أدوات شخصية
User menu

الاحتساب

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الاحتساب لغة

الاحتساب مصدر احتسب وهو من مادة (ح س ب) التي تدل في اللغة على معان عديدة منها: العد، والكفايه ، ومن المعنى الأول (العد) قولهم: حسبت الشيء أحسبه حسبا وحسبانا، قال تعالى:

الشمس والقمر بحسبان (الرحمن/ 5) ، ومن الباب الحسب الذي يعد من الإنسان، قال أهل اللغة معناه أن يعد آباء أشرافا، ومن هذا الباب قولهم: احتسب فلان ابنه إذا مات كبيرا، وذلك أن يعده في الأشياء المذخورة له عند الله، والاسم:

الحسبة وهو الأجر أو احتساب الأجر، وفلان حسن الحسبة بالأمر إذا كان حسن التدبير، وهذا أيضا من الباب لأنه إذا كان حسن التدبير للأمر كان عالما بعداد كل شيء وموضعه من الرأي والصواب، ويقال:

أحتسب بكذا أجرا عند الله، وفي الحديث:

«من صام رمضان إيمانا واحتسابا» . أي طلبا لوجه الله تعالى وثوابه، فالاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه الآيات/ الأحاديث/ الآثار 28/ 25/ 7

لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة: الأجر وهي اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد، وجمع الحسبة حسب، وأما قوله عز وجل ويرزقه من حيث لا يحتسب فجائز أن يكون معناه:

من حيث لا يقدره ولا يظنه كائنا، من حسبت أحسب أي ظننت، وجائز أن يكون مأخوذا من حسبت أحسب، أي من حيث لم يحسبه لنفسه رزقا ولا عده في حسابه، قال الأزهري:

وإنما سمي الحساب في المعاملات حسابا لأنه يعلم به ما فيه كفاية ليس فيه زيادة على المقدار، ومعنى قولهم:

احتسب فلان ابنا له: اعتد مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها» .

ومن المعنى الثاني (أي الكفاية، قولهم: أحسبني الشيء: كفاني، تقول أعطى فأحسب، أي أكثر حتى قال: حسبي، وقال الفراء في قوله تعالى: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (الأنفال/ 64) يكفيك الله ويكفي من اتبعك «3» . وقال القرطبي:

قيل: المعنى كافيك الله وكافي من اتبعك «4» ، وفي حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام» قال ابن الأثير: يكفيك ولو روي «بحسبك أن تصوم» أي كفايتك، أو كافيك، كقولهم: بحسبك قول السوء (والباء زائدة) لكان وجها.

والإحساب الكفاية، وفي أسماء الله تعالى:

الحسيب وهو الكافي- فعيل بمعنى مفعل- من أحسبني الشيء إذا كفاني، وقولهم: أحسبته (بالهمز) وحسبته (بالتشديد) أعطيته ما يرضيه حتى يقول:

«حسبي» «1» . وقول الله تعالى: فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (آل عمران/ 173) قال القرطبي في تفسيره «2» : المعنى كافينا الله من الإحساب وهو الكفاية، قال الشاعر:

فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري روي عن ابن عباس في هذه الآية قال: قالها إبراهيم الخليل- عليه السلام- حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال الناس (من المنافقين، وقيل ركب عبد القيس الذين مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم) : إن الناس (أي أبو سفيان ومن معه) قد جمعوا لكم «3» ، وقال الطبري في قوله تعالى: فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم المعنى فإن تولى يا محمد هؤلاء الذين جئتهم بالحق فأدبروا عنك ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النصيحة في الله فقل: حسبي الله (يعني) يكفيني ربي لا إله إلا هو لا معبود سواه، عليه توكلت وبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، وإليه وإلى نصره استندت لأنه ناصري ومعيني على من خالفني وتولى عني منكم ومن غيركم من الناس وهو رب العرش العظيم.

الاحتساب اصطلاحا

قال الكفوي: الاحتساب: هو طلب الأجر من الله تعالى بالصبر على البلاء مطمئنة نفس المحتسب غير كارهة لما نزل بها من البلاء «4» .

وقال ابن الأثير: الاحتساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها «5» .

إنه إذا كان الاحتساب بمعناه الذي ذكره الكفوي، أو بمعنييه اللذين ذكرهما ابن الأثير يعني أن يعد الإنسان صبره في المكاره وعمله الطاعة ضمن ما له عند الله- عز وجل-، فإن اكتفاء الإنسان بالله تعالى وثقته به واتكاله في نصرته على عونه كما يفهم من كلام الطبري «6» ، نوع من الاحتساب، كما أن رضا العبد بما قسم له مع الاكتفاء به، كما يؤخذ من تفسير القرطبي لقوله تعالى: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله (التوبة/ 59) احتساب أيضا «1» . من ثم يكون الاحتساب ثلاثة أنواع هي:

1- احتساب الأجر من الله تعالى عند الصبر على المكاره، وخاصة فقد الأبناء إذا كانوا كبارا.

2- احتساب الأجر من الله تعالى عند عمل الطاعات يبتغى به وجهه الكريم كما في صوم رمضان إيمانا واحتسابا، وكذا في سائر الطاعات.

3- احتساب المولى- عز وجل- ناصرا ومعينا للعبد عند تعرضه لأنواع الابتلاء من نحو منع عطاء أو خوف وقوع ضرر، ومعنى الاحتساب في هذا النوع الثالث الاكتفاء بالمولى- عز وجل- ناصرا ومعينا والرضا بما قسمه للعبد إن قليلا وإن كثيرا.

[للاستزادة: انظر صفات: الإنابة- التوكل- الدعاء- الفرار إلى الله- الصبر والمصابرة- كظم الغيظ. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الجزع- الحزن القنوط- الوهن- العجلة] .

الآيات الواردة في «الاحتساب»

أولا: الاحتساب بمعنى الاكتفاء بالمولى- عز وجل- ناصرا ومعينا

1- الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) «1»

2- وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) «2»

3- يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) «3»

4- ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) «4»

5- فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) «5»

6- ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) «6»


ثانيا: الاحتساب بالصبر على المكاره «الآيات الواردة بالمعنى»

7- الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) «7»

8- ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) «8»

9- والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) «9»

ثالثا: الاحتساب عند الطاعات: «الآيات الواردة بالمعنى»

10- ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (207) «10»

11- إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (218) «1»

12- ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير (265) «2»

13-* ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (272) «3»

14-* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) «4»

15- ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) «5»

16- يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) «6»

17- وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا (55) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) «7»

18- كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) «8»

19- كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) «9»

20- كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) «1»

21- كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) «2»

22- كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (180) «3»

23- إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) »

24- يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) «5»

25- وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21) «6»

الآيات الواردة في «الاحتساب» ولها معنى آخر

26- ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) «7»

27- هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) «8»

28- فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) «9»

الأحاديث الواردة في (الاحتساب)

1) الأحاديث الواردة في احتساب الطاعات

1-* (عن أبي- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله- عز وجل- فرض صيام رمضان، وسننت قيامه. فمن صامه وقامه احتسابا، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه» ) * «1» 2-* (عن أبي مسعود البدري- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها «2» ، كانت له صدقة «3» » ) * «4» . 3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» ) * «5» . 4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» ) * «6» .

(2) الأحاديث الواردة في احتساب المكاره

5-* (عن أسامة- رضي الله عنه- قال:

أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابنا لي قبض فأتنا، فأرسل يقرىء السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب «7» ... الحديث) * «8» .

6-* (عن حميد قال: سمعت أنسا يقول:

أصيب حارثة يوم بدر- وهو غلام- فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى «9» ما أصنع؟. فقال: «ويحك- أو هبلت «10» - أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه لفي جنة الفردوس» ) * «11» .

7-* (عن أبي قتادة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم «أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال» فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله

تكفر عني خطاياي؟. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف قلت» ، قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك» ) * «1» .

8-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه «2» من أهل الأرض فصبر واحتسب، وقال ما أمر به بثواب دون الجنة» ) * «3»

9-* (عن أبي بن كعب- رضي الله عنه- قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

فتوجعنا له. فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حمارا يقيك من الرمضاء، ويقيك من هوام الأرض. قال: أما والله! ما أحب أن بيتي مطنب «4» ببيت محمد صلى الله عليه وسلم، قال: فحملت به حملا «5» حتى أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته. قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجو في أثره «6» الأجر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك ما احتسبت» ) * «7» .

10-* (عن أبي أمامة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله سبحانه: ابن آدم! إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى، لم أرض لك ثوابا دون الجنة» ) * «8» .

11-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» ) * «9» .

12-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم. وصاحب جريج. وكان جريج رجلا عابدا.

فاتخذ صومعة. فكان فيها. فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته فانصرفت. فلما كان من الغد أتته وهو يصلي. فقالت: يا جريج! فقال: يا رب أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته. فلما كان من الغد أتته وهو يصلي.

فقالت: يا جريج! فقال: أي رب! أمي وصلاتي فأقبل على صلاته. فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات «1» فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته.

وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها «2» . فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم. قال فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها. فوقع عليها. فحملت. فلما ولدت قالت: هو من جريج.

فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه.

فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي. فولدت منك. فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به. فقال: دعوني حتى أصلي. فصلى. فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الراعي. قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به.

وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا.

أعيدوها من طين كما كانت. ففعلوا. وبينا صبي يرضع من أمه. فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة «3» . فقالت أمه! اللهم! اجعل ابني مثل هذا.

فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه. فقال: اللهم! لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فمه. فجعل يمصها. قال:

ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت. سرقت.

وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل فقالت أمه:

اللهم! لا تجعل ابني مثلها. فترك الرضاع ونظر إليها.

فقال: اللهم! اجعلني مثلها. فهناك تراجعا الحديث.

فقالت: حلقى «4» ! مر رجل حسن الهيئة فقلت:

اللهم! اجعل ابني مثله. فقلت: اللهم! لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيت. سرقت فقلت: اللهم! لا تجعل ابني مثلها.

فقلت: اللهم! اجعلني مثلها «5» .

قال: إن ذاك الرجل كان جبارا. فقلت: اللهم! لا تجعلني مثله وإن هذه يقولون لها: زنيت ولم تزن. وسرقت. ولم تسرق فقلت: اللهم! اجعلني مثلها» ) * «6» .

الأحاديث الواردة في (الاحتساب) معنى

13-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟. فيقولون:

نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟. فيقولون: نعم.

فيقول: ماذا قال عبدي؟. فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد» ) *» .

14-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها، فقالت: يا رسول الله! إنه يشتكي وإني أخاف عليه، قد دفنت ثلاثة، قال:

«لقد احتظرت «1» بحظار شديد من النار» ) * «2» .

15-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: دخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟. قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟. فقالت أسماء:

نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فغضبت. وقالت كلمة:

كذبت يا عمر، كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم. وكنا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة وذلك في الله وفي رسوله وأيم الله «3» لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأله.

ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. قال:

فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» . قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا «4» يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم) * «5» .

16-* (عن صهيب- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؟ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» ) * «6» .

17-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك. فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: «ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار» .

فقالت امرأة: واثنين؟. فقال: «واثنين» ) * «7» .

18-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا» ) * «8» .

19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم «9» » ) * «10» .

20-* (عن أم سلمة- رضي الله عنهما- قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم صيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها» . قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث) * «1»

21-* (عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب «2» ولا وصب «3» ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم- حتى الشوكة يشاكها- إلا كفر الله بها من خطاياه» ) * «4» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (الاحتساب)

22-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك «5» فوضعت يدي عليه، فوجدت حره بين يدي، فوق اللحاف. فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك!. قال:

«إنا كذلك، يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر» .

قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟. قال: «الأنبياء» ، قلت: يا رسول الله! ثم من؟. قال: «ثم الصالحون. إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء» ) * «6» .

23-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين «7»

، وكان ظئرا «8» لإبراهيم «9» ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه «10» ، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه-: وأنت يا رسول الله!. فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى «11» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ) * «1» .

24-* (عن جندب بن سفيان- رضي الله عنه- قال: دميت «2» إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك المشاهد فقال: « هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت » ) * «3» .

25-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ) * «4» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاحتساب)

1-* (قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه:

«أيها الناس، احتسبوا أعمالكم، فإن من احتسب عمله، كتب له أجر عمله وأجر حسبته» ) * «5» .

2-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «ما من مسلم له ولدان مسلمان يصبح إليهما محتسبا إلا فتح الله له بابين، يعني من الجنة، وإن كان واحد فواحد» ) * «6» .

3-* (قال خبيب- رضي الله عنه- عند ما أراد قتله بنو الحارث بن عامر بن نوفل:

فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع » ) * «7» .

4-* (قال وكيع- رحمه الله- بعد حديث عدي بن حاتم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من رجل إلا سيكلمه ربه يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان ... الحديث» «8» ، قال: «من كان هاهنا من أهل خراسان، فليحتسب في إظهار هذا الحديث، لأن الجهمية ينكرون ذلك» ) * «9» .

5-* (وقال الماوردي في سياق تفسير هذه الآية يعني إذا أصابتهم مصيبة في نفس أو أهل أو مال قالوا: إنا لله: أي نفوسنا وأهلونا وأموالنا لله، لا يظلمنا فيما يصنعه بنا وإنا إليه راجعون يعني بالبعث في ثواب المحسن ومعاقبة المسيء) «10» .

6-* (قال ابن كثير في قوله تعالى: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أي تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء. وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة» ) *» .

7-* (وأخرج عبد بن حميد عن قتادة الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون قال: من استطاع أن يستوجب لله في مصيبته ثلاثا (الصلاة والرحمة والهدى) فليفعل ولا قوة إلا بالله. فإنه من استوجب على الله حقا بحق أحقه الله له، ووجد الله وفيا) «2» .

من فوائد (الاحتساب)

(1) طريق موصل إلى محبة الله ورضوانه.

(2) دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام.

(3) الفوز بالجنة والنجاة من النار.

(4) حصول السعادة في الدارين.

(5) الاحتساب في الطاعات يجعلها خالصة لوجه الله تعالى وليس لها جزاء إلا الجنة.

(6) الاحتساب في المكاره يضاعف أجر الصبر عليها.

(7) الاحتساب يبعد صاحبه عن شبهة الرياء ويزيد من ثقته بربه.

(8) الاحتساب في المكاره يدفع الحزن ويجلب السرور ويحول ما يظنه الإنسان نقمة إلى نعمة. (9) الاحتساب في الطاعات يجعل صاحبه قرير العين مسرور الفؤاد بما يدخره عند ربه فيتضاعف رصيده الإيماني وتقوى روحه المعنوية.

(10) الاحتساب دليل الرضا بقضاء الله وقدره، ودليل على حسن الظن بالله تعالى.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٨ يناير ٢٠١٥ الساعة ٠٠:٥٥.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٨٢١ مرة.