أدوات شخصية
User menu

إفشاء السر

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الإفشاء لغة

مصدر قولهم: أفشيت كذا أفشيه، وهو مأخوذ من مادة (ف ش و) التي تدل على الظهور، يقول ابن فارس: الفاء والشين والحرف المعتل كلمة «1» واحدة وهي (تعني) ظهور الشيء، يقال:

فشا الشيء: ظهر «2» ، وقال الجوهري: يقال: فشا الشيء يفشو فشوا أي ذاع، وأفشاه غيره (أذاعه ونشره) ، وتفشى الشيء، اتسع «3» ، وقال الفيروز ابادي: يقال: فشا خبره وعرفه وفضله فشوا وفشوا وفشيا أي انتشر، والفواشي ما انتشر من المال كالغنم السائمة والإبل وغيرها، وتفشاهم المرض، وتفشى بهم: كثر فيهم، وفشت القرحة: اتسعت «4» ، وبهذا الذي ذكره الفيروز آبادي يتضح معنى قول ابن منظور: أن الفشو بمعنى الظهور عام في كل شيء وأن منه «إفشاء السر» «5» .

السر لغة

انظر صفة كتمان السر.

إفشاء السر اصطلاحا

قال الجاحظ: إفشاء السر: خلق مركب من الخرق والخيانة، فإنه ليس بوقور من لم يضبط لسانه، ولم يتسع صدره لحفظ ما يستسر به «6» .


وقال السفاريني: إفشاء السر نشره وإذاعته (بين الناس) ، والسر هو ما يكتم في النفس كالسريرة «7» ، وقال الكفوي: إفشاء السر يكون بالكتابة والإشارة والكلام «8» .


حكم إفشاء السر

قال السفاريني: يحرم على كل مكلف إفشاء السر، قال: ولعله يحرم حيث أمر بكتمه، أو دلته قرينة على (ضرورة) كتمانه، أو كان مما يكتم عادة، وقيل:

الذي يحرم هو إفشاء السر المضر (كما في الرعاية) «9» .

وقال الغزالي: هو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء، وهو حرام إذا كان فيه إضرار، وهو من قبيل اللؤم إن لم يكن فيه إضرار «10» وذكر ابن بطال أن الذي عليه أهل العلم أن السر لايباح به إذا كان على صاحبه منه مضرة «1» .


حكم إفشاء السر بعد موت صاحبه

قال ابن بطال: أكثر العلماء على أنه إذا مات صاحب السر فإنه لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته إلا أن يكون عليه فيه غضاضة، وقال ابن حجر: الذي يظهر أن الإفشاء بعد الموت ينقسم إلى:

1- ما يحرم إذا كان فيه غضاضة على صاحبه.


2- ما يكره مطلقا.

3- ما يباح

4- ما يستحب ذكره- وإن كرهه صاحب السر كأن يكون فيه تزكية أو منقبة أو نحو ذلك «2» .


هل يجوز إفشاء السر للمصلحة؟:

قال العز بن عبد السلام: الستر على الناس شيمة الأولياء، ويؤخذ من كلامه أنه قد يجوز الإفشاء إذا كان في ذلك مصلحة، أو دفع ضرر، واستدل على ذلك بما ذكره القرآن الكريم من إفشاء يوسف عليه السلام بسر التي راودته عن نفسه، وسر النسوة اللاتي قطعن أيديهن، قال العز: وإنما قال يوسف عليه السلام هي راودتني عن نفسي ليدفع عن نفسه ما تعرض له- أو ما يمكن أن يتعرض له- من قتل أو عقوبة، وكذلك قوله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ليدفع التهمة عن نفسه، فإن الملك لو اتهمه لم يوله، ولم يحمل على إحسان الولاية «3» .


الدافع إلى إفشاء السر ودلالته

قال الراغب: إذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، ولا يوصف به إلا ضعفة الرجال والصبيان والنساء.

وقال الماوردي: في الاسترسال بإبداء السر دلائل على ثلاث أحوال مذمومة: إحداها: ضيق الصدر وقلة الصبر حتى إنه لم يتسع لسر ولم يقدر على صبر، وقال الشاعر في ذلك:

إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق الثانية: الغفلة عن تحذر العقلاء، والسهو عن يقظة الأذكياء، وقال بعض الحكماء: انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزل ولا جاهلا فيخون.


الثالثة: ما ارتكبه من الغرر، واستعمله من الخطر، وقد قال بعض الحكماء: سرك من دمك فإذا تكلمت به فقد أرقته «4» .


[للاستزادة: انظر صفات: الفضح- انتهاك الحرمات- الخيانة- نقض العهد- الخيانة- البذاءة.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: كتمان السر- الأمانة- الصمت وحفظ اللسان- الوفاء- الوقار- إقامة الشهادة- الستر] .


1- إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) «1»


2- يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (27) «2»


3- إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) «3»


4- وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) «4»


الأحاديث الواردة في ذم (إفشاء السر)

1-* (عن ثابت عن أنس- رضي الله عنهما- قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا العب مع الصبيان فسلم علينا ثم دعاني فبعثني إلى حاجة له، فجئت وقد أبطأت عن أمي، فقالت: ما حبسك؟ أين كنت؟ فقلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاجة فقالت أي بني وماهي؟ فقلت: إنها سر، قالت: لا تحدث بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، ثم قال: يا ثابت لو كنت حدثت به أحدا لحدثتك يا ثابت) * «1» .


2-* (عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال:

سمعت أنس بن مالك (يقول) : أسر إلي النبي صلى الله عليه وسلم سرا فما أخبرت به أحدا بعده «2» ، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به) * «3» .


3-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» ، قال: «ليله «4» أقربكم منه إن كان يعلم «5» فإن كان لا يعلم فمن ترون أن عنده حظا من ورع» ) * «6» .


4-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه «7» ، قال: فنقبت أقدامنا «8» ، فنقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع «9» ، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق، قال أبو بردة:

فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك قال: كأنه كره أن يكون شيئا «10» من عمله أفشاه به) * «11» .


5-* (عن جابر- رضي الله عنه- قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفوفنا في الصلاة، صلاة الظهر أو العصر، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناول شيئا ثم تأخر فتأخر الناس، فلما قضى الصلاة قال له أبي بنكعب: شيئا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه؟ «1» قال:


«عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض، لا ينقصونه شيئا، ثم عرضت علي النار، فلما وجدت سفعها «2» تأخرت عنها وأكثر ما رأيت فيها النساء اللاتي إن ائتمن أفشين، وإن يسألن يبخلن، وإن يسألن ألحفن ... الحديث» ) * «3» .


6-* (عن يحيى بن الجزار قال: دخل ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة فقالوا: يا أم المؤمنين حدثينا عن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان سره وعلانيته سواء، ثم ندمت فقلت: أفشيت سر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فلما دخل أخبرته، فقال:

«أحسنت» ) * «4» .

7-* (عن سالم بن عبد الله- رضي الله عنه- أنه سمع عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- يحدث أن عمر بن الخطاب حين تأيمت «5» حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي- وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي بالمدينة- فقال عمر بن الخطاب:

أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال:

سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، وكنت أوجد عليه «6» مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر:

فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتها) * «7» .


8-* (عن عبد الله بن جعفر- رضي الله عنهما- قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته وأردفني خلفه،وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تبرز كان أحب ما تبرز فيه هدف يستتر به أو حائش نخل، فدخل حائطا «1»

لرجل من الأنصار، فإذا فيه ناضح «2» له، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه وسراته «3» فسكن، فقال: من رب هذا الجمل؟ فجاء شاب من الأنصار فقال أنا، فقال: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي تملكك الله إياها؟ فإنه شكاك إلي، وزعم أنك تجيعه وتدئبه «4» ثم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحائط وقضى حاجته، ثم توضأ، ثم جاء والماء يقطر من لحيته على صدره، فأسر إلي شيئا لا أحدث به أحدا، فحرجنا «5» عليه أن يحدثنا فقال: لا أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره حتى ألقى الله (تعالى)) * «6» .


9-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده، لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة تمشي. ما تخطيء مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما رآها رحب بها. فقال: «مرحبا بابنتي» ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله. ثم سارها فبكت بكاء شديدا. فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت. فقلت لها.


خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار، ثم أنت تبكين، فلما قام رسول صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره.


قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بمالي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أما الآن فنعم.

أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني: «أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى «7» الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري.

فإنه نعم السلف أنالك» قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة: أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟» قالت:

فضحكت ضحكي الذي رأيت» ) * «8» .


10-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها، وفي رواية: من أشر الناس» ) * «9» .


الأحاديث الواردة في ذم (إفشاء السر) معنى

11-* (عن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا «1» برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم- قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها، فلما مرض النبي صلى الله عليه وسلم دخلت فاطمة فأكبت عليه فقبلته، ثم رفعت رأسها فبكت، ثم أكبت عليه، ثم رفعت رأسها فضحكت، فقلت: إن كنت لأظن أن هذه من أعقل نسائنا فإذا هي من النساء، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قلت لها:

أرأيت حين كببت على النبي صلى الله عليه وسلم فرفعت رأسك فبكيت، ثم أكببت عليه فرفعت رأسك فضحكت، ما حملك على ذلك؟. قالت: إني إذا لبذرة «2» .

أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أخبرني أني أسرع أهله لحوقا به فذاك حين ضحكت» ) * «3» .


12-* (جاء في حديث أم زرع: عن عائشة- رضي الله عنها- « ... جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا «4» ، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا «5» ، ولا تملأ «6» بيتنا تعشيشا.. الحديث» ) * «7» .


13-* (جاء في حديث هند بن أبي هالة في وصف مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم « ... وذكر مجلسه فقال: مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته «8» ، ... » ) * «9» .


14-* (عن أسماء بنت يزيد- رضي الله عنها- أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجال والنساء قعود عنده فقال: لعل رجلا يقول ما فعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها، فأرم القوم «10»

فقلت إي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن، قال: فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقيشيطانة فغشيها «1» والناس ينظرون..) * «2» .


15-* (عن جابر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة» ) «3» .


16-* (عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: «لم أزل حريصا على أن أسأل عمر رضي الله عنه- عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله لهما إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما (التحريم/ 4) ، فحججت معه، فعدل وعدلت معه بالإداوة «4» ، فتبرز، ثم جاء فسكبت على يديه من الإداوة فتوضأ. فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله عز وجل لهما إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما فقال

واعجبا لك يا ابن عباس، عائشة وحفصة.

ثم استقبل عمر الحديث يسوقه فقال: إني كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد- وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره، وإذا نزل فعل مثله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذ هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصحت على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعتني.

فقلت: خابت من فعلت منهن بعظيم. ثم جمعت علي ثيابي فدخلت على حفصة فقلت: أي حفصة، أتغاضب إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ فقالت: نعم. فقلت:


خابت وخسرت. أفتأمن أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكين؟ لا تستكثري على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك. ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (يريد عائشة) .

وكنا تحدثنا أن غسان تنعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم، قلت، ما هو، أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطول، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه: قال قد خابت حفصة وخسرت.

كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون، فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبيصلى الله عليه وسلم فدخل مشربة له «1» فاعتزل فيها. فدخلت على حفصة، فإذا هي تبكي. قلت ما يبكيك، أو لم أكن حذرتك؟ أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري.


هو ذا في المشربة. فخرجت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي هو فيها، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر.

فدخل فكلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج فقال: ذكرتك له فصمت. فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر.

ثم غلبني ما أجد، فجئت- فذكر مثله- فجلست مع الرهط الذين عند المنبر.

ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر فذكر مثله- فلما وليت منصرفا فإذا الغلام يدعوني قال: أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكيء على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم:


طلقت نساءك؟ فرفع بصره إلي فقال: لا.

ثم قلت وأنا قائم أستأنس «2» : يا رسول الله، لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم.. فذكره. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم.


ثم قلت: لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم (يريد عائشة) ، فتبسم أخرى. فجلست حين رأيته تبسم. 

ثم رفعت بصري في بيته، فو الله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة «3» ثلاث، فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله. وكان متكئا فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا.

فقلت: يا رسول الله استغفر لي. فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا، من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة:

إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنا أصبحنا بتسع وعشرين ليلة أعدها عدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين، قالت عائشة: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة فقال: إني ذاكر لك أمرا، ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك.

قالت: قد أعلم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقك- ثم قال: إن الله قال يا أيها النبي قل لأزواجك- إلى قوله- عظيما قلت: أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه. فقلن مثل ما قالت عائشة» . «4»


من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذم (إفشاء السر)

1-* (يروى أن معاوية- رضي الله عنه- أسر إلى الوليد بن عتبة حديثه فقال عتبة لأبيه: يا أبت إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثا، وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك، قال: فلا تحدثني به، فإن من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، قال:

فقلت: يا أبت، وإن هذا ليدخل بين الرجل وابنه؟ فقال: لا والله يا بني ولكن أحب ألا تذلل لسانك بأحاديث السر، قال: فأتيت معاوية فأخبرته فقال: يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطإ فإفشاء السر خيانة» ) * «1» .


2-* (قال الحسن- رضي الله عنه-: إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك) * «2» .


3- عن عمرو بن العاص- رضي الله عنه- قال: عجبت من الرجل يفر من القدر وهو مواقعه، ويرى القذاة في عين أخيه ويدع الجذع «3» في عينيه، ويخرج الضغن «4» من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه، وما وضعت سري عند أحد فلمته على إفشائه، وكيف ألومه وقد ضقت به ذرعا» ) * «5» .


4- قال العباس لابنه عبد الله: إني أرى هذا الرجل- يعني عمر بن الخطاب- رضي الله عنهم أجمعين- يقدمك على الأشياخ فاحفظ عني خمسا:

لا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تجرين عليه كذبا، ولا تعصين له أمرا، ولا يطلعن منك على خيانة، قال الشعبي، كل كلمة من هذه الخمس خير من ألف) * «6» .


5-* (قال الغزالي: أفشى بعضهم سرا له إلى أخيه، ثم قال له: هل حفظت؟ قال: بل نسيت) * «7» .


6-* (قال الثوري: إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه، ثم دس عليه من يسأله عنك وعن أسرارك، فإن قال خيرا وكتم سرك فاصحبه) * «8» .


7-* (وقال ذو النون المصري: لا خير في صحبة من لا يحب أن يراك إلا معصوما، ومن أفشى السر عند الغضب فهو اللئيم لأن إخفاءه عند الرضا تقتضيه الطباع السليمة كلها) * «9» .


8- قال أبو حاتم: الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز، وما كتمه المرء من عدوه، فلا يجب أنيظهره لصديقه وكفى بذوي الألباب عبرا ما جربوا، ومن استودع حديثا فليستره، ولا يكن مهتاكا ولا مشياعا لأن السر إنما سمي سرا لأنه لا يفشى) * «1» .


9-* (قال أبو المعتمر البصري: تعلمت الصمت في عشر سنين، وما قلت شيئا قط إذا غضبت، أندم عليه إذا زال غضبي) * «2» .


10-* (وقال الحسن البصري- رضي الله عنه- لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه) * «3» .


11-* (عن عطاء- رضي الله عنه- قال:

كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك بما لا بد لك منه) «4» .


12-* (عن عبد الله بن المبارك- رضي الله عنه- قال: عجبت من اتفاق الملوك كلهم على كلمة:

قال كسرى: إذا قلت ندمت وإذا لم أقل لم أندم، وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت، وقال ملك الهند: عجبت لمن تكلم بكلمة إن هي رفعت ضرته «5» وإن هي لم ترفع لم تنفعه، وقال ملك الصين: إن تكلمت بكلمة ملكتني وإن لم أتكلم بها ملكتها) * «6» .


13-* (قال السفاريني: قال الحكماء: ثلاثة لا ينبغي للعاقل أن يقدم عليها، شرب السم للتجربة، وإفشاء السر إلى القرابة والحاسد وإن كان ثقة، وركوب البحر وإن كان فيه غنى) * «7» .


14-* (وقال أيضا: يروى أن أصبر الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة التقلب يوما ما) * «8» .


15-* (وقال بعض الشعراء:

إذا ضاق صدرك عن حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم؟ إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الظلوم فإني حين أسام حمل سري ... وقد ضمنته صدري مشوم ولست محدثا سري خليلي ... ولا عرسي إذا خطرت هموم وأطوي السر دون الناس إني ... لما استودعت من سر كتوم) * «9» .


16-* (وقال آخر: لا تودعن ولا الجماد سريرة ... فمن الجوامد ما يشير وينطق وإذا المحك أذاع سر أخ له ... وهو الجماد فمن به يستوثق) * «10» .


من مضار (إفشاء السر)

(1) إفشاء السر دليل الغفلة عن تفطن العقلاء والسهو عن يقظة الأذكياء (كما قال الماوردي) .

(2) إفشاء السر خيانة للأمانة ونقض للعهد.

(3) إفشاء السر فيه ارتكاب للغرر وتعرض للخطر.

(4) إفشاء السر دليل على لؤم الطبع وفساد المروءة.

(5) إفشاء السر دليل على قلة الصبر وضيق الصدر.

(6) إفشاء السر- خاصة عند الغضب- يعقب الندم والحسرة في نفس صاحبه.

(7) إفشاء الأسرار إخلال بالمروءة وإفساد للصداقة، ومدعاة للتنافر.

(8) إفشاء الرجل سر امرأته، وإفشاء المرأة سر زوجها يجعل كلا منهما بمثابة الشيطان ويخل بفضيلة الحياء.

(9) إفشاء السر من فضول الكلام الذي يعاب عليه صاحبه.

(10) إفشاء السر يفقد الثقة بين من أفشيت له بالسر والمفشي، لأن المفضى إليه بالسر سيعلم أن من أفشى له سيفشي عليه لأن من نم لك نم عليك ولا فرق بين الحالتين.

(11) إفشاء السر من مقتضيات الجهل كما أن حفظه من سمة العقلاء.

(12) في إذاعة السر ما يجلب العار والفضيحة للمفشي عندما يعرف بذلك من استودعه هذا السر.

(13) إفشاء السر فيه ذل لصاحبه.

(14) إفشاء السر- خاصة ما يتعلق بالميت- يعرض صاحبه لعذاب الله (انظر الحديث رقم 3) .

(15) إفشاء السر يدخل صاحبه النار في الآخرة، ويعقب الندم والحسرة في الدنيا. (انظر الحديث رقم 5) .

(16) مفشي السر من أشر الناس (انظر الحديث رقم 10) .

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٥ يناير ٢٠١٥ الساعة ٢٣:٣٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٤٧٣ مرة.