أدوات شخصية
User menu

التذكر

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


التذكر لغة

مصدر تذكر على وزن تفعل وهذا الوزن يفيد التدرج والارتقاء شيئا فشيئا، يقول الجوهري: وذكرت الشيء بعد النسيان وذكرته بلساني وبقلبي، وتذكرته وأذكرته غيري وذكرته بمعنى (واحد) قال الله تعالى وادكر بعد أمة (يوسف/ 45) أي ذكره بعد نسيان وأصله اذتكر فأدغم، والتذكرة ما تستذكر به الحاجة «1» ... ونقل في اللسان عن الفراء قوله:

يكون الذكرى بمعنى الذكر، ويكون بمعنى التذكر، في قوله تعالى: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (الذاريات/ 55) ، والذكر والذكرى، بالكسر:

نقيض النسيان، وكذلك الذكرة «2» .

واصطلاحا

قال ابن القيم- رحمه الله- في منزلة التذكر:

والتذكر تفعل من الذكر، وهو ضد النسيان، وهو حضور صورة المذكور العلمية في القلب، واختير له بناء التفعل لحصوله بعد مهلة وتدرج، كالتبصر والتفهم والتعلم.

العلاقة بين التذكر والتفكر

قال ابن القيم: فمنزلة التذكر من التفكر منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه، ولهذا كانت آيات الله- المتلوة والمشهودة ذكرى، كما قال في المتلوة ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب* هدى وذكرى لأولي الألباب (غافر/ 53- 54) وقال عن القرآن: وإنه لتذكرة للمتقين (الحاقة/ 48) ، وقال في آياته المشهودة:

أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج* والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج* تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (ق/ 6- 8) .

فالتبصرة آلة البصر، والتذكرة آلة الذكر، وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة؛ لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الايات والعبر، فاستدل بها على ما هي آيات له.

فزال عنه الإعراض بالإنابة، والعمى بالتبصرة، والغفلة بالتذكرة؛ لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها.

فترتيب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب، ثم إن كلا منها يمد صاحبه ويقويه ويثمره.

وقال تعالى في آياته المشهودة: وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص «3» إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (ق/ 36- 37) .

والناس ثلاثة: رجل قلبه ميت، فذلك الذي لا قلب له، فهذا ليست الاية ذكرى في حقه.

الثاني: رجل له قلب حي مستعد، لكنه غير مستمع للايات المتلوة، التي يخبر بها الله عن الايات المشهودة، إما لعدم ورودها، أو لوصولها إليه، ولكن قلبه مشغول عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرا، فهذا أيضا لا تحصل له الذكرى، مع استعداده ووجود قلبه.

والثالث: رجل حي القلب مستعد، تليت عليه الايات، فأصغى بسمعه، وألقى السمع وأحضر قلبه، ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب، ملقي السمع، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالايات المتلوة والمشهودة.

فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر.

والثاني: بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه.

والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور، وأتبعه بصره، وقابله على توسط من البعد والقرب، فهذا هو الذي يراه.

فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصدور.

فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد، مليء باستخراج العبر، واستنباط الحكم، فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار، فإذا سمع الايات كانت له نورا على نور. وهؤلاء أكمل خلق الله. وأعظمهم إيمانا وبصيرة، حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول مشاهد لهم.

فصاحب هذا القلب إذا سمع الايات وفي قلبه نور من البصيرة ازداد بها نورا إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التذكر أيضا «1» .

التذكر في القرآن الكريم

ورد التذكر والذكرى في القرآن الكريم في مواضع عديدة اقترن بعضها بالاستفهام الإنكاري كما في قوله سبحانه: أفلا تتذكرون (الأنعام/ 80، والسجدة/ 4) واقترن بعضها بلفظ «لعل» التي تفيد الحث على التذكر ببيان الأسباب الداعية إليه، وجاءت آيات أخرى تمدح المتذكرين وتجعل الذكرى من صفات أولى الألباب، وقد سجلت آيات أخرى على الإنسان قلة تذكره أو عدم تذكره مع وجود الداعي لذلك من تلاوة آي القرآن أو جعل الليل والنهار خلفة أو إطالة العمر ونحو ذلك. وسنقوم فيما يلي بتصنيف الايات الكريمة الواردة في التذكر تبعا لسياقاتها التي أشرنا إليها.

[للاستزادة: انظر صفات: الاعتبار- التأمل التفكر- تذكر الموت- التذكير.

وفي ضد ذلك انظر صفات: الإعراض- اتباع الهوى- التفريط والإفراط- الغفلة- طول الأمل] .

الآيات الواردة في «التذكر»

التذكر مقترنا بالاستفهام الإنكارى (يراد منه التعجب)

1- وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) «1»

2- إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) «2»

3- مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) «3»

4- ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) «4»

5- أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) «5»

6- ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) «6»

7- قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) «7»

8- الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) «8»

9- والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) «9»

10- ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) «1»

11- أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) «2»

القرآن يحثنا على التذكر ويمتدح المتذكرين

12- ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221) «3»

13- يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب (269) «4»

14- هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) «5»

15- وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) «6»

16- ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) «7»

17- يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) «8»

18- وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كلالثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (57) «1»

19- إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) «2»

20- ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) «3»

21- هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب (52) «4»

22- إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) «5»

23- اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) «6»

24- سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) «7»

25- يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) «8»

26- وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) «9»

27- وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) «10»

28- ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) «11»

29- وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) «12»

30- ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) «13»

31- كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (29) «1»

32- أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9) «2»

33- ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) «3»

34- هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) «4»

35- وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58) «5»

36- أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) «6»

37- فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) «7»

38- والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) «8»

39- ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) «9»

40- عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) «10»

41- فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) «11»

القرآن يصف الإنسان بقلة التذكر

42- اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3) «12»

43- أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) «13»

44- وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58) «1» 45- فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) «2»

تذكر الإنسان يوم القيامة

46- فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) «3»

47- كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) «4»

الأحاديث الواردة في (التذكر)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكر بالموت» ) * «1» .

2-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلا مات فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل؟ (قال: فإما ذكر وإما ذكر) فقال: إني كنت أبايع الناس، فكنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو في النقد. فغفر له» فقال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم) * «2» .

3-* (عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة- رضي الله عنه- أخبرهما: أن الناس قالوا:

يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» ، قالوا لا، قال: «فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وكلام الرسل يومئذ:

اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان «3» ، هل رأيتم شوك السعدان؟» ، قالوا: نعم، قال:

«فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق «4»

بعمله، ومنهم من يخردل «5» ثم ينجو. حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجوهم، ويعرفونهم باثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا «6» ، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة «7» في حميل السيل «8» .

ثم يفرغالله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة- مقبل بوجهه قبل النار، فيقول:

يا رب اصرف وجهي عن النار، قد قشبني «1» ريحها وأحرقني ذكاؤها «2» . فيقول: هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول:

لا وعزتك. فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال:

يا رب قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب، لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره، فيقول: لا، وعزتك لا أسأل غير ذلك.

فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها «3» وما فيها من النضرة والسرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب، أدخلني الجنة، فيقول الله: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله- عز وجل- منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمن، فيتمنى.

حتى إذا انقطع أمنيته، قال الله- عز وجل-: من كذا وكذا- أقبل يذكره ربه- حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى «لك ذلك ومثله معه» ، قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة- رضي الله عنهما-: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله» ، قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: «لك ذلك ومثله معه» ، قال أبو سعيد: إني سمعته يقول: «ذلك لك وعشرة أمثاله» ) * «4» .

4-* (عن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه كان عبد من عباد الله- جل وعز- أعطاه الله مالا وولدا فكان لا يدين لله تبارك وتعالى دينا فلبث حتى إذا ذهب منه عمر أو بقي عمر تذكر فعلم أنه لن يبتئر «5» عند الله تبارك وتعالى خيرا، دعا بنيه فقال أي أب تعلموني؟. قالوا:

خيره «6» يا أبانا، قال: والله لا أدع عند أحد منكم مالا هو مني إلا أنا آخذه منه ولتفعلن بي ما آمركم، قال:

فأخذ منهم ميثاقا- وربي-. فقال: أما لا فإذا أنا مت فألقوني في النار حتى إذا كنت حمما فدقوني، قال:

فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول بيده على فخذه «ثم أذروني في الريح لعلي أضل الله- تبارك وتعالى- قال: ففعلوا ذلك به ورب محمد حين مات فجيء به في أحسن ما كان قط فعرض على ربه تبارك وتعالى فقال: ما حملك على النار، قال: خشيتك يارباه، قال: إني أسمعك لراهبا فتيب عليه» ) * «1» .

5-* (عن عبد الله- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، استذكروا القرآن، فلهو أشد تفصيا «2» من صدور الرجال من النعم بعقلها» ) * «3» .

6-* (عن ربعي بن حراش أن حذيفة حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئا؟ فقال: لا، قالوا: تذكر، قال: كنت أداين الناس، فامر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر، قال: قال الله: تجوزوا عنه» ) * «4» .

7-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد، فقال:

«رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا» ، وزاد عباد بن عبد الله عن عائشة «تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي، فسمع صوت عباد يصلي في المسجد فقال: يا عائشة، أصوت عباد هذا؟ قلت:

نعم، قال: اللهم ارحم عبادا» ) * «5» .

8-* (عن علقمة قال: قال عبد الله- رضي الله عنه-: صلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم ما عليه ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين» ) * «6» .

9-* (عن حنظلة الأسيدي «7» قال: (وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال:

كيف أنت؟ يا حنظلة، قال: قلت: نافق حنظلة. قال:

سبحان الله ما تقول؟، قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين «8» ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافسنا «9» الأزواج والأولاد والضيعات «10» .

فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فو الله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافقحنظلة، يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذاك؟» ، قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرات) * «1» .

10-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، لقي إبراهيم، وموسى، وعيسى، فتذاكروا الساعة متى هي؟ فبدءوا بإبراهيم، فسألوه عنها، فلم يكن عنده منها علم، فسألوا موسى، فلم يكن عنده منها علم، فردوا «2» الحديث إلى عيسى، فقال: قد عهد الله إلي فيما دون وجبتها، فلا يعلمها إلا الله، فذكر خروج الدجال، قال: فأهبط فأقتله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، لا يمرون بماء إلا شربوه، ولا بشيء إلا أفسدوه، فيجأرون إلى الله، فأدعو الله فيميتهم، فتخوى الأرض من ريحهم، فيجأرون إلى الله، فأدعو الله، فيرسل السماء بالماء فيحملهم فيلقيهم في البحر، ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم، فعهد الله إلي أنه إذا كان ذلك، أن الساعة من الناس، كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلا أو نهارا.

قال العوام. فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله تعالى ثم قرأ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون* واقترب الوعد الحق (الأنبياء/ 96- 97)) * «3» .

11-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا فأراد به خيرا جعل له وزير صدق، فإن نسي ذكره وإن ذكر أعانه» ) * «4» .

12-* (عن بريدة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة» ) * «5» .

13-* (عن النعمان بن بشير- رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرقيم فقال:

«إن ثلاثة كانوا في كهف فوقع الجبل على باب الكهف فأوصد عليهم. قال قائل منهم: تذاكروا أيكم عمل حسنة لعل الله عز وجل برحمته يرحمنا،فقال رجل منهم: قد عملت حسنة مرة كان لي أجراء يعملون فجاءني عمال لي فاستأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم فجاءني رجل ذات يوم وسط النهار فاستأجرته بشطر أصحابه فعمل في بقية نهاره كما عمل كل رجل منهم في نهاره كله فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله، فقال رجل منهم: أتعطي هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا نصف نهار؟، فقلت: يا عبد الله، لم أبخسك شيئا من شرطك وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت، قال فغضب وذهب وترك أجره، قال: فوضعت حقه في جانب البيت ما شاء الله ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر فبلغت ما شاء الله، فمر بي بعد حين شيخا ضعيفا لا أعرفه فقال: إن لي عندك حقا فذكرنيه حتى عرفته، فقلت: إياك أبغي هذا حقك فعرضتها عليه جميعا، فقال: يا عبد الله، لا تسخر بي إن لم تصدق علي فأعطني حقي، قال: والله لا أسخر بك إنها لحقك ما لي منها شيء فدفعتها إليه جميعا، اللهم، إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. قال: فانصدع الجبل حتى رأوا منه وأبصروا.

قال الاخر: قد عملت حسنة مرة، كان لي فضل فأصابت الناس شدة فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا، قال: فقلت والله ما هو دون نفسك فأبت علي، فذهبت ثم رجعت فذكرتني بالله فأبيت عليها وقلت:

لا والله ما هو دون نفسك فأبت علي وذهبت فذكرت لزوجها فقال لها: أعطيه نفسك، وأغني عيالك، فرجعت إلي فناشدتني بالله فأبيت عليها، وقلت: والله ما هو دون نفسك فلما رأت ذلك أسلمت إلي نفسها فلما تكشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي فقلت لها: ما شأنك، قالت: أخاف الله رب العالمين، قلت لها: خفتيه «1» في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ما يحق علي بما تكشفتها، اللهم، إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا، قال: فانصدع حتى عرفوا وتبين لهم. قال الاخر: وعملت حسنة مرة، كان لي أبوان شيخان كبيران، وكانت لي غنم فكنت أطعم أبوي وأسقيهما، ثم رجعت إلى غنمي قال:

فأصابني يوما غيث حبسني فلم أبرح حتى أمسيت فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت وغنمي قائمة فمضيت إلى أبوي فوجدتهما قد ناما، فشق علي أن أوقظهما، وشق علي أن أترك غنمي، فما برحت جالسا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما اللهم، إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا» ، قال النعمان: لكأني أسمع هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الجبل: طاق ففرج الله عنهم فخرجوا) * «2» .

الأحاديث الواردة في (التذكر) معنى

انظر صفة (التفكر)

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التذكر)

1-* (عن شقيق بن سلمة أبي وائل أن رجلا من بني تغلب يقال له الصبي بن معبد وكان نصرانيا فأسلم، فأقبل في أول ما حج فلبى بحج وعمرة جميعا فهو كذلك يلبي بهما جميعا فمر على سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان، فقال أحدهما:

لأنت أضل من جملك هذا، فقال الصبي: فلم يزل في نفسي حتى لقيت عمر بن الخطاب، فذكرت ذلك له، فقال:

هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، قال شقيق: وكنت أختلف أنا ومسروق بن الأجدع إلى الصبي بن معبد نستذكره فلقد اختلفنا إليه مرارا أنا ومسروق بن الأجدع) * «1» .

2-* (عن مطرف بن عبد الله قال: صليت خلف علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنا وعمران ابن حصين، فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم- أو قال- لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم) * «2» .

3-* (عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفا (المرسلات/ 1) ، فقالت له:

يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة. إنها لاخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب» ) * «3» .

4-* (قال عصام بن المصطلق: «دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي- عليهما السلام- فأعجبني سمته وحسن روائه، فأثار مني الحسد ما كان يجنه صدري لأبيه من البغض، فقلت: أنت ابن أبي طالب، قال: نعم، فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إلي نظرة عاطف رءوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (الأعراف/ 199- 201) فقرأ إلى قوله تذكروا فإذا هم مبصرون، ثم قال لي: خفض عليك، استغفر الله لي ولك، إنك لو استعنتنا أعناك، ولو استرفدتنا أرفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال: قال لا تثريب عليكم اليوميغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (يوسف/ 92) أمن أهل الشام أنت؟ قلت: نعم. فقال:

«شنشنة أعرفها من أخزم» حياك الله وبياك، وعافاك، وآداك «1» ؛ انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك، تجدنا عند أفضل ظنك، إن شاء الله، قال عصام: فضاقت علي الأرض بما رحبت، ووددت أنها ساخت بي، ثم تسللت منه لواذا، وما على وجه الأرض أحب إلي منه ومن أبيه» ) * «2» .

5-* (قال سعيد بن جبير في قوله تعالى:

تذكروا فإذا هم مبصرون (الأعراف/ 201) هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى فيكظم الغيظ» ) * «3» .

6-* (وقال مجاهد: الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه» ) * «4» .

7-* (وقال مقاتل: «إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه معصيه فأبصر فنزع عن مخالفة الله» ) * «5» .

8-* (قال ابن كثير في قوله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (الأعراف/ 201) أي تذكروا عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب» ) * «6» .

9-* (ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو ابن جامع من تاريخه أن شابا كان يتعبد في المسجد فهويته امرأة فدعته إلى نفسها فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الاية إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (الأعراف/ 201) فخر مغشيا عليه ثم أفاق فأعادها فمات، فجاء عمرو فعزى فيه أباه وكان قد دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه ثم ناداه عمرو فقال يا فتى، ولمن خاف مقام ربه جنتان (الرحمن/ 46) فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمرو قد أعطانيها ربي- عز وجل- في الجنة مرتين» ) * «7» .

من فوائد (التذكر)

(1) يجعل المسلم على صلة مع ربه عند ما يتذكر آلاءه.

(2) يديم النظر في مخلوقات الله فيزداد إيمانا ويقينا.

(3) تنعكس على صاحبه ملامح النجابة والفطنة والذكاء.

(4) يكسب الوجه نضارة واستنارة.

(5) يحبه الله والملائكة المقربون وعباد الله الصالحون.

(6) التذكر يزيل الغفلة ويمد صاحبه بزاد من الإيمان لا ينفد.

(7) التذكر يبعث على العظة والاعتبار خاصة ما حدث للأمم السابقة.

(8) بالتذكر يتغلب الإنسان على هوى الشيطان ويمده بالبصيرة النافذة إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (الأعراف/ 201) .

(9) التذكر يرفع الروح المعنوية لصاحبه ويجعله ضمن أولى الألباب ويدخله في المنيبين.

(10) التذكر يبعد الإنسان عن الذنوب ويحثه على الإنابة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١١ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١١:٠١.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٦٠٥ مرات.