أدوات شخصية
User menu

التوسط

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


التوسط لغة

مصدر توسط الشيء وهو مأخوذ من مادة (وس ط) التي تدل على العدل والنصف، وأعدل الشيء أوسطه ووسطه، ويقال هو أوسطهم حسبا إذا كان في واسطة قومه وأرفعهم محلا، ووسط الشيء: ما بين طرفيه.

ويكون ساكنا، فتقول: وسط القوم، وحينئذ فهو ظرف.

ويكون متحركا فتقول: جلست في وسط الدار، وذلك لأنه اسم.

والضابط في ذلك أن كل موضع يصلح أن يكون فيه كلمة (بين) فهو ساكن، وإلا فهو متحرك.

وقال ثعلب: إن كل ما كان مصمتا يكون متحركا بالفتح، وما كان أجزاء مخلخلة يكون ساكنا (وسط) .

وقد يكون كل واحد مكان الآخر. وأوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه وكوسط الدابة للركوب خير من طرفيها لتمكن الراكب، وفي التنزيل: وكذلك جعلناكم أمة وسطا (البقرة/ 143) أي: عدلا أو خيارا.

وتقول: توسط وسط الشيء: أي صار بأوسطه، ويقال: وسطت القوم أوسطهم وسطا وسطة أي توسطتهم.

وأما قولهم: فلان من أوسط قومه: أي من أشرفهم وأحسبهم.

وكذلك الوسيط: الحسيب والحسن، ومنه سميت الصلاة الوسطى، لأنها أفضل الصلوات وأعظمها أجرا، ولذلك خصت بالمحافظة عليها، وقيل لأنها وسط بين صلاتي الليل وصلاتي النهار.

وقال الراغب: وسط الشيء ماله طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد إذا قلت وسطه صلب وضربت وسط رأسه بفتح السين، ويقال بسكون السين في الكمية المنفصلة، كشيء يفصل بين جسمين نحو وسط القوم، والوسط تارة يقال فيما له طرفان مذمومان، يقال هذا أوسطهم حسبا إذا كان في واسطة قومه وأرفعهم محلا.

وكالجود الذي هو بين البخل والسرف ... وتارة يقال فيما له طرف محمود وآخر مذموم كالخير والشر أو الجودة والرداءة، تقول من هذا المعنى: شيء وسط: أي بين الجيد والرديء، ويقال:

فلان وسط في قومه، إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم مجدا. وفي صفة نبينا صلى الله عليه وسلم، أنه كان من أوسط قومه:

أي خيارهم. فوسط الوادي: خير مكان فيه، وكذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم من خير مكان في نسب العرب، وأمته أيضا كذلك جعلت وسطا أي خيارا «1» .

والتوسط اصطلاحا

أن يتحرى المسلم الاعتدال ويبتعد عن التطرف قولا وفعلا بحيث لا يقصر ولا يغالي، وقال الراغب:

التوسط: القصد المصون عن الإفراط والتفريط «2» .

خير الأمور الوسط

قال ابن الأثير- رحمه الله تعالى- في بيان أفضلية التوسط: كل خصلة محمودة لها طرفان مذمومان:

فالسخاء وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم، وتجنبه يكون بالتعري منه، والبعد عنه، فكلما ازداد منه بعدا ازداد إلى الوسط تقربا؛ ولذلك فإن أبعد الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين وسطها، فإذا كان في الوسط، فقد بعد عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان «3» .

التوسط خصيصة لأهل الملة ولأهل السنة

قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: أهل السنة والجماعة: «الفرقة الناجية» وسط في النحل كما أن ملة الإسلام وسط في الملل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، ولم يجفوا عنهم كما جفت اليهود.

وهم وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء ويثبت ما شاء، كما قالته اليهود.

ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى. وهم كذلك وسط في باب صفات الله تعالى: فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، هذا في باب يطول حصره.

وأما أهل السنة والجماعة في الفرق فهم وسط كذلك، فهم في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل (التمثيل والتشبيه) الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.

وأما هم: فيؤمنون بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.

وأما في باب الخلق والأمر، فهم وسط بين المكذبين بقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب،فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء (الأنعام/ 148) .

وأما أهل السنة والجماعة فوسطيتهم في إيمانهم بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد، ويقلب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ أمره وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات، كما يؤمنون في الوقت نفسه أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار، ولا يسمونه مجبورا (أي فيما كلف به) إذ إن المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه وتعالى جعل العبد مختارا لما يفعله فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره.

وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان.

وهم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط بين الغالية الذين يغالون في علي- رضي الله عنه- وأهل البيت، فيفضلون عليا على أبي بكر وعمر، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيا وإلها، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي رضي الله عنه- وإمامته.

ووسطيتهم في سائر أبواب السنة راجع لتمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان «1» .

أما ابن القيم- رحمه الله تعالى- فإنه يحض على الأخذ بالوسط؛ لأن فيه النجاة من الظلم، فقال: الوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط هو العدل وهو الذي عليه بناء مصالح الدنيا والآخرة، بل حتى مصلحة البدن لا تقوم إلا به؛ لأنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك، ومثل ذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك، إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا «2» .

وسطية الشريعة

قال الشاطبي- رحمه الله تعالى-: الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل الأخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال؛ بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال ... ، فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين، كان التشريع رادا إلى الوسط الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه، وفعل الطبيب الرفيق يحمل المريض على ما فيه صلاحه بحسب حاله وعادته، وقوة مرضه وضعفه، حتى إذا استقلت صحته هيأ له طريقا في التدبير وسطا لائقا به في جميع أحواله، فهكذا تجد الشريعة أبدا في مواردها ومصادرها جارية على هذا الترتيب الوسط المعتدل، فإذا نظرت إلى كلية من كليات الشريعة فتأملتها وجدتها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف فذلك لعلاج انحراف واقع أو متوقع في أحد الجانبين، فطرف التشديد- وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين، وطرف التخفيف- وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن انحراف إلى هذا أو ذاك رأيت التوسط لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يلجأ إليه «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الجود- الشجاعة- العدل والمساواة- القسط- الإنصاف.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الغلو- الإسراف- التفريط والإفراط- العدوان] .

الآيات الواردة في «التوسط»

1-* سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم (143) «1»

2- حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (239) «2»

3- لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) «3»

4- إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد قادرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) «4»

الآيات الواردة في «التوسط» معنى

5- ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) »

6- والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) «6»

الأحاديث الواردة في (التوسط)

1-* (عن أبي الدرداء- رضي الله عنه- قال: إن رجلا أتاه، فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، قال: أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه» ) * «1» .

2-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجفنة أو قال قصعة من ثريد فقال: «كلوا من حافاتها،- أو قال جوانبها- ولا تأكلوا من وسطها، فإن البركة تنزل في وسطها» ) * «2» .

3-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- أنه قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أي عرى الإسلام أوسط؟» قالوا: الصلاة، قال: «حسنة وما هي بها» .

قالوا: الزكاة، قال: «حسنة وما هي بها» .

قالوا: صيام رمضان. قال: «حسن وما هو به» . قالوا:

الحج. قال: «حسن وما هو به» . قالوا: الجهاد. قال:

«حسن وما هو به» قال: «إن أوسط عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله» ) * «3» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» .

فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال:

«إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» ) * «4» .

5-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم، أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا. ما جاءنا من نبي.

فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره:

وكذلك جعلناكم أمة وسطا «5» لتكونوا شهداء على الناس (البقرة/ 143)) * «6» .

6-* (عن أبي جحيفة- رضي الله عنه- قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها:

ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا.

فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال له:

كل. قال: فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل.

قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم.

قال: نم. فنام. ثم ذهب يقوم. فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه.

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان» ) * «1» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع» ) * «2» .

8-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» ) * «3» .

9-* (عن المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله- عز وجل- حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» ) * «4» .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا. فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» ) * «5» .

11-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: «إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة.

قال: «من هذه؟» . قالت: فلانة تذكر من صلاتها.

قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه» ) * «6» .

12-* (عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة» ) * «7» .

13-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنه قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلميسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» ) * «1» .

14-* (عن بريدة الأسلمي- رضي الله عنه- أنه قال: خرجت ذات يوم لحاجة فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم يمشي بين يدي فأخذ بيدي، فانطلقنا نمشي جميعا، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي، يكثر الركوع والسجود فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتراه يرائي، فقلت: الله ورسوله أعلم، فترك يده من يدي ثم جمع بين يديه، فجعل يصوبهما ويرفعهما ويقول: «عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، فإن من يشاد هذا الدين يغلبه» ) * «2» .

15-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» ) * «3» .

16-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجال يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا.

فقال «تلك ضراوة الإسلام وشرته ولكل ضراوة شرة، ولكل شرة فترة.

فمن كانت فترته إلى اقتصاد وسنة فلا أم ما هو، ومن كانت فترته إلى المعاصي فذلك الهالك» ) * «4» .

17-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «أدومها وإن قل» . وقال: «اكلفوا من العمل ما تطيقون» ) * «5» .

18-* (عن عمار بن ياسر- رضي الله عنهما- أنه قال: صليت صلاة فأوجزت فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة.

فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسولالله صلى الله عليه وسلم، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أبي غير أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب (وأسألك القصد في الفقر والغنى) وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين» ) * «1» .

19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» ) * «2» .

20-* (عن أبي الدرداء- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله (فاطر/ 32) .

فأما الذين سبقوا بالخيرات فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا.

وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور.

إلى قوله: لغوب (فاطر/ 34- 35)) * «3» .

21-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، فأدخلت رجلا يأكل معه فأكل كثيرا.

فقال (لمولاه نافع) : يا نافع لا تدخل هذا علي. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» ) * «4» .

22-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن ينجي أحدا منكم عمله» .

قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة.

سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة. والقصد القصد تبلغوا» ) * «5» .

23-* (عن المقدام بن معد يكرب- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمنصلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه» ) * «1» .

24-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته: «هات القط لي» . فلقطت له حصيات هي حصى الخذف فلما وضعتهن في يده، قال: «بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» ) * «2» .

25-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون «3» (قالها ثلاثا) » ) * «4» .

26-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟» فقلت:

بلى، يا رسول الله. قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدهر كله» ، فشددت فشدد علي.

قلت: يا رسول الله إني أجد قوة. قال: «فصم صيام نبي الله داود عليه السلام، ولا تزد عليه» . قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: «نصف الدهر» ) * «5» .

فكان عبد الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم «6»

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (التوسط)

27-* (عن سعد بن هشام بن عامر؛ أنه أراد أن يغزو في سبيل الله. فقدم المدينة. فأراد أن يبيع عقارا له بها.

فيجعله في السلاح والكراع «7» . ويجاهد الروم حتى يموت. فلما قدم المدينة، لقي أناسا من أهل المدينة. فنهوه عن ذلك. وأخبروه؛ أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة نبي الله صلى الله عليه وسلم.

فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم.

وقال: «أليس لكم في أسوة؟» فلما حدثوه بذلك راجع امرأته. وقد كان طلقها. وأشهد على رجعتها.

فأتى ابن عباس فسأله عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: من؟ قال: عائشة. فأنها فاسألها. ثم ائتني فأخبرني بردها عليك.

فانطلقت إليها. فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها، قال: ما أنا بقاربها؛ لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين»

شيئا فأبت فيهما إلا مضيا «2» . قال فأقسمت عليه، فجاء، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنا عليها. فأذنت لنا، فدخلنا عليها. فقالت: أحكيم؟ (فعرفته) فقال:

نعم. فقالت: من معك؟ قال: سعد بن هشام.

قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. فترحمت عليه. وقالت خيرا. (قال قتادة وكان أصيب يوم أحد) فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قال فهممت أن أقوم، ولا أسأل أحدا عن شيء حتى أموت. ثم بدا لي فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت:

ألست تقرأ: يا أيها المزمل؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله- عز وجل- افترض قيام الليل في أول هذه السورة.

فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا. وأمسك الله خاتمتها اثنى عشر شهرا في السماء. حتى أنزل الله، في آخر هذه السورة، التخفيف.

فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. قال: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره. فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات.

لا يجلس فيها إلا في الثامنة. فيذكر الله، ويحمده ويدعوه. ثم ينهض ولا يسلم. ثم يقوم فيصلي التاسعة.

ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه. ثم يسلم تسليما يسمعنا. ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد.

فتلك إحدى عشرة ركعة، يا بني. فلما سن «3» نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأخذه اللحم، أوتر بسبع.

وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول. فتلك تسع، يا بني. وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها. وكان إذا غلبه نوم، أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.

ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان.

قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها.

فقال: صدقت. لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني به. قال قلت: لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها» ) * «4» .

28-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا.

وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته» ) * «5» .

29-* (عن جابر بن سمرة- رضي الله عنه- أنه قال: «كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا» ) * «1» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التوسط)

1-* (قال أبو بكر- رضي الله عنه- لما وقف خطيبا يوم السقيفة مخاطبا الأنصار: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر «2» إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا.

وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح» ) * «3» .

2-* (قال علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-: «خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي» ) * «4»

3-* (قال ابن عباس- رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين: «يعني في غير إسراف ولا تقتير» ) * «5» .

4-* (وعنه أيضا- رضي الله عنهما-؛ أنه قال: «ما عال «6» مقتصد قط» ) * «7» .

5-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنه قال لأبي جعفر محمد الباقر، لما دخل عليه وعنده قوم فسألوه عن الغسل فقال: يكفيك صاع.

فقال رجل: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرا وخير منك، ثم أمنا في ثوب» ) * «8» .

6-* (قال وهب بن منبه- رحمه الله تعالى-:

«إن لكل شيء طرفين ووسطا، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، فإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان فعليكم بالأوسط من الأشياء» ) * «9» .

7-* (قال محمد بن الحنفية- رحمه الله تعالى:

«الكمال في ثلاثة: العفة في الدين، والصبر على النوائب، والاقتصاد وحسن التدبير في المعيشة» ) * «10» .

8-* (قال الحسن البصري رحمه الله تعالى:

«خير الأمور أوساطها» ) * «11» .

9-* (قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى-لرجل قال له: «يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعطاك فلو لبست- وذلك بعد أن رآه يلبس قميصا مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه- فقال: «أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند المقدرة» ) * «1» .

10-* (عن أبي الصلت قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: «أما بعد؛ أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة، إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، أو عبرة فيها؛ فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ، والزلل، والحمق، والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه. ولئن قلتم: «إنما حدث بعدهم» .

ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم؛ فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم.

كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير- بإذن الله- وقعت، ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرا، ولا أثبت أمرا، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء، يتكلمون به في كلامهم، وفي شعرهم، يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته وبعد وفاته، يقينا وتسليما لربهم، وتضعيفا لأنفسهم، أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه، ومنه تعلموه. ولئن قلتم:


«لم أنزل الله آية كذا؟» ولم قال: كذا؟ لقد قرءوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك:

كله بكتاب وقدر، وكتبت الشقاوة، وما يقدر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا، ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا» ) * «2» .

11-* (قال أبو جعفر الطحاوي- رحمه الله تعالى- في الطحاوية: «دين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن واليأس» ) * «3» .

12-* (قال الأوزاعي- رحمه الله تعالى-:

«ما من أمر أمر الله به إلا عارض الشيطان فيه بخصلتين ولا يبالي أيهما أصاب: الغلو أو التقصير» ) * «4» .

13-* (قال ابن القيم- رحمه الله تعالى-:

«إن الصراط المستقيم الذي وصانا الله به وباتباعه هو الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة، والجائر عنه، إما مفرط ظالم أو مجتهد متأول أو مقلد جاهل، وكل ذلك قد نهى الله عنه، فلم يبق إلا الاقتصاد والاعتصام بالسنة وعليهما مدار الدين» ) * «1» .

14-* (وقال- رحمه الله تعالى-: «من كيد الشيطان العجيب: أنه يشام النفس، حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها: أقوة الإقدام والشجاعة أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة.

وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي. والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو الوسط) » ) * «2» .

15-* (قال ابن مفلح: «إنما يستعين الكريم على الإمساك بذكر الحاجة إلى الأنذال، وقيل لبعض الحكماء لم يحفظ العقلاء المال؟ قال: لئلا يقفوا مواقف لا تليق بهم» ) * «3» .

16-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا: «لما أمر الله بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه بل يكون وسطا» ) * «4» .

كما قال عند تفسير قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا: «يقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش ذاما للبخل، ناهيا عن الإسراف، أي لا تكن بخيلا منوعا لا تعطي أحدا شيئا، ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملوما محسورا» ) * «5» .

17-* (قال شاعر:

عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وقال آخر:

حب التناهي غلط ... خير الأمور الوسط) * «6» .

18-* (وقال زهير بن أبي سلمى:

هم وسط ترضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم) * «7» .

19-* (وقال آخر:

(لا تذهبن في الأمور فرطا ... لا تسألن إن سألت شططا وكن من الناس جميعا وسطا) * «8» .

من فوائد (التوسط)

(1) السلامة من الزيادة والنقصان.

(2) الأمن من الفقر والحاجة.

(3) حصول البركة والنماء.

(4) دليل كمال العقل وتمام الرشد.

(5) ضمان النجاة حتى الممات.

(6) ضمان الاستمرار في الخير.

(7) هو صفة مميزة للأمة.

(8) فيه تأس بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالأصحاب الكرام.

(9) فيه أمان من الملال.

(10) فيه مخالفة لطريق الشيطان.

(11) التوسط هو الاعتدال والقصد وفي ذلك الخير كله.

(12) التوسط مدار الفضائل في كثير من الأمور، فالشجاعة مثلا وسط بين الجبن والتهور.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٣ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١٤:١٤.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٣٣٦ مرة.