أدوات شخصية
User menu

الإنصاف

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


محتويات

الإنصاف لغة

مصدر قولهم: أنصف ينصف، وهو مأخوذ من مادة «ن ص ف» التي تدل على معنيين: أحدهما: شطر الشيء، والآخر: على جنس من الخدمة والاستعمال، فالأول: نصف الشيء ونصيفه شطره، وفي الحديث: «ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .

ومن ذلك الإنصاف في المعاملة، وكأنه الرضا بالنصف، والنصف:

الإنصاف أيضا «1» .

والنصف أحد شقي الشيء، والنصف أيضا:

النصفة، وهي الاسم من الإنصاف، قال الفرزدق:

ولكن نصفا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم يقال: أنصف النهار: أي انتصف، وأنصف (الشخص) إذا عدل، ويقال: أنصفه من نفسه، وانتصفت أنا منه، وتناصف القوم: أي أنصف بعضهم بعضا من نفسه «2» . وقيل: إذا تعاطوا الحق بينهم «3» .

وأنصفت الرجل إنصافا: عاملته بالعدل والقسط «4» . وقيل: إذا أعطيته الحق «5» .

وقال الفيروز ابادي: يقال: نصفهم ينصفهم وينصفهم نصافا ونصافة إذا خدمهم، والنصف والنصفة: الاسم من الإنصاف، أي العدل، وتناصفوا:

أنصف بعضهم بعضا، قال ابن هرمة:

من ذا رسول ناصح فمبلغ ... عني عليه غير قيل الكاذب أنى غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحب إلى الحبيب الغائب يعني استواء المحاسن كأن بعض أجزاء الوجه أنصف بعضا في أخذ قسطه من الجمال «6» .

وقال في القاموس: انتصف منه: استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء، كاستنصف منه، وتنصف السلطان سأله أن ينصفه «7» .

وفي لسان العرب: النصف: أحد شقي الشيء، وقيل أحد جزأي الكمال، ونصف الشيء، وانتصفه، وتنصفه ونصفه: أخذ نصفه ونصف الشيء الشيء ينصفه: بلغ نصفه، وقيل: كل ما بلغ نصفه في ذاته فقد أنصف، وكل ما بلغ نصفه في غيره فقد نصف.

ومنصف الشيء: وسطه، والمنصف: نصف الطريق، وفي الحديث: حتى إذا كان بالمنصف أي الموضعالوسط بين الموضعين، ومنتصف الليل والنهار وسطه، ونصفت الشيء: إذا أخذت نصفه، وتنصيف الشيء جعله نصفين.

والنصف والنصفة والإنصاف: إعطاء الحق، وقد انتصف منه (أخذ حقه) ، وأنصف الرجل صاحبه إنصافا، وقد أعطاه النصفة وقال بعضهم:

أنصف إذا أخذ الحق وأعطى الحق، وتفسير ذلك أن تعطي لغيرك من نفسك النصف أي تعطيه من الحق كالذي تستحق لنفسك، يقال: انتصفت من فلان: أي أخذت حقي كملا حتى صرت أنا وهو على النصف سواء «1» ، وفي حديث عمر- رضي الله عنه- مع زنباع بن روح:

متى ألق زنباع بن روح ببلدة ... لي النصف منها، يقرع السن من ندم النصف بالكسر، الانتصاف، ومن ذلك أيضا قول علي- رضي الله عنه- «ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا» أي إنصافا «2» . ويأتي النصف والإنصاف والنصافة بمعنى الخدمة، يقال نصفه ينصفه وينصفه نصفا ونصافة ونصافا ونصافا وأنصفه وتنصفه كله:

خدمه «3» ، وأنشد الجوهري للتنصف بمعنى الخدمة قول حرقة بنت النعمان:

فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف «4» .

وقد يأتي التنصف بمعنى العبادة، وأنشد ابن بري شاهدا على ذلك قول الشاعر:

فإن الإله تنصفته ... بألا أعق وألا أحوبا وقد يأتي التنصف بمعنى طلب المعروف «5» .

الإنصاف اصطلاحا

قال المناوي: الإنصاف: هو العدل في المعاملة بأن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلا ما يعطيه، ولا ينيله من المضار إلا كما ينيله «6» ، وأضاف الراغب إلى ذلك: الإنصاف في الخدمة وهو أن يعطي صاحبه ما عليه بإزاء ما يأخذ من النفع «7» .

وقيل: هو استيفاء الحقوق لأربابها واستخراجها بالأيدي العادلة والسياسات الفاضلة.

ويؤخذ من كلام اللغويين والمفسرين وشراح الحديث أنه يمكن تعريف الإنصاف أيضا بأنه: أن تعطي غيرك من الحق مثل الذي تحب أن تأخذه منه لو كنت مكانه ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، في الرضا والغضب، مع من نحب ومع من نكره.

بين الإنصاف والعدل

قال المناوي: الإنصاف والعدل توءمان نتيجتهما علو الهمة وبراءة الذمة باكتساب الفضائل وتجنب الرذائل «8» .

أنواع الإنصاف

للإنصاف أنواع عديدة منها:

أن ينصف المرء نفسه من نفسه، إذ كيفينصف الناس من لا ينصف نفسه.

أن ينصف المرء خالقه عز وجل، حيث لا يتصور أن ينصف المخلوقين من لا ينصف الخالق عز وجل.

إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم.

إنصاف العباد.

وسوف نتحدث عن هذه الأنواع المختلفة بإيجاز فيما يلي:

أولا: إنصاف المرء نفسه من نفسه

إن أولى درجات الإنصاف، أن يكون الإنسان منصفا نفسه لأن من لم يفعل ذلك لا يستطيع إنصاف غيره انطلاقا من القاعدة المعروفة [فاقد الشيء لا يعطيه] يقول ابن القيم- رحمه الله تعالى- ويدخل في الإنصاف: إنصاف المرء نفسه من نفسه، بألا يدعي لها ما ليس لها، ولا يخبثها بتدنيسه لها، وتصغيره إياها وتحقيرها بمعاصي الله عز وجل، بل ينميها ويكبرها ويرفعها بطاعة الله وتوحيده، وحبه وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وإيثار مرضاته على مراضي الخلق ومحابهم.. إن إنصاف المرء نفسه من نفسه يوجب عليه معرفة ربه وحقه عليه، ومعرفة نفسه، وما خلقت له، وألا يزاحم بها مالكها وفاطرها ويدعي لها الملكة والاستحقاق، ويزاحم مراد سيده، ويدفعه بمراده هو، أو يقدم مراده (كالشهوات مثلا) ويؤثره على مراد مولاه، أو يقسم إرادته بين مراد سيده ومراده هو، وهذه قسمة ضيزى مثل قسمة الذين قالوا: هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (الأنعام/ 136) .

فلينظر العبد ألا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه (من ناحية) ، وبين الله عز وجل (من ناحية أخرى) .

وإلا يفعل لبس عليه وهو لا يشعر، وكيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه؟ فظلمها أقبح الظلم، وسعى في ضررها أعظم السعي، ومنعها أعظم لذاتها من حيث ظن أنه يعطيها إياها فأتعبها كل التعب، وأشقاها كل الشقاء من حيث ظن أنه يريحها ويسعدها، وجد كل الجد في حرمانها حظها من الله عز وجل وهو يظن أنه ينيلها حظوظها، كيف يرجى الإنصاف (للغير) ممن هذا إنصافه لنفسه؟ إذا كان هذا فعل العبد بنفسه، فماذا تراه بالأجانب يفعل؟ «1» .

ثانيا: إنصاف الله- عز وجل

قال ابن القيم: «طوبى لمن أنصف ربه فأقر له بالجهل في علمه، والآفات في عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته، فإن آخذه بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله، وإن عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه، فإن قبلها فمنة وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به، وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه وخذلانه له، وإمساك عصمته عنه، وذلك من عدله فيه، فيرى في ذلك فقره إلى ربه، وظلمه في نفسه، فإن غفرها له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه.


ونكتةالمسألة وسرها أنه لا يرى ربه إلا محسنا، ولا يرى نفسه إلا مسيئا أو مفرطا أو مقصرا، فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه، وإحسانه إليه، وكل ما يسوؤه من ذنوبه وعدل الله فيه «1» .

ومن الإنصاف في حق المولى عز وجل الإنصاف في معاملته، وفي هذا يقول ابن القيم أيضا:

«الإنصاف في معاملة الله أن يعطي العبودية حقها، وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته، وأن لا يشكر على نعمه سواه، ولا يستعين بها على معاصيه، ولا يحمد غيره، ولا يعبد سواه» «2» .

ثالثا: إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم

وذلك بالقيام بحقوقه صلى الله عليه وسلم من الإيمان به، ومحبته وتقديمها على محبة الخلق كلهم، وطاعته وتوقيره وتبجيله، وتقديم أمره وقوله على أمر غيره وقوله.

فمن الظلم العظيم أن يخل العبد بشيء من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأرحم بهم وأرأف بهم من كل أحد من الخلق، وهو الذي لم يصل إلى أحد خير إلا على يديه. «3» .

رابعا: إنصاف العباد

يقصد بإنصاف العباد أن يقوم المسلم بإنصاف الغير من نفسه أو ممن يحب، حتى لو كان هذا الغير مخالفا له في الرأي، أو في الدين، أو في المذهب، أو غير ذلك مما يقتضي التحامل، أو يكون مظنة للجور، ومن إنصاف الناس- كما يقول ابن القيم: أن تؤدي حقوقهم وألا تطالبهم بما ليس لك، وألا تحملهم فوق وسعهم، وأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به، وأن تعفيهم مما تحب أن يعفوك منه، وأن تحكم لهم أو عليهم بما تحكم به لنفسك أو عليها «4» ، ولإنصاف العباد صور كثيرة ونماذج متعددة جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة، ودلت عليها آثار سلفنا الصالح، وهذا ما سوف نتناوله في الفقرة التالية.

القرآن الكريم يقدم المثل الأعلى للإنصاف

إن إنصاف المرء أخاه في النسب أو الدين قد يكون أمرا معقولا تقره الطبائع السليمة والفطر النقية، أما إنصاف العدو وتبرئة ساحته مع مخالفته لنا في الدين فهذا ما لا يستطيعه إلا من تربى على مائدة الإسلام وتشبع بروح العدل والإنصاف التي جاء بها القرآن، يقول أبو حيان في تفسير قول الله تعالى:

إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (النساء/ 105) ، يتلخص سبب النزول في «أن طعمة ابن أبيرق سرق درعا في جراب فيه دقيق لقتادة بن النعمان، وخبأها عند يهودي، فحلف طعمة مالي بها علم، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهودي، فقال اليهودي:

دفعها إلي طعمة» «5» .

فلما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقضاء في هذه المسألة نزلت الآيات الكريمة (انظرالشاهد الأول وهو الآيات 105- 113 من سورة النساء) مبرءة ساحة هذا اليهودي ومنصفة.


يقول أحد العلماء المعاصرين معلقا على هذه الواقعة: يا لله! إنه الإسلام! الإسلام وحده في تاريخ البشرية كله. وغير الإسلام لم يكن ضميره ليتحرك لتبرئة متهم ينتمي إلى قوم بينه وبينهم كل ذلك العداء.

ألا إنها القمة السامقة التي لا يقيمها ابتداء إلا الإسلام، ولا يرقاها إلا المسلمون في كل التاريخ.


لقد كانت كل الظروف «مشجعة» على اتهام ذلك اليهودي وتبرئة ذلك المنافق الذي ينتمي ولو شكلا إلى الإسلام!.

فالعداوة بين المسلمين واليهود قائمة في المدينة، وكيد اليهود للمسلمين قائم واضح للعيان.

إلا أن الإسلام ما جاء ليتستر على انحرافات البشرية أو يتسامح مع شيء منها! وما جاء ليجاري الجاهليات فيما تقع فيه من انحراف.

وإنما جاء لينشأ الإنسان الصالح في الأرض.


إنها ليست حادثا عارضا يمر فينسى، إنها درس هائل في التربية على الأفق الأعلى لا يقدمه إلا الإسلام، ولا يقدر عليه إلا المسلمون. وإنه لدرس في التطبيق العملي للإنصاف الإلهي والعدل الرباني الذي لم تعرفه أمة في التاريخ، إلا الأمة التي رباها القرآن الكريم. تسع آيات كريمة تنزل لكشف ذلك المنافق الذي انضم إلى المشركين بعد فضحه، ولتبرئة ساحة ذلك اليهودي، وما كان الإسلام ليتألف قلب المنافق لأنه يحمل اسما مسلما على حساب الإنصاف والعدل الذي يريد إقامتهما في الأرض نبراسا لكل البشرية.. لقد ذهب ابن أبيرق مع الشيطان، وبقي ذلك الدرس الرباني الخالد درسا وعاه المسلمون وحفظوه، لتتعلمه البشرية منهم يوم تفيء إلى رشدها وتحب أن تعرف «1» الطريق إلى ما فيه خيرها وسعادتها «2» .

ومع أن هؤلاء اليهود هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا إلا أن هذه العداوة لم تمنع القرآن الكريم من إنصافهم إن هم أحسنوا أو أحسن بعضهم، ومن مظاهر هذا الإنصاف ثناؤه عز وجل على بني إسرائيل ثناء عظيما، يبلغ بهم ذروة شاهقة من الرضا والتقدير، كما قال تعالى: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبهيعدلون (الأعراف/ 159) وقوله عز من قائل:

وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (السجدة/ 24) ، ثم في معظم الأحيان تبلغ حملته عليهم حدا رهيبا من التقريع والتنديد، والذم والتوبيخ والسبب في هذا الموقف القرآني هو الإنصاف التام لهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، وكل ذي باطل ما يستحقه، فهو يمدحهم إن أحسنوا وأطاعوا، وهو يذمهم إن عاندوا وشاقوا، وقد كان من تمام إنصافه عز وجل معهم أنه دائما يستثني منهم القلة الصالحة- على ندرتها- كما قال تعالى: ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم (المائدة/ 13) «1» .

إنصاف الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لأهل الذمة

لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنصاف أهل الذمة والمستأمنين، ونهى عن ظلمهم في أحاديث كثيرة، فهو القائل صلى الله عليه وسلم: «من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» «2» .

وقال صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة «3» .

وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما» «4» .

وحرص الخلفاء الراشدون والصحابة على ذلك، فها هو عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يوصي بأهل الذمة قائلا: «أوصيكم بذمة الله فإنها ذمة نبيكم ورزق عيالكم» .

وروى مسلم عن المستورد بن شداد القرشي أنه حدث عن عمرو بن العاص فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» .

فقال عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلت ذاك إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم أحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك» . فانظر إلى إنصاف عمرو وذكره ما يعلمه من الخصال الحسنة للروم، مع أننا لا نشك في براءته منهم وعداوته لهم.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر ليخرص لهم الثمار، فأرادوا أن يرشوه، فقال عبد الله: «يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله- عز وجل-، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم. فقال اليهود: بهذا قامت السموات والأرض» «5» .

قال الحافظ بن عبد البر: وفيه أن المؤمن وإنأبغض في الله لا يحمله بغضه على ظلم من أبغضه» «1» .

لقد امتثل عبد الله بن رواحة- رضي الله عنه- للمنهج الرباني الذي يكفل العدل بين الناس، والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين. ففي هذا الحق يتساوى عند الله المؤمنون وغير المؤمنين.

قال تعالى: فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (النساء/ 135) «2» .

وقد أقر اليهود صنيع عبد الله بن رواحة لعلمهم أن العدل قد أمر الله عز وجل- به الناس جميعا، لأنه واجب لكل أحد على كل أحد في جميع الأحوال. والظلم لا يباح منه شيء بحال، ولذا قالوا لعبد الله بن رواحة: (هذا الحق به تقوم السماء والأرض) : أي بهذا الحق والعدل قامت السموات فوق الرءوس بغير عمد، والأرض استقرت على الماء تحت الأقدام «3» .


تناصف الصحابة. رضوان الله عليهم

لإنصاف الصحابة- رضوان الله عليهم- غيرهم ممن يحبون أو يكرهون أمثلة عديدة ونماذج مشرفة ذكرنا كثيرا منها في الآثار فأغنى ذلك عن ذكرها هنا (انظر الآثار أرقام: 4، 5، 6، 7، 8) .

إنصاف أهل السنة والجماعة للمبتدعة

وإذا كنا مأمورين بالإنصاف مع غير المسلمين فلأن نكون منصفين لأهل البدعة ممن لم يخرجوا عن الإسلام أولى.

يقول ابن تيمية- رحمه الله-: كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف له لم يكن كافرا به، ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم «4» .

وقال- وهو يتحدث عن الصوفية وما أحدثوه من السماع والرقص وتمزيق الثياب: «والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والإخلاص غمرت حسناتهم ما كان لهم من السيئات أو الخطأ في مواقع الاجتهاد، وهذا سبيل كل صالحي الأمة في خطئهم وزلاتهم» «5» .

وقال فيمن خالفوه وكفروه من أهل البدع:

«هذا، وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس حاكما فيما اختلفوا فيه» . إلى أن قال: «وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه» «6» .

وأما ابن القيم- رحمه الله- فحين تحدث عنالصوفية وشطحاتهم قال فيما قال: « ... هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمال الصدق، وصحة المعاملة، وقوة الإخلاص، وتجريد التوحيد، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان (كل) من أخطأ أو غلط ترك جملة، وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات، والحكم، وتعطلت معالمها «1» .

وإذا كانت هذه الشطحات قد أوجبت فتنة على طائفتين من الناس: إحداهما حجبت بها (أي بالشطحات) عن محاسن هذه الطائفة والأخرى:

حجبت بما رأوه من محاسن القوم عن رؤية عيوب شطحاتهم وكلا هاتين الطائفتين معتد مفرط. أما أهل العدل والإنصاف فهم هؤلاء الذين أعطوا كل ذي حق حقه، ولم يحكموا للصحيح بحكم السقيم، ولا للسقيم بحكم الصحيح، ولكن قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد «2» .

آداب أهل الإنصاف

التحلي بصفة الإنصاف، وسلوك درب المنصفين يلزم معه التأدب باداب خاصة، وقد التزم بها أهل السنة والجماعة، وعلى من يسير على منهجهم أن يتأدب بتلك الاداب، وأهمها:

1- التجرد وتحري القصد عند الكلام على المخالفين

وذلك أنه قد تلتبس المقاصد عند الكلام عن المخالفين، فهناك قصد حب الظهور، وقصد التشفي والانتقام، وقصد الانتصار للنفس أو للطائفة التي ينتمي إليها الناقد.. وقد حذر ابن تيمية من يرد على أهل البدع من التباس المقاصد فقال: « ... وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم، وإذا غلظ في ذم بدعة أو معصية كان قصده بيان ما فيها من إفساد ليحذر العباد، كما في نصوص الوعيد وغيرها.

وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرا والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان، لا للتشفي والانتقام» وقد انتبه ابن القيم- رحمه الله- إلى هذا الأمر فوضع قاعدة لمن يريد أن يتجرد من الهوى فقال: «وكل أهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومقالة مخالفيهم أقبح ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف بها حقيقة ما تحت الألفاظ من الحق والباطل، ولا تغتر باللفظ كما قيل في هذا المعنى:

تقول هذا جنى النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت: ذا قيء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير

2- أهمية التبين والتثبت قبل إصدار الأحكام

وذلك امتثالا لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (الحجرات/ 6) ، وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا (النساء/ 94) .

والتبين والتثبت من خصائص أهل الإيمان، قال الحسن البصري- رحمه الله-: «المؤمن وقاف حتى يتبين» وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله-:

«ومتى لم يتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكوت والتوقف» .

3- حمل الكلام على أحسن الوجوه، وإحسان الظن بالمسلمين

فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بكلام أخيه المسلم، وأن يحمل العبارة المحتملة محملا حسنا. فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على إحسان الظن بالمسلم حين قال وهو يطوف بالكعبة: «ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن لا يظن به إلا خيرا» .

وقال سعيد بن المسيب: كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امريء مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا» .

4- ألا ينشر سيئات المخالف ويدفن حسناته

فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم عمر بحسنات حاطب فقال: «وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .

فكون حاطب من أهل بدر ترفعه ويذكر له في مقابل خطئه الفاحش، ولذا غفر له خطؤه.

5- النقد يكون للرأي وليس لصاحب الرأي

فالنقد الموضوعي هو الذي يتجه إلى الموضوع ذاته وليس إلى صاحبه. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حدث خطأ من أحد أصحابه أو بعضهم. لا يسميهم غالبا وإنما يقول: «ما بال أقوام» ، «ما بال رجال» .

6- الامتناع عن المجادلة المفضية الى النزاع

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الجدل المفضي إلى الخصومة فقال: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» .

وقال ابن عباس- رضي الله عنهما-: «لا تمار أخاك فإن المراء لا تفهم حكمته، ولا تؤمن غائلته..» .

وقال مالك بن أنس: «المراء يقسي القلوب، ويورث الضغائن» .

7- حمل كلام المخالف على ظاهره وعدم التعرض للنوايا والبواطن

وقد علمنا ذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قتل أسامة بن زيد المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، فلما علم صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك عليه، فقال أسامة: إنما قالها متعوذا. فقال صلى الله عليه وسلم: «هلا شققت عن قلبه» . «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الإحسان- التوسط- العدل والمساواة- القسط- المروءة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإساءة- البغى- الظلم- العدوان] .

الآيات الواردة في «الإنصاف» معنى

1- إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) «1»

2- يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) «2»

3- يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) «3»

4- ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) «4»

5- يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) «1»

6- لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) «2»

الأحاديث الواردة في (الإنصاف)

1-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

اشتكى ابن لأبي طلحة، فخرج أبو طلحة إلى المسجد فتوفي الغلام، فهيأت أم سليم الميت، وقالت لأهلها:

لا يخبرن أحد منكم أبا طلحة بوفاة ابنه، فرجع «1» إلى أهله، ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه، قال:

ما فعل الغلام؟ قالت: خير ما كان، فقربت إليهم عشاءهم فتعشوا، وخرج القوم، وقامت المرأة إلى ما تقوم إليه المرأة، فلما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل فلان، استعاروا عارية «2» فتمتعوا بها، فلما طلبت كأنهم كرهوا ذاك، قال: ما أنصفوا قالت: فإن ابنك كان عارية من الله تبارك وتعالى، وإن الله قبضه، فاسترجع «3» وحمد الله، فلما أصبح غدا على رسول الله فلما رآه قال: بارك الله لكما في ليلتكما، فحملت بعبد الله، فولدته ليلا، وكرهت أن تحنكه حتى يحنكه رسول الله فحملته ومعي تمرات عجوة، فوجدته يهنأ «4» أباعر له أو يسمها «5» ، قال: فقلت: يا رسول الله، إن أم سليم ولدت الليلة فكرهت أن تحنكه «6» ، حتى يحنكه رسول الله فقال: أمعك شيء، قلت: تمرات عجوة، فأخذ بعضهن فمضغهن، ثم جمع بزاقه فأوجره «7» إياه، فجعل يتلمظ «8» فقال: حب الأنصار التمر «9» ، قال:

قلت يا رسول الله، سمه قال: هو عبد الله) * «10» .

2-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه-:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه «11» قال:

«من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟» فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا. فقال: «من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟» فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل.

فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنصفنا أصحابنا» «12» ) * «13»

الأحاديث الواردة في (الإنصاف) معنى

3-* (عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ) * «1» .

4-* (عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة «2» وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال:

إني ساببت «3» رجلا فعيرته بأمه «4» ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم:

«يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية «5» .

إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» ) * «6» .

5-* (عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه قال: أظنها عائشة، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، قال:

فضربت الأخرى بيد الخادم فكسرت القصعة بنصفين، قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «غارت أمكم» . قال: وأخذ الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل فيها الطعام، ثم قال: «كلوا» فأكلوا، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع إلى الرسول قصعة أخرى، وترك المكسورة مكانها) * «7» .

6-* (عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:

« ... فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها. فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا.

فو الله إني لحبلى. قال: «إما لا، فاذهبي «8» حتى تلدي» ، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة. قالت:

فقالت: هذا، يا نبي الله، قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. فيقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضح «9»

الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها، فقال: «مهلا يا خالد! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له» ) * «10» .

7-* (عن عائشة رضي الله عنها- قالت:

أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت وهو مضطجع معي فيمرطي، فأذن لها، فقالت يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل «1» في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بنية، ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: «فأحبي هذه» قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله، فرجعت إلى أزواج النبي فأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء ... قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به «2» إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حد «3» (وفي رواية من حدة) كانت فيها تسرع منها الفيئة «4» ، قالت:

فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها، على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة.

قالت (عائشة) ثم وقعت بي فاستطالت علي، وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها. قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها «5» حين أنحيت عليها «6» ، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم: إنها ابنة أبي بكر «7» - رضي الله عنهما-) * «8» .

8-* (جاء في حديث الإفك قول عائشة- رضي الله عنها-: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب، ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا، قالت (عائشة) ، وهي (أي زينب) التي كانت تساميني «9» من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع «10» ) * «11» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (الإنصاف)

9-* (عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب: فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها «1» .

وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله:

باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف قال ابن حجر: أي في دفع الغيرة عنها والإنصاف لها) * «2» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الإنصاف)

1-* (قال عمار بن ياسر- رضي الله عنهما- ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار) * «3» .

2-* (قال ابن القيم: كيف ينصف الخلق من لم ينصف الخالق؟ جاء في أثر إلهي يقول الله عز وجل:

«ابن آدم ما أنصفتني، خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي، ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح» ) * «4» .

3-* (وقال ابن القيم أيضا: وجاء في أثر آخر: «ابن آدم ما أنصفتني، خلقتك وتعبد غيري، وأرزقك وتشكر سواي» ) * «5» .

4-* (سمعت عائشة- رضي الله عنها- عروة ابن الزبير يسب حسان بن ثابت، وكان ممن خاض في حديث الإفك..

فقالت- رضي الله عنها-: «يا ابن أختي دعه، فإنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) * «6» .

5-* (وقال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول، إنه الذي قال:

فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء)

  • «7» .

6-* (عن عاصم بن كليب عن أبيه قال انتهينا إلى علي- رضي الله عنه- فذكر عائشة فقال:

خليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الذهبي: هذا يقوله أمير المؤمنين في حق عائشة مع ما وقع بينهما) * «8» .

7-* (عن عبد الرحمن بن شماسة قال: دخلت على عائشة، فقالت: ممن أنت؟ قلت: من أهل مصر، قالت: كيف وجدتم ابن حديج «1» في غزاتكم هذه؟ قلت: خير أمير، ما يقف لرجل منا فرس ولا بعير إلا أبدله مكانه بعيرا، ولا غلام إلا أبدل مكانه غلاما، قالت: إنه لا يمنعني قتله أخي أن أحدثكم ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني سمعته يقول: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه) * «2» .

8-* (عن ابن أبي زائدة قال: سمعت عامرا يقول: تزوج علي (بن أبي طالب) - رضي الله عنه- أسماء بنت عميس، فتفاخر ابناها: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر (الطيار) ، فقال كل منهما أنا أكرم منك وأبي خير من أبيك. فقال لها علي كرم- الله وجهه- اقض بينهما. قالت- رضي الله عنها- ما رأيت شابا من العرب خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرا من أبي بكر. فقال علي: ما تركت لنا شيئا، ولو قلت غير الذي قلت لمقتك. قالت: إن ثلاثة أنت أخسهم خيار) * «3» .

9-* (عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ... (النساء/ 3) قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها «4» ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن «5» من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.

قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله- عز وجل-: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن (النساء/ 127) .

قالت: والذي ذكر الله تعالى، أنه يتلى عليكم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله فيها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء (النساء/ 3) .

قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى:

وترغبون أن تنكحوهن، رغبة أحدكم عن اليتيمة التيتكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن) * «1» .

10-* (عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أهل الشام يقال له ابن خيبري وجد مع امرأته رجلا فقتله، أو قتلهما معا، فأشكل على معاوية بن أبي سفيان القضاء فيه، فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأل له علي بن أبي طالب عن ذلك، فسأل أبو موسى عن ذلك علي بن أبي طالب فقال له علي: إن هذا شيء ما هو بأرضي. عزمت عليك لتخبرني. فقال له أبو موسى كتب إلي معاوية بن أبي سفيان أن أسألك عن ذلك. فقال علي: أنا أبو حسن: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته «2» . وفيه: شهادة من معاوية بفقه وعلم علي رغم ما حدث بينهما) *.

11-* (جاء رجل فوقع في علي وفي عمار رضي الله عنهما- عند عائشة، فقالت: أما علي فلست قائلة لك فيه شيئا، وأما عمار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما» ) * «3» .

12-* (خطب عمار بن ياسر- رضي الله عنهما- في أهل العراق- قبل وقعة الجمل- ليكفهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- فقال: «والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي» .

ومعلوم أن عمارا كان في صف علي- رضي الله عنهما- قال ابن هبيرة: «في هذا الحديث أن عمارا كان صادق اللهجة، وكان لا تستخفه الخصومة إلى أن ينتقص خصمه، فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب» «4» .

قال ابن حجر: مراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع علي، وأن عائشة مع ذلك لم تخرج عن الإسلام ولا أن تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، فكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحريه قول الحق) * «5» .

13-* (وقال خالد بن الوليد لعدي بن زيد العبادي- في الحوار الذي دار بينهما-: ما أنتم؟ أعرب فما تنقمون من العرب؟ أو عجم فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟ فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة) * «6» .

14-* (عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر (أي الباقر) وابنه جعفرا عن أبي بكر وعمر،فقالا لي: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى «1» .

وكان سالم فيه تشيع ظاهر، ومع هذا فيبث هذا القول الحق. وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل. وكذلك ناقلها ابن فضيل شيعي ثقة) * «2» .

15-* (قال حصين بن المنذر: صلى الوليد الفجر أربعا وهو سكران ثم التفت، وقال: أزيدكم؟ فبلغ ذلك عثمان بن عفان- رضي الله عنه- فطلبه وحده) * «3» .

16-* (قال علي بن أبي حملة: قدم علينا مسلم ابن يسار دمشق، فقلنا له: يا أبا عبد الله، لو علم الله أن بالعراق من هو أفضل منك لجاءنا به، فقال: كيف لو رأيتم عبد الله بن زيد أبا قلابة الجرمي؟ قال: فما ذهبت الأيام والليالي حتى قدم علينا أبو قلابة) *.

17-* (قال الإمام الشافعي في الإمام أحمد رحمهما الله-: «خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدا أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل» ) * «4» .

18-* (قال محمد بن سيرين: «ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما رأيت وتكتم خيره» ) * «5» .

19-* (وقال سفيان الثوري- رحمه الله-:

«عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، ومن لم يحفظ من أخبارهم إلا ما بدر من بعضهم في بعض على الحسد والهفوات والتعصب والشهوات دون أن يعي بفضائلهم حرم التوفيق ودخل في الغيبة وحاد عن الطريق» ) * «6» .

20-* (قال الإمام الذهبي في ترجمته لقتادة بن دعامة: «وكان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع، فإنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر- نسأل الله العفو- ومع هذا فما توقف أحد في صدقه، وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه. نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك» ) * «7» .

21-* (قال ابن تيمية- رحمه الله- في تفسيره لقوله تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوااعدلوا هو أقرب للتقوى.. قال: «فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع أو متأول من أهل الإيمان؟ فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له» ) * «1» .

22-* (قال القرطبي- في قوله تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس الآية:

في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم وتعظيم وتفويض إليه، وتقويم أيضا على الجادة في الحكم، وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق، وكانوا ثلاثة إخوة: بشر وبشير ومبشر، وأسير بن عروة ابن عم لهم، نقبوا مشربة لرفاعة بن زيد في الليل، وسرقوا أدراعا له وطعاما، فعثر على ذلك.

وقيل: إن السارق بشير وحده، وكان يكنى أبا طعمة، أخذ درعا، قيل: كان الدرع في جراب فيه دقيق، فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره، فجاء ابن أخي رفاعة واسمه قتادة بن النعمان يشكوهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أسير بن عروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا رسول الله، إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودين فأنبوهم بالسرقة ورموهم بها من غير بينة، وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتادة ورفاعة، فأنزل الله تعالى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم الآية، وأنزل الله تعالى: ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا . وكان البريء الذي رموه بالسرقة لبيد بن سهل. وقيل: زيد بن السمين، وقيل: رجل من الأنصار) * «2» .

23-* (وقال القرطبي في قوله تعالى: ولا تكن للخائنين خصيما نهى الله- عز وجل- رسوله عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة. وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز. فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق) * «3» .

24-* (قال ابن كثير في قوله تعالى: ... ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ... أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل حال، وقد قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه) * «4» . 25-* (قال أبو عبيدة والفراء، في قوله تعالى:

ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.. (المائدة/ 2) أي: لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم) * «5» .

26-* (قال القرطبي في قوله تعالى: قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلهاأذلة (النمل/ 34) أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور. فصدق الله قولها (وكذلك يفعلون) .

قال ابن الأنباري: قوله تعالى: وجعلوا أعزة أهلها أذلة هذا وقف تام. فقال الله عز وجل تحقيقا لقولها وكذلك يفعلون «1» ، قال الشيخ ابن غازي: فعلى هذا يكون قوله تعالى: وكذلك يفعلون من تصديق الله تعالى لقول ملكة سبأ وهي كافرة. وهذا غاية العدل والإنصاف) * «2» .

27-* (قال القاسمي في قوله تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله.. الآية. قال:

في الآية بيان وجوب الحكم بالحق، وألا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء أو سبب يقتضي الميل) * «3» .

28-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

«لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار: بكرة وعشية.

فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد.

لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة. فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.

قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا جار.

إرجع واعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة) * «4» .

29-* (قال الذهبي: كان زياد معظما للأحنف، فلما ولي بعده ابنه عبيد الله تغير أمر الأحنف، وقدم عليه من هو دونه، ثم وفد على معاوية في الأشراف، فقال لعبيد الله: أدخلهم علي على قدر مراتبهم. فأخر الأحنف، فلما رآه معاوية أكرمه لمكان سيادته، وقال: إلي يا أبا بحر، وأجلسه معه وأعرض عنهم، فأخذوا في شكر عبيد الله بن زياد، وسكت الأحنف، فقال له: لم لا تتكلم؟ قال: إن تكلمت خالفتهم. قال:

اشهدوا أني قد عزلت عبيد الله. فلما خرجوا كان فيهم من يروم الإمارة. ثم أتوا معاوية بعد ثلاث، وذكر كل واحد شخصا، وتنازعوا، فقال معاوية: ما تقول يا أبا بحر؟ قال: إن وليت أحدا من أهل بيتك لم تجد مثل عبيد الله. فقال: قد أعدته. قال:

فخلا معاوية بعبيد الله، وقال: كيف ضيعت مثل هذا الرجل الذي عزلك وأعادك وهو ساكت!؟. فلما رجععبيد الله جعل الأحنف صاحب سره) * «1» .

30-* (قال أبو الزناد بن سراج وغيره: «إن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقا إلا أداه، ولم يترك شيئا مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يجمع أركان الإيمان» ) * «2» .

31-* (عن أحمد بن بشير قال: قدم على عمر ابن عبد العزيز رجل من حضر موت فناداه:

دعوت حران ملهوفا ليأتيكم ... فقد أتاك بعيد الدار مظلوم قال: من ظلمك؟ قال: الوليد بن سليمان أخذ أرضا لي باليمن فقال: اكتبوا له إلى عامل اليمن: إن أقام عندك شاهدين ذوي عدل، فاردد عليه أرضه، ثم قال له: إني أراك قد كلفت في وجهك «3» هذا، قال:

كلفت زادا وراحلة. فأمر له بثلاثين دينارا) * «4» .

32-* (وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف:

حين جاء الإسلام كان إنصاف الضعفاء من الأقوياء أظهر شعائره وأول أهدافه، كذلك أنصف الفقراء من الأغنياء، فقرر في أموال الأغنياء حقا معلوما للسائل والمحروم، وأنصف اليتامى ممن يتولون أمرهم فقال سبحانه وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (النساء/ 2)) * «5» .

33-* (وقال شوقي مخاطبا المصطفى صلى الله عليه وسلم:

أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى ... فالكل في حق الحياة سواء فلو أن إنسانا تخير ملة ... ما اختار إلا دينك الفقراء ) * «6» .

من فوائد (الإنصاف)

1- الإنصاف دليل على كمال الإيمان وصحة الإسلام.

2- الإنصاف عامل أساسي في استقرار المجتمعات وشيوع المحبة بين الناس.

3- إنصاف العبد من نفسه دليل على التجرد من الأنانية.

4- بالإنصاف تسود المحبة ويشعر كل امرى بالطمأنينة ويأمن على نفسه وماله وعرضه.

5- بالإنصاف تعود الحقوق إلى أصحابها وتعم روح العدالة، ويشعر الإنسان بأنه آمن في يومه وغده.

6- بالإنصاف تنتزع صفات الحقد والكراهيةوالحسد لتحل محلها صفات الاحترام والحب والتنافس في الخيرات.

7- بالإنصاف يشعر الفقير والضعيف واليتيم بما يطمئنه على مستقبله دون خوف من ظلم أو خشية من جور.

8- بالإنصاف تشعر كل طوائف المجتمع بالأمان فتندفع كل طائفة إلى عملها دون خوف أو وجل أو شعور بالظلم ويصبح المجتمع خلية متآلفة تعمها روح الإخاء والتسامح بغض النظر عن الاختلافات الدينية أو العرقية.

9- بالإنصاف مع المخالفين في الرأي أو المذهب تسلم المجتمعات من المكائد والمؤامرات التي لا يلجأ إليها في العادة سوى المقهورين الذين يخشون على أنفسهم لو عملوا في النور.

10- بالإنصاف بين الدول والجماعات تجف إحدى منابع الإرهاب الدولي، وتفسد على شياطين الإنس والجن خططهم الخسيسة لزعزعة المجتمعات الآمنة.

11- في تناصف العلماء والكبراء يعم التعاون فيما بينهم مما يعود بالخير على المجتمع بأسره.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٨٬١٦١ مرة.