أدوات شخصية
User menu

التدبر

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


التدبر لغة

التدبر مصدر تدبر وهو مأخوذ من مادة (د ب ر) التي يقول عنها ابن فارس: أصل هذا الباب أن جله في قياس واحد وهو آخر الشيء وخلفه خلاف قبله. فمعظم الباب أن الدبر خلاف القبل، وفي الحديث لا تدابروا، وهو من الباب، وذلك أن يترك كل واحد منهما الإقبال على صاحبه بوجهه.. «1»

وقال ابن منظور: دبر الأمر وتدبره: نظر في عاقبته، واستدبره: رأى في عاقبته ما لم ير في صدره، وعرف الأمر تدبرا أي بأخرة، قال جرير:

ولا تتقون الشر حتى يصيبكم ... ولا تعرفون الأمر إلا تدبرا والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تئول إليه عاقبته، والتدبر في الأمر: التفكر فيه، وفلان ما يدري قبال الأمر من دباره أي أوله من آخره، ويقال:

إن فلانا لو استقبل من أمره ما استدبره لهدي لوجهة أمره أي لو علم في بدء أمره ما علمه في آخره لاسترشد لأمره، وقال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بني، لا تتدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها «2» .

واصطلاحا

النظر في عواقب الأمور وهو قريب من التفكر، إلا أن التفكر تصرف القلب بالنظر في الدليل والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب «3» .

تدبر القرآن

أما تدبر القرآن فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تدبره «4» وتعقله وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر.

الناس عند سماع القرآن أنواع

قال تعالى في آياته المشهودة: وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص* إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (ق/ 36- 37) .

قال ابن القيم- رحمه الله-: الناس ثلاثة:

رجل قلبه ميت، فذلك الذي لا قلب له، فهذا ليست الاية ذكرى في حقه.

الثاني: رجل له قلب حي مستعد، لكنه غير مستمع للايات المتلوة، التي يخبر بها الله عن الايات المشهودة، إما لعدم ورودها، أو لوصولها إليه وقلبهمشغول عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرا، فهذا أيضا لا تحصل له الذكرى، مع استعداده ووجود قلبه.

والثالث: رجل حي القلب مستعد، تليت عليه الايات، فأصغى بسمعه، وألقى السمع وأحضر قلبه، ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب، ملقي السمع، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالايات المتلوة والمشهودة.

فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر.

والثاني: بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه.

والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور، وأتبعه بصره، وقابله على توسط من البعد والقرب، فهذا هو الذي يراه.

فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصدور.

فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد، مليء باستخراج العبر، واستنباط الحكم، فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار، فإذا سمع الايات كانت له نورا على نور.

وهؤلاء أكمل خلق الله. وأعظمهم إيمانا وبصيرة، حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول مشاهد لهم، لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه، حتى قيل: إن مثل حال الصديق مع النبي صلى الله عليه وسلم، كمثل رجلين دخلا دارا، فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئياته، والاخر وقعت يده على ما في الدار ولم ير تفاصيله ولا جزئياته، لكن علم أن فيها أمورا عظيمة، لم يدرك بصره تفاصيلها، ثم خرجا فسأله عما رأى في الدار فجعل كلما أخبره بشيء صدقه، لما عنده من شواهد، وهذه أعلى الدرجات الصديقية، ولا تستبعد أن يمن الله المنان على عبد بمثل هذا الإيمان.

فإن فضل الله لا يدخل تحت حصر ولا حسبان.

فصاحب هذا القلب إذا سمع الايات وفي قلبه نور من البصيرة ازداد بها نورا إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التذكر أيضا فإن لم يصبها وابل فطل (البقرة/ 265) والوابل والطل في جميع الأعمال وآثارها وموجباتها.

وأهل الجنة سابقون مقربون وأصحاب يمين وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الاعتبار- التأمل التذكر- التفكر- الوعظ- النظر والتبصر- التبين.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- الطيش- التفريط والإفراط- اتباع الهوى] .

الآيات الواردة في «التدبر»

1- أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) «1»

2- أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) «2»

3- كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (29) «3»

4- أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) «4»

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (التدبر) *

1-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الاخر قعد فنظر إلى السماء فقال: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (آل عمران/ 190) » ، ثم قام فتوضأ واستن فصلى «1» إحدى عشرة ركعة ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح) * «2» .

2-* (عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، صلاة، فأطال فيها. فلما انصرف قلنا (أو قالوا) : يا رسول الله أطلت اليوم الصلاة.

قال: «إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله عز وجل لأمتي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ورد علي واحدة، سألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم غرقا، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي» ) * «3» .

3-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- قال:

صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت:

يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا «4» ، إذا مر باية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ) * «5» .

4-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي» قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «فإني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (النساء/ 41) ، قال: «أمسك» ، فإذا عيناه تذرفان) * «6» .

5-* (عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:

كان أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة «7» في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء يتحنث فيه (وهو التعبد) الليالي أولات العدد ... الحديث) * «8» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التدبر)

1-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما-:

«ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب» ) * «1» .

2-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان إذا تلا هذه الاية ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله (الحديد/ 16) قال: «بلى يا رب، بلى يا رب» ) * «2» .

3-* (عن قرظة بن كعب قال: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيعنا، فمشى معنا إلى موضع يقال له صرار، فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قلنا: لحق صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحق الأنصار، قال:

«لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزير كهزير المرجل «3» ، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنا شريككم» ) * «4» .

4-* (عن طاوس قال: «قال الحواريون لعيسى ابن مريم: يا روح الله، هل على الأرض اليوم مثلك؟ فقال: نعم، من كان منطقه ذكرا، وصمته فكرا، ونظره عبرة فإنه مثلي» ) * «5» .

5-* (قال عبد الله بن المبارك: «مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر، كنز الرجال، وكنز الأموال» ) * «6» .

6-* (عن محمد بن كعب القرظي قال:

«لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بإذا زلزلت، والقارعة، لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما، وأتفكر أحب إلي من أن أهذ «7» القرآن ليلتي هذا- أو قال- أنثره نثرا» ) * «8» .

7-* (قال الشافعي- رحمه الله-: «استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر» .

وقال أيضا: «صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور، والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم، والرؤية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة، ومشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة، ففكر قبل أن تعزم، وتدبر قبل أن تهجم، وشاور قبل أن تقدم» ) * «9» .

8-* (قال الفضيل: «إنما نزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس قراءته عملا، قيل: كيف العمل به؟ قال: ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه» ) * «10» .

9-* (قال الغزالي- رحمه الله-: «كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره» ) * «1» .

ثمار تدبر القرآن

قال ابن القيم: أما التأمل في القرآن: فهو تحديق نظر القلب إلى معانيه. وجمع الفكر على تدبره وتعقله.

وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر، قال الله تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (ص/ 29) ، وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (محمد/ 24) وقال تعالى: أفلم يدبروا القول (المؤمنون/ 68) ، وقال تعالى: إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (الزخرف/ 3) وقال الحسن: «نزل القرآن ليتدبر ويعمل به. فاتخذوا تلاوته عملا» .

فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل. وجمع الفكر على معاني آياته. فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتتل في يده «2» مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة وتثبت قواعد الإيمان في قلبه.

وتشيد بنيانه، وتوطد أركانه. وتريه صورة الدنيا والاخرة، والجنة والنار في قلبه. وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم.

وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله. وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها.

وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم.

ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما يفترقون فيه.

وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.

وتعرفه مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.

فهذه ستة أمور ضروري للعبد معرفتها، ومشاهدتها ومطالعتها. فتشهده الاخرة حتى كأنه فيها، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم، فتريه الحق حقا، والباطل باطلا.

وتعطيه فرقانا ونورا يفرقبه بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، وتعطيه قوة في قلبه، وحياة واسعة وانشراحا وبهجة وسرورا.

فيصير في شأن والناس في شأن آخر.

فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه، والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال، وما ينزه عنه من سمات النقص، وعلى الإيمان بالرسل، وذكر براهين صدقهم، وأدلة صحة نبوتهم، والتعريف بحقوق مرسلهم، وعلى الإيمان بملائكته، وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي، وما يختص بالنوع الإنساني منهم، من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه، وعلى الإيمان باليوم الاخر وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق، التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ولا تنغيص. وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل، التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح. وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وأبينه. وعلى تفاصيل الأمر والنهي، والشرع والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعبر، والقصص، والأمثال، والأسباب، والحكم، والمبادىء، والغايات، في خلقه وأمره.

فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل، وتهديه في ظلم الاراء والمذاهب إلى سواء السبيل.

وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام، وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل.

وتسهل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل. وتناديه كلما فترت عزماته، وونى في سيره:

تقدم الركب وفاتك الدليل. فاللحاق اللحاق، والرحيل الرحيل، وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل.

وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر الحذر، فاعتصم بالله، واستعن به، وقل: حسبي الله ونعم الوكيل.

وفي تأمل القرآن وتدبره، وتفهمه أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد «1» .

من فوائد (التدبر)

(1) يفضي إلى رسوخ الإيمان في القلب.

(2) يجعل الإنسان راغبا راهبا.

(3) النجاة من الغرور.

(4) الحزم والفطنة من ثمراته.

(5) دقة التمييز بين الطيب والخبيث والفاسد والصحيح.

وانظر أيضا فوائد صفة التفكر

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١١ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١٠:٥١.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٤٤٨ مرة.