أدوات شخصية
User menu

التفكر

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


التفكر لغة

التفكر مأخوذ من مادة (ف ك ر) التي تدل- كما يقول ابن فارس- على تردد القلب في الشيء، يقال تفكر إذا ردد قلبه معتبرا «1» .

ولفظ التفكر مصدر لتفكر أو أنها اسم (اسم مصدر) من فكر التي مصدرها التفكير، ومن المادة أيضا أخذ الفكر والفكر، يقول صاحب اللسان: والفكر التأمل وإعمال الخاطر في الشيء قال سيبويه: ولا يجمع الفكر، وحكى ابن دريد في جمعه أفكارا.

والفكرة: كالفكر، وقد فكر في الشيء وأفكر فيه وتفكر بمعنى، ورجل فكير: كثير الفكر.

والتفكر اسم التفكير، وقال الجوهري: التفكر:

التأمل والاسم: الفكر، والمصدر: الفكر بالفتح «2» .ذ

واصطلاحا

تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب «3» .

حقيقة التفكر

قال ابن القيم- رحمه الله-: أصل الخير والشر من قبل التفكر؛ فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض.

وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار، ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها، فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء.

ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما، وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة، فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها وفي الدنيا وخستها وفنائها أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا، وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت.

وهذه الأفكار تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في واد.

وبإزاء هذه الأفكار الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر الخلق. كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أعطي الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ينفع، كالفكر في كيفية ذات الرب مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه «4» .

الحث على التفكر والتدبر

قال الغزالي- رحمه الله-: كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: التأمل- التأني- التبين (التثبت) - التدبر- تذكر الموت- التذكير- الذكر- النظر والتبصر.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: اتباع الهوى- الأمن من المكر- لبلادة والغباء- العجلة- الغفلة- اللهو واللعب- الإعراض] .

الآيات الواردة في «التفكر»

1-* يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) «1»

2- أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) «2»

3- إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) «3»

4- قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) «4»

5- واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) «5»

6- أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) «6»

7- إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) «1»

8- الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) «2»

9- هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) «3»

10- وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (44) «4»

11- وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) «5»

12- أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8)أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) «1»

13- ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) «2»

14-* قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) «3»

15- الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) «4»

16-* الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) «5»

17- لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) «6»

الأحاديث الواردة في (التفكر)

1-* (عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمه كما قال الأول: زر غبا تزدد حبا. قال فقالت: دعونا من رطانتكم هذه.

قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فسكتت ثم قالت: لما كانت ليلة من الليالي قال: «يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي» قلت والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك. قالت:

فقام فتطهر ثم قام يصلي. قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي. قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها إن في خلق السماوات والأرض) الآية (آل عمران/ 190)) * «1» .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال:

«هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟ قالوا: لا. قال: «فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟» قالوا: لا. قال:

«فو الذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. قال فيلقى العبد فيقول:

أي فل «2» ألم أكرمك، وأسودك «3» ، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس» وتربع «5» ؟ فيقول:

بلى. قال فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا.

فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل: ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي رب! فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.

ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت.

ويثني بخير ما استطاع. فيقول ههنا إذا «1» . قال ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه:

من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر «2» من نفسه. وذلك المنافق. وذلك الذي يسخط الله عليه» ) * «3» .

الأحاديث الواردة في (التفكر) معنى

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل.

وشاب نشأ بعبادة الله. ورجل قلبه معلق في المساجد. ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه» ) * «4» .

4-* (عن عمرو بن عبسة السلمي قال:

كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء. وهم يعبدون الأوثان. فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا. فقعدت على راحلتي.

فقدمت عليه. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جراء «5» عليه قومه. فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة.

فقلت له: ما أنت؟ «6» قال: «أنا نبي» فقلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله» فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال

«أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء» قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: «حر وعبد» (قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت: إني متبعك. قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا.

ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» قال فذهبت إلى أهلي. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة.

حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة. فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع. وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة. فدخلت عليه.

فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: «نعم. أنت الذي لقيتني بمكة؟» قال فقلت: بلى. فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله.

أخبرني عن الصلاة قال: «صل صلاة الصبح. ثم أقصر «1» عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع. فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صل. فإن الصلاة مشهودة محضورة. «2» حتى يستقل الظل بالرمح «3» .

ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ، تسجر «4» جهنم. فإذا أقبل الفيء فصل. فإن الصلاة مشهودة محضورة. حتى تصلي العصر.

ثم أقصر عن الصلاة. حتى تغرب الشمس. فإنها تغرب بين قرني شيطان.

وحينئذ يسجد لها الكفار» قال: فقلت: يا نبي الله فالوضوء؟ حدثني عنه. قال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه.

ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء.

ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء. ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء. ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء.

فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة، انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله ولا على رسول الله. لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا (حتى عد سبع مرات) ما حدثت به أبدا. ولكني سمعته أكثر من ذلك) * «5» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (التفكر)

5-* (عن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- أنها قالت: أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه (وهو التعبد) «1» الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله. ويتزود لذلك.

ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال:


«ما أنا بقارئ» قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد «2» . ثم أرسلني فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» .

قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ» فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال:

اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم (العلق/ 1- 3) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف «3» فؤاده. فدخل على خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها- فقال: زملوني زملوني.

فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم «4» ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى- ابن عم خديجة- وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.

فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة:

هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا «5» ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم.

لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب «6» ورقة أن توفي، وفتر الوحي» ) * «7» .

6-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال: «لا والله ما أخشى عليكم، أيها الناس إلا ما يخرج اللهلكم من زهرة الدنيا» فقال رجل: يا رسول الله أيأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة. ثم قال:

«كيف قلت؟» قال: قلت يا رسول الله، أيأتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الخير لا يأتي إلا بخير أو خير هو.

إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا «1» أو يلم. إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها «2» استقبلت الشمس. ثلطت «3» أو بالت.

ثم اجترت «4» ، فعادت فأكلت. فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه. ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع» ) * «5» .

7-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (آل عمران/ 190) ثم قام فتوضأ واستن «6» فصلى إحدى عشرة ركعة ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح) * «7» .

8-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة. فافتتح البقرة.

فقلت «8» يركع عند المائة. ثم مضى. فقلت: يصلي بها فى ركعة. فمضى. فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها. ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلا.

إذا مر بآية فيها تسبيح سبح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ. ثم ركع فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم» فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: «سمع الله لمن حمده» ثم قام طويلا قريبا مما ركع. ثم سجد فقال: «سبحان ربي الأعلى» فكان سجوده قريبا من قيامه» .

(قال) وفي حديث جرير من الزيادة: فقال «سمع الله لمن حمده. ربنا لك الحمد» ) * «9» .

9-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي القرآن» قال فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» .

فقرأت النساء حتى إذا بلغت فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (النساء/ 41) رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل) * «10» .

10-* (عن عائشة- رضي الله عنها- زوجالنبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبدياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب «1» فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.

فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين «2» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» ) *» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (التفكر)

1-* (كان لقمان يطيل الجلوس وحده، فكان يمر به مولاه فيقول: «يا لقمان، إنك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس كان آنس لك فيقول لقمان: «إن طول الوحدة أفهم للفكر وطول الفكر دليل على طريق الجنة» ) * «4» .

2-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما-:

«ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب» ) * «5» .

3-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا:

عصاه، ويده بيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرأ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى.

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا. فدعا ربه فنزلت: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (آل عمران/ 190) فليتفكروا فيها» ) *. «6»

4-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله» ) * «7» .

5-* (قال عمر بن عبد العزيز: «الفكرة في نعم الله- عز وجل- من أفضل العبادة» ) * «8» .

6-* (وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه بكى يوما بين أصحابه فسئل عن ذلك، فقال:

«فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر» ) * «1» .

7-* (عن عبد الله بن عتبة قال: سألت أم الدرداء: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت:

«التفكر والاعتبار» ) * «2» .

8-* (عن عامر بن عبد قيس قال: «سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: «إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر» ) * «3» .

9-* (عن الحسن- رحمه الله- قال: «إن من أفضل العمل الورع والتفكر» ) * «4» .

10-* (عن الحسن- رحمه الله- قال: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» ) * «5» .

11-* (كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز:

«اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما فني وإن كان كثيرا يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا، واحتمال المئونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية» ) * «6» .

12-* (عن محمد بن كعب القرظي قال:

«لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بإذا زلزلت، والقارعة لا أزيد عليهما وأتردد فيهما وأتفكر أحب إلي من أن أهذ «7» القرآن ليلتي هذا أو قال أنثره نثرا» ) * «8» .

13-* (عن طاوس قال: «قال الحواريون لعيسى ابن مريم، يا روح الله هل على الأرض اليوم مثلك؟ فقال:

«نعم، من كان منطقه ذكرا وصمته فكرا ونظره عبرة فإنه مثلي» ) * «9» .

14-* (قال وهب بن منبه: «ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم، وما علم امرؤ قط إلا عمل» ) * «10» .

15-* (قال عبد الله بن المبارك: «مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة فناداه فقال: يا راهب، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر. كنز الرجال، وكنز الأموال» ) * «11» .

16-* (قال الشيخ أبو سليمان الداراني: «إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله فيه نعمة ولي فيه عبرة» ) * «12» .

17-* (قال بشر بن الحارث الحافي: «لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله- عزوجل» ) * «1» .

18-* (قال مغيث الأسود: «زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم.

وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها، وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعا من بين أصحابه قد ذهب عقله» ) * «2» .

19-* (قيل لإبراهيم بن أدهم: «إنك تطيل الفكرة» فقال: «الفكرة مخ العقل» ) * «3» .

20-* (قال الشافعي- رحمه الله-: «استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر» .

وقال أيضا: «صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور، والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم، والرؤية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة، ومشاورة الحكماء ثبات في النفس، وقوة في البصيرة، ففكر قبل أن تعزم، وتدبر قبل أن تهجم، وشاور قبل أن تقدم» ) * «4» .

21-* (عن الفضيل بن عياض قال: «الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك» ) * «5» . 22-* (قال أبو سليمان: «عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر» ) * «6» .

وقال: «الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحيي القلوب» ) * «7» .

23-* (عن امرأة كانت تسكن البادية قريبا من مكة أنها قالت: «لو تطالعت قلوب المتقين بفكرها إلى ما قد ادخر لها في حجب الغيب من خير الآخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم في الدنيا عين» ) * «8» .

24-* (قال العلامة ابن القيم- رحمه الله-:

«أنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك؛ فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي لا تبتعد أو تقترب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك إلا بها، وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك، ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك» ) * «9» .

ومن أقوال الشعراء

25-* (قال سفيان بن عيينة- رحمه الله-:

إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة) * «1»

26-* (أنشد بعض الأدباء:

إني رأيت عواقب الدنيا ... فتركت ما أهوى لما أخشى فكرت في الدنيا وعالمها ... فإذا جميع أمورها تفنى وبلوت أكثر أهلها فإذا ... كل امرئ في شأنه يسعى أسنى منازلها وأرفعها ... في العز أقربها من المهوى تعفو مساويها محاسنها ... لا فرق بين النعي والبشرى وقد مررت على القبور فما ... ميزت بين العبد والمولى أتراك تدري كم رأيت من ... الأحياء ثم رأيتهم موتى) * «2»

27-* (قال الشاعر:

إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد ... فرب العباد سريع النقم وإياك والظلم مهما استطعت ... فظلم العباد شديد الوخم وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر آثار من قد ظلم) * «3»

من فوائد (التفكر)

(1) طريق موصل إلى رضوان الله ومحبته.

(2) انشراح للصدر وسكينة للقلب.

(3) التفكر يورث الخوف والخشية من الله- عز وجل-.

(4) التفكر يورث الحكمة ويحيي القلوب.

(5) كثرة الاعتبار والاتعاظ من سير السابقين. (6) التفكر قيمة عقلية كبرى تؤدي إلى يقظة الأفراد ونهضة الأمم.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٢ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١١:٤٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ٣٬٢٤٠ مرة.