أدوات شخصية
User menu

الإخبات

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الإخبات لغة

الإخبات مصدر أخبت، وتدل مادة (خ ب ت) في الأصل على المفازة لا نبات فيها أو على المطمئن من الأرض، وأخبت الرجل: قصد الخبت أو نزله، نحو أسهل (نزل السهل) وأنجد (دخل في نجد) ثم استعمل الإخبات استعمال اللين والتواضع، والخشوع لله والاطمئنان إليه، يقال: أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه «1» .

قال الفراء في قوله تعالى: وأخبتوا إلى ربهم (هود/ 23) أي تخشعوا لربهم، قال: والعرب تجعل (إلى) في موضع اللام. وفيه خبتة أي تواضع» .

قال الثوري- رحمه الله تعالى- في قوله تعالى:

وبشر المخبتين (الحج/ 34) قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله المستسلمين له. قال الله تعالى الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (الحج/ 35) «3» .

الآيات/ الأحاديث/ الآثار 3/ 1/ 10 وبه فسر ابن عباس- رضي الله عنهما- وقتادة لفظ «المخبتين» وقالا: هم المتواضعون.

وقال مجاهد: المخبت المطمئن إلى الله عز وجل. قال:

والخبت: المكان المطمئن من الأرض، وقال الأخفش:

الخائفون، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم.

وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع، والسكون إلى الله- عز وجل-، ولذلك عدي بإلى، تضمينا لمعنى الطمأنينة، والإنابة والسكون إلى الله «4» .


واصطلاحا

هو الخضوع والتذلل لله- عز وجل- مع المحبة والتعظيم له «5» .

قال ابن القيم- رحمه الله-:

والإخبات من أول مقامات الطمأنينة.

كالسكينة، واليقين، والثقة بالله ونحوها. فالإخبات:

مقدمتها ومبدؤها. وبه يكون ورود المأمن من الرجوع والتردد.

إذ لما كان «الإخبات» أول مقام يتخلص فيهالسالك من التردد الذي هو نوع غفلة وإعراض.

كذلك السالك إذا ورد مورد «الإخبات» تخلص من التردد والرجوع، ونزل أول منازل الطمأنينة بسفره، وجد في السير «1» .

وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن تستغرق العصمة الشهوة، وتستدرك الإرادة الغفلة، ويستهوي الطلب السلوة.. و «العصمة» هي الحماية والحفظ، و «الشهوة» الميل إلى مطالب النفس، و «الاستغراق للشيء» الاحتواء عليه والإحاطة به.

يقول: تغلب عصمته شهوته وتقهرها وتستوفي جميع أجزائها. فإذا استوفت العصمة جميع أجزاء الشهوة:

فذلك دليل على إخباته. ودخوله في مقام الطمأنينة، ونزوله أول منازلها، وخلاصه في هذا المنزل من تردد الخواطر بين الإقبال والإدبار، والرجوع والعزم، إلى الاستقامة والعزم الجازم، والجد في السير. وذلك علامة السكينة. وتستدرك إرادته غفلته. و «الإرادة» عند القوم: هي اسم لأول منازل القاصدين إلى الله، و «المريد» هو الذي خرج من وطن طبعه ونفسه، وأخذ في السفر إلى الله، والدار الآخرة. فإذا نزل في منزل «الإخبات» أحاطت إرادته بغفلته فاستدركها، واستدرك بها فارطها.

فالحاصل: أن عصمته وحمايته تقهر شهوته، وإرادته تقهر غفلته، ومحبته تقهر سلوته.

الدرجة الثانية: أن لا يوحش قلبه عارض، ولا يقطع عليه الطريق فتنة. و «العارض» هو المخالف كالشيء الذي يعترضك في طريقك فيجيء في عرضها. ومن أقوى هذه العوارض: عارض وحشة التفرد فلا يلتفت إليه كما قال بعض الصادقين:

انفرادك في طريق طلبك دليل على صدق الطلب، وقال آخر: لا تستوحش في طريقك من قلة السالكين، ولا تغتر بكثرة الهالكين.

وأما «الفتنة» التي تقطع عليه الطريق: فهي الواردات التي ترد على القلوب، تمنعها من مطالعة الحق وقصده. فإذا تمكن من منزل «الإخبات» وصحة الإرادة والطلب لم يطمع فيه عارض الفتنة.

الدرجة الثالثة: أن يستوي عنده المدح والذم وتدوم لائمته لنفسه.

فاعلم أنه متى استقرت قدم العبد في منزلة «الإخبات» وتمكن فيها، ارتفعت همته، وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم، فلا يفرح بمدح الناس، ولا يحزن لذمهم. هذا وصف من خرج عن حظ نفسه، وتأهل للفناء في عبودية ربه، وصار قلبه مطرحا لأشعة أنوار الأسماء والصفات. وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه. والوقوف عند مدح الناس وذمهم:

علامة انقطاع القلب، وخلوه من الله، وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته، ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه، ولا يذوق العبد حلاوة الإيمان، وطعم الصدق واليقين، حتى تخرج الجاهلية كلها من قلبه.

فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله- عز وجل- وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل. فلا بد أن ينتهي إليه، ولكن منهم من هو شاق عليه، ومنهم من هو سهل عليه، وإنه ليسير على من يسر الله عليه.

وفي ذلك الجبل أودية، وعقبات، وشوك، ولصوص يقتطعون الطريق على السائرين ولا سيما أهل الليل المدلجون. فإذا لم يكن معهم عدد الإيمان، ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات، تعلقت بهم تلك الموانع. وتشبثت بهم تلك القواطع. وحالت بينهم وبين السير «1» .

فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته. والشيطان على قلة ذلك الجبل يحذر الناس من صعوده وارتفاعه، ويخوفهم منه فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك الموقف على قلته، وضعف عزيمة السائر ونيته. فيتولد من ذلك: الانقطاع والرجوع. والمعصوم من عصمه الله.

وكلما رقي السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع، وتحذيره وتخويفه. فإذا قطعه وبلغ قلته انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانا، وحينئذ يسهل السير، وتزول عنه عوارض الطريق، ومشقة عقباتها ويرى طريقا واسعا آمنا يفضي به إلى المنازل والمناهل، وعليه الأعلام، وفيه الإقامات قد أعدت لركب الرحمن.

فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة، وصبر ساعة، وشجاعة نفس، وثبات قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم «2» .

[للاستزادة: انظر صفات: التواضع- الخشوع- الخشية- الخوف- الرهبة- السكينة.- الضراعة والتضرع- الطمأنينة- القنوت- اليقين.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- الإصرار على الذنب- الجزع- الكبر والعجب- السخط- القلق- القنوط] .

الآيات الواردة في «الإخبات»

1- إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) «1»

2- ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) «2»

3- وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) «3»

الأحاديث الواردة في (الإخبات)

1-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يقول:

«رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارا، لك ذكارا، لك رهابا، لك مطواعا، لك مخبتا، إليك أواها منيبا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي «1» ، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري» ) * «2» .

من الآثار الواردة في (الإخبات)

1-* (روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله تعالى: وبشر المخبتين قال: «هم المتواضعون. وقال الأخفش: الخائفون. وقال إبراهيم النخعي: هم المصلون المخلصون» ) * «3» .

2-* (أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد- رحمه الله- في قوله تعالى: وأخبتوا إلى ربهم قال: «اطمأنوا» ) * «4» .

3-* (روى الطبري بسنده عن ابن عباس قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم قال: «الإخبات: الإنابة» ) * «5» .

4-* (روى الطبري بسنده عن قتادة: قوله تعالى: وأخبتوا إلى ربهم يقول: «وأنابوا إلى ربهم» ) * «6» .

5-* (روي عن قتادة قوله: وأخبتوا إلى ربهم: «الإخبات: التخشع والتواضع» ) * «7» .

6-* (روي عن عبد الله بن صالح عن ابن عباس في قوله وأخبتوا إلى ربهم يقول: «خافوا» ) * 8.

7-* (وقال النيسابوري: أخبتوا إلى ربهم: «اطمأنوا إليه وانقطعوا لعبادته» ) * 9.

8-* (وقال الطبري: قوله وبشر المخبتين: «بشر يا محمد الخاضعين لله بالطاعة المذعنين له بالعبودية المنيبين إليه بالتوبة» ) * «10» .

9-* (روي عن قتادة في قوله: وبشرالمخبتين قال: «المتواضعين» ) * «1» .

10-* (عن عمرو بن أوس قال: المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا» ) * «2» .

من فوائد (الإخبات)

(1) أول درجات الطمأنينة والثقة بالله وحسن الظن به.

(2) للمخبت البشرى من الله بالجنة.

(3) الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة.

(4) الإخبات من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

(5) الإخبات يورث صاحبه العزة في الدنيا والنجاة في الآخرة.

(6) الإخبات يقي من الفتنة.

(7) بالإخبات ترتفع الهمة وتعلو النفس عن الرغبة في المدح أو الخشية من الذم.

(8) بالإخبات يباشر القلب حلاوة الإيمان واليقين.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٨ يناير ٢٠١٥ الساعة ١٩:٥٧.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٣٩٩ مرة.