أدوات شخصية
User menu

التعاون على البر والتقوى

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


التعاون لغة

مصدر تعاون وهو مأخوذ من «العون» الذي يراد به المظاهرة على الشيء يقال: فلان عوني أي معيني وقد أعنته، والعون أيضا الظهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنث فيه سواء، وقد حكي في تكسيره أعوان، والعرب تقول: إذا جاءت السنة جاء معها أعوانها يعنون بالسنة الجدب وبالأعوان الجراد والذئاب والأمراض. وتقول: أعنته إعانة واستعنته واستعنت به فأعانني وتعاونوا علي واعتونوا: أعان بعضهم بعضا، وتعاونا أعان بعضنا بعضا. والمعونة:

الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للناس وكل شيء أعانك فهو عون لك، كالصوم عون على العبادة «1» .

قال الفيرزآبادي- رحمه الله تعالى-: والعوين:

اسم للجمع، واستعنته وبه فأعانني، قال تعالى فأعينوني بقوة (الكهف/ 95) .

وتعاون الأعوان: إعانة بعضهم بعضا. قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (المائدة/ 2) وعاونه معاونة وعوانا «2» .

أقسام الناس في باب التعاون

قال الماوردي- رحمه الله تعالى-: «تنقسم أحوال من دخل في عداد الإخوان أربعة أقسام: منهم من يعين ويستعين، ومنهم من لا يعين ولا يستعين، ومنهم من يستعين ولا يعين، ومنهم من يعين ولا يستعين.

فأما المعين والمستعين فهو معاوض منصف يؤدي ما عليه ويستوفي ماله، فهو كالمقرض يسعف عند الحاجة ويسترد عند الاستغناء، وهو مشكور في معونته، ومعذور في استعانته، فهذا أعدل الإخوان.

وأما من لا يعين ولا يستعين فهو متروك قد منع خيره وقمع شره فهو لا صديق يرجى، ولا عدو يخشى، وإذا كان الأمر كذلك فهو كالصورة الممثلة، يروقك حسنها، ويخونك نفعها، فلا هو مذموم لقمع شره، ولا هو فلا خيره يرجى ولا شره يؤمن، وحسبك مهانة من رجل مستثقل عند إقلاله، ويستقل عند استقلاله فليس لمثله في الإخاء حظ، ولا في الوداد نصيب.

وأما من يعين ولا يستعين فهو كريم الطبع، مشكور الصنع، وقد حاز فضيلتي الابتداء والاكتفاء، فلا يرى ثقيلا في نائبة، ولا يقعد عن نهضة في معونة.

فهذا أشرف الإخوان نفسا وأكرمهم طبعا فينبغي لمن أوجد له الزمان مثله، وقل أن يكون له مثل؛ لأنه البر الكريم والدر اليتيم، أن يثني عليه خنصره، ويعض عليه بناجذه ويكون به أشد ضنا منه بنفائس أمواله، وسني ذخائره؛ لأن نفع الإخوان عام، ونفع المال خاص، ومن كان أعم نفعا فهو بالادخار أحق، ثم لا ينبغي أن يزهد فيه لخلق أو خلقين ينكرهما منه إذا رضي سائر أخلاقه، وحمد أكثر شيمه؛ لأن اليسير مغفور والكمال معوز «1» .

التعاون واجب ديني وضرورة اجتماعية

قال ابن خلدون- رحمه الله تعالى-: إن الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع وبيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم واحد من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري وهب أنه يأكله حبا من غير علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله حبا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد له من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف، وكذلك يحتاج كل منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه؛ لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان، فقدرة الفرس مثلا، أعظم بكثير من قدرة الإنسان، وكذا قدرة الحمار والثور والأسد والفيل أضعاف من قدرته.

ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعة ما يصل إليه من عادية غيره، وجعل للإنسان عوضا عن ذلك كله الفكر واليد، فاليد مهيأة للصنائع بخدمة الفكر، والصنائع تحصل له الالات التي تنوب له عن الجوارحمشكور لمنع خيره، وإن كان باللوم أجدر.

وأما من يستعين ولا يعين فهو لئيم كل، ومهين مستذل قد قطع عنه الرغبة وبسط فيه الرهبة،المعدة في سائر الحيوانات للدفاع.

فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة، ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الالات المعدة للمدافعة لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة لها، فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه، وما لم يكن ذلك التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته، ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السلاح، فيكون فريسة حيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر، وإذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء والسلاح للدفاع، وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه، فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني، وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم «1» .

البر والتقوى

انظر في المعنى اللغوي لهذين اللفظين في صفتي: «البر» و «التقوى» .

التعاون على البر والتقوى اصطلاحا

لا يختلف المعنى اللغوي للفظ التعاون عن معناه الذي تقرر له في عرف الشرع، ومن ثم يمكن تعريف صفة التعاون على البر والتقوى بأنها: أن يظاهر المسلم أخاه ويعينه في فعل الخيرات، وعلى طاعة الله- عز وجل- وتجنب معصيته.

[للاستزادة: انظر صفات: الإخاء- الاجتماع الإغاثة- الألفة- التناصر- تفريج الكربات- المحبة- المواساة- البر.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: التعاون على الإثم والعدوان- التخاذل- الأثرة- البخل- الشح التفرق- الأذى- التنازع] .

الآيات الواردة في «التعاون على البر والتقوى»

1- يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) «2»

وانظر الايات الكريمة الواردة في صفتي: الاعتصام والاستعانة

الأحاديث الواردة في (التعاون على البر والتقوى)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر ولن يشاد «1» الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة «2» والروحة «3» وشيء من الدلجة «4» » ) * «5» .

2-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلا. قالت: فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع. فقال: «مالك يا عائشة أغرت؟» فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك؟.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقد جاءك شيطانك؟» قالت:

يا رسول الله أو معي شيطان. قال: «نعم» . قلت:

ومع كل إنسان؟. قال: «نعم» قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم» ) * «6» .

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للمساجد أوتادا «7» هم أوتادها لهم جلساء من الملائكة فإن غابوا سألوا عنهم وإن كانوا مرضى عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم» ) * «8» .

4-* (عن سعيد بن جبير- رضي الله عنه- قال ابن عباس- رضي الله عنهما- «أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا «9» لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم.

قالت: إذن لا يضيعنا.

ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية «10» ، حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال ربنا إني أسكنتمن ذريتي بواد غير ذي زرع إلى قوله يشكرون (إبراهيم/ 37) وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط «1» .

فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلذلك سعي الناس بينهما» .

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه «2» - تريد نفسها- ثم تسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه- أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم» أو قال: «لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا» .

قال فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية «3» ، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة «4» من جرهم- أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء» ، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا «6» ، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا «7» أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا- قال وأم إسماعيل عند الماء- فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس» ، فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم.

وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة.

فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هلجاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت:

نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك. فطلقها، وتزوج منهم أخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال:

كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم. فقالت:

نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال:

اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه» ، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة- وأثنت عليه- فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته، أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.

قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة «1» قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال:

وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة «2» مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان:

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (البقرة/ 127) قال فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» ) * «3» .

5-* (عن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- أنها قالت: كان أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح «4» .

ثم حبب إليه الخلاء «5» . فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه. (وهو التعبد) الليالي أولات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها.

حتى فجأه الحق) وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد «1» . ثم أرسلني فقال:

اقرأ. قال قلت: «ما أنا بقارىء» . قال فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ.

فقلت: «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم* علم الإنسان ما لم يعلم (96/ العلق: الاية 1- 5) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره «2» حتى دخل على خديجة فقال:

«زملوني «3» زملوني» فزملوه حتى ذهب عنه الروع «4» . ثم قال لخديجة: «أي خديجة مالي» وأخبرها الخبر. قال «لقد خشيت على نفسي» قالت له خديجة: كلا أبشر. فو الله لا يخزيك الله أبدا.

والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث. وتحمل الكل «5» ، وتكسب المعدوم «6» ، وتقري الضيف «7» ، وتعين على نوائب الحق.

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى. وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها.

وكان امرأ تنصر في الجاهلية. وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي عم اسمع من ابن أخيك.

قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رآه. فقال له ورقة: هذا الناموس «8» الذي أنزل على موسى صلى الله عليه وسلم.

يا ليتني فيها جذعا «9» يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم؟» قال ورقة: نعم. لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي.

وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» ) * «10» .

6-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- أنه قال للمعرور بن سويد لما لقيه بالربذة «11» وعليه حلة «12» وعلى غلامه حلة: ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية.

إخوانكم خولكم «13» جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل،وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» ) * «1» .

7-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنها كانت تداين «2» فقيل لها مالك وللدين؟ قالت:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عز وجل عون» فأنا ألتمس ذلك العون) * «3» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حق على الله عونهم:

المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» ) * «4» .

9-* (عن مخارق- رضي الله عنه- قال:

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يأتيني فيريد مالي؟ قال: «ذكره بالله» قال: فإن لم يذكر؟ قال:

«فاستعن عليه من حولك من المسلمين» قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين، قال: «فاستعن عليه بالسلطان» قال: فإن نأى السلطان عني، قال: «قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الاخرة، أو تمنع مالك» ) * «5» .

10-* (عن قبيصة بن المخارق الهلالي- رضي الله عنه- قال: حملت حمالة «6» فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فإما أن نحملها وإما أن نعينك فيها» وقال: «إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة لرجل تحمل حمالة قوم فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ما له فيسأل فيها حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة فيسأل حتى يصيب قواما من عيش «7» أو سدادا من عيش ثم يمسك. وما سوى ذلك من المسائل، سحتا يا قبيصة يأكل صاحبه سحتا» ) * «8» .

11-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة وقلدوها ولا تقلدوها بالأوتار «9» » ) * «10» .

12-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال:

قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال:

«الإيمان بالله، والجهاد في سبيله» . قال قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا» . قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعا أو تصنع لأخرق «1» » . قال قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك» ) *» .

13-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة» فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر فإنها له صدقة» ) * «3» .

14-* (عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه- قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: «سل» . فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال «فأعني على نفسك بكثرة السجود» ) * «4» .

15-* (عن سلمان- رضي الله عنه- قال:

كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها جي وكان أبي دهقان «5» قريته وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار «6» الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوما فقال لي يا بني إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون قال فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فو الله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها فقلت لهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام قال ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله قال فلما جئته قال أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت قال قلت يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فو الله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال: أي بني ليس في ذلك الدين خير. دينك ودين آبائك خير منه، قال قلت: كلا والله إنه خير من ديننا.

قال: فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدمعليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال:

فأخبروني بهم، قال: فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فاذنوني بهم، قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا الأسقف في الكنيسة، قال: فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك.


قال: فادخل فدخلت معه. قال: فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق.

قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه.

فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا قالوا وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه قالوا فدلنا عليه قال فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ثم رجموه بالحجارة ثم جاءوا برجل آخر فجعلوه بمكانه. قال يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه، ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الاخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه، قال:

فأحببته حبا لم أحبه من قبل وأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه من قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان فهو على ما كنت عليه فالحق به.

قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل.


فقلت له: يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به. قال:


فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبه، قال: فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه فأقمت مع خير رجل فو الله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر، قلت: له يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية فإنه بمثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته.

قال: فإنه على أمرنا. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابهوأمرهم.

قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله فلما حضر، قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين «1» بينهما نخل به علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا:

نعم فأعطيتهموها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدا فكنت عنده، ورأيت النخل ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة فو الله إني لفي رأس عذق «2» لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال فلان، قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الان لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء «3» حتى ظننت سأسقط على سيدي.

قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «كلوا» وأمسك يده فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئت به فقلت:

إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد «4» .

قال: وقد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه،فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي.

قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحول» فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس.

قال: فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد. قال: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاتب سلمان» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أجيبها له بالفقير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

«أعينوا أخاكم» فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية «1» ، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر.

يعني: الرجل بقدر ما عنده- حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي» ففقرت لها «2» وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب له الودى ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فو الذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل، وبقي علي المال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي.

فقال: «ما فعل الفارسي المكاتب؟» قال: فدعيت له، فقال: «خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان» فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: «خذها فإن الله. عز وجل.


سيؤدي بها عنك» . قال: فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم وعتقت، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد» ) * «3» .


16-* (عن ثوبان- رضي الله عنه- قال: لما نزلت والذين يكنزون الذهب والفضة (التوبة/ 34) قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه: أنزل في الذهب والفضة ما أنزل: لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال: «أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه» ) * «4» .


17-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: جاء أعرابي فقال: يا نبي الله، علمني عملا يدخلني الجنة، قال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة «5» . أعتق النسمة، وفك الرقبة» . قال:

أو ليستا واحدا؟ قال: «لا، عتق النسمة أن تعتق النسمة،وفك الرقبة أن تعين على الرقبة، والمنيحة الرغوب «1» ، والفيء على ذي الرحم «2» ، فإن لم تطق ذلك فأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير» ) * «3» .

18-* (عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء» فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: «كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها» ) * «4» .

19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر عن معسر، يسر الله عليه في الدنيا والاخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والاخرة.

والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» ) * «5» .

20-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولاه الله- عز وجل- من أمر المسلمين شيئا فأراد به خيرا جعل له وزير صدق، فإن نسي ذكره وإن ذكر أعانه» ) * «6» .

21-* (عن عبد الرحمن بن سمرة- رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» ) * «7» .

22-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه» ) * «8» .

الأحاديث الواردة في (التعاون على البر والتقوى) معنى

23-* (عن أنس بن مالك رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . قال: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟. قال: «تأخذ فوق يديه» ) * «1» .

24-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا «2» في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية. فهم مني وأنا منهم» ) * «3» .

25-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله تعالى؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد» - يعني مسجد المدينة- شهرا، «ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول قدمه» ) * «4» .

26-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» ) * «5» .

27-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة، قال: «اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان رسوله ما شاء» ) * «6» .

28-* (عن أبي قتادة- رضي الله عنه- قال:

إنه طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده، فقال: إني معسر. فقال: آلله؟ قال: آلله. قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» ) * «7» .

29-* (عن حذيفة بن اليمان- رضي اللهعنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتي الله بعبد من عباده آتاه الله مالا، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ولا يكتمون الله حديثا (النساء/ 42) قال: يا رب، آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز «1» ، فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر، فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي» ) * «2» .

30-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع.

فذكر عيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ورد السلام، ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإبرار القسم) * «3» .

31-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة فخرجنا وكنا ببعض الطريق فني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب» ، فأكل منه القوم ثماني عشرة ليلة.

ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت ثم مرت تحتهما فلم تصبهما» .

وفي رواية مسلم: «فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟» فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله) * «5» .

32-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل) * «6» .

33-* (عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: خفت أزواد القوم وأملقوا «7» ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم فأذن لهم، فلقيهم عمر فأخبروه، فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ فدخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم» ، فدعا وبرك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس حتى فرغوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» ) * «8» .

34-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: صارت صفية لدحية في مقسمه، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويقولون: ما رأينا في السبى مثلها.

قال: فبعث إلى دحية فأعطاه بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي فقال: «أصلحيها» قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القبة، فلما أصبح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان عنده فضل زاد فليأتنا به» قال فجعل الرجل يجيء بفضل التمر وفضل السويق حتى جعلوا من ذلك سوادا حيسا «1» ، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس ويشربون من حياض «2» إلى جنبهم من ماء السماء، قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، قال: فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها فرفعنا مطينا ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيته قال: وصفية خلفه قد أردفها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فعثرت مطية رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرع وصرعت «3» قال: فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها، حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسترها، قال: فأتيناه فقال: «لم نضر» قال فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعتها) * «4» .

35-* (عن أم عطية- رضي الله عنها- أنها قالت: كنا نداوي الكلمى «5» ، ونقوم على المرضى فسألت أختي النبي صلى الله عليه وسلم، أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ قال: «تلبسها صاحبتها من جلبابها، ولتشهد الخير ودعوة المسلمين» ) * «6» .

36-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه» ) * «7» .

37-* (عن النعمان بن بشير- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ) * «8» .

38-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» ) * «9» .

39-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أقال مسلما «10» أقالالله عثرته» ) * «1» .

40-* (عن زيد بن خالد الجهني- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا» ) * «2» .

41-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مشى في حاجة أخيه كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق كل خندق أبعد مما بين الخافقين «3» » ) * «4» .

42-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ» ) * «5» .

43-* (عن زيد بن ثابت- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الله في حاجة العبد ما دام في حاجة أخيه» ) * «6» .

44-* (عن أبي أمامة الباهلي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف «7» ، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» ) * «8» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (التعاون على البر والتقوى)

45-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

«كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة» ) * «9» .

46-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبر بطنه يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقيناإن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع بها صوته: أبينا أبينا» ) * «1» .

47-* (عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- أنه كان يخطب فقال: «إنا والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير» ) * «2» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التعاون على البر والتقوى)

1-* (قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:

«عليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم فإنهم زين في الرخاء وعدة في البلاء» ) * «3» .

2-* (وقال أيضا: «آخ الإخوان على قدر التقوى، ولا تجعل حديثك بذلة إلا عند من يشتهيه، ولا تضع حاجتك إلا عند من يحب قضاءها، ولا تغبط الأحياء إلا بما تغبط الأموات، وشاور في أمرك الذين يخشون الله عز وجل» ) * «4» .

3-* (قال عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيني وبين سعد بن الربيع، فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالا، فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان، فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلوني على السوق، فدلوني على سوق بني قينقاع، فما رحت حتى استفضلت أقطا وسمنا» ) * ... الحديث «5» .

4-* (قال المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه-:

«التارك للإخوان متروك» ) * «6» .

5-* (عن عبد الله بن الزبير- رضي الله عنه- قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال:

يا بني لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا فقال: يا بني، بع مالنا، فاقض ديني.

وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه- يعني بني عبد الله بن الزبير، يقول: ثلث الثلث- فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين فثلثه لولدك.

قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير- خبيب وعباد- وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي.

قال: فو الله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله. قال: فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه.

فقتل الزبير- رضي الله عنه- ولم يدع ديناراولا درهما، إلا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر.

قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة.

وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع أبي بكر وعمر وعثمان- رضي الله عنهم- قال عبد الله بن الزبير فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف قال: فلقي حكيم ابن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي: كم على أخي من الدين؟ فكتمه فقال مائة ألف. فقال حكيم:

والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله:

أرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. قال: وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف. فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف «1» .

ثم قام فقال: من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة.

فأتاه عبد الله بن جعفر- وكان له على الزبير أربعمائة ألف- فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم.

قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال: قال:

فاقطعوا لي قطعة. قال عبد الله: لك من ههنا إلى ههنا.

قال فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية- وعنده عمرو ابن عثمان والمنذر بن الزبير، وابن زمعة- فقال له معاوية:

كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر ابن الزبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية كم بقي؟ فقال:

سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال:

وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف.

فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير:

اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم. فلما مضى أربع سنين قسم بينهم. قال:

وكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف) * «2» .

6-* (قال عطاء بن أبي رباح- رحمه الله تعالى-: «تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث فإن كانوا مرضى فعودوهم أو مشاغيل فأعينوهم أو كانوا نسوا فذكروهم» ) *» .

7-* (قال أبو جعفر بن صهبان- رحمه الله تعالى-: «كان يقال: أول المودة طلاقة الوجه، والثانية التودد، والثالثة قضاء حوائج الناس» ) * «4» .

8-* (قال داود الطائي لرجل طلب منه الوصية: «اصحب أهل التقوى، فإنهم أيسر أهلالدنيا عليك مئونة، وأكثرهم لك معونة» ) * «1» .

9-* (قال أبو حمزة الشيباني- رحمه الله تعالى- لمن سأله عن الإخوان في الله من هم؟ قال: «هم العاملون بطاعة الله- عز وجل- المتعاونون على أمر الله- عز وجل- وإن تفرقت دورهم وأبدانهم» ) * «2» .

10-* (قال ابن المعتز- رحمه الله تعالى-:

«من اتخذ إخوانا كانوا له أعوانا» ) * «3» .

11-* (قال بعض الحكماء: «من جاد لك بمودته، فقد جعلك عديل نفسه، فأول حقوقه اعتقاد مودته، ثم إيناسه بالانبساط إليه في غير محرم، ثم نصحه في السر والعلانية، ثم تخفيف الأثقال عنه، ثم معاونته فيما ينوبه من حادثة، أو يناله من نكبة، فإن مراقبته في الظاهر نفاق، وتركه في الشدة لؤم» ) * «4» .

12-* (قال بعض الشعراء:

هموم رجال في أمور كثيرة ... وهمي من الدنيا صديق مساعد نكون كروح بين جسمين قسمت ... فجسماهما جسمان والروح واحد) * «5» .

13-* (وقال بعض البلغاء: «صديق مساعد، عضد وساعد» ) * «6» .

من فوائد (التعاون على البر والتقوى)

(1) إمكان إنجاز الأعمال الكبيرة التي لا يقدر عليها الأفراد.

(2) شعور الفرد بالقوة ونزع شعور العجز من نفسه.

(3) دليل حب الخير للاخرين.

(4) مواجهة الأخطار المحدقة بالإنسان ممن حوله من الإنسان والحيوان.

(5) ثمرة من ثمرات الإيمان فضلا عن كونه حاجة ملحة للإنسان.

(6) أساس التقدم والإنتاج والنجاح والتفوق.

(7) من ثمرات الأخوة الإسلامية.

(8) الشعور بالمساواة في الإنسانية يدفع إليه ويحض عليه.

(9) ينزع الحقد من القلوب الضعيفة ويزيل أسباب الحسد.

(10) طريق موصل إلى محبة الله ورضاه وجنته.

(11) سبب من أهم أسباب الألفة والمحبة بين الناس.

(12) يحقق سنة الله في خلقه ويوافق طبيعة الأشياء وفي هذا يقول الشاعر:

الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٢ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١١:٠١.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٤٦٩ مرة.