أدوات شخصية
User menu

الاجتماع

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الاجتماع لغة

جمع الشّيء: ألّف متفرّقه، وأصل المعنى الضّمّ، قال ابن فارس: الجيم والميم والعين، أصل واحد يدلّ على تضامّ الشّيء، يقال: جمعت الشّيء جمعا، وتجمّع القوم، اجتمعوا من هنا وهنا، واجتمع القوم: انضمّوا، وهو ضدّ تفرّقوا.

وجمع أمره وأجمعه وأجمع عليه: عزم عليه كأنّه جمع نفسه له، والأمر مجمع، ويقال أيضا: أجمع أمرك ولا تدعه منتشرا وأجمعت الشّيء: جعلته جميعا، (أي مجتمعا) ، ويقال: جمّع النّاس تجميعا: شهدوا الجمعة وقضوا الصّلاة فيها. وجمّع: شدّد للكثرة. يقال: فلاة مجمعة ومجمّعة: يجتمع النّاس فيها ولا يتفرّقون.

وأجمع القوم: اتّفقوا، وأجمع الرّأي والأمر: عزم عليه» . قال الشّيخ أحمد شاكر في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا: أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التّفرّق، وقد وردت الأحاديث المتعدّدة بالنّهي عن التّفرّق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمّة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنّة الآيات/ الأحاديث/ الآثار 6/ 22/ 13

ومسلّمة من عذاب النّار، وهم الّذين على ما كان عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه «2» .

واصطلاحا:

لا يختلف معنى الاجتماع في الشّرع عن المعنى الّذي يفيده في أصل اللّغة. وهو أن يلتقي المسلمون وينضمّ بعضهم إلى بعض ولا يتفرّقوا، أمّا الأمر الّذي يجتمعون حوله فهو كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

وقال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى:

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (آل عمران/ 103) : إنّ الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة لأنّ الفرقة هلكة والجماعة نجاة، روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- في الآية الكريمة أنّ حبل الله هو الجماعة «3» .

قال القرطبيّ: ويجوز أن يكون المعنى: ولا تفرّقوا متابعين الهوى والأغراض المختلفة بدليل قوله تعالى بعد ذلك: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً.

وليس في الآية دليل على تحريم الاختلاف في الفروع؛ لأنّ الاختلاف ما يتعذّر معه الائتلاف والجمع، وليست كذلك مسائل الاجتهاد؛ لأنّ الاختلاف فيها يسبّب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشّرع، وما زالت الصّحابة- رضوان الله عليهم- يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون .

وقال ابن كثير- رحمه الله-: أمرهم الله- عزّ وجلّ- في الآية الكريمة بالجماعة ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعدّدة بالنّهي عن التّفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف، وقد ضمن الله لهم (أي للمسلمين) العصمة من الخطا عند اتّفاقهم (واجتماعهم) ، وخيف عليهم (الخطأ) عند الافتراق والاختلاف، فقد وقع ذلك في هذه الأمّة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنّة ومسلّمة من النّار، وهم الّذين على ما كان عليه محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه «2» . وقال أبو حيّان: نهي المسلمون (في هذه الآية الكريمة) عن التّفرّق في الدّين والاختلاف فيه كما اختلف اليهود والنّصارى، وقيل: عن إحداث ما يوجب التّفرّق ويزول معه الاجتماع .

أهمية الاجتماع وحث الإسلام عليه: قال الشّافعيّ- رحمه الله-: وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلا أو رجالا فيه الصّلاة: صلّوا فرادى، ولا أحبّ أن يصلّوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه. وإنّما كرهت ذلك لهم لأنّه ليس ممّا فعل السّلف قبلنا، بل قد عابه بعضهم.

قال الشّافعيّ: وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنّما كان لتفرّق الكلمة، وأن يرغب الرّجل عن الصّلاة خلف إمام جماعة فيتخلّف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصّلاة، فإذا قضيت دخلوا فجمعوا، فيكون في هذا اختلاف وتفرّق كلمة .

قال الشّيخ أحمد شاكر- رحمه الله- معلّقا على كلام الشّافعيّ: والّذي ذهب إليه الشّافعيّ من المعنى في هذا الباب صحيح جليل، ينبيء عن نظر ثاقب، وفهم دقيق، وعقل درّاك لروح الإسلام ومقاصده، وأوّل مقصد للإسلام، ثمّ أجلّه وأخطره-:

توحيد كلمة المسلمين، وجمع قلوبهم على غاية واحدة، هي إعلاء كلمة الله، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية. والمعنى الرّوحيّ في هذا اجتماعهم على الصّلاة وتسوية صفوفهم فيها أوّلا، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم» ، وهذا شيء لا يدركه إلّا من أنار الله بصيرته للفقه في الدّين، والغوص على درره، والسّموّ إلى مداركه، كالشّافعيّ وأضرابه. وقد رأى المسلمون بأعينهم آثار تفرّق جماعاتهم في الصّلاة، واضطراب صفوفهم، ولمسوا ذلك بأيديهم، إلّا من بطلت حاسّته، وطمس على بصره. وإنّك لتدخل كثيرا من مساجد المسلمين فترى قوما يعتزلون الصّلاة مع الجماعة، طلبا للسّنّة كما زعموا! ثمّ يقيمون جماعات أخرى لأنفسهم،

ويظنّون أنّهم يقيمون الصّلاة بأفضل ممّا يقيمها غيرهم، ولئن صدقوا فقد حملوا من الوزر ما أضاع أصل صلاتهم، فلا ينفعهم ما ظنّوه من الإنكار على غيرهم في ترك بعض السّنن أو المندوبات. وترى قوما آخرين يعتزلون مساجد المسلمين، ثمّ يتّخذون لأنفسهم مساجد أخرى، ضرارا وتفريقا للكلمة، وشقّا لعصا المسلمين. نسأل الله العصمة والتّوفيق، وأن يهدينا إلى جمع كلمتنا، إنّه سميع الدّعاء.


وهذا المعنى الّذي ذهب إليه الشّافعيّ لا يعارض حديث الباب «1» ، فإنّ الرّجل الّذي فاتته الجماعة لعذر، ثمّ تصدّق عليه أخوه من نفس الجماعة بالصّلاة معه- وقد سبقه بالصّلاة فيها- هذا الرّجل يشعر في داخلة نفسه كأنّه متّحد مع الجماعة قلبا وروحا، وكأنّه لم تفته الصّلاة. وأمّا النّاس الّذين يجمعون وحدهم بعد صلاة جماعة المسلمين فإنّما يشعرون أنّهم فريق آخر، خرجوا وحدهم، وصلّوا وحدهم.


وقد كان عن تساهل المسلمين في هذا، وظنّهم أنّ إعادة الجماعة في المساجد جائزة مطلقا-: أن فشت بدعة منكرة في الجوامع العامّة، مثل الجامع الأزهر والمسجد المنسوب للحسين- رضي الله عنه- وغيرهما بمصر، وبلاد أخرى، فجعلوا في المسجد الواحد إمامين راتبين أو أكثر، ففي الجامع الأزهر- مثلا- إمام للقبلة القديمة، وآخر للقبلة الجديدة، ونحو ذلك في مسجد الحسين- رضي الله عنه-؛ وقد رأينا فيه أنّ الشّافعيّة لهم إمام يصلّي بهم الفجر في الغلس، والحنفيّون لهم آخر يصلّي الفجر بإسفار، ورأينا كثيرا من الحنفيّة من علماء وطلّاب وغيرهم ينتظرون إمامهم ليصلّي بهم الفجر، ولا يصلّون مع إمام الشّافعيّن، والصّلاة قائمة، والجماعة حاضرة، ورأينا فيهما وفي غيرهما جماعات تقام متعدّدة في وقت واحد، وكلّهم آثمون، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، بل قد بلغنا أنّ هذا المنكر كان في الحرم المكّيّ، وأنّه كان يصلّي فيه أئمّة أربعة، يزعمونهم للمذاهب الأربعة، ولكنّا لم نر ذلك، إذ لم ندرك هذا العهد بمكّة، وإنّما حججنا في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرّحمن آل السّعود- يرحمه الله- وسمعنا أنّه أبطل هذه البدعة، وجمع النّاس في الحرم على إمام واحد راتب، ونرجو أن يوفّق الله علماء الإسلام لإبطال هذه البدعة من جميع المساجد في البلدان، بفضل الله وعونه، إنّه سميع الدّعاء «2» .

[للاستزادة انظر: صفات: الألفة، الإخاء، التناصر، الاعتصام، التعاون على البر والتقوى، التعارف، حسن العشرة، حسن المعاملة.

وفي ضد ذلك انظر صفات التفرق، التخاذل، التنازع، التعاون على الإثم والعدوان، الفتنة، سوء المعاملة، سوء الخلق] .

الآيات الواردة في الحث على «الاجتماع»

- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)

الآيات الواردة في الحث على «الاجتماع» معنى 2-* لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114)

وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115)

3-* وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)

وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62)

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)

4- إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)

وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93)


5- يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)

وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)


6-* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)

الأحاديث الواردة في (الاجتماع)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى، ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» ) * .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: الإمام العادل، وشابّ نشأ في عبادة ربّه، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق أخفى حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ) * «2» . 3-* (عن وحشيّ بن حرب، أنّهم قالوا: يا رسول الله! إنّا نأكل ولا نشبع. قال: «فلعلّكم تأكلون متفرّقين؟» ، قالوا: نعم، قال: «فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه» ) * «3» . 4-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي «4» إلى أنّها اليمامة، أو هجر. فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أنّي هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثمّ هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين. ورأيت فيها بقرا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير، وثواب الصّدق الّذي آتانا الله بعد يوم بدر» ) * .


5-* (عن حذيفة بن اليمان- رضي الله عنهما- قال: كان النّاس يسألون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الخير، وكنت أسأله عن الشّرّ، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنّا كنّا في جاهليّة وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟، قال: «نعم» .


فقلت: هل بعد ذلك الشّرّ من خير؟. قال: «نعم، وفيه دخن «1» » . قلت: وما دخنه؟. قال: «قوم يستنّون بغير سنّتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» . فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟.


قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنّم «2» ، من أجابهم إليها قذفوه فيها» . فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا.

قال: «نعم، قوم من جلدتنا ويتكلّمون بألسنتنا» ، فقلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟. قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» ، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة، ولا إمام؟، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتّى يدركك الموت وأنت على ذلك» ) * .


6-* (عن أبي الدّرداء- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو لا تقام فيهم الصّلاة إلّا قد استحوذ عليهم الشّيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنّما يأكل الذّئب القاصية من الغنم» ) * .

7-* (عن عرفجة، قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من أتاكم، وأمركم جميع «5» على رجل واحد، يريد أن يشقّ عصاكم، أو يفرّق جماعتكم، فاقتلوه» ) * «6» . 8-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يد الله مع الجماعة» ) * .

9-* (عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة- رضي الله عنهم- أنّهما سمعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول على أعواد منبره: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين» ) * .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة الرّجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه، بضعا وعشرين درجة، وذلك أنّ أحدهم إذا توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ أتى المسجد، لا ينهزه «9» إلّا الصّلاة، لا يريد إلّا الصّلاة، فلم يخط خطوة إلّا رفع له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة حتّى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصّلاة ما كانت الصّلاة هي تحبسه «10» ، والملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الّذي صلّى فيه، يقولون: اللهمّ ارحمه، اللهمّ اغفر له، اللهمّ تب عليه. ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث» ) * .

-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ أعظم النّاس أجرا في الصّلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم، والّذي ينتظر الصّلاة حتّى يصلّيها مع الإمام أعظم أجرا من الّذي يصلّيها ثمّ ينام» ، وفي رواية أبي كريب: «حتّى يصلّيها مع الإمام في جماعة» ) * .


12-* (عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة قال: دخل عثمان بن عفّان- رضي الله عنه- المسجد بعد صلاة المغرب، فقعد وحده، فقعدت إليه، فقال: يا ابن أخي، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصّبح في جماعة فكأنّما صلّى اللّيل كلّه» ) *» . 13-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة» ) * .


الأحاديث الواردة في (الاجتماع) معنى 14-* (عن عبد الله بن زيد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا فتح حنينا قسم الغنائم، فأعطى المؤلّفة قلوبهم فبلغه أنّ الأنصار يحبّون أن يصيبوا ما أصاب النّاس، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلّالا فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ ومتفرّقين فجمعكم الله بي؟» ، ويقولون: الله ورسوله أمنّ، فقال: «ألا تجيبوني» فقالوا: الله ورسوله أمنّ فقال: «أما إنّكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا» - لأشياء عدّدها- زعم عمرو أنّه لا يحفظها- فقال: «ألا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار، والنّاس دثار «4» ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، إنّكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض» ) * «5» . 15-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا. فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله «6» جميعا ولا تفرّقوا. ويكره لكم: قيل وقال «7» ، وكثرة السّؤال «8» ، وإضاعة المال» ) * .


16-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله

عنهما- أنّه سئل عن حجّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكث تسع سنين لم يحجّ، ثمّ أذّن في النّاس بالحجّ في العاشرة ... الحديث وفيه «وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله ... الحديث» ) * .


17-* (عن مالك بن أنس- رحمه الله تعالى- بلغه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم» ) * .

18-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: يا أيّها النّاس، إنّي قمت فيكم كمقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يفشو الكذب، حتّى يحلف الرّجل ولا يستحلف، ويشهد الشّاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلّا وكان ثالثهما الشّيطان، عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنّة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنته، وساءته سيّئته فذلك المؤمن» ) * .

19-* (عن جابر بن سمرة، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «لن يبرح هذا الدّين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتّى تقوم السّاعة» ) * «4» . 20-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» ) * .


21-* (عن النّعمان بن بشير- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى» ) * .

22-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «والّذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثمّ آمر بالصّلاة فيؤذّن لها، ثمّ آمر رجلا فيؤمّ النّاس، ثمّ أخالف إلى رجال فأحرّق عليهم بيوتهم، والّذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنّه يجد عرقا سمينا أو مرماتين «7» حسنتين لشهد العشاء» ) * .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاجتماع)

1-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنّه كان يخطب ويقول: «يا أيّها النّاس، عليكم بالطّاعة والجماعة، فإنّهما حبل الله الّذي أمر به» ) * .


2-* (عن عليّ- رضي الله عنه- قال: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإنّي أكره الاختلاف، حتّى يكون النّاس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي» . فكان ابن سيرين يرى أنّ عامّة ما يروى عن عليّ الكذب) * .


3-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً قال: «حبل الله الجماعة» ) * .


4-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: «إنّ هذا الصّراط محتضر، تحضره الشّياطين، ينادون: يا عبد الله! هلمّ هذا هو الطّريق، ليصدّوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإنّ حبل الله القرآن» ) * .

5-* (عن سماك بن الوليد الحنفيّ، أنّه لقي ابن عبّاس، فقال: «ما تقول في سلاطين علينا يظلموننا، يشتموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا، ألا نمنعهم؟، قال: لا. أعطهم. الجماعة الجماعة، إنّما هلكت الأمم الخالية بتفرّقها، أما سمعت قول الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا» ) * .


6-* (عن الرّبيع في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً: يقتل بعضكم بعضا، ويأكل شديدكم ضعيفكم، حتّى جاء الله بالإسلام، فألّف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانا» ) * .


7-* (عن أبي العالية في قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ، قال: بالإخلاص لله وحده، وَلا تَفَرَّقُوا، يقول: لا تعادوا عليه- يقول على الإخلاص- وكونوا عليه إخوانا» ) * .

8-* (عن ابن زيد في قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ، قال: الإسلام) * .


9-* (ومن أقوال الشّعراء: تأبى الرّماح إذا اجتمعن تكسّرا ... وإذا افترقن تكسّرت أفرادا) *.

10-* (عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله (ابن مسعود) : «لقد رأيتنا وما يتخلّف عن الصّلاة إلّا منافق قد علم نفاقه، أو مريض (و) إن «1» كان المريض ليمشي بين رجلين حتّى يأتي الصّلاة، وقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علّمنا سنن الهدى الصّلاة في المسجد الّذي يؤذّن فيه» ) * «2» . 11-* (وقال ابن حجر- رحمه الله- في المحافظة على الجماعة (في الفجر والعشاء خاصّة) : «انتظام الألفة بين المتجاورين في طرفي النّهار، وليختموا النّهار بالاجتماع على الطّاعة ويفتتحوه كذلك» ) * .

12-* (نقل الطّيّبيّ عن بعضهم: «لعلّ الفائدة (من صلاة الجماعة) هي اجتماع المسلمين مصطفّين كصفوف الملائكة» ) * .

13-* (عن سالم قال: سمعت أمّ الدّرداء تقول: «دخل عليّ أبو الدّرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله، ما أعرف من أمّة محمّد إلّا أنّهم يصلّون جميعا

. قال ابن حجر: يصلّون جميعا: أي مجتمعين. قلت: كان هذا في آخر عهد عثمان فما بالنا بحالهم اليوم» ) * .

من فوائد (الاجتماع)

1- يعمل على تحقيق وعي الأمّة بفهم ذاتها فهما صحيحا، ممّا يساعد على توحيد أنماط التّفكير والسّلوك، وأساليب البحث والنّظر على أساس إسلاميّ صحيح.

2- يساعد المجتمع الإسلاميّ على مواجهة التّحدّيات.

3- يساعد على تحقيق الاتّصال الجماعيّ بالنّماذج الإسلاميّة المثاليّة.

4- يساعد المجتمع الإسلاميّ على التّحرّر من التّبعيّة الفكريّة والحضاريّة، والّتي تتولّد عن عدم فهم الذّات فهما صحيحا واعيا.

5- يساعد على صياغة ضمير المسلم صياغة صحيحة من أجل الإبداع الحضاريّ ويثير طاقاته الإبداعيّة، ويقدّم النّموذج الإسلاميّ السّليم للإنسان الحضاريّ.

6- يساعد على إبراز ما للإسلام من آثار عظيمة على المسلم؛ إذ يورثه القوّة والعزّة والمنعة.

7- تحقيق المفاهيم الإسلاميّة الحقيقيّة للأمّة، بعقيدتها وأخلاقها، ممّا يتبلور في النّهاية في شكل حضارة إسلاميّة حقيقيّة معبّرة عن المجتمع الإسلاميّ.

8- تحقيق الألفة والعدالة والمحبّة وكلّ العوامل المؤدّية إلى التّرابط في المجتمع الإسلاميّ.

9- المحافظة على التّراث الثّقافيّ واللّغة العربيّة (لغة القرآن) واستمرارها.

10- القضاء على العصبيّة القبليّة، وعدّ القاعدة الدّينيّة الاجتماعيّة أساسا يتّسع لجميع الأمم والشّعوب. 11- تتحقّق البركة في الاجتماع على الطّعام وغيره من أمور البرّ.

12- الاجتماع يحقّق مطلبا إسلاميّا أصيلا، حثّ عليه الإسلام في صلاة الجمعة، وصلاة الجماعة، وأداء الحجّ.

13- يؤدّي الاجتماع إلى تحقيق الألفة بين المسلمين وانتشار التّعارف فيما بينهم، وبذلك تتحقّق المودّة ويسود الإخاء ويعمّ التّعاون.

14- في الاجتماع تقوية لجانب المسلمين ورفع روحهم المعنويّة انطلاقا من الاعتقاد بأنّ يد الله مع الجماعة، ومن كانت يد الله معه كان واثقا من نصر الله- عزّ وجلّ-.

15- الاجتماع قوّة متجدّدة للفرد والأسرة والمجتمع، بل ولكلّ العالم الإسلاميّ.

16- الاجتماع يخيف الأعداء ويلقي الرّعب في قلوبهم ويجعلهم يخشون شوكة الإسلام والمسلمين، ومن ثمّ يكون في الاجتماع عزّة للمسلمين في كلّ مكان.

17- إنّ توحيد الصّفوف واجتماع الكلمة هما الدّعامة الوطيدة لبقاء الأمّة، ودوام دولتها، ونجاح رسالتها.

18- الاجتماع وسيلة من وسائل الأخلاق الفاضلة وذلك بانغماس الفرد في البيئات الصّالحة، ذلك لأنّ من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة الّتي ينغمس فيها، ويتعايش معها ومع ما لديها من أخلاق وعادات وسلوك.

19- بوجود الإنسان مع الجماعة تنشط روح المنافسة.

20- الاجتماع يذكي في الأفراد روح التّفوّق والرّغبة في إظهار ما لديهم من قدرات، وهذا الدّافع لا يتحرّك إلّا من خلال الجماعة.

21- في وجود الفرد داخل الجماعة وازع أساسيّ له كي يبتعد عن الرّذّائل خشية ما يصيبه من ضرر لو اطّلع الآخرون على هذه الصّفات القبيحة، ومن هنا يكون للاجتماع دوره الفعّال في مكافحة الجريمة والرّذيلة.

22- بالاجتماع وخاصّة مع الصّالحين والأسوياء ما يجعل المرء يشعر بأخلاق الجماعة ويحاول تقليدها واكتساب أخلاقها، ثمّ يتحمّس للدّفاع عنها.

23- في الاجتماع دواء ناجع لكثير من الأمراض النّفسيّة كالانطواء والقلق، إذ إنّ وجود المرء مع الآخرين يدفع عنه داء الانطواء ويذهب القلق، وخاصّة إذا علم أنّ إخوانه لن يتخلّوا عنه وقت الشّدّة فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه.

24- وأخيرا فإنّ مجالسة أهل الذّكر والاجتماع بهم وهم القوم لا يشقى جليسهم- غالبا ما يكون سببا لمغفرة الله- عزّ وجلّ- ورضوانه.

25- في الاجتماع طرد للشّيطان وإغاظة له لأنّه يهمّ بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة (وهو أقلّ الجمع) لم يهمّ بهم الشّيطان «1» ، كما أخبر المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٨ يناير ٢٠١٥ الساعة ٠٠:٢٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٠٨٤ مرة.