أدوات شخصية
User menu

البر

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


البر لغة

البر مصدر بر يبر وهو مأخوذ من مادة (ب ر ر) التي تدل على معان عديدة، ومن هذه المعاني الصدق، يقول ابن فارس: «فأما الصدق فقولهم:

صدق فلان وبر، وبرت يمينه صدقت، وأبرها أمضاها على الصدق، وتقول بر الله حجك وأبره، وحجة مبرورة أي قبلت قبول العمل الصادق، ومن ذلك قولهم: يبر ربه أي يطيعه وهو من الصدق، قال الشاعر:

لا هم لولا أن بكرا دونكا ... يبرك الناس ويفجرونكا «1» .

ومنه قوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب (البقرة/ 177) .

وقال القرطبي في تفسير هذه الاية: البر هنا اسم جامع للخير، وتقدير الاية «ولكن البر بر من آمن» حذف المضاف كما حذف في قوله سبحانه وسئل القرية (يوسف/ 82) أي أهل القرية، وقيل المعنى:

«ولكن ذا البر» كما في قوله تعالى هم درجات عند الله (آل عمران/ 163) ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض، وصرفت القبلة إلى الكعبة، وحدت الحدود أنزل الله هذه الاية فقال (ما معناه) : ليس البر كله أن تصلوا، ولا تعملوا (شيئا) غير ذلك، ولكن ذا البر من آمن بالله ... إلخ. قال بذلك ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، ويجوز أن يكون البر بمعنى البار والبر، لأن المصدر قد يطلق ويراد به اسم الفاعل، كما يقال: رجل عدل أي عادل، وفي التنزيل العزيز: إن أصبح ماؤكم غورا (الملك/ 30) أي غائرا، وهذا اختيار أبي عبيدة «2» .

وأما قول النابغة:

عليهن شعث عامدون لبرهم فقالوا: أراد الطاعة وقيل: أراد الحج.. وقولهم للسابق: الجواد المبر هو من هذا؛ لأنه إذا جرى صدق وإذا حمل عليه صدق «3» .

ومن معاني البر أيضا حسن الخلق كما جاء في الحديث «البر حسن الخلق» والبر الخير، والبر:

الصلاح، يقال بر يبر إذا صلح، والبر: الصلة، يقال:

بر رحمه يبره إذا وصله، والبر الطاعة، كما في قولهم: بر ربه، يقال: رجل بر بذي قرابته. وبار من قوم بررةوأبرار، والمصدر البر.

وتباروا، تفاعلوا: من البر، وفي حديث الاعتكاف: «آلبر يردن» ، أي الطاعة والعبادة، ومنه الحديث: «ليس من البر الصيام في السفر» .

وفي كتاب قريش والأنصار: وإن البر دون الإثم أي أن الوفاء بما جعل على نفسه دون الغدر والنكث. وبرت يمينه: صدقت. وأبرها: أمضاها على الصدق. والبر:

الصادق «1» .

البر اصطلاحا

وقد اختلف العلماء في تفسير البر فقال بعضهم: البر الصلاح، وقال بعضهم: البر الخير، قال ابن منظور: ولا أعلم تفسيرا أجمع منه؛ لأنه يحيط بجميع ما قالوا، قال: وجعل لبيد البر التقى حيث يقول:

وما البر إلا مضمرات من التقى.

قال أبو منصور: البر خير الدنيا والاخرة فخير الدنيا ما ييسره الله تعالى للعبد من الهدى والنعمة والخيرات، وخير الاخرة الفوز بالنعيم الدائم في الجنة، جمع الله لنا بينهما بكرمه ورحمته «2» .

قال ابن الأثير في أسماء الله تعالى (البر) وهو العطوف على عباده ببره ولطفه «3» .

والأبرار معناها المتقون «4» .

مسمى البر وعلاقته بالإيمان

قال الإمام ابن تيمية: لفظ البر إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به كما في قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم (الانفطار/ 13) ، وقوله سبحانه: ولكن البر من اتقى (البقرة/ 189) ، وأيضا فإن البر إذا أطلق كان مسماه مسمى التقوى، والتقوى إذا أطلقت كان مسماها مسمى البر ثم قد يجمع بينهما كما في قوله تعالى:

وتعاونوا على البر والتقوى «5» (المائدة/ 2) ، فعطف التقوى على البر، وعطف الشيء على الشيء في القرآن الكريم وسائر الكلام يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراكهما في الحكم الذي ذكر لهما «6» ، وقد يكون مسماه إذا أطلق هو مسمى الإيمان فقد روي أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الاية ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (البقرة/ 177) ، وقد فسر البر بالإيمان،وفسر بالتقوى، وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله، والجميع حق، فقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر البر بالإيمان وجاء فى الأثر أن رجلا جاء إلى أبي ذر فسأله عن الإيمان فقرأ الاية السابقة ليس البر ...

إلخ الاية فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال (أبو ذر) : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلت لي، فلما أبى أن يرضى قال له:

إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته، ورجا ثوابها، وإذا عمل السيئة ساءته وخاف عقابها «1» .

والرسول صلى الله عليه وسلم يشير في هذا الحديث إلى ما يسببه فعل الحسنة أو الخير من إحساس نفسي بالسعادة، وما يعقبه من راحة قلبية غامرة، الأمر الذي يعكس بدوره فاعلية الإيمان- وكذلك البر الذي بمعناه- في تنمية قوة الشعور بالالتزام الخلقي تجاه عمل الخير، كما ترى أبعاد هذا الشعور لدى النفس المؤمنة، حتى إذا ما عمل هذا المؤمن عملا خلقيا فاضلا، ظهرت عليه الاثار النفسية الناتجة عن إنجاز ذلك العمل من سرور وسكينة، والأمر بالعكس بالنسبة لفعل السيئة أو الشر، لأن الأصداء النفسية التي يسببها تراخي قبضة الإلزام الخلقي، والتهاون فيه، تظهر سماتها في مظاهر الحزن والهم والقلق التي تبدو لدى المؤمن «2» .

أنواع البر

والبر نوعان: صلة، ومعروف.

فأما الصلة: فهي التبرع ببذل المال في الجهات المحدودة لغير عوض مطلوب، وهذا يبعث عليه سماحة النفس وسخاؤها، ويمنع منه شحها وإباؤها قال الله تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (الحشر/ 9) .

وأما النوع الثاني من البر فهو: المعروف: ويتنوع أيضا نوعين: قولا وعملا. فأما القول: فهو طيب الكلام وحسن البشر، والتودد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق، ورقة الطبع، ويجب أن يكون محدودا كالسخاء؛ فإنه إن أسرف فيه كان ملقا مذموما وإن توسط واقتصد فيه كان معروفا وبرا محمودا.

وأما العمل: فهو بذل الجاه والمساعدة بالنفس والمعونة في النائبة، وهذا يبعث عليه حب الخير للناس وإيثار الصلاح لهم، وليس في هذه الأمور سرف ولا لغايتها حد بخلاف النوع الأول؛ لأنها وإن كثرت فهي أفعال خير تعود بنفعين: نفع على فاعلها في اكتساب الأجر وجميل الذكر، ونفع على المعان بها في التخفيف عنه والمساعدة له «3» .

وجوه استعمال البر في القرآن الكريم

ورد البر في القرآن الكريم على أوجه منها:

أولا: البر بالفتح أربعة:

الأول: بمعنى الصادق جل اسمه وعلا:

إنه هو البر الرحيم (الطور/ 28 مكية) .

الثاني: في مدح عيسى عليه السلام:

وبرا بوالدتي (مريم/ 32 مكية) .

الثالث: في مدح يحيى بن زكريا:

وبرا بوالديه (مريم/ 14 مكية) .

الرابع: في ساكني ملكوت السماء:

بأيدي سفرة* كرام بررة (عبس/ 15، 16 مكية) . ثانيا: أما البر بالكسر فأربعة:

الأول: بمعنى البار:

ولكن البر من آمن بالله (البقرة/ 177 مدنية) الثاني: بمعنى الخير:

لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (آل عمران/ 92 مدنية) .

الثالث: بمعنى الطاعة والخير:

أتأمرون الناس بالبر (البقرة/ 44 مدنية) الرابع: بمعنى تصديق اليمين:

ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا (البقرة/ 224 مدنية) .

وقد جاء البر في معنى صلة الرحم:

لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم (الممتحنة/ 8 مدنية) . أي تصلوا أرحامكم «1» .

قال الماوردي- رحمه الله-: إن البر من أسباب الألفة: لأنه يوصل إلى القلوب ألطافا يثنيها محبة وانعطافا، ولذلك ندب الله تعالى إلى التعاون به، وقرنه بالتقوى له، فقال سبحانه وتعاونوا على البر والتقوى (المائدة/ 2) لأن له في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس، فقد تمت سعادته وعمت نعمته.

[للاستزادة: انظر صفات: الإنفاق- بر الوالدين- التقوى- حسن الخلق- حسن المعاملة- حسن العشرة- الصدقة- صلة الرحم- التقوى.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: قطيعة الرحم- عقوق الوالدين- البخل- الشح- سوء الخلق- سوء المعاملة] .

الآيات الواردة في «البر»

البر بمعنى الطاعة وفعل الخيرات

1- ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) «1»

2- يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189) «2»

3- لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم (92) «3»

4- يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) «4»

5- يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) «5»

البر بمعنى صلة الرحم

6- لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) «6»

البر بمعنى تصديق اليمين

7- ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) «7»

البر من صفات المولى- عز وجل

8- إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) «1»

البر من صفات الملائكة

9- وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) «2»

ما أعده الله لمن اتصف بالبر

10- ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) «3»

11- لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) «4»

12- إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) «5»

13- إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) «6»

14- كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) «7»

الأحاديث الواردة في (البر)

1-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع. ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم، أو عن تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر «1» ، وعن القسي «2» وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج» ) * «3» .

2-* (عن رفاعة- رضي الله عنه- أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فإذا الناس يتبايعون، بكرة فناداهم: «يا معشر التجار» ، فلما رفعوا أبصارهم ومدوا أعناقهم قال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق» ) * «4» .

3-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا وصوتا للإبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: «أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع «5» » ) * «6» .

4-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال أهللنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج خالصا ليس معه عمرة، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة. فأمرنا أن نحل. قال عطاء: قال «حلوا وأصيبوا النساء» .

قال عطاء: ولم يعزم عليهم. ولكن أحلهن لهم فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا. 

فقال: «قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم.

ولولا هديي لحللت كما تحلون. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا» فحللنا وسمعنا وأطعنا. قال جابر: فقدم علي من سعايته «7» .

فقال: «بم أهللت؟» قال: بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«فأهد وامكث حراما» قال: وأهدى له علي هديا.

فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: «لا أبد» «8» ) * «9» .

5-* (عن النواس بن سمعان- رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم،فقال:

«البر حسن الخلق، والإثم ما حاك «1» في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» ) * «2» .

6-* (عن جابر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» قيل: وما بره؟ قال: «إطعام الطعام وطيب الكلام» ) * «3» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي عفريتا من الجن يطلبني بشعلة من نار، كلما التفت إليه رأيته» .

فقال جبريل: ألا أعلمك كلمات تقولهن، فتنطفىء شعلته ويخر لفيه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلى» فقال جبريل: قل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل «4» ، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» ) * «5» .

8-* (عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال:

سميت ابنتي برة. فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزكوا أنفسكم. الله أعلم بأهل البر منكم» فقالوا: بم نسميها؟ قال: «سموها زينب» ) * «6» .

9-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر «7» . وإن البر يهدي إلى الجنة. وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور.

وإن الفجور يهدي إلى النار. وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» ) * «8» .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما «9» ، والحج المبرور «10» ليس له جزاء إلا الجنة» ) * «11» .

11-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلةالمسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الاية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (آل عمران/ 92) قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بيرحاء «1» ، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» . فقال أبو طلحة:

أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) * «2» .

12-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر. كبر ثلاثا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين «3» * وإنا إلى ربنا لمنقلبون.

اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده.

اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل.

اللهم إني أعوذ بك من وعثاء «4» السفر وكابة «5» المنظر، وسوء المنقلب «6» في المال والأهل» .

وإذا رجع قالهن وزاد فيهن «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون» ) * «7» .

13-* (عن ثوبان- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها» ) * «8» .

14-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استلج «9» في أهله بيمين فهو أعظم إثما، ليبر» يعني الكفارة) * «10» .

15-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية «11» .

ومن قاتل تحت راية عمية «12» ، يغضب لعصبة «13» ، أو يدعو إلىعصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية. ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى «1» من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه» ) * «2» .

16-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن «3» مع السفرة الكرام البررة «4» .

والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه «5» ، وهو عليه شاق له أجران» ) * «6» .

17-* (عن نبيشة- رضي الله عنه- نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية «7»

في رجب فما تأمرنا؟ قال: «اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا الله- عز وجل- وأطعموا» قال: إنا كنا نفرع «8» فرعا في الجاهلية فما تأمرنا؟ قال: «في كل سائمة فرع تغذوه ما شيتك حتى إذا استحمل» ) * «9» .

18-* (قالت عائشة- رضي الله عنها- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى» . قال حسان:

هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمدا برا «10» تقيا ... رسول الله شيمته الوفاء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء)

  • «11» .

الأحاديث الواردة في (البر) معنى

19-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعون خصلة، أعلاهن منيحة العنز «1» ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة» ) * «2» .

20-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» ) * «3» .

21-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن عمر بن الخطاب، أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها «4» ، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم، غير متمول «5» » ) * «6» .

22-* (عن سعد بن الأطول؛ أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم. وترك عيالا. فأردت أن أنفقها على عياله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه» فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين، ادعتهما امرأة وليس لها بينة. قال: «فأعطها فإنها محقة» ) * «7» .

23-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل، يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق فأخره. فشكر الله له فغفر له» وقال: «الشهداء خمسة: المطعون «8» ، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله- عز وجل-» ) * «9» .

24-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل:

لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفة ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له» . قالوا: يا رسول الله، وإن لنافي البهائم أجرا؟، فقال: «في كل ذات كبد رطبة أجر» ) * «1» .

25-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئا؟ قال: لا.

قالوا: تذكر. قال: كنت أداين الناس فامر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر. قال: قال الله- عز وجل-: تجوزوا عنه» ) * «2» .

26-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» . وأحسبه.

قال: «وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر» ) * «3» .

27-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت علي أعمال أمتي، حسنها وسيئها.

فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق. ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة «4» تكون في المسجد لا تدفن» ) * «5» .

28-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال:

قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق «6» » ) * «7» .

29-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنه قال:

قدم علينا عبد الرحمن بن عوف وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال.

فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت تزوجتها.

فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك. فلم يرجع يومئذ حتى أفضل شيئا من سمن وأقط. فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه وضر من صفرة «8» .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مهيم «9» » . قال:

تزوجت امرأة من الأنصار. قال: «ما سقت فيها؟» قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: «أولم ولو بشاة» ) * «10» .

30-* (عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» .

فقلت: بالشطر؟ فقال:يتكففون الناس «1» ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك» .

فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تخلف «2» ، فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون.

اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد ابن خولة» رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة) * «3» .

31-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «كل سلامى من الناس عليه صدقة.

كل يوم تطلع فيه الشمس» قال: «تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة» قال: «والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذي عن الطريق صدقة» ) * «4» .

32-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل معروف صدقة» ) * «5» .

33-* (عن زينب امرأة عبد الله- رضي الله عنهما- قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال: «تصدقن ولو من حليكن» وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، فقالت لعبد الله سل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيجزأ عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي، فمر علينا بلال، فقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم: أيجزأ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تخبر بنا.

فدخل فسأله، فقال: «من هما؟» قال: زينب. قال:

«أي الزيانب؟» قال: امرأة عبد الله. قال: «نعم ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة» ) * «6» .

34-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» ) * «7» .

35-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعاذ بالله فأعيذوه.

ومن سألكم بالله فأعطوه. ومن استجار بالله فأجيروه.

ومن آلى إليكم معروفا «8» فكافئوه. فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه» ) * «9» .

36-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيلالله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة» .

فقال أبو بكر- رضي الله عنه-: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة «1» ، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم» ) * «2» .

37-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من منح منيحة غدت بصدقة وراحت بصدقة صبوحها «3» وغبوقها «4» » ) * «5» .

38-* (عن أم بجيد- رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله- صلى الله عليك- إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئا أعطيه إياه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لم تجدي شيئا تعطينه إياه إلا ظلفا محرقا «6» فادفعيه إليه فى يده» ) * «7» .

39-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: أصابني جهد شديد فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية من كتاب الله، فدخل داره وفتحها علي، فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجهد والجوع، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسي، فقال: «يا أبا هريرة» فقلت: لبيك رسول الله وسعديك، فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي، فانطلق بي إلى رحله، فأمر لي بعس من لبن «8» فشربت منه.

ثم قال: «عد فاشرب يا أبا هر» ، فعدت فشربت، ثم قال: «عد» ، فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح «9» ، قال: فلقيت عمر وذكرت له الذي كان من أمري، وقلت له تولى ذلك «10» من كان أحق به منك يا عمر، والله لقد استقرأتك الاية ولأنا أقرأ لها منك. قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي مثل حمر النعم» ) * «11» .

40-* (عن المقداد- رضي الله عنه- قال:

أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد «12» . فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس أحد منهم يقبلنا.

فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبيصلى الله عليه وسلم:

«احتلبوا هذا اللبن بيننا» قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه.

ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان. قال ثم يأتي المسجد فيصلي ثم يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشيطان ذات ليلة.

وقد شربت نصيبي. فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة.

فأتيتها فشربتها. فلما أن وغلت «1» في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل. قال: ندمني الشيطان فقال:

ويحك ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك. فتذهب دنياك وآخرتك. وعلي شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، ولم يصنعا ما صنعت.

قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم كما كان يسلم ثم أتى المسجد فصلى ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم ير فيه شيئا.

فرفع رأسه إلى السماء فقلت: الان يدعو علي فأهلك. فقال: «اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني» .

قال فعمدت إلى الشملة فشددتها علي وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي حافلة «2» وإذا هن حفل كلهن. فعمدت إلى إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة.

فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أشربتم شرابكم الليلة؟ قال: قلت يا رسول الله اشرب.

فشرب ثم ناولني. فقلت يا رسول الله اشرب فشرب ثم ناولني. فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إحدى سوآتك يا مقداد» فقلت:

يا رسول الله، كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذه إلا رحمة من الله.

أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها» قال: فقلت:

والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك، من أصابها من الناس) * «3» .

41-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أن أباه توفي وعليه دين فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت:

إن أبي ترك عليه دينا وليس عندي إلا ما يخرج نخله ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكيلا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدر «4» من بيادر التمر فدعا ثم آخر ثم جلس عليه فقال: «انزعوه» فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم) * «5» .

42-* (عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- في خطبة له؛ قال: إنا والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر وكان يعود مرضانا ويتبع جنائزناويغزو معنا ويواسينا بالقليل والكثير» ) * «1» .

43-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم.

فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني «2» ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آرسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم. قال:

«بطعام؟» قلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه:

«قوموا» فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم.

فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلمي يا أم سليم ما عندك» فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته «3» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: «ائذن لعشرة» ، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال:

«ائذن لعشرة» ، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: «ائذن لعشرة» فأكل القوم كلهم حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا» ) * «4» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (البر)

1-* (عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: «توشك القرى أن تخرب وهي عامرة. قيل:

وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها» ) * «5» .

2-* (قال كعب الأحبار: «لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا، فقيل له: وما هن؟ قال:

أعوذ بوجه الله العظيم، الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ» ) * «6» .


3-* (عن الحسن البصري- رحمه الله- قال: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة (المؤمنون/ 60) قال:

كانوا يعملون ما عملوا من أنواع البر وهم مشفقون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله» ) * «1» .

ومن أقوال الشعراء في البر:

4-* (أنشد أبو الحسن الهاشمي:

الناس كلهم عيا ... ل الله تحت ظلاله فأحبهم طرا إلي ... هـ أبرهم لعياله* «2» .

5-* (قال الشاعر:

إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها، والدين ثانيها والعلم ثالثها، والحلم رابعها ... والجود خامسها، والعرف ساديها «3»

والصبر سابعها، والبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها «4»

والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها) *

من فوائد (البر)

(1) طريق موصل إلى الجنة.

(2) زيادة في العمر وبركة في المال والنسل.

(3) من أسباب سعادة المرء في الدارين.

(4) دليل على حسن الخاتمة.

(5) نيل محبة الناس ومحبة الله- عز وجل-.

(6) البر يؤدي إلى الألفة وشيوع روح المحبة في المجتمع.

(7) التاجر البار يخرج من زمرة الفجار يوم القيامة.

(8) الأبرار تعمر بهم الأرض وذلك بخلاف الفجار الذين يخربونها وهي عامرة.

(9) البر ينجي من العذاب يوم القيامة.

(10) البر إحدى الصفات التى لا تكتمل مكارم الأخلاق إلا بها وهو أعلى درجات الصدق.

(11) بالبر تطمئن النفوس الحائرة وتهدأ القلوب الفزعة وتستقر الجماعات.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٢ يناير ٢٠١٥ الساعة ٠٣:٠٦.
  • تم عرض هذه الصفحة ٦٬١٤٧ مرة.