، ولا يرجو الفوت، يأمن ما يخشى وقد أيقن به؛ ولا ييأس مما يرجو وقد تيقن منه؛ يرجو نفع علم لا يعمل به، ويأمن ضر جهل قد أيقن به، يسخر بمن تحته من الخلق؛ وينسى ما عليه فيه من الحق، ينظر الى من هو فوقه في الرزق، وينسى من تحته من الخلق، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأيسر من عمله، يبصر العورة من غيره ويعقلها من نفسه، إن ذكر اليقين قال ما هكذا من كان قبلكم، فان قيل أفلا تعمل أنت عملهم؛ يقول: من يستطيع أن يكون مثلهم. فهو للقول مدل، ويستصعب عليه العمل، يرى الأمانة ما عوفي وأرضى، والخيانة ان أسخط وابتلى، يلين ليحسب عنده أمانة فهو يرصدها للخيانة، يتعلم للصداقة ما يرصد به للعداوة، يستعجل بالسيئة وهو في الحسنة بطيء، يخف عليه الشعر، ويثقل عليه الذكر، اللغو مع الاغنياء أحب اليه من الذكر مع الفقراء، يتعجل النوم ويؤخر الصوم، فلا يبيت قائما ولا يصبح صائماً، ويصبح وهمه التصبح من النوم ولم يسهر، ويمشي وهمه العشاء وهو مفطر - زاد الحجاج عن المسعودي في روايته - إن صلى اعترض، وأن ركع ربض، وإن سجد نقر، وإن سأل الحف، وإن سئل سوف، وإن حدث حلف، وإن حلف حنث، وإن وعد أخلف، وإن وعظ كلح، وإن مدح فرح؛ طلبه شر، وتركه وزر، ليس له في نفسه عن عيب الناس شغل، وليس لها في الإحسان فضل يميل لها ويحب لها، منهم العدل؛ أهل الخيانة له بطانة، وأهل الأمانة له عداوة، إن سلم لم يسمع، وإن سمع لم يرجع، ينظر نظر الحسود، ويعرض إعراض الحقود؛ يسخر بالمقتر، ويأكل بالمدبر، ويرضى الشاهد بما ليس في نفسه، ويسخط الغائب بما لا يعلم فيه؛ جريء على الخيانة، بريء من الأمانة، من أحب كذب، ومن أبغض خلب؛ يضحك العجب، ويمشي الأدب، لا ينجو منه من جانب، ولا يسلم منه من صاحب؛ إن حدثته ملك، وإن حدثك غمك، وإن سؤته سرك، وإن سررته ضرك، وإن فارقته أكلك، وإن باطنته فجعك، وإن تابعته بهتك، وإن وافقته حسدك، وإن خالفته مقتك؛ يحسد أن يفضل، ويزهد أن يفضل، يحسد من فضله، ويزهد أن يعمل عمله؛ يعجز عن مكافأة من أحسن إليه، ويفرط فيمن بغى عليه؛ لا ينصت فيسلم، ويتكلم بما لا يعلم؛ يغلب لسانه قلبه، ولا يضبط قلبه قوله؛ يتعلم للمراء، ويتفقه للرياء، ويظهر الكبرياء؛ فيظهر منه ما أخفى، ولا يخفى منه ما أبدى؛ يبادر ما يفنى، ويواكل ما يبقى، يبادر بالدنيا، ويواكل بالتقوى.(4/ 260 - 263)


  • عن محمد بن إسحاق قال: لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، استشار الناس، فقام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، إمض لما أمرك الله به، فنحن معك، والله، ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون؛ ولكن، إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون؛ والله الذي بعثك بالحق نبياً: لو سرت بنا إلى برك الغماد، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيراً، ودعا له.(1/ 173)


  • عن محمد بن كناسة قال: سمعت عمر بن ذر يقول: آنسك جانب حلمه، فتوثبت على معاصيه، أفأسفه تريد؟ أما سمعته يقول: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 5]. أيها الناس: أجلوا مقام الله، بالتنزه عما لا يحل؛ فإن الله لا يؤمن إذا عصي.(5/ 111)


  • عن بلال بن سعد قال: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن أنظر إلى من عصيت.(5/ 223)


  • عن كعب الأحبار قال: من أراد أن يبلغ شرف الآخرة، فليكثر التفكر، يكن عالماً؛ وليرض بقوت يومه، يكن غنياً؛ وليكثر البكاء عند ذكر خطاياه، يطفئ الله عنه بحور جهنم.(5/ 376)، (6/ 14)


  • عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قال: لولا ثلاث خلال، لأحببت أن لا أبقى في الدنيا؛ فقالت: وما هن؟ فقال: لولا وضوع وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار، يكون تقدمه لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة؛ وتمام التقوى: أن يتقى الله عز وجل العبد، حتى يتقيه في مثل مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، يكون حاجزاً بينه وبين الحرام؛ إن الله تعالى قد بين لعباده الذي هو يصيرهم إليه؛ قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7ـ8]. فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه، ولا شيئاً من الخير أن تفعله.(1/ 212)


  • عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة: أن عمربن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، ولزوم طاعته؛ فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه، وبها تحقق لهم ولايته، وبها رافقوا أنبياءهم، وبها نضرت وجوههم، وبها نظروا إلى خالقهم، وهي عصمة في الدنيا من الفتن، والمخرج من كرب يوم القيامة، ولم يقبل ممن بقي إلا بمثل ما رضي عمن مضى، ولمن بقي عبرة فيما مضى، وسنة الله فيهم واحدة، فبادر بنفسك قبل أن تؤخذ بكظمك، ويخلص إليك كما خلص إلى من كان قبلك؛ فقد رأيت الناس كيف يموتون، وكيف يتفرقون، ورأيت الموت، كيف يعجل التائب توبته؟ وذا الأمل أمله؟ وذا السلطان سلطانه؟ وكفى بالموت موعظة بالغة، وشاغلاً عن الدنيا، ومرغباً في الآخرة؛ فنعوذ بالله من شر الموت وما بعده، ونسأل الله خيره وخير ما بعده؛ ولا تطلبن شيئاً من عرض الدنيا، بقول، ولا فعل، تخاف أن يضر بآخرتك، فيزرى بدينك، ويمقتك عليه ربك؛ واعلم أن القدر سيجري إليك برزقك، ويوفيك أملك من دنياك بغير مزيد فيه بحول منك، ولا قوة، ولا منقوصاً منه بضعف؛ إن أبلاك الله بفقر، فتعفف في فقرك، واخبت لقضاء ربك، واعتبر بما قسم الله لك؛ من الإسلام ما ذوى منك من نعمة الدنيا، فإن في الاسلام خلفاً من الذهب والفضة، ومن الدنيا الفانية؛ إعلم أنه لن يضر عبداً صار إلى رضوان الله وإلى الجنة، ما أصابه في الدنيا من فقر، أو بلاء؛ وأنه لن ينفع عبداً صار إلى سخط الله وإلى النار، ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء؛ ما يجد أهل الجنة مس مكروه أصابهم في دنياهم، وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا بها في دنياهم، كل شيء من ذلك كأن لم يكن؛ تشيعون غادياً أو رائحاً إلى الله قد قضى نحبه، وانقضى أجله، وتغيبونه في صدع من الأرض، ثم لا متوسد ولا متمهد، فارق الأحبة، وخلع الأسلاب، وسكن التراب، وواجه الحساب، مرتهنا بعمله، فقيراً إلى ما قدم، غنياً عما ترك؛ فاتقوا الله قبل نزول الموت، وانقضاء موافاته؛ وأيم الله، إني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم عندي؛ وأستغفر الله، وأتوب إليه.(5/ 278 - 279)


  • عن رجل من قريش: أن عمر بن عبد العزيز عهد إلى بعض عماله: عليك بتقوى الله في كل حال ينزل بك؛ فإن تقوى الله أفضل العدة، وأبلغ المكيدة، وأقوى القوة؛ ولا تكن في شيء من عداوة عدوك أشد احتراساً لنفسك، وما معك من معاصي الله؛ فإن الذنوب أخوف عندي على الناس من مكيدة عدوهم، وإنما نعادي عدونا ونستنصر عليهم بمعصيتهم، ولولا ذلك، لم تكن لنا قوة بهم؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا قوتنا كقوتهم، فإن لا ننصر عليهم بمقتنا، لا نغلبهم بقوتنا؛ ولا تكونن لعداوة أحد من الناس أحذر منكم لذنوبكم، ولا أشد تعاهداً منكم لذنوبكم؛ واعلموا أن عليكم ملائكة الله حفظة عليكم، يعلمون ما تفعلون في مسيركم ومنازلكم، فاستحبوا منهم، وأحسنوا صحابتهم، ولا تؤذوهم بمعاصي الله، وأنتم زعمتم في سبيل الله؛ ولا تقولوا: إن عدونا شر منا، ولن ينصروا علينا، وإن أذنبنا؛ فكم من قوم قد سلط أو سخط عليهم بأشر منهم لذنوبهم؛ وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه العون على عدوكم؛ نسأل الله ذلك لنا ولكم، وأرفق بمن معك في مسيرهم؛ فلا تجشمهم مسيراً يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يلقوا عدوهم؛ والسفر، لم ينقص قوتهم، ولا كراعهم؛ فإنكم تسيرون إلى عدو مقيم، جام الأنفس والكراع، وإلا ترفقوا بأنفسكم وكراعكم في مسيركم، يكن لعدوكم فضل في القوة عليكم في إقامتهم، في جمام الأنفس والكراع، والله المستعان؛ أقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة، لتكون لهم راحة، يجمون بها أنفسهم وكراعهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منزلك عن قرى الصلح، ولا يدخلها أحد من أصحابك لسوقهم وحاجتهم، إلا من تثق به، وتأمنه على نفسه ودينه؛ فلا يصيبوا فيها ظلماً، ولا يتزودوا منها إثماً، ولا يرزؤون أحداً من أهلها شيئاً إلا بحق؛ فإن لهم حرمة وذمة، ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها؛ فلا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، ولتكن عيونك من العرب ممن تطمئن إلى نصحه من أهل الأرض؛ فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدق في بعضه؛ وإن الغاش عين عليك، وليس بعين لك.(5/ 303 - 304)


  • عن أبي حازم - سلمة بن دينار قال: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب؛ ونحن لا نتوب حتى نموت؛ واعلم، أنك إذا مت، لم ترفع الأسواق بموتك؛ إن شأنك صغير، فاعرف نفسك.(3/ 232)


  • عن الأنطاكي قال: إعلم، أن الجاهل: من قل صبره على علاج عدوه لنجاته، بل ساعد عدوه على مجاهدته، فذلك أهل أن يضحك به الضاحكون؛ والكلام كثير موجود، وجوهره عزيز مفقود، فإن العلم الكثير الذي يحتاج منه القليل، والأعمال كثيرة، والصدق في الأعمال قليل، والأشجار كثيرة، وطيب ثمرتها قليل، والبشر كثير، وأهل العقول قليل؛ فاستدرك ما قد فات بما بقي، واستصلح ما قد فسد فيما بقي أو وضح، وبادر في مهلتك قبل الأخذ بالكظم، وأعد الجواب قبل المسألة، فقد وجدتك تعد الجوابات لحكام الدنيا قبل مسألتهم إياك، فماذا أعددت من الجوابات لحكم السماء من صدق الجوابات؟ وتقدم في الاجتهاد لتدفع به خطر الاعتذار، فإنك عسيت لا يقبل منك المعذرة، مع إحاطة الحجج بك، وشهادات العلم عليك، واعتراف العقول بالاستهانة لمن لا بد لك من لقائه؛ فاحذر من قبل أن يجافيك الأمر على عظم غفلتك، فيفوتك إصلاح ما قد فات، مع هموم الدنيا ما هو آت، من قبل الإياس منك عند انقطاع الأجل، والأخذ بالكظم مع زوال النعم، حين لا يوصل إلا إلى الندامة؛ فيا لها من حسرة إن عقلت الحسرة، ويالها من موعظة لو صادفت من القلوب حياة؛ وأنا موصيك ونفسي من بعد بوصية، إن قبلت، عشت في الدنيا حكيماً مؤدباً فيها سليماً، وخرجت من الدنيا فقيراً مغتبطاً فيها مغبوطاً، وفي الآخرة متوجهاً ملكاً.(9/ 295)


  • عن الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين، فأتاني، فخرجت مسرعاً، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: ويحك، قد حاك في نفسي شيء، فانظر لي رجلاً أسأله؛ فقلت: ههنا سفيان بن عيينة، فقال: إمض بنا إليه، فأتيناه، فقرعنا الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي أتيتك؛ فقال: خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ فقال: نعم، قال: أبا عباس، إقض دينه؛ فلما خرجنا، قال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، أنظر لي رجلاً أسأله؛ قلت: ههنا عبد الرزاق بن همام، قال: إمض بنا إليه، فأتيناه، فقرعنا الباب، فخرج مسرعاً، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي أتيتك؛ فقال: خذ لما جئناك له، فحادثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: أبا عباس، إقض دينه؛ فلما خرجنا، قال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، انظر لي رجلاً أسأله؛ قلت: ههنا الفضيل بن عياض، قال: إمض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية من القرآن يرددها، فقال: إقرع الباب، فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: مالي ولأمير المؤمنين؛ فقلت: سبحان الله، أما عليك طاعة، أليس قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس للمؤمن بذل نفسه» فنزل ففتح الباب، ثم إرتقى إلى الغرفة، فأطفأ السراج، ثم إلتجأ إلى زاوية من زوايا البيت؛ فدخلنا، فجعلنا نجول بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه؛ فقال: يالها من كف ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله عز وجل، فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام من تقى قلب تقي؛ فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله؛ فقال: إن عمر بن عبدالعزيز لما ولي الخلافة، دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علي؟ ـ فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة ـ فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله، فصم الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت؛ وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير المؤمنين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولداً، فوقر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك؛ وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت. وإني أقول لك: فإني أخاف عليك أشد الخوف، يوماً تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هذا؟ أو من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديداً حتى غشي عليه؛ فقلت له: أرفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن الربيع، تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا! ثم أفاق، فقال له: زدني رحمك الله؛ فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه عمر: يا أخي، أذكرك طول سهر أهل النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد، وإنقطاع الرجاء. قال: فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد، حتى قدم على عمر بن عبد العزيز؛ فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل؛ قال: فبكى هارون بكاء شديداً؛ ثم قال له: زدني رحمك الله؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، أمرني على إمارة، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل». فبكى هارون بكاء شديداً؛ فقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أصبح لهم غاشاً، لم يرح رائحة الجنة». فبكى هارون، وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي؛ قال: إنما أعني من دين العباد؛ قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمره، فقال جل وعز: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذريات: 56ـ58] فقال له: هذه ألف دينار، خذها، فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادتك؛ فقال: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا سلمك الله ووفقك؛ ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده؛ فلما صرنا على الباب، قال هارون: إذا دللتني على رجل، فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين؛ فدخلت عليه امرأة من نسائه، فقالت: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال، فتفرجنا به؛ فقال لها: مثلي ومثلكم، كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر، نحروه، فأكلوا لحمه؛ فلما سمع هارون هذا الكلام، قال: ندخل، فعسى أن يقبل المال؛ فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون، فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه؛ فبينا نحن كذلك، إذ خرجت جارية سوداء، فقالت: يا هذا، قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله،؛ فانصرفنا.(8/ 105ـ108)


  • قال عبد الواحد بن زيد: سألت الله ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فرأيت كأن قائلاً يقول لي: يا عبد الواحد، رفيقك في الجنة ميمونة السوداء؛ فقلت: وأين هي؟ فقال: في آل بني فلان بالكوفة؛ قال: فخرجت إلى الكوفة، فسألت عنها؛ فقيل: هي مجنونة بين ظهرانينا، ترعى غنيمات لنا؛ فقلت: أريد أن أراها؛ قالوا: أخرج إلى الخان، فخرجت، فإذا هي قائمة تصلي، وإذا بين يديها عكازة لها؛ فإذا عليها جبة من صوف، مكتوب عليها: لا تباع، ولا تشترى؛ وإذا الغنم مع الذئاب، لا الذئاب تأكل الغنم، ولا الغنم تفزع من الذئاب؛ فلما رأتني، أوجزت في صلاتها؛ ثم قالت: إرجع يا ابن زيد، ليس الموعد ههنا، إنما الموعد ثم؛ فقلت لها: رحمك الله، وما يعلمك أني ابن زيد؟ فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف؟ فقلت لها: عظيني؛ فقالت: واعجبا لواعظ يوعظ، ثم قالت: يا ابن زيد، إنك لو وضعت معاير القسط على جوارحك لخبرتك، بمكتوم مكنون ما فيها؛ يا ابن زيد: إنه بلغني، ما من عبد أعطي من الدنيا شيئاً، فابتغى إليه ثانياً، إلا سلبه الله حب الخلوة معه، ويبد له بعد القرب البعد، وبعد الأنس الوحشة؛ ثم أنشأت تقول:

يا واعظا قام لاحتساب…يزجر قوما عن الذنوب تنهى وأنت السقيم حقا…هذا من المنكر العجيب لو كنت أصلحت قبل هذا…غيك أو تبت من قريب كان لما قلت يا حبيبي…موقع صدق من القلوب تنهى عن الغي والتمادي…وأنت في النهى كالمريب فقلت لها: إني أرى هذه الذئاب مع الغنم، لا الغنم تفزع من الذئاب، ولا الذئاب تأكل الغنم، فايش هذا؟ فقالت: إليك عني، فإني أصلحت ما بيني وبين سيدي، فأصلح بين الذئاب والغنم. (6/ 158 - 159)

  • عن إبراهيم بن أدهم قال: بلغني أن الحسن البصري رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه؛ فقال: يا رسول الله، عظني؛ قال: من استوى يوماه، فهو مغبون؛ ومن كان غده شراً من يومه، فهو ملعون؛ ومن لم يتعاهد النقصان من نفسه، فهو في نقصان؛ ومن كان في نقصان، فالموت خير له.(8/ 35)


  • عن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: إني أدركت من الأزمنة زماناً: عاد فيه الإسلام غريباً كما بدأ، وعاد وصف الحق فيه غريباً كما بدأ؛ إن نزعت فيه إلى عالم: وجدته مفتوناً بالدنيا، يحب التعظيم والرياسة؛ وإن نزعت إلى عابد: وجدته جاهلاً في عبادته، مجذوعاً، صريع عدوه إبليس، قد صعد به إلى أعلى سطح في العبادة، وهو جاهل بأدناها، فكيف له بأعلاها؛ وسائر ذلك من الرعاع: فقبيح أعوج، وذئاب مختلسة، وسباع ضارية، وثعالب جارية؛ هذا وصف عيون مثلك في زمانك، من حملة العلم والقرآن، ودعاة الحكمة؛ وذلك: أني لست أرى عالماً، إلا مغلوباً على عقله، بعيداً غور فطنته، لمضرت لأمور دنياه، متبعاً هواه، معجباً برأيه، شحيحاً على دنياه، سمحاً بدينه، منعزماً بمذموم القضاء، معانقاً لهواه فيما يرضى، غير منتقل عما يكره الله تعالى منه، بل مستزيداً من أنواع الفتنة والبلاء، محتملاً شقاء الدنيا بالشهوة، قاسياً قلبه، عظيماً غفلته عما خلق له، مستبطئاً لما يدعى مما قد ضمن له، غير واثق بالله، مفقود منه خوف ما قد استوجب به النار، معترض للموت فيما يستقبل، مشغوف بدنياه، غافل عن آخرته، عاشق للذهب والفضة، زاهد فيما ندب إليه من الشوق.

فكما أنه ضعف يقينه فيما يتشوق إليه، كذلك كان أمنه عند الوعيد؛ فعندها كان ناسياً لذنوبه، ذاكراً محاسنه، قد صيرها نصب عينينه، وآثامه تحت قدميه، داخلاً فيما لا يعنيه، مشغوفا بالدنيا، لا يقنعه قليلها، ولا يشبعه كثيرها، ولا يسعى ولا يكدح إلا لها، ولا يفرح ولا يتزين إلا لها، ولا يرضى ويسخط إلا لها؛ راض بحظه، بقليل حظه المتروك، النتقل عنه من كثير حظه من آخرته، بل راض بحظه من المخلوقين من حظه من خالقه؛ خائف من فقر بدأ به، آمن من معاص قد قدمها، وعقوبات قد استحقها، متزين للخلائق بما يسقطه عند خالقه، مؤيس منه، غير موثوق به؛ متحرزون، يتزينون بالكلام في المجالس، يتكبرون في مواطن الغضب عند خلاف الهوى، ذئاب أقران عند ممارسة الدنيا، طلس دجر جرائزة؛ فالطمع الكاذب يستيمله، والهوى المردي يخلق مروءته، ويسلبه نور إسلامه، ولم يكن على حقيقة خوف، فنزع به الامتحان إلى جوهره وطباعه، والله المستعان. فتعقل الآن، وصف من هذا؟ وصف عيون ملتك في زمانك؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار، واتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا، ولهم أوجب الثواب؛ ثم نبههم لعظم المنة في قسم العقول، ولم يعذر بالتقصير: من ضيع شكره، وآثر هواه؛ ذلك بأن الله تعالى خلق الهوى، فجعله ضداً للعقل، وجعل للعقل شكلاً: وهو العلم، والهوى، والباطل شكلان، مؤتلفان، قرينان، يدعوان إلى مذموم العواقب للدنيا والآخرة. هيهات يا أهل العقول: من الذي يحظر على الله عز وجل مواهبه؟ ومن الذي منحه الله تعالى منحة، فيجب عنه؟ ومن الذي يمنعه الله عز وجل شيئاً، فيوجد عنده؟ هل للعباد إلى الله تعالى من حاجة بعد تركيب جوارحهم؟ الخير للثواب، والشر للعقاب؛ فحركات الخير والشر: من الطاعات والمعاصي؛ فخلق سبحانه هذه الأسباب، بلا شرح ترجمة منا، جعلها بقدرته أضداداً، ولم يدع مستغلقاً إلا جعل له مفتاحاً، ولا شكلاً إلا جعل عليه تبيانا واضحاً؛ فلا إله إلا الذي خلق للخير أسباباً، لا يستطيع العباد أن يصلوا إلى شيء من أعمال الخير، إلا بتلك الأسباب؛ وهي حاجزة عن المعاصي، إذا أسكنها الله تعالى قلب من أحبه، واستعمله به.(9/ 286 - 287)


  • عن الحسن قال: يا ابن آدم، عملك عملك، فإنما هو لحمك ودمك، فانظر على أي حال تلقى عملك؟ إن لأهل التقوى علامات، يعرفون بها صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الخلق مما يقرب إلى الله عز وجل؛ يا ابن آدم، إنك ناظر إلى عملك، يوزن خيره وشره، فلا تحقرن من الخير شيئاً، وإن هو صغر، فإنك إذا رأيته: سرك مكانه؛ ولا تحقرن من الشر شيئاً، فإنك إذا رأيته: ساءك مكانه؛ فرحم الله رجلاً: كسب طيباً، وأنفق قصداً، وقدم فضلاً ليوم فقره وفاقته؛ هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بحالتي مآلها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم، أنتم تسوقون الناس، والساعة تسوقكم، وقد أسرع بخياركم، فما تنتظرون المعاينة، فكأن قد. إنه لا كتاب بعد كتابكم، ولا نبي بعد نبيكم؛ يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك، تربحهما جميعاً؛ ولا تبيعن آخرتك بدنياك، فتخسرهما جميعاً.(2/ 143)


  • عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يقول إذا قعد: إنكم في ممر الليل والنهار: في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة؛ فمن يزرع خيراً: يوشك أن يحصد رغبة؛ ومن يزرع شراً: يوشك أن يحصد ندامة؛ ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له؛ فمن أعطى خيراً: فالله تعالى أعطاه، ومن وقي شراً: فالله تعالى وقاه؛ المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة.(1/ 133ـ134)


  • بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام، إذ أتى بحجر منقوش، فطلب من يقرأه له؛ فأتي بوهب بن منبه، فقرأه، فإذا فيه: ابن آدم، إنك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك: لزهدت في طويل أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك؛ وإنما يلقاك غداً ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك؛ فبان منك الوليد القريب، ورفضك الوالد والنسيب؛ فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد؛ فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة؛ قال: فبكى سليمان بكاء شديداً.(4/ 69)
  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٣٠ مايو ٢٠١٥ الساعة ٢٢:٤٨.
  • تم عرض هذه الصفحة ٤٢٠ مرة.