أدوات شخصية
User menu

الانتقام

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الانتقام لغة

مصدر قولهم: انتقم ينتقم، وهو مأخوذ من مادة (ن ق م) التي تدور حول إنكار الشيء وعيبه.


يقول ابن فارس: «النون والقاف والميم أصل يدل على إنكار شيء وعيبه. ونقمت عليه أنقم: أنكرت عليه فعله، والنقمة من العذاب والانتقام، كأنه أنكر عليه فعاقبه» فالعقوبة ناتجة عن الإنكار، يقول الراغب:

نقمت الشيء، ونقمته إذا أنكرته إما باللسان وإما بالعقوبة، قال تعالى: وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله (التوبة/ 74) .. والنقمة:

العقوبة» . وقيل: النقمة والنقمة: المكافأة بالعقوبة، والجمع نقم ونقم، فنقم لنقمة، ونقم لنقمة. وقال الليث: يقال لم أرض منه حتى نقمت وانتقمت إذا كافأه عقوبة بما صنع.

قال ابن الأعرابي: النقمة العقوبة، والنقمة الإنكار. وقوله تعالى: هل تنقمون منا أي هل تنكرون.


وفي الحديث: «أنه ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك محارم الله» أي ما عاقب أحدا على مكروه أتامن قبله.


ونقمت الأمر ونقمته إذا كرهته. وانتقم الله منه أي عاقبه، والاسم منه النقمة، والجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات، وكلم.

وفي التنزيل العزيز: قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله (المائدة/ 59) قال أبو إسحاق: يقال نقمت على الرجل أنقم ونقمت عليه أنقم، قال: والأجود نقمت أنقم، وهو الأكثر في القراءة.


قال ابن بري: يقال: نقمت نقما ونقوما ونقمة، ونقمة، ونقمت: بالغت في كراهة الشيء. ومن أسمائه سبحانه: المنتقم، وهو البالغ في العقوبة لمن شاء، وهو مفتعل من نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حد السخط «1» .

المنتقم من أسماء الله تعالى

قال الغزالي: المنتقم: هو الذي يقصم ظهور العتاة، وينكل بالجناة، ويشدد العقاب على الطغاة، وذلك بعد الإعذار والإنذار، وبعد التمكن والإمهال وهو أشد للانتقام من المعاجلة بالعقوبة، فإنه إذا عوجل بالعقوبة لم يمعن في المعصية، فلم يستوجبالعاصي غاية النكال في العقوبة «1» .


وقال ابن منظور: المنتقم هو البالغ في العقوبة لمن شاء، وهو على وزن مفتعل من نقم ينقم: إذا بلغت به الكراهة حد السخط «2» .


وقال الزجاج: النقمة كراهة يضامها سخط فمن كره أمرا من الأمور مع سخط منه له فهو ناقم «3» ، وقد كره الله تعالى أمورا وسخط أمورا فهو نقم عليها ومنتقم منها.


وقال العز بن عبد السلام: المنتقم: هو المعذب لمن يشاء من عباده عدلا «4» .

الانتقام اصطلاحا

إنزال العقوبة مصحوبا بكراهية تصل إلى حد السخط «5» .


أنواع الانتقام

الانتقام يكون أحيانا محمودا، وأحيانا مذموما، فهو محمود لمن ابتلي بشيء من الولايات بأن يكون ذلك من الجناة الذين ينتهكون محارم الله بالحدود والتعزيرات والعقوبات المشروعات، ويكون مذموما إذا تعلق الأمر بالأفراد، إذا أصيبوا بالأذى لأن فيه تركا للتخلق بالعفو الذي أمرنا بالتخلق به لما فيه من الإحسان إلى المسيء واقتداء بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لم ينتقم لنفسه قط، وإنما كان ذلك منه إذا انتهكت حرمات الله) «6» .


[للاستزادة: انظر صفات: الأذى- الإساءة- العدوان- النقمة- البغي- الإرهاب- الإجرام- القسوة الفجور- الطغيان- العتو- الحرب والمحاربة.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإحسان- الصفح- العفو- كظم الغيظ- المروءة- التقوى- الاستقامة- السلم- الطاعة] .

الآيات الواردة في «الانتقام»

1- الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) «1»


2- يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) «2» .


3- فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) «3»


4- وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) «4»


5- وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) «5»


6- لقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) «6»


7- ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) «7»


8- أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36)ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) «1»


9- قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) «2»


10- ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) «3»


11- فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) «4»


12- فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) «5»


الأحاديث الواردة في ذم (الانتقام)

1-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك» ) * «1» .


2-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده. ولا امرأة ولا خادما. إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط. فينتقم من صاحبه. إلا أن ينتهك شيء من محارم الله. فينتقم لله- عز وجل-» ) * «2» .

الأحاديث الواردة في ذم (الانتقام) معنى

1-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك» ) * «1» .


2-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده. ولا امرأة ولا خادما. إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط. فينتقم من صاحبه. إلا أن ينتهك شيء من محارم الله. فينتقم لله- عز وجل-» ) * «2» .


الأحاديث الواردة في ذم (الانتقام) معنى

3-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه-: أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون «3» بالنهار ويصلون بالليل.

حتى كانوا ببئر معونة «4» قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت «5» شهرا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. قال أنس:

فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع «6» : «بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» .

وعن قتادة عن أنس بن مالك حدثه: «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرا في صلاة الصبح يدعو على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان» زاد خليفة: حدثنا ابن زريع حدثنا سعيد عن قتادة حدثنا أنس أن أولئك السبعين من الأنصار قتلوا ببئر معونة قرآنا كتابا نحوه «7» ) * «8» .


4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب فانطلقوا، حتى إذا كان بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصوا آثارهم «9» ، حتى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد «10» وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا.

فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل فأعطوهم العهد والميثاق فلما أعطوهم العهدوالميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث معهما:

هذا أول الغدر. فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا، حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى «1» من بعض بنات الحارث ليستحد بها «2» ، فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله. وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف «3» عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين. ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو. ثم قال: اللهم أحصهم عددا. ثم قال:


ما إن أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله. وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر «4» فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء) * «5» .


5-* (عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم. وكان وحشي يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت «6» . قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير، فسلمنا، فرد السلام، قال: وعبيد الله معتجر بعمامته «7» ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال فنظر إليه ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكة فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فلكأني نظرت إلى قدميك. قال: فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال:

نعم، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال: فلما أن خرج الناس عام عينين- وعينين جبل بحيال أحد «8» ، بينه وبينه واد- خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال فخرج إليه حمزة بنعبد المطلب فقال: يا سباع، يا ابن أم أنمار مقطعة البظور «1» ، أتحاد الله ورسوله «2» صلى الله عليه وسلم؟ قال: ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب «3» .

قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة «4» ، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته «5» حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به. فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام.


ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا، فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل «6» ، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآني قال: «آنت وحشي؟» قلت:

نعم. قال: «أنت قتلت حمزة؟» قلت: قد كان من الأمر ما بلغك.

قال: «فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟» قال: فخرجت. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافيء به حمزة «7» .

قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة «8» جدار كأنه جمل أورق «9» ثائر الرأس «10» ، قال: فرميته بحربتي. فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه. قال:

ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته.


قال: قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان ابن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر بيت: وأمير المؤمنين، قتله العبد الأسود) * «11» .


6-* (عن صهيب- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر.

فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر.

فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه. فشكا ذلك إلى الراهب. فقال:

إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال:

اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها. ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب:


أي بني! أنت اليوم أفضل مني. قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى.

فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرأ الأكمه «12» والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء.

فسمع جليس للملك كان قد عمي. فأتاه بهدايا كثيرة.

فقال: ما ههنا لك أجمع «13» إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا. إنما يشفي الله.

فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن بالله. فشفاه الله.

فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس. فقال لهالملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني! قد بلغ من سحرك ما تبرأ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى. فدعا بالمئشار «1» .


فوضع المئشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه. ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى فدعا بالمئشار.

فوضع المئشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه. ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته «2» فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه.

فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم! اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك:

ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور «3» فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه.

فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله.

فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال:

تجمع الناس في صعيد واحد «4» وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس «5» ثم قل: باسم الله رب الغلام. ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته «6» ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام. ثم رماه.

فوقع السهم في صدغه. فوضع يده في صدغه في موضع السهم. فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك. قد آمن الناس.


فأمر بالأخدود في أفواه السكك «7» فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، أو قيل له: اقتحم. ففعلوا. حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها. فقال لها الغلام: يا أمه! اصبري؛ فإنك على الحق» ) * «8» .


7-* (عن قتادة قال: «ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد «9» قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر «10» خبيث مخبث.

وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة «11» ثلاث ليال.

فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشىواتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي «1» ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا» ؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما) * «2» .


من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذم (الانتقام)

1-* (الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي، لما أسرته الروم جاءوا به إلى ملكهم فقال له:

تنصر، وأنا أشركك في ملكي، وأزوجك ابنتي، فقال له:

لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت. فقال:

إذا أقتلك.

قال: أنت وذاك. فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر. وفي رواية ببكرة من نحاس- فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة من جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله» ) * «3» .


2-* (عن سليمان بن يسار؛ أن سائبة «4» أعتقه بعض الحجاج فقتل ابن رجل من بني عائذ فجاء العائدي أبو المقتول إلى عمر بن الخطاب يطلب دية ابنه، فقال عمر: لا دية له. فقال العائذي: أرأيت لو قتله ابني؟ فقال عمر: إذا تخرجون ديته.

فقال: هو إذا كالأرقم «5» إن يترك يلقم، وإن يقتل ينقم «6» » ) * «7» .


3-* (قال جعفر الصادق: «لأن أندم على العفو عشرين مرة أحب إلي من أن أندم على العقوبة مرة واحدة» ) * «8» .


4-* (قال المنصور لولده المهدي: «لذة العفو أطيب من لذة التشفي؛ وذلك أن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم» ) * «9» .


5-* (قال صاحب خصايص الغرر ونقائص العرر: قال الله- عز وجل-: وإذا ما غضبوا هم يغفرون (الشورى/ 37) وهذا دليل على أن الانتقام يقبح على الكرام» ) * «10» .


6-* (ومن رسالة لبديع الزمان الهمذاني، يصف من طبعه الانتقام: هو سماء إذا تغيم لم يرج صحوه، وإذا قدر لا ينتظر عفوه، يغضبه الجرم الخفي، ولا يرضيه العذر الجلي، حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظل الرمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من نور الصبح، وهو ذو أذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان، ويحجب بهذه العذر وله برهان. وذو يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح، ويقبض الأخرى عن الحلم والصفح.

فمزحه بين القد والقطع، وجده بين السيف والنطع. لا يعرف من العقاب إلا ضرب الرقاب، ولا من التأديب غير إراقة الدما، ولا من التأنيب إلا إزالة النعما» ) *.


7-* (قالت العرب:

لا سؤدد مع الانتقام.

سرعة العقوبة من لؤم الظفر.

ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعا من السطوة.

التزين بالعفو خير من التقبح بالانتقام.

- التشفي طرف من العجز، ومن رضي به لا يكون بينه وبين الظالم إلا ستر رقيق وحجاب ضعيف) * «1» .


8-* (روي أن رجلا من قريش كان يطلب رجلا بذحل في الجاهلية، فلما ظفر به قال: لولا أن القدرة تذهب الحفيظة لا نتقمت منك، وتركه» ) * «2» .


9-* (وقالوا: «الغضب عدو العقل؛ فإنه يحول بين صاحبه وبين العقل والفهم فيستولي عليه سلطان الهوى فيصرفه عن الحسن، وهو الاحتمال إلى القبيح وهو التشفي» ) * «3» .


10-* (وقالوا: «أقبح المكافآت المجازاة بالإساءات» ) * «4» .


11-* (وقيل: «الكريم إذا قدر غفر، وإذا عني بمساءة ستر. واللئيم إذا ظفر عقر، وإذا أمن غدر» ) * «5» .


12-* (وقيل أيضا: «إذا انتقمت ممن هو دونك فلا تأمن أن ينتقم منك من هو فوقك» ) * «6» .


13-* (وقيل: «لا تشن حسن الظفر بقبح الانتقام» ) * «7» .


من مضار (الانتقام) المذموم

(1) صفة ذميمة يبغضها الله ورسوله.

(2) إذا انتقم العبد ظلما وعدوانا انتقم الله منه.

(3) يورث الأحقاد والضغائن بين الناس.

(4) الانتقام لا يأتي من نبيل كريم ولا يفعله إلا خسيس لئيم.

(5) الانتقام أقرب إلى الظلم، ومن استمرأه صار في عداد الظالمين.

(6) الذي ينتقم ممن هو دونه لا يأمن من انتقام من هو فوقه.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٦ يناير ٢٠١٥ الساعة ٢٠:٠٧.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٣٧٦ مرة.