أدوات شخصية
User menu

الإيثار

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الإيثار لغة

الإيثار مصدر قولهم آثره عليه يؤثره إيثارا بمعنى فضله وقدمه وهو مأخوذ من مادة (أث ر) التي تدل على تقديم الشيء «1» ومن ذلك قولهم: الأثير وهو الكريم عليك الذي تؤثره بفضلك وصلتك، وجمع الأثير أثراء، والمآثر ما يروى من مكارم الإنسان، ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضل، وفي التنزيل:

لقد آثرك الله علينا (يوسف/ 91) .

وآثر أن يفعل كذا: فضل وقدم، قال الأصمعي: آثرتك إيثارا أي فضلتك وضده الأثرة من قولهم استأثر بالشيء انفرد به أو اختص به نفسه، وفي الحديث: قال صلى الله عليه وسلم للأنصار:

«إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا» . والاستئثار:

الانفراد بالشيء. والمأثرة بفتح الثاء وضمها: المكرمة وآثرت فلانا على نفسي من الإيثار وهو الاختيار والتفضل «2» .

واصطلاحا

قال القرطبي: الإيثار هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة «3» .

درجات الإيثار

قال ابن القيم- رحمه الله-: الإيثار على درجات:

الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينا، ولا يقطع عليك طريقا، ولا يفسد عليك وقتا.

يعني أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين. وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله فلا تؤثر به أحدا، فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم.

الثانية: إيثار رضا الله على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطول والبدن وإيثار رضا الله- عز وجل- على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء. وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه. وأعلاها لأولي العزم منهم وأعلاها لنبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم؛ فإنه قاوم العالم كله، وتجردللدعوة إلى الله، واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى، وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه، ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصورا على إيثار مرضاة الله وتبليغ رسالاته، وإعلاء كلماته، وجهاد أعدائه؛ حتى ظهر دين الله على كل دين وقامت حجته على العالمين وتمت نعمته على المؤمنين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال- صلوات الله وسلامه عليه.

هذا وقد جرت سنة الله- التي لا تبديل لها- أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته: أن يسخط عليه من آثر رضاه، ويخذله من جهته، ويجعل محنته على يديه، فيعود حامده ذاما، ومن آثر مرضاته ساخطا «1» ، فلا على مقصوده منهم حصل، ولا إلى ثواب مرضاة ربه وصل. وهذا أعجز الخلق وأحمقهم.

قال الشافعي- رحمه الله-: رضا الناس غاية لا تدرك فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه.

ومعلوم أن لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا ربها ومولاها على غيره، ولقد أحسن من قال:

فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب الثالثة: أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك، وأنه هو الذي تفرد بالإيثار لا أنت، فكأنك سلمت الإيثار إليه، فإذا آثرت غيرك بشيء؛ فإن الذي آثره هو الحق لا أنت فهو المؤثر على الحقيقة، إذ هو المعطي حقيقة «2» .

الأسباب التي تعين على الإيثار

(1) تعظيم الحقوق: فإن عظمت الحقوق عنده، قام بواجبها ورعاها حق رعايتها واستعظم إضاعتها، وعلم أنه إن لم يبلغ درجة الإيثار لم يؤدها كما ينبغي فيجعل إيثاره احتياطا لأدائها. (2) مقت الشح: فإنه إذا مقته وأبغضه التزم الإيثار؛ فإنه يرى أنه لا خلاص له من هذا المقت البغيض إلا بالإيثار.

(3) الرغبة في مكارم الأخلاق: وبحسب رغبته فيها يكون إيثاره؛ لأن الإيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق «3» .

الفرق بين الإيثار والسخاء والجود

السخاء أعلى مراتب العطاء والبذل، وهذه المراتب هي:الأولى: ألا ينقصه «1» البذل ولا يصعب عليه العطاء وهذه مرتبة السخاء.

الثانية: أن يعطي الأكثر- ويبقي له شيئا أو يبقي- مثل ما أعطى، وهذا هو الجود.

الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه وهذه مرتبة الإيثار «2» .

الإيثار والأثرة

الأثرة عكس الإيثار؛ لأن الأثرة تعني استئثار المرء عن أخيه بما هو محتاج إليه، قال ابن القيم: وهي المرتبة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض «3» .

[للاستزادة: انظر: صفات: السخاء- البر- الجود- الشهامة- الكرم- الصدقة- الزكاة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأثرة- البخل- الشح] .

الآيات الواردة في «الإيثار»

1- فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) «1»

2- والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9) «2»

الآيات الواردة في «الإيثار» ولها معنى آخر

3- قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) «3»

4- فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) «4»

5- قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى (17) «5»

الأحاديث الواردة في (الإيثار)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله- عز وجل-، فأيكم ما ترك دينا أو ضيعة فادعوني فأنا وليه.

وأيكم ما ترك مالا فليؤثر بماله عصبته من كان» ) * «1» .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضم- أو يضيف- هذا؟ «2» » فقال رجل من الأنصار: أنا.

فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني.

فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك «3» ونومي صبيانك «4» إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ضحك الله الليلة- أو عجب من فعالكما- فأنزل الله ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة «5» ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» ) * «6» .

3-* (عن ابن أسيد الأنصاري- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير دور الأنصار دار بني النجار، ودار بني عبد الأشهل، ودار بني الحارث بن الخزرج، ودار بني ساعدة، والله لو كنت مؤثرا بها أحدا لآثرت بها عشيرتي» ) * «7»

الأحاديث الواردة في (الإيثار) معنى

4-* (عن المقداد- رضي الله عنه- قال:

أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد «8» . فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس أحد منهم يقبلنا.

فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله. فإذا ثلاثة أعنز فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«احتلبوا هذا اللبن بيننا» قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه قال:

فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان. قال ثم يأتي المسجد فيصلي ثم يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي.

فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم.

ما به حاجة إلى هذه الجرعة «9» فأتيتها فشربتها.

فلماأن وغلت «1» في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل قال- ندمني الشيطان فقال: ويحك ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك فتذهب دنياك وآخرتك. وعلي شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت. قال فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم كما كان يسلم ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا. فرفع رأسه إلى السماء فقلت: الآن يدعو علي فأهلك. فقال:

«اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني» قال فعمدت: إلى الشملة فشددتها علي وأخذت الشفرة «2» ،

فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي حافلة «3» وإذا هن حفل كلهن فعمدت إلى إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أشربتم شرابكم الليلة؟» قال: قلت يا رسول الله: اشرب. فشرب ثم ناولني.

فقلت يا رسول الله: اشرب. فشرب ثم ناولني.

فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إحدى سوآتك يا مقداد» فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا وفعلت كذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذه إلا رحمة من الله. أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها» .

قال: فقلت والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس) * «4» .

5-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

«إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار» ) * «5» .

6-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا «6» في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم» ) * «7» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قال: «من عادى لي وليا فقد آذنته «8» بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجلهالتي يمشي بها «1» .

وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» ) * «2» .

8-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية «3» شديدة فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: «أنا نازل» ثم قام وبطنه معصوب «4»

بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبا «5» أهيل «6» أو أهيم فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت في النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق فذبحت العناق «7» وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم بالبرمة «8» . ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي «9» قد كادت أن تنضج. فقلت:

طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان.

قال: «كم هو؟» فذكرت له فقال: «كثير طيب» قال:

«قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: «قوموا» .

فقام المهاجرون والأنصار فلما دخل على امرأته.

قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت:

نعم. فقال: «ادخلوا ولا تضاغطوا» . فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية. قال: «كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة» ) * «10» .

9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» .

وفي لفظ لمسلم: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية» ) * «11» .

10-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه-قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم.

فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولا ثتني «1» ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. قال:

«بطعام؟» قلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه:

«قوموا» فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا ما نطعمهم.

فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلمي يا أم سليم ما عندك «2» ، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته «3» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال:

«ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأكل القوم كلهم حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا) * «4» .

11-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري وعند الأنصاري امرأتان فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال:

بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق، فأتى السوق فربح شيئا من أقط وشيئا من سمن فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة «5» ، فقال:

مهيم يا عبد الرحمن «6» ؟ فقال: تزوجت أنصارية. قال:

«فما سقت؟» . قال: وزن نواة من ذهب قال: «أو لم ولو بشاة» ) * «7» .

12-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل- وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (آل عمران/ 92)قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ ذلك مال رابح. ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» .

فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) * «1» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (الإيثار)

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع. وإن كنت «2» لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي. ثم قال: «يا أبا هر» قلت: لبيك رسول الله قال: «الحق» ومضى. فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: «من أين هذا اللبن؟» قالوا: أهداه لك فلان- أو فلانة- قال:

«أبا هر» قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي» . قال- وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون «3» على أهل ولا مال ولا على أحد.

إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها- فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت. قال:

يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «خذ فأعطهم» .

فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم. فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال: «أبا هر» ، قلت:

لبيك يا رسول الله. قال: «بقيت أنا وأنت» ، قلت:

صدقت يا رسول الله. قال: «اقعد فاشرب» ، فقعدت فشربت. فقال: «اشرب» ، فشربت فما زال يقول:

«اشرب» . حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا. قال: «فأرني» فأعطيته القدح فحمد اللهوسمى وشرب الفضلة) * «1» .

14-* (عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة فقال سهل للقوم، أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه؟ فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فلبسها فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها؟ فقال: «نعم» فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أكفن فيها) * «2» .


من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الإيثار)

1-* (عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها- فقل: يقرأ عمر بن الخطاب عليك السلام، ثم سلها أن أدفن مع صاحبي. قالت كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي. فلما أقبل قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال:

ما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع فإذا قبضت فاحملوني، ثم سلموا ثم قل: يستأذن عمر ابن الخطاب فإن أذنت لي فادفنوني، وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين، إني لا أعلم أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة فاسمعوا له وأطيعوا. فسمى عثمان وعليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص. وولج «3» عليه شاب من الأنصار فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله: كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم الشهادة بعد هذا كله. فقال: ليتني يا ابن أخي وذلك كفافا لا علي ولا لي، أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرا:

أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيرا- الذين تبوءوا الدار والإيمان- أن يقبل من محسنهم، ويعفى عن مسيئهم. وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم» ) * «4» .

2-* (عن قيس بن سعد بن عبادة- رضي الله عنهما- وكان من الأجواد المعروفين- حتى إنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة «5» ، فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين؛فقال:

أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا ينادي من كان لقيس عليه مال فهو في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده» ) * «1» .

3-* (عن حذيفة العدوي، قال: «انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك؟ فأشار إلي أن نعم. فإذا رجل يقول آه.

فأشار ابن عمي إلي أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فسمع به آخر فقال:

آه. فأشار هشام: انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. رحمة الله عليهم أجمعين» ) * «2» .

4-* (قال الغزالي: «والإيثار أعلى درجات السخاء» ) * «3» .

5-* (عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن مسكينا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه. قالت:

ففعلت. قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدي لنا: شاة وكفنها.

فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قرصك) * «4» .

6-* (روى النسائي عن نافع أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنبا، فأشري له عنقود بدرهم، فجاء مسكين فسأل، فقال: أعطوه إياه، فخالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء المسكين فسأل، فقال:

أعطوه إياه، ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إليه، فأراد السائل أن يرجع فمنع.

ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ماذاقه. لأن ما خرج لله لا يعود فيه) * «5» .

7-* (عن مالك الدار: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه- أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلكأساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفدها. فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل.

وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال:

يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك،فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فنحا «1» بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال: إنهم إخوة! بعضهم من بعض) * «2» .

8-* (سئل ذو النون المصري: ما حد الزاهد المنشرح صدره؟ قال ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت) * «3» .

9-* (وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان، وأطفئوا السراج، وجلسوا للطعام، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا، إيثارا لصاحبه على نفسه» ) * «4» .

10-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا.

فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (الحشر/ 9)) * «5» .

من فوائد (الإيثار)

(1) دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام.

(2) طريق موصل إلى محبة الله ورضوانه.

(3) حصول الألفة والمحبة بين الناس.

(4) دليل سخاء النفس وارتقائها.

(5) مظهر من مظاهر حسن الظن بالله.

(6) علامة على حسن الخاتمة.

(7) الإيثار دليل علو الهمة والبعد عن صفة الأثرة الذميمة.

(8) الإيثار يجلب البركة وينمي الخير.

(9) الإيثار من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة ويعتق بها من النار.

(10) الإيثار طريق موصل إلى الفلاح لأنه يقي الإنسان من داء الشح.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٧٦٦ مرة.