أدوات شخصية
User menu

التوحيد

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


التوحيد لغة

مصدر قولهم: «وحد يوحد» وهو مأخوذ من مادة (وح د) التي تدل على الانفراد، يقول ابن فارس:

ومن ذلك الوحدة، (ومنه) هو واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله، قال الشاعر:

يا واحد العرب الذي ... ما في الأنام له نظير والواحد أيضا: المنفرد، وقول عبيد (بن الأبرص) :

والله لو مت ما ضرني ... وما أنا إن عشت في واحده يريد: ما أنا (على ما يرام) إن عشت في خلة واحدة تدوم، لأنه لابد لكل شيء من انقضاء «1» .

وقال الراغب: الواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به فيقال عشرة واحدة ومائة واحدة وألف واحد، وإذا وصف الله تعالى بالواحد فمعناه هو الذي لا يصح عليه التجزؤ ولا التكثر، ولصعوبة هذه الوحدة قال تعالى: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (الزمر/ 45) «2» .

قال القرطبي: كان المشركون إذا قيل لهم: «لا إله إلا الله» نفروا وكفروا، (وإذا ذكر الذين من دونه) - أي:

الأوثان- يظهر في وجوههم البشر والسرور، ومعنى «اشمأزت» قيل: «انقبضت، وقيل: نفرت واستكبرت وكفرت وتعصت، وقيل: أنكرت «3» .

والوحد: المفرد، ويوصف به غير الله تعالى، كقول الشاعر:

على مستأنس وحد وأحد مطلقا لا يوصف به غير الله تعالى «4» .

ويقال: رجل وحد، ووحد، ووحيد أي:

منفرد. وفلان واحد دهره، وفلان لا واحد له، وفلان واحد أهل زمانه، أي: لا نظير له. والجمع: وحدان مثل شاب وشبان، وراع ورعيان، وأحدان وأصله:

وحدان (أبدلت الواو همزة) ، ويقال: لست في هذا الأمر بأوحد، ولا يقال للأنثى وحداء. وقولهم: أعط كل واحد منهم على حدة أي: على حياله «5» .

وقال ابن منظور: يقال: وحد فلان يوحد أيبقي وحده، ويقال أيضا وحد ووحد وفرد وفرد ...

ونقل عن ابن سيده أنه يقال في (مصدر) وحد ووحد وحادة وحدة ووحدا، وقولهم توحد: بقي وحده، وفي حديث ابن الحنظلية وكان رجلا متوحدا أي منفردا لا يخالط الناس ولا يجالسهم، وأوحد الله جانبه أي بقي وحده وأوحده للأعداء، وتوحد برأيه تفرد به «1» ، وتوحده الله بعصمته أي عصمه ولم يكله إلى غيره وأوحدت الشاة فهي موحد أي وضعت واحدا «2» ، وقولهم: مررت به وحده مصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يغير عن المصدر، وهو بمنزلة إفرادا وإن لم يتكلم به، وأصله أوحدته بمروري إيحادا ثم حذفت زياداته فجاء على الفعل ومثله قولهم: عمرك الله، والعرب تنصب «وحده» في الكلام كله لا ترفعه ولا تخفضه إلا في ثلاثة أحرف: نسيج وحده، وعيير وحده، وجحيش وحده «3» ، ووجه النصب أنه مصدر أي توحد وحده، وقال (الكوفيون) «4» إنه نصب على أنه صفة، وقال أبو عبيد: وقد يدخل الأمران فيه جميعا، أما قولهم نسيج وحده فمدح، وأما جحيش وحده وعيير وحده فموضوعان موضع الذم، وهما اللذان لا يشاوران أحدا ولا يخالطان (غيرهما) ، وفيهما مع ذلك مهانة وضعف، وقيل معنى قولهم: نسيج وحده أنه لا ثاني له «5» ، وفي حديث عمر- رضي الله عنه- من يدلني على نسيج وحده ومنه أيضا حديث عائشة- رضي الله عنها- تصف عمر- رضي الله عنه- «كان نسيج وحده» «6» .

سروالوحد: حدة كل شيء، يقال وحد الشيء يحد حدة، وكل شيء على حدة فهو ثاني آخر، يقال: ذلك على حدته، وهما على حدتهما، وهم على حدتهم وفي حديث جابر ودفن أبيه:

فجعله في قبر على حدة أي منفردا وحده وهي مثل عدة وزنة من الوعد والوزن، قال ابن سيدة: وحدة الشيء توحده، يقال: هذا الأمر على حدته وعلى وحده، وقولهم:

أوحده الناس أي تركوه وحده، وأما قوله عز وجل قل هو الله أحد فإن أكثر القراء على تنوين أحد وقد قرأه بعضهم بترك التنوين وقرئ أيضا بإسكان الدال، وأجودها الرفع في المرور (أي في الوصل) ، وإنما كسر التنوين لسكونه وسكون اللام من لفظ الجلالة، ومن حذف التنوين فلالتقاء الساكنين أيضا. وروي في التفسير أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك فأنزل الله- عز وجل-: قل هو الله أحد* الله الصمد (الإخلاص/ 1، 2) . ومعنى ذلك نفيالنسب عن الله الواحد- تعالى عما يقول المشركون علوا كبيرا- لأن الأنساب إنما تكون للمخلوقين، والله تعالى صفته أنه لم يلد ولدا ينسب إليه، ولم يولد فينتسب إلى والده، ولم يكن له مثل- ولا يكون- فيشبه به «1» ، وقال القرطبي: معنى قل هو الله أحد: أي الواحد الوتر الذي لا شبيه له ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك «2» ، وذكر الطبري في سبب نزولها أن المشركين سألوا النبي عن نسب رب العزة، وقيل إن اليهود سألوه فقالوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله، فأنزلت جوابا لهم «3» .

وجوه استعمال لفظ الواحد

قال الراغب: الواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه:

الأول: ما كان واحدا في الجنس أو في النوع كقولنا الإنسان والفرس واحد، في الجنس وزيد وعمرو واحد في النوع.

الثاني: ما كان واحدا بالاتصال إما من حيث الخلقة كقولك شخص واحد وإما من حيث الصناعة كقولك حرفة واحدة.

الثالث: ما كان واحدا لعدم نظيره إما في الخلقة كقولك الشمس واحدة وإما في دعوى الفضيلة كقولك فلان واحد دهره وكقولك نسيج وحده.

الرابع: ما كان واحدا لامتناع التجزي فيه إما لصغره كالهباء وإما لصلابته كالألماس.

الخامس: لمبدإ العدد كقولك واحد اثنان.

السادس: لمبدإ الخط كقولك النقطة الواحدة.

والوحدة كلها عارضة وإذا وصف الله تعالى بالواحد فمعناه هو الذي لا يصح عليه التجزي ولا التكثر ولصعوبة هذه الوحدة قال تعالى: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة والوحد المفرد ويوصف به غير الله تعالى «4» .

وجوه استعمال «أحد» في القرآن الكريم

قال ابن الجوزي: ذكر بعض المفسرين أن الأحد في القرآن على أربعة أوجه:

أحدها: الله عز وجل، ومنه قوله تعالى في البلد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد* يقول أهلكت مالا لبدا* أيحسب أن لم يره أحد (البلد/ 5- 7) .

والثاني: محمد عليه السلام ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران إذ تصعدون ولا تلوون على أحد (آل عمران/ 153) .

وقوله: ولا نطيع فيكم أحدا (الحشر/ 11) .

والثالث: بلال بن حمامة ومنه قوله تعالى في «الليل» وما لأحد عنده من نعمة تجزى(الليل/ 19) أي في بلال عند أبي بكر حين اشتراه وأعتقه من نعمة تجزى.

والرابع: بمعنى الواحد ومنه قوله تعالى قل هو الله أحد (الإخلاص/ 1) «1» .

الواحد والأحد من أسماء الله تعالى وصفاته

قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى «الواحد» وهو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر، وقيل الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل «2» ، وقال الأزهري: الواحد من صفات الله تعالى معناه أنه لا ثاني له، ويجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، فأما أحد فلا ينعت به غير الله تعالى لخلوص هذا الاسم الشريف له جل ثناؤه تقول:

وحدت الله وأحدته، وهو الواحد الأحد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا ذكر الله وأومأ بإصبعيه، فقال له أحد أحد أي أشر بإصبع واحدة، وأما قول الناس:

توحد الله بالأمر وتفرد فإنه وإن كان صحيحا فإني لا أحب أن ألفظ به في صفة الله تعالى إذ لا يوصف عز وجل إلا بما وصف به نفسه في التنزيل أو في السنة، ولم أجد المتوحد في صفاته ولا المتفرد، وإنما ننتهي في صفاته إلى ما وصف به نفسه ولا نجاوزه إلى غيره لمجازه في العربية «3» .

وقال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: ليس في الموجودات ما يسمى أحدا في الإثبات مفردا غير مضاف إلا الله تعالى، بخلاف النفي وما في معناه:

كالشرط والاستفهام، فإنه يقال: هل عندك أحد، وإن جاءني أحد من جهتك أكرمته» . وذلك أنه سبحانه هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله «5» .

الفرق بين الواحد والأحد

قال أبو منصور الأزهري وغيره: الفرق بينهما أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد تقول ما جاءني أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد تقول:

جاءنى واحد من الناس، ولا تقول جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى؛ وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله عز وجل «6» ، وأما اسم الله عز وجل «أحد» فإنه لا يوصف شيء بالأحدية غيره لا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد كما يقال رجل وحد أي فرد، لأن أحدا صفة من صفات الرب عز وجل التي استخلصها لنفسه ولا يشركه فيها شيء، وليس ذلك كقولك: الله واحد، وهذا شيء واحد» «7» .

وقال أبو هلال العسكري: الفرق بين واحدوأحد أن معنى الواحد أنه لا ثاني له فلذلك لا يقال في التثنية واحدان، كما يقال رجل ورجلان ولكن قالوا:

اثنان حين أرادوا أن كل واحد منهما ثان للآخر «1» .

وقال النيسابوري: الفرق بين الواحد والأحد من ثلاثة أوجه:

الأول: أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه.

الثاني: أنك إذا قلت فلان لا يقاومه واحد جاز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان، وليس كذلك الأحد.

والثالث: أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد يستعمل في النفي فيفيد العموم «2» .

ولعل وجه تخصيص الله بالأحد هو هذا المعنى «3» .

التوحيد اصطلاحا

قال الجرجاني: التوحيد ثلاثة أشياء معرفة الله بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة «4» .

وقال ابن منظور: التوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد: ذو الوحدانية والتوحد «5» .

وقال صاحب البصائر: التوحيد الحقيقي الذي هو سبب النجاة ومادة السعادة في الدار الآخرة هو ما بينه الله تعالى وهدانا إليه في كتابه العزيز: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (آل عمران/ 18) .

وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: التوحيد:

هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده «6» .

وقال الدكتور ناصر العمر: التوحيد شرعا:

إفراد الله بحقوقه، وهو لله ثلاثة حقوق: حقوق ملك، وحقوق عبادة، وحقوق أسماء وصفات «7» .

أنواع التوحيد

قال الفيروز ابادي: التوحيد توحيدان:

الأول: توحيد الربوبية، وصاحب هذا التوحيد يشهد قيومية الرب فوق عرشه يدبر أمر عباده وحده فلا خالق ولا رازق ولا معطي ولا مانع ولا مميت ولا محيي ولا مدبر لأمر المملكة (والملكوت) ظاهرا وباطنا غيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يجري حادث إلا بمشيئته، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض..

إلا وقد أحصاها علمه وأحاطت بها قدرته، ونفذت فيها مشيئته واقتضتها حكمته. والآخر: توحيد الألوهية ويعني أن يجمعالموحد همه وقلبه وعزمه وإرادته وحركاته على أداء حقه والقيام بعبوديته «1» .

وقال شارح كتاب التوحيد: التوحيد نوعان:

توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد وهو توحيد الألوهية والعبادة «2» .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: التوحيد ثلاثة أنواع:

1- أما توحيد الربوبية: فهو الذي أقر به الكفار على زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يدخلهم في الإسلام، وقاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم واستحل دماءهم وأموالهم، وهو توحيد بفعله تعالى، والدليل قوله تعالى: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (يونس/ 31) وقوله تعالى: قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون* سيقولون لله قل أفلا تذكرون* قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم* سيقولون لله قل أفلا تتقون* قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون* سيقولون لله قل فأنى تسحرون (المؤمنون/ 84- 89) .

2- توحيد الألوهية: وهو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء، والنذر، والنحر، والرجاء، والخوف، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والإنابة.

3- توحيد الذات والأسماء والصفات: قال تعالى: قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد (سورة الإخلاص) وقال عز من قائل: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (الأعراف/ 180) «3» .

وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة، ثم عرفها قائلا:

توحيد الربوبية: وهو إفراد الله- عز وجل- بالخلق والملك والتدبير، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر إلا الله.

إذ هو سبحانه المتفرد بالخلق، والمتفرد بالملك، والمتفرد بالتدبير ... وما يوجد من المخلوق من صنع الأشياء أو الملك أو التدبير فكله ناقص، وهم غير مستقلين به، بل ذلك من خلق الله- عز وجل- (أجراه على أيديهم) أما المنفرد بذلك على وجه الاستقلال فهو الله سبحانه وتعالى.

أما توحيد الألوهية فهو مستمد من قوله تعالى:

وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (الأنبياء/ 25) أي (إفراد المولى- عز وجل- بالعبادة) . والعبادة مبنية على شيئين:

المحبة، والتعظيم. ففي المحبة يكون الرجاء، وفعل الأوامر طلبا للوصول إلى محبة الله- عز وجل- وثوابه.

والتعظيم: به يترك الإنسان المناهي التي نهى الله عنها ويخاف من عقابه، وللعبادة- أيضا- شرطان، أولهما: الإخلاص لله. وثانيهما: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما توحيد الأسماء والصفات فيعني إفراد المولى- عز وجل- بأسمائه وصفاته وذلك بإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، ونفي ما نفاه عن نفسه، والسكوت عما سكت عنه الله ورسوله، أو أثبتاه إثباتا بلا تمثيل، ونفيا بلا تعطيل «1» .

أسس توحيد الأسماء والصفات

يقوم توحيد الأسماء والصفات على ثلاثة أسس، من حاد عنها لم يكن موحدا لربه في الأسماء والصفات:

الأساس الأول: تنزيه الله عن مشابهته الخلق، وعن أي نقص.

الأساس الثاني: الإيمان بالأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة، دون تجاوزها بالنقص منها أو الزيادة عليها أو تحريفها أو تعطيلها.

الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية هذه الصفات «2» .

أدلة هذا التوحيد

أما الأسماء فقد دل عليها قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ... (الأعراف/ 180) ، وقوله: له الأسماء الحسنى (الحشر/ 24) .

وأما الصفات فقد دل عليها إقراره صلى الله عليه وسلم لقول الصحابي في الحديث الذي أخرجه البخاري: «إنها صفة الرحمن» .

وهذا التوحيد لا يكفي في حصول الإسلام، بل لابد مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية والألوهية، ولم يكن الكفار ينكرون هذا النوع، إلا أن بعضهم قد ينكر بعضه، إما جهلا، وإما عنادا «3» .

اشتمال الفاتحة على التوحيد بأنواعه المختلفة

قال ابن قيم الجوزية: اشتملت سورة الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وهو نوعان (إجمالا) هما التوحيد العلمي المتعلق بالأخبار والمعرفة.

والثاني: التوحيد القصدي الإرادي أي المتعلق بالقصد والإرادة، وهذا الثاني نوعان: توحيد في الربوبية وتوحيد في الألوهية. (فتصبح الأنواع ثلاثة تفصيلا) .

فأما توحيد العلم: فمداره على إثبات صفات الكمال، وعلى نفي التشبيه والمثال، والتنزيه عن العيوب والنقائص، وقد دل على هذا شيئان: مجمل ومفصل.

أما المجمل فإثبات الحمد له سبحانه، وأما المفصل: فذكر صفة الإلهية والربوبية والرحمة «1» والملك، وعلى هذه الأربع مدار الأسماء والصفات، فأما تضمن الحمد لذلك فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ونعوت جلاله، مع محبته والرضا عنه والخضوع له فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود ولا من أعرض عن محبته والخضوع له ... ومن المعلوم بالفطر والعقول السليمة والكتب السماوية أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلها ولا مدبرا، ولا ربا بل هو مذموم معيب ناقص ليس له حمد في الأولى ولا في الآخرة، وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال، ونعوت الجلال التي لأجلها استحق الحمد. أما دلالة الأسماء الخمسة وهي: الله، الرب، الرحمن، الرحيم، الملك فمبنية على أصلين:

الأصل الأول: أن أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله. فهي مشتقة من الصفات فهي أسماء وهي أوصاف وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظا لا معاني فيها لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال، ولشاع وقوع أسماء الانتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان ... وأيضا لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها، فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويقدر ويريد، ذلك أن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها لأنه إذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها، ونفي معاني أسمائه عز وجل من أعظم الإلحاد فيها «2» .

أما الأصل الثاني: فهو أن الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة فإنه يدل على دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم، فيدل على الصفة نفسها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة، فاسم السميع (مثلا) يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن، ويتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه، ومن هنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام، فإن من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة، وأن السمع والبصر لازم للحياة الكاملة، وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة أثبت من صفات الرب وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك، ولاعرف حقيقة الحياة ولوازمها وكذلك سائر صفاته كذلك «1» .

قال ابن القيم: إذا تقرر هذان الأصلان فاسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات كلها، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم «الله» وهو دال على كونه مألوها معبودا تألهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا وفزعا إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته المتضمنين لكمال الملك والحمد، وإلهيته وربوبيته ورحمته وملكه مستلزمة لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع ولا بصير، ولا قادر ولا متكلم ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله وعلى ذلك:

فصفات الجلال والكمال أخص باسم «الله» وصفات الفعل والقدرة والتفرد بالضر والنفع، والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم «الرب» .

وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة، والرأفة واللطف أخص باسم «الرحمن» الذي الرحمة وصفه، والرحيم الذي هو راحم لعباده.

وصفات العدل والقبض والبسط، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والقهر والحكم ونحوها أخص باسم «الملك» «2» .

التوحيد أصل الدين

قال ابن تيمية: «والتوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره، وبه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، كما قال الله: وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (الزخرف/ 45) .

وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (الأنبياء/ 25) ... وقد ذكر الله- عز وجل- عن كل من الرسل أنه افتتح دعوته بأن قال لقومه:

اعبدوا الله ما لكم من إله غيره* (هود/ 50، 61) .

والمشركون- من قريش وغيرهم- الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم، وسبي حريمهم وأوجب لهم النار- كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض كما قال تعالى:

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (لقمان/ 25) .

وكان المشركون الذين جعلوا مع الله آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهمشفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه كما قال تعالى:

ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (يونس/ 18) «1» .

وقال أيضا: الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول، بل دعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم، فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضي الشيطان.

ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل.

ودين الإسلام مبني على أصلين: على أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء، وعلى أن يعبد الله بما شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذان هما حقيقة قولنا:

(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) .

فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا وإكراما. والله- عز وجل- له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا الله، ولا يدعى إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يطاع إلا الله» «2» .

وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: وقوله أي محمد بن عبد الوهاب- «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» أي: يوحدوه بالعبادة، فلابد من التجرد من الشرك في العبادة، ومن لم يتجرد من الشرك في هذه العبادة لم يكن آتيا بعبادة الله وحده، بل هو مشرك قد جعل لله ندا.. وفيه أيضا: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.

وفي بعض الآثار الإلهية: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، أرزق ويشكر سواي، خيري إلى عبادي نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي ... ) «3» .

معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)

قال شارح العقيدة الطحاوية: «هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال.

ولهذا- والله أعلم- لما قال تعالى: وإلهكم إله واحد (البقرة/ 163) ، قال بعده: لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (البقرة/ 163) .

فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.

وقد اعترض صاحب «المنتخب» على النحويين في تقدير الخبر في «لا إله إلا هو» فقالوا: تقديره: لا إله في الوجود إلا الله، فقال: يكون ذلك نفيا لوجود الإله.

ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيدالصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى.

وقد أجاب أبو عبد الله المرسي في «ري الظمان» فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن (إله) في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم (لا) ، وعلى التقديرين فلابد من خبر المبتدأ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد» «1» .

وقد علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على ذلك فقال: ما قاله صاحب المنتخب ليس بجيد، وهكذا ما قاله النحاة وأيده الشيخ أبو عبد الله المرسي من تقدير الخبر بكلمة (في الوجود) ليس بصحيح؛ لأن الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة وموجودة، وتقدير الخبر بلفظ «في الوجود لا يحصل به المقصود من بيان أحقية الوهية الله سبحانه، وبطلان ما سواها» ؛ لأن لقائل أن يقول: كيف تقولون: «لا إله في الوجود إلا الله» ؟ وقد أخبر الله سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين، كما في قوله سبحانه: وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء، وقوله سبحانه فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة الآية.

فلا سبيل إلى التخلص من هذا الاعتراض وبيان عظمة هذه الكلمة وأنها كلمة التوحيد المبطلة لآلهة المشركين وعبادتهم من دون الله، إلا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النحاة، وهو كلمة «حق» ؛ لأنها هي التي توضح بطلان جميع الآلهة وتبين أن الإله الحق والمعبود بالحق هو الله وحده، كما نبه على ذلك جمع من أهل العلم منهم أبو العباس ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وآخرون- رحمهم الله-.

ومن أدلة ذلك قوله سبحانه: ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه هو الحق، وأن ما دعاه الناس من دونه هو الباطل، فشمل ذلك جميع الآلهة المعبودة من دون الله من البشر والملائكة والجن وسائر المخلوقات، واتضح بذلك أنه المعبود بالحق وحده، ولهذا أنكر المشركون هذه الكلمة وامتنعوا من الإقرار بها لعلمهم بأنها تبطل آلهتهم؛ لأنهم فهموا أن المراد بها نفي الألوهية بحق عن غير الله- سبحانه-، ولهذا قالوا جوابا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم لما قال لهم:

«قولوا لا إله إلا الله» أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب، وقالوا أيضا:

أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون وما في معنى ذلك من الآيات. وبهذا التقدير يزول جميع الإشكال ويتضح الحق المطلوب» «2» .

وقال الشيخ عبد الله بن جبرين: معنى لا إله إلا الله، هو عبادة الله وترك عبادة ما سواه، وهو الكفربالطاغوت والإيمان بالله، فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سواه من أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، فتضمنت نفي الإلهية عما سواه، وإثباتها له وحده لا شريك له، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه إلها وحده، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات ... وقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تأله القلب لله بالحب والخضوع، والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفراد الله تعالى بها كالدعاء والخوف والمحبة، والتوكل والإنابة والتوبة والذبح والنذر والسجود، وجميع أنواع العبادة، فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئا مما لا يصلح إلا من العبادات لغير الله فهو مشرك ولو نطق ب «لا إله إلا الله، إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص» «1» .

شروط كلمة التوحيد

لشهادة أن لا إله إلا الله شروط يجب على كل مسلم أن يحققها وهي:

1- العلم: ودليله قول الله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله (محمد/ 19) .

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» والمراد:

العلم الحقيقي بمدلول الشهادتين، وما تستلزمه كل منهما من العمل.

2- اليقين: وضده الشك والتوقف، أو مجرد الظن والريب، والمعنى: أن من أتى بالشهادتين فلابد أن يوقن بقلبه ويعتقد صحة ما يقوله من أحقية إلهية الله تعالى وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبطلان ما عدا ذلك.

3- القبول المنافي للرد: ذلك أن هناك من يعلم معنى الشهادتين ويوقن بمدلولهما، ولكنه يردهما كبرا وحسدا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى، فقد شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يقبلوه، قال تعالى: حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ...

(البقرة/ 109) . وهكذا كان المشركون يعرفون معنى «لا إله إلا الله» ولكنهم يستكبرون عن قبوله، ومصداق ذلك قوله سبحانه: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون.

4- الانقياد: والفرق بينه وبين القبول: أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال، والقبول: إظهار صحة معنى ذلك بالقول.

والانقياد: هو الاستسلام والإذعان، وعدم التعقب بشيء من أحكام الله تعالى، قال سبحانه:

وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له (الزمر/ 54) .

5- الصدق: ودليله قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة» «2» . فأما من قالها بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإنها لا تنجيه،وذلك حال المنافقين.

6- الإخلاص: ودليله قوله سبحانه: فاعبد الله مخلصا له الدين (الزمر/ 2) . وقوله صلى الله عليه وسلم:

«أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» «1» .

7- المحبة لله ورسوله: وكل ما يحبه الله ورسوله من الأعمال والأقوال وكذلك محبة أوليائه وأهل طاعته.

سئل ذو النون المصري- رحمه الله-: متى أحب ربي؟ فقال: إذا كان ما يبغضه أمر عندك من الصبر.

8- الكفر بما يعبد من دون الله: وأخذ هذا الشرط من قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه «2» ... الحديث» «3» .

منزلة التوحيد ومكانته

قال العلامة ابن أبي العز الحنفي: «اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل. قال تعالى:

لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره (الأعراف/ 59) . وقال هود عليه السلام لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره (الأعراف/ 65) .

وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (النحل/ 36) .

ولهذا كان أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم.

بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك.

ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك ... فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وهو أول واجب، وآخر واجب. فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الألوهية ... » «4» .

شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم خاصة بالموحدين

قال الإمام ابن تيمية: لا ينتفع بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل التوحيد المؤمنون دون أهل الشرك، ولو كان المشرك محبا له ومعظما إياه لم تنقذه شفاعته من النار، وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان به صلى الله عليه وسلم، ولهذا فإن أبا طالب وغيره ممن يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم يكن ليخرج من النار بشفاعته ولابغيرها.

ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم جوابا عمن سأله: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال:

لا إله إلا الله خالصا من قلبه، وقد اختار المصطفى عليه الصلاة والسلام الشفاعة وجعلها خاصة بمن مات لا يشرك بالله شيئا» .

[للاستزادة: انظر صفات: الإيمان- الإحسان الإسلام- التهليل- العبادة- الكلم الطيب- التكبير- العلم- الحكم بما أنزل الله- الطاعة- معرفة الله عز وجل.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الشرك- الإلحاد- الكفر- النفاق- الزندقة- الحكم بغير ما أنزل الله- الضلال-] .

الآيات الواردة في «التوحيد»

1- ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133) «1»

2- وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) «2»

3- يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) «3»

4- لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) «4»

5- قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) «5»

6- أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) «6»

7- اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) «7»

8- يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) «1»

9- قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) «2»

10- يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) «3»

11- هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب (52) «4»

12- إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) «5»

13-* وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) «6»

14- قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) «7»

15- قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) «8»

16- ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) «9»

17-* ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) «10»

18- والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد (4) «11»

19- وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) «12»

20- قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) «1»

21- لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4) «2»

22- وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) «3»

23- ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) «4»

24- يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) «5»

25- فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) «6»

26- قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) «7»

27- قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) «8»

28- قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) «9»

29- وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) «10»

30- قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4) «11»

الآيات الدالة على «الوحدانية» معنى

31- الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم (255) «1»

32- الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) »

33- شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) «3»

34- إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (61) إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) «4»

35- وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا (86) الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا (87) «5»

36- قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) * وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13)قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) «1»

37- والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) «2»

38- قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) «3»

39- وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) «4»

40- أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) «5»

41- قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرىثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) «1»

42- لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) «2»

43-* وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (65) «3»

44- وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) «4»

45- وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) «5»

46- وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) «6»

47- قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) «7»

48- لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (128)فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) «1»

49-* وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) «2»

50- أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) «3»

51- وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) «4»

52-* وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب (61) «5»

53-* وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) «6»

54- كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) «7»

55- أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) «8»

56- لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) «1»

57- ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما (40) ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) «2»

58- نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) «3»

59- طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) «4»

60- فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) «5»

61- إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) «6»

62- لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) «7»

63- وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20)أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) «1»

64- وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) »

65- ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) «3»

66- ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) «4»

67- ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) «5»

68- أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (117) «6»

69- والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) «7»

70- فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) «8»

71- وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) «1»

72- قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59) أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) «2»

73- وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) «3»

74- إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) «4»

75- يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) «1»

76- إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) «2»

77- خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) «3»

78- وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) «4»

79- حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) «5»

80- الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) «6»

81- الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) «7»

82- أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (44) وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) «1»

83- وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) «2»

84- حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) «3»

85- والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (19) «4»

86- ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) «5»

87-م له البنات ولكم البنون (39) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) «6»

88- هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماءالحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24) «1»

89- والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) «2»

90- واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) «3»

91- قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) «4»

الأحاديث الواردة في «التوحيد»

1-* (عن عمرو بن عبسة السلمي قال: كنت وأنا في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله مستخفيا، جرآء عليه قومه «1» ؛ فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال:

«أنا نبي» ، فقلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله» ، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء» ، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: «حر وعبد» (قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) ، فقلت: إني متبعك. قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» قال:

فذهبت إلى أهلى وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة. فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه.

فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتعرفني؟ قال: «نعم. أنت الذي لقيتني بمكة؟» . قال: فقلت: بلى.

فقلت: يا نبي الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله. أخبرني عن الصلاة. قال: «صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار.

ثم صل، فإن الصلاة مشهودة «2» محضورة «3» حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم «4» ، فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» قال فقلت: يا نبي الله، فالوضوء؟ حدثني عنه.

قال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه مع أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو لهأهل، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» ) *» .

2-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس» ) * «2» .

3-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال:

«بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج، فقال رجل:

الحج وصيام رمضان؟ قال: لا: صيام رمضان، والحج، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) * «3» .

4-* (عن أم سلمة- رضي الله عنها- قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين «4» ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة ... ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له:

أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم.

فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، قال: فغضب النجاشي ثم قال: لاها الله، أيم الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد، قوما جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض، ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له:

أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبدالأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف.

فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله، لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال جعفر:

نعم: فقال النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ صدرا من (كهيعص) ، قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلو، امصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد ... ) * «1» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين «2» ، فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد صلى الله عليه وسلم، زاد في رواية أحمد عن أبي رافع قال:

فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كفانا) * «3» .

6-* (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:

أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته، خمسين بدنة، وأن عمرا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك» ) * «4» .

7-* (عن ما عز التميمي- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه سئل أي الأعمال أفضل؟. قال:

«إيمان بالله وحده، ثم حجة برة تفضل سائرالأعمال، كما بين مطلع الشمس إلى مغربها» ) * «1» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد فلما احتضر قال لأهله: انظروا إذا أنا مت أن يحرقوه حتى يدعوه حمما، ثم اطحنوه، ثم أذروه في يوم ريح، فلما مات فعلوا ذلك به، فإذا هو في قبضة الله، فقال الله- عز وجل- يا ابن آدم، ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي رب، من مخافتك، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيرا قط إلا التوحيد» ) * «2» .

9-* (عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من وحد الله تعالى وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل» ) * «3» .

10-* (عن جابر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما «4» . ثم تدركهم الرحمة، فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة، قال: فترش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل «5» .

ثم يدخلون الجنة» ) * «6» .

الأحاديث الواردة في (التوحيد) معنى

11-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة كذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس.

خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا.

فيقول: لست هناكم ويذكر ذنبه، فيستحي- ائتوا نوحا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.

فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحي فيقول: ائتوا خليل الرحمن.

فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ائتوا موسى عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة، فيأتونه فيقول: لست هناكم ويذكر قتل النفس بغير نفس، فيستحي من ربه فيقول: ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه، فيقول:

لست هناكم، ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن، فإذارأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء، ثم يقال:

ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع.

فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة. ثم أعود إليه. فإذا رأيت ربي مثله- ثم أشفع فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة. ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود. فقال صلى الله عليه وسلم:

«يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال:

لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» ) * «1» .

12-* (عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قال:

نعم. قال: أخرجوه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه» ) * «2» .

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قيل يا رسول الله: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه، أو نفسه» ) * «3» .

14-* (عن عوف بن مالك الأشجعي- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا» ) * «4» .

15-* (عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله» ) * «5» .

16-* (عن جابر- رضي الله عنه- أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله: ما الموجبتان؟ قال:

«من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار» «6» .

17-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لايشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى» ) * «1» .

18-* (عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء» ) * «2» .

19-* (عن عثمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» ) * «3» .

20-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، معنا أبو بكر وعمر، في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له بابا؟، فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والربيع: الجدول) فاحتفزت كما يحتفز الثعلب «4» ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبو هريرة؟» ، فقلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما شأنك» ؟ قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: «يا أبا هريرة (وأعطاني نعليه) قال: اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة» فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثني بهما، من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، بشرته بالجنة.

فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لاستي فقال: ارجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بكاء وركبني عمر فإذا هو على أثري، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما لك يا أبا هريرة؟» قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضربني بين ثديي ضربة خررت لاستي، قال: ارجع.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، ما حملك على ما فعلت» ؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي «5» يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، بشره بالجنة؟ قال: «نعم» قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فخلهم» ) * «6» .

21-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج.

ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج.

فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله.

فخرجنا معه،حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد ابن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري «1» بثوب وأحرمي» .

فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء «2» ، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد «3» : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته، قال جابر- رضي الله عنه-: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثا «4» ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ:

واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (2/ البقرة/ الآية 125) ، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول (ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم) : كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون.

ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب «5» إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله (البقرة/ 158) ، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه «6» في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا» مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة» .

فقام سراقة بن مالك ابن جعشم، فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟، فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج (مرتين) لا بل لأبد أبد» ، وقدم علي من اليمن ببدن «8» النبي صلى الله عليه وسلم فوجد فاطمة- رضي الله عنها-ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا.

قال: فكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول الله محرشا «1» على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها. فقال:

«صدقت، صدقت. ماذا قلت حين فرضت الحج؟» .

قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال:

«فإن معي الهدي فلا تحل» . قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي.

فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة «2» فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام «3» كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي «4» فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه «5» ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألونعني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد.

ثلاث مرات» . ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات «1» وجعل حبل المشاة بين يديه «2» ، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق «3» للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة السكينة» كلما أتى حبلا من الحبال «4» أرخى لها قليلا، حتى تصعد.

حتى أتى المزدلفة «5» فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا.

ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعن يجرين «6» فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل.

فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر. فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر. حتى أتى بطن محسر «7» فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف «8» ، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر «9» .

وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعةفجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت «1» ، فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا «2» بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس «3» على سقايتكم لنزعت معكم» ، فناولوه دلوا فشرب منه) * «4» .

22-* (عن جعفر قال: حدثني أبي قال: أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة فسألناه عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج.

ثم أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج هذا العام، قال: فنزل المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، يفعل مثل ما يفعل.

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر بقين من ذي القعدة، وخرجنا معه، حتى أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، ثم استثفري بثوب، ثم أهلي» .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

ولبى الناس، والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلم يقل لهم شيئا، فنظرت مد بصري وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش، ومن خلفه مثل ذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، قال جابر: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فخرجنا لا ننوي إلا الحج حتى أتينا الكعبة، فاستلم نبي الله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود، ثم رمل ثلاثا، ومشى أربعة، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى قال أبو عبد الله- يعني جعفرا- فقرأ فيهما بالتوحيد، وقل يأيها الكافرون، ثم استلم الحجر، وخرج إلى الصفا، ثم قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله، ثم قال: «نبدأ بما بدأ الله به» ، فرقي على الصفا حتى إذا نظر إلى البيت كبر قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، أنجز وعده، وصدق عبده، وغلب الأحزاب وحده.

ثم دعا، ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى، حتى أتى المروة فرقي عليها حتى نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصفا، فلما كان السابع عند المروة قال:


يأيها الناس، إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هديفليحلل وليجعلها عمرة» فحل الناس كلهم، فقال سراقة بن مالك بن جعشم وهو في أسفل المروة: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟، فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه فقال: «للأبد» ثلاث مرات ... الحديث» ) * «1» .

23-* (عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الصفا فرقي عليها حتى بدا له البيت ثم وحد الله عز وجل- وكبره وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، ثم مشى حتى إذا انصبت قدماه سعى، حتى إذا صعدت قدماه مشى، حتى أتى المروة ففعل عليها كما فعل على الصفا حتى قضى طوافه» ) * «2» .

24-* (عن يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني عن افتراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه اليسرى في وسط الصلاة وفي آخرها، وقعوده على وركه اليسرى، ووضعه يده اليسرى على فخذه اليسرى، ونصبه قدمه اليمنى، ووضعه يده اليمنى على فخذه اليمنى، ونصبه إصبعه السبابة يوحد بها ربه- عز وجل-» ) * «3» .

25-* (عن أنس بن مالك قال: حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك، قال: قدمت المدينة فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك.

قال: أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أحب أن تأتيني فتصلي فى منزلى، فأتخذه مصلى.

قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله من أصحابه، فدخل وهو يصلي في منزلي، وأصحابه يتحدثون بينهم، ثم أسندوا عظم ذلك وكبره «4» إلى مالك بن دخشم.

قالوا: ودوا أنه دعا عليه فهلك، وودوا أنه أصابه شر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، وقال: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قالوا: إنه يقول ذلك، وما هو في قلبه.

قال: «لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار، أو تطعمه» . قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: أكتبه. فكتبه» ) * «5» .

26-* (عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت، أنه قال: دخلت عليه وهو في الموت، فبكيت، فقال: مهلا «6» لم تبكي؟ فو الله لئن استشهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك.

ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثا واحدا، وسوف أحدثكموهاليوم، وقد أحيط بنفسي «1» .

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار» ) * «2» .

27-* (عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد قال:

لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا «3» ، فأكلنا وادهنا «4» .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افعلوا» ، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر «5» ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك «6» .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» ، قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم. قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة. قال:

ويجيء الآخر بكف تمر. قال: ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال:

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال: «خذوا في أوعيتكم» ، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك، فيحجب عن الجنة» ) *» .


28-* (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله.

وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته، قال: وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد، فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله.

فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله، فقال: «لم قتلته؟» قال: يا رسول الله، أوجع «8» في المسلمين، وقتل فلانا وفلانا، وسمى له نفرا، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقتلته؟» قال: نعم. قال:

«فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» قال: يا رسول الله، استغفر لي. قال: «وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» .

قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» ) * «9» .

29-* (عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات «10» من جهينة، فأدركت رجلا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: «أفلاشققت عن قلبه «1» حتى تعلم أقالها أم لا» ، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. قال:

فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين- يعني أسامة- قال: قال رجل: ألم يقل الله:

وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله؟. فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة» ) * «2» .

30-* (عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقال: بلى، إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» ) * «3» .

31-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال موسى: يا رب، علمني شيئا أذكرك وأدعوك به.

قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله» ) * «4» .

32-* (عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا تبوأ مضجعه قال: «الحمد لله الذي كفاني، وآواني، وأطعمني، وسقاني، والذي من علي وأفضل، والذي أعطاني فأجزل، الحمد لله على كل حال، اللهم رب كل شيء، وملك كل شيء، وإله كل شيء، ولك كل شيء، أعوذ بك من النار) * «5» .

33-* (عن الحارث الأشعري- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أوحى إلى يحيى ابن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فكأنه أبطأ بهن، فأتاه عيسى فقال: إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تخبرهم، وإما أن أخبرهم، فقال: يا أخي! لا تفعل فإني أخافإن تسبقني بهن أن يخسف بي، أو أعذب.

قال: فجمع بني إسرائيل ببيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعدوا على الشرفات، ثم خطبهم فقال: إن الله أوحى إلي بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، أولهن: أن لا تشركوا بالله شيئا، فإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم أسكنه دارا.

فقال: اعمل وارفع إلي فجعل يعمل ويرفع إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك، فإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئا، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده ما لم يلتفت وآمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة مسك، كلهم يحب أن يجد ريحها، وإن الصيام أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصدقة ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقربوه ليضربوا عنقه، فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم، وجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه، وآمركم بذكر الله كثيرا، ومثل ذكر الله كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله ... الحديث» ) * «1» .


34-* (روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين قالوا: إذا أخرج أهل التوحيد من النار وأدخلوا الجنة ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) * «2» .

35-* (عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيت ليلة أسري بي إبراهيم الخليل عليه السلام فقال: يا محمد! أقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) * «3» .

36-* (عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال:

لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أي عم، قل: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» ، فنزلت (الآية الكريمة) ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (التوبة/ 113) * «4» .

37-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قدم وفد نجران فقالوا (للرسول صلى الله عليه وسلم) : صف لنا ربك. أزبرجد؟ أم ياقوت؟ أم ذهب؟ أم فضة؟.

فقال: «إن ربي ليس من شيء، وأنه خلق الأشياء، فنزلت «قل هو الله أحد» فقالوا: هو واحد وأنت واحد، فقال «ليس كمثله شيء» ، قالوا: زدنا من الصفة. قال: «الله الصمد» . فقالوا: وما الصمد؟ قال:

«الذي يصمد الخلق إليه في الحوائج» . فقالوا: زدنا.

فقال: «لم يلد كما ولدت مريم، ولم يولد كما ولد عيسى، ولم يكن له كفوا أحد» يريد: نظيرا من خلقه» . ولشرف هذه السورة سميت بأسماء كثيرة أشهرها الإخلاص. وقد يقال لها سورة التفريد، أو التوحيد، أو النجاة، أو الولاية، لأن من قرأها صار من أولياء الله «1» ) * «2» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التوحيد)

1-* (قال ابن جريح في تفسير قوله تعالى:

قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ... الآية (آل عمران/ 64) . يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله) * «3» .

2-* (وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى ... ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ... لا وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون «4» .

3-* (قال أبو العالية: في تفسير «السواء» في قوله عز من قائل: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله.. كلمة السواء «لا إله إلا الله» ) * «5» .

4-* (قال مجاهد: كلمة التقوى: لا إله إلا الله) * «6» .

5-* (سئل الزهري عن قول النبي صلى الله عليه وسلم «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» فقال: «إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي» قال الترمذي: ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم:

أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة، وإن عذبوا بالنار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار) * «7» .

6-* (قال الإمام البخاري: قال: عدة منأهل العلم في قوله تعالى: فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون عن قول لا إله إلا الله «1» . قال ابن حجر: من هؤلاء أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر ومجاهد) * «2» .

7-* (قال النيسابوري في تفسير سورة الإخلاص: وردت الأخبار الكثيرة بفضل سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن، فاستنبط العلماء لذلك وجها مناسبا: وهو أن القرآن مع غزارة فوائده اشتمل على ثلاثة معان فقط هي: معرفة ذات الله تعالى، ومعرفة أفعاله وسننه مع عباده.

ولما تضمنت سورة الإخلاص أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس (أي التوحيد) وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن) * «3» .

8-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- أن هذه الآية التي في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا قال: في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا «4» ، قال ابن حجر: فيفتح بها أي بكلمة التوحيد) * «5» .

9-* (قال الطبري في قوله تعالى: قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (يوسف/ 108) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (قل) يا محمد (هذه) الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته (سبيلي) وطريقتي ودعوتي (أدعو إلى الله) وحده لا شريك له) * «6» .

10-* (قال القرطبي في تفسير قوله تعالى:

ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله (آل عمران/ 64) أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى، وهو نظير قوله عز وجل: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله (التوبة/ 31) معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحليلهم وتحريمهم لما لم يحلله الله تعالى ولم يحرمه) * «7» .

11- وقال- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله (التوبة/ 31) ، قال أهل المعاني: جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء) * «8» .

12-* (سئل حذيفة عن قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله هل عبدوهم؟ فقال: لا، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه) * «1» .

13-* (قال ابن تيمية- رحمه الله-: «إن التوحيد الذي بعث الله به رسوله قولي وعملي، فالتوحيد القولي مثل سورة الإخلاص قل هو الله أحد، والتوحيد العملي قل يا أيها الكافرون ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الفجر وركعتي الطواف قوله تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا (البقرة/ 136) ، وفي الركعة الثانية بقوله تعالى:

قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (آل عمران/ 64) فإن هاتين الآيتين فيهما دين الإسلام، وفيهما الإيمان القولي والعملي، فقوله تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط إلى آخرها (البقرة/ 136) يتضمن الإيمان القولي والإسلام.

وقوله قل يا أهل الكتاب تعالوا ... الآية إلى آخرها (آل عمران/ 64) يتضمن الإسلام والإيمان العملي، فأعظم نعمة أنعمها الله على عباده الإسلام والإيمان وهما في هاتين الآيتين) * «2» .

14-* (قال ابن القيم- رحمه الله تعالى- «لا ريب أن أهل التوحيد يتفاوتون في توحيدهم علما ومعرفة وحالا- تفاوتا لا يحصيه إلا الله.

فأكمل الناس توحيدا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، والمرسلون منهم أكمل في ذلك. وأولو العزم من الرسل أكمل توحيدا ... وأكمل أولي العزم الخليلان: محمد وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما، إذ قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما ومعرفة وحالا، ودعوة للخلق وجهادا.

ولما كان أكمل التوحيد توحيد الأنبياء أمر الله نبيه أن يقتدي بهم فيه كما قال سبحانه- بعد ذكر إبراهيم ومناظرته أباه وقومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته- أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين* أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (الأنعام/ 89- 90) .

فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم) * «3» .

15-* (وقال ابن القيم أيضا في قوله تعالى:

إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين أي: لا ينال عهدي بالإمامة مشرك، ولهذا أوصى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملةإبراهيم، وكان يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا:

«أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين، فملة إبراهيم التوحيد، ودين محمد: ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا.

وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفطرة الإسلام: هي ما فطر الله عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبودية وذلا، وانقيادا وإنابة) * «1» .

16-* (قال عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب: إن حقيقة معنى كلمة «لا إله إلا الله» الإخلاص ونفي الشرك. وكلاهما متلازمان، لا يوجد أحدهما بدون الآخر، فإن من لم يكن مخلصا فهو مشرك، ومن لم يكن صادقا فهو منافق، والمخلص أن يقولها مخلصا الإلهية لله عز وجل، وهذا التوحيد هو أساس الإسلام الذي قال الخليل عليه السلام: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك..

ولذا قيدت في الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم «غير شاك» فلا تنفع إلا من قالها بعلم ويقين لقوله صدقا من قلبه خالصا من قلبه..) *» .

17-* (وقال أيضا في قوله تعالى: والذين هم بربهم لا يشركون.

«ترك الشرك يتضمن كمال التوحيد ومعرفته على الحقيقة ومحبته وقبوله والدعوة إليه كما قال تعالى: قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب، وتضمنت هذه الآية كمال التوحيد وتحقيقه) * «3» .

18-* (قال ابن القيم- رحمه الله تعالى:

حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان من غير إشراك به شيئا هما ... سبب النجاة فحبذا السببان لم ينج من غضب الإله وناره ... إلا الذي قامت به الأصلان «4» .

والناس بعد فمشرك بإلهه ... أو ذو ابتداع أو له الوصفان «5» .

19-* (وقال بعض الشعراء:

فيا عجبا كيف يعصى الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحد ؟!

وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد ) * «6» .

20-* (قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى قلهو الله أحد يعني: هو الواحد، الأحد، الذي لا نظير له، ولا وزير، ولا نديد، ولا شبيه، ولا عديل. ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات «1» . إلا على الله عز وجل، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله) * «2» .

من فوائد (التوحيد)

(1) التوحيد أعظم أسباب انشراح الصدر لأنه أعظم درجات التأدب مع الله عز وجل.

(2) من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.

(3) يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل، وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.

(4) به تغفر الذنوب وتكفر السيئات.

(5) هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة.

(6) يحترز به من الشيطان.

(7) يدفع شر الحاسد.

(8) الموحدون يشفع لهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

(9) الموحدون يشفعون بإذن الله لذويهم يوم القيامة مما يدل على عظيم مكانتهم عند الله.

(10) يحصل لصاحبه الهدى والكمال والأمن التام في الدنيا والآخرة.

(11) السبب الأساسي لنيل رضا الله وثوابه.

(12) أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد.

(13) أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات، ويسليه عن المصيبات.

(14) بالتوحيد يحرم مال الموحد ودمه.

(15) إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان.

(16) أنه يخفف عن العبد المكاره، ويهون عليه الالام.

(17) يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي.

(18) إذا تحقق تحققا كاملا تضاعف به الأعمال.

(19) تكفل الله لأهله بالفتح والنصر في الدنيا والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسر وإصلاح الأحوال.

(20) يدفع الله تعالى عن الموحدين شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة بذكره.

(21) التوحيد الخالص يدفع الرياء والغل وغيرهما من كبائر الباطن.

(22) الصلاة والصدقة من الأبناء لا تنفع سوى الموحدين «1» .

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٩٠٩ مرات.