أدوات شخصية
User menu

الاستهزاء

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الاستهزاء لغة

الاستهزاء مصدر قولهم: استهزأ يستهزأ، وهو مأخوذ من مادة (هـ ز أ) ، التي تدل على السخرية، أو على مزح في خفية، أو على السخرية واللعب «1» ، يقال:

هزئت به، واستهزأت، والاستهزاء ارتياد الهزء، وإن كان يعبر به عن تعاطيه، كالاستجابة في كونها ارتيادا (طلبا للإجابة) وإن كانت تجري مجرى الإجابة، وفي التنزيل العزيز إنما نحن مستهزؤن (البقرة/ 14) قيل في تفسيره: ساخرون، وقيل: مكذبون بما ندعى إليه.


وقوله سبحانه: الله يستهزئ بهم (البقرة/ 15) .

ذكر الراغب: أن المعنى يجازيهم جزاء الهزء، ومعناه: أنه أمهلهم مدة ثم أخذهم فسمى إمهالهم استهزاء من حيث إنهم اغتروا به اغترارهم بالهزء فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون، ومذهب أهل السنة إثبات صفة الاستهزاء لله- عز وجل- حقيقة على ما يليق بجلاله مع إثبات لازمها.

وقال القرطبي: سمى العقوبة باسم الذنب،والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يفتخر به عاقل، وإنما قاله ليزدوج الكلام.. وقيل: الله يستهزأ بهم في الآخرة، يفتح لهم باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك، وهي السرر ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فيضحك المؤمنون منهم «2» .


وقال الجوهري: الهزء (بالسكون) ، والهزؤ (بالضم) السخرية، تقول: هزئت منه، وهزئت به، واستهزأت به، وتهزأت به، وهزأت به أيضا، هزءا ومهزأة، ورجل هزءة بالتسكين، أي يهزأ به، وهزأة (بالتحريك) يهزأ بالناس، قال في اللسان: وقيل: يهزأ منه، وقال بعض اللغويين: الصواب أن يقال: هزئت بك، ولا يقال: هزئت منك، وذلك عكس السخرية، فإنه في السخرية يقال: سخرت منك، ولا يقال:

سخرت بك، ويقال: هزأ الشيء هزءا: كسره، وهزأ الرجل: مات «1» .


الاستهزاء اصطلاحا

قال المناوي: الاستهزاء: ارتياد الهزء ويعبر به أيضا عنه «2» .


وقال أبو هلال العسكري: إن الاستهزاء لا يسبقه فعل من أجله يستهزأ بصاحبه «3» .


ومن هنا يمكن القول بأن الاستهزاء هو: ارتياد أو طلب الهزء دون أن يسبق من المهزوء منه فعل يقتضي ذلك.


[للاستزادة: انظر صفات: البذاءة- السخرية الهجاء- الإساءة- السفاهة- التحقير.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: تكريم الإنسان الثناء- الوقار- حسن المعاملة- حسن العشرة]

الآيات الواردة في «الاستهزاء»

الاستهزاء في سياق كون المستهزئين صنف

1- ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) «1»


2- يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) «2»


3- يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) «3»


4- ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) «4»


5- ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11) «1» 6- فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) «2»


7- وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) «3»


8- وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) «4»


9- وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) «5»


10- ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7) «6»


11- يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) «7»


12- وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) «8»


الاستهزاء في سياق الترفع عنه وعن مجالسة المستهزئين

13- وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) «9»

14- وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) «1»


15- وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) «2»


الاستهزاء في سياق التهديد بالعذاب

16- وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) «3»


17- قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) «4»


18- طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6) «5»


19- ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) «1»

الاستهزاء وارد في سياق كونه سبب العقوبة

20- وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) «2»


21- وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) «3»


22- الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) «4»


23- ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (41) «1»


24- أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن (10) «2»


25- ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) «3»


26- أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (85) «4»


27- واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) «5»


الأحاديث الواردة في ذم (الاستهزاء)

1-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آخر من يدخل الجنة رجل.


فهو يمشي مرة ويكبو «1» مرة وتسفعه «2» النار مرة. فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك.


لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين. فترفع له شجرة فيقول: أي رب، أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها وأشرب من مائها.


فيقول الله- عز وجل-: يا ابن آدم، لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها. فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها. وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه «3» ، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم.


ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده ألا يسأله غيرها. وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها. فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين. فيقول:

أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها. وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها. فإذا أدناه منها، فيسمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب، أدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم ما يصريني «4» منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزىء مني وأنت رب العالمين؟» فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال «من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزىء مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزىء منك، ولكني على ما أشاء قادر» ) * «5» .


2-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما-: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر.

فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم.

فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم.


فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيرانوامرأتي، ولي صبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم «1» حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني.


وأنه نأى بي ذات يوم الشجر «2» ، فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون «3» عند قدمي. فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، نرى منها السماء.


ففرج الله منها فرجة، فرأوا منها السماء. وقال الآخر:

اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، وطلبت إليها نفسها، فأبت حتى آتيها بمائة دينار. فتعبت حتى جمعت مائة دينار، فجئتها بها، فلما وقعت بين رجليها «4» .

قالت: يا عبد الله اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه «5» فقمت عنها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة. ففرج لهم.

وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز «6» . فلما قضى عمله قال:

أعطني حقي. فعرضت عليه فرقه فرغب عنه.

فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعاءها. فجاء ني فقال:

اتق الله ولا تظلمني حقي. قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها. فخذها. فقال: اتق الله ولا تستهزىء بي. فقلت: إني لا أستهزىء بك. خذ ذلك البقر ورعاءها.

فأخذه فذهب به. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا ما بقي. ففرج الله ما بقي» ) * «7» .


3-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر:

وأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» ) * «8» .


4-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته:

أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أيها الذينآمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم حتى فرغ من الآية كلها) * «1» .


5-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة، فظعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبي، فقعد «2» معتزلا حزينا، قال: فمر عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزىء: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» قال: ما هو؟ قال. «إنه أسري بي «3» الليلة» ، قال: إلى أين؟ قال: «إلى بيت المقدس» قال:

ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال: فلم ير أنه يكذبه، مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» ، فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي قال: فانتفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أسري بي الليلة» قالوا: إلى أين؟ قلت: «إلى بيت المقدس» ، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: «نعم» ، قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه، متعجبا للكذب زعم! قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد، وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت» ، قال: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر، حتى وضع دون دار عقال أو عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه، قال: وكان مع هذا نعت لم أحفظه» ، قال: فقال القوم: أما النعت فو الله لقد أصاب) * «4» .

الأحاديث الواردة في ذم (الاستهزاء) معنى

6-* (عن أم هانىء- رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: وتأتون في ناديكم المنكر قال: كانوا يخذفون «5» أهل الأرض ويسخرون منهم) * «6» .


7-* (عن أبي مسعود البدري- رضي الله عنه- أنه قال: أمرنا بالصدقة، قال: كنا نحامل، قال:

فتصدق أبو عقيل بنصف صاع قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه. فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقةهذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. فنزلت: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم (التوبة/ 79)) * «1» .


8-* (عن عروة بن الزبير؛ أنه قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم- أو كما قالوا- قال: فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية، غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال:

«تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح» فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة «2» قبل ذلك ليرفؤه «3» بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدا، فو الله ما كنت جهولا، قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم في ذلك، إذ طلع (عليهم) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إلى وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له:

أنت الذي تقول: كذا وكذا لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:


«نعم» ، أنا الذي أقول ذلك، قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه- دونه، يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله. ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط) * «4» .


من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذم (الاستهزاء)

1-* (قال ابن عباس- رضي الله عنهما- لرجل قال له: إني طلقت امرأتي مائة تطليقة، فماذا ترى علي؟ قال:

طلقت منك لثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا) * «1» .


2-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- قال بعض أهل العلم: «إن المنافقين إذا خلوا إلى مردتهم قالوا إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم مستهزئون فأخبر الله تعالى أنه يستهزأ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة من العذاب والنكال» ) * «2» .


من مضار (الاستهزاء)

(1) دليل كبر النفس واحتقار الآخرين.

(2) طريق موصل إلى النار وغضب الجبار.

(3) بعد الناس عن المستهزئ لخوفهم منه وعدم سلامتهم منه.

(4) يصرف عن قبول الحق واستماع النصح.

(5) يسود بين الطغاة وسفلة الأقوام.

(6) دليل على أن صاحبه عمي القلب لا يرى ما فضل الله به غيره عليه.

(7) آية على جهالة صاحبه لأن من علم قدر الله لم يحتقر عباده.

(8) يشيع في الأمة الكراهية المقيتة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٥ يناير ٢٠١٥ الساعة ٢١:١٦.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٣٥١ مرة.