أدوات شخصية
User menu

الجحود

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الجحود لغة

الجحود والجحد مصدر قولهم: جحد يجحد جحدا وجحودا وهو مأخوذ من مادة (ج ح د) التي تدل على قلة الخير. يقال: عام جحد: قليل المطر، والجحد من كل شيء، القلة.

وقال الشيباني: أجحد الرجل وجحد إذا أنفض وذهب ماله ... ومن هذا الباب الجحود، ولا يكون إلا مع علم الجاحد به أنه صحيح. قال الله تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم (النمل/ 14) وما جاء جاحد بخير قط «1» .

ويقول الجوهري: الجحود: الإنكار مع العلم.

يقال: جحده حقه وبحقه، والجحد أيضا: قلة الخير، وكذلك الجحد بالضم ... والجحد بالتحريك مثله. يقال: نكدا له وجحدا.

وجحد الرجل- بالكسر- جحدا، فهو جحد إذا كان ضيقا قليل الخير، وأجحد مثله «2» .

وقال الراغب: يقال: رجل جحد شحيح، قليل الخير، يظهر الفقر ... وأجحد: صار ذا جحد «3» .

والجحد والجحد: الضيق في المعيشة، يقال:

جحد عيشهم جحدا، إذا ضاق واشتد «4» .

وجحد فلانا: صادفه بخيلا، قليل الخير..

وجحد: نكد. وفرس جحد- ككتف- غليظ قصير، وجمعه جحاد «5» .

الجحود اصطلاحا

قال الجرجاني: هو عبارة عن الإخبار عن ترك الفعل في الماضي «6» .

يقول الراغب: الجحود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه «7» .

وقال المناوي: الجحد إنكار ما سبق له وجود، وهو خلاف النفي «8» .

الفرق بين النفي والجحد

الجحد مختص بالماضي، والنفي عام يشمل الماضي والحاضر، والجحد يقال فيما ينكر باللسان دون القلب، والنفي يقال فيهما، والنافي إذا كان كلامه صادقا يسمى كلامه نفيا، ولا يسمى جحدا، قال تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم (الأحزاب/ 40) فهذا نفي، وإن كان كاذبا يسمى جحدا ونفيا كما في قوله تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم (النمل/ 14) «9» .

أسباب كفران النعم وجحودها

قال الغزالي- رحمه الله تعالى- لم يقصر بالخلق عن شكر النعم إلا الجهل والغفلة، فإنهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النعم، ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفة كونها نعمة، ثم إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول باللسان: الحمد لله والشكر لله. ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة الله عز وجل- فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان.

أما الغفلة عن النعم فلها أسباب، وأحد أسبابها أن الناس بجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة، فلذلك لا يشكرون على ما عم الله به الخلق من شتى النعم في الكون والنفس كالشمس والقمر والليل والنهار والحرارة والبرودة واستساغة الطعام، ذلك مما لا يحصى كثرة؛ لأنها عامة للخلق، مبذولة لهم في جميع أحوالهم، فلا يرى كل واحد لنفسه منهم اختصاصا به فلا يعده نعمة، فلا تراهم يشكرون الله على روح الهواء ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا، ولو حبسوا في بيت حمام فيه هواء حار أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ماتوا غما، فإن ابتلي واحد منهم بشيء من ذلك ثم نجا ربما قدر ذلك نعمة وشكر الله عليها، وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة ثم ترد عليهم في بعض الأحوال.

والنعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها فلا ترى البصير يشكر صحة بصره إلا أن تعمى عيناه فعند ذلك لو أعيد عليه بصره أحس به وشكره وعده نعمة، وهذا الجاهل الذي لم يقدر نعمة الله عليه مثل العبد السوء، حقه أن يضرب دائما حتى إذا ترك ضربه ساعة تقلد به منة، فإن ترك ضربه على الدوام غلبه البطر وترك الشكر، فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق إليه الاختصاص من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم الله تعالى عليهم. ولو أمعن الإنسان النظر في أحواله رأى من الله نعما كثيرة تخصه لا يشاركه فيها الناس كافة بل يشاركه عدد يسير من الناس، وربما لا يشاركه فيها أحد من الخلق، وذلك يتمثل في ثلاثة أمور يعترف بها كل عبد:

أحدها: العقل. فإنه ما من عبد لله تعالى إلا وهو راض عن الله في عقله يعتقد أنه أعقل الناس، وقل من يسأل الله تعالى العقل، ولذا وجب على كل الخلق شكر الله.

والأمر الثاني: الخلق. فما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمها، وإنما يذمها من حيث يرى نفسه بريئا منها فإذا لم يشتغل بذم الغير وجب عليه أن يشكر الله إذ حسن خلقه وابتلي غيره بسوء الخلق.

والأمر الثالث الذي يقر به كل واحد: العلم.

فما من أحد إلا ويعرف بواطن أمور نفسه وخطايا أفكاره وما هو منفرد به، ولو كشف الغطاء حتى اطلع عليه أحد من الخلق لا فتضح، فكيف لو اطلع الناس كافة ألا يوجب ستر القبيح وإخفاؤه عن عين الناس شكر هذه النعمة العظيمة؟ ولم يصرف الخلق عن شكر هذه النعمة إلا الغفلة والجهل. وأعم من هذه الأمور أمورأخرى فما من واحد من الخلق إلا وقد رزقه الله تعالى في صورته أو أخلاقه أو صفاته أو أهله أو والده أو مسكنه أو بلده أو رفيقه أو زوجه أو ولده أو عزه أو جاهه أو في سائر أموره، فإنه لو سلب ذلك منه وأعطي ما خصص به غيره فإنه لا يرضى به فإذا كان الأمر كذلك فقد وجب على كل الخلق أن يشكروه على أن جعلهم على هذه الحالة التي هم عليها ولم يجعلهم على حال الآخرين، ولكن غلب عليهم كفر النعمة.

وما سد على الخلق طريق الشكر إلا جهلهم بضروب النعم الظاهرة والباطنة والخاصة والعامة، أو الغفلة عنها لحصولهم عليها بلا أدنى سبب «1» .

الجحود بآيات الله

لقد نعى القرآن الكريم على المشركين وأهل الكتاب جحودهم بآيات الله رغم معرفتهم بها، وشدد النكير عليهم فوسمهم بالظلم، في قوله سبحانه ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (الأنعام/ 33) ، وقد كان هذا الجحود سببا للعنة قوم عاد وإبعادهم وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد* وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (هود/ 59- 60) ، وقد وصف القرآن الكريم من يجحد بآيات الله بالكفر حينا وبالظلم حينا فقال- عز من قائل-:

وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (العنكبوت/ 47) ، وقال سبحانه وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (العنكبوت/ 49) ، وجاء وصفهم بأنهم أهل الإفك والختر، فقال تعالى: كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (غافر/ 63) ، وقال سبحانه: وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (لقمان/ 32) وقد أوضح المولى- عز وجل- أن الجحود من عوامل الاستكبار والغرور فقال سبحانه: فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (فصلت/ 15) .

إن الجاحد بآيات الله لن يغني عنه سمعه ولا بصره، ولا فؤاده، وكأنه حرم نفسه من نعمة الله التي أنعم الله بها عليه، يقول سبحانه: وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله (الأحقاف/ 26) .

والنتيجة الحتمية للجحود هي الخلود في النار وفوق ذلك فإنهم أعداء لله فاستحقوا بذلك الوعيد الشديد ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (فصلت/ 28) .

[للاستزادة: انظر صفات: نكران الجميل- اتباع الهوى- الإصرار على الذنب- الضلال- الغرور- الكفر- التفريط والإفراط- عقوق الوالدين- قطيعة الرحم- الجفاء.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاعتراف بالفضل- الإيمان- الشكر- الثناء- الإحسان- المروءة- بر الوالدين- صلة الرحم] .

الآيات الواردة في «الجحود»

الجاحدون من أكبر النادمين

1- ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) «1»

الجاحدون سفهاء ظالمون

2- قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) «2»


3- والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) «3»

4- وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) «4»

5- ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) «1»


6- الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) «2»

الجحود سمة الكافرين السابقين

7- وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) «3»

8- إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14) «4»

9- فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) «1»

10- وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) «2»


11- واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) «3»

الأحاديث الواردة في ذم (الجحود)

1-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول من جحد آدم (عليه السلام) أو أول من جحد آدم- إن الله- عز وجل- لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو من ذراري إلى يوم القيامة. فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى منهم رجلا يزهر «1» ، فقال: أي رب، من هذا؟. قال: هذا ابنك داود. قال: أي رب، كم عمره؟. قال: ستون عاما. قال: رب زد في عمره.

قال: لا. إلا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف عام، فزاده أربعين عاما، فكتب الله- عز وجل- عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عاما. فقيل: إنك قد وهبتها لابنك داود. قال:

ما فعلت وأبرز الله- عز وجل- عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة» ) * «2» .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها» ) * «3» .

الأحاديث الواردة في ذم (الجحود) معنى

3-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: إن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها «4» فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها» ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث في أثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم «5» ، وتركهم في الحرة «6» حتى ماتوا) * «7»

4-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة فقال: «أيها الناس، تصدقوا، فمر على النساء فقال:

«يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار» . فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟. قال:

«تكثرن اللعن، وتكفرن العشير «8» ما رأيت منناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء» ثم انصرف فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه.

فقيل: يا رسول الله، هذه زينب. فقال: «أي الزيانب؟» فقيل: امرأة ابن مسعود. قال: «نعم.

ائذنوا لها» فأذن لها. قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق بها فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق ابن مسعود. زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» ) * «1» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص «2» وأقرع وأعمى. فأراد الله أن يبتليهم «3» .

فبعث إليهم ملكا. فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس. قال: فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال:

فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل. قال: فأعطي ناقة عشراء «4» . قال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس. قال:

فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرة حاملا.

فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأعمى فقال:

أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس. قال: فمسحه فرد الله إليه بصره.

قال: فأي المال أحب إليك؟. قال: الغنم. فأعطي شاة والدا «5» . فأنتج هذان، وولد هذا «6» . قال:

فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال «7» في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري. فقال: الحقوق كثيرة.

فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس؟ فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر «8» . فقال: إن كنت كاذبا، فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد علىهذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.

قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك، بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم «1» شيئا أخذته لله.

فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك» ) * «2» .

6-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟. قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» ) * «3» .

7-* (عن وائل بن حجر- رضي الله عنه- قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجلان يختصمان في أرض فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية. قال: «بينتك» ، قال: ليس لي بينة.

قال: «يمينه» . قال: إذن يذهب بها. قال:

«ليس لك إلا ذاك» ، قال: فلما قام ليحلف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع أرضا ظالما، لقي الله وهو عليه غضبان» ) * «4» .

8-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا.

ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا. من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا» ) * «5» .

9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله- عز وجل-:

يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار» ) * «6» .

10-* (عن زيد بن خالد الجهني- رضي الله عنه- أنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر.

فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، ومؤمنبالكوكب» ) * «1» .

11-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين. ينزل الله الغيث، فيقولون: الكوكب كذا وكذا» ) * «2» . 12-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا. قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها» ثم قال: «يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟» ) * «3» .

13-* (عن النعمان بن بشير- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» ) * «4» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذم (الجحود)

1-* (قال ابن عباس- رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: إن الإنسان لربه لكنود (العاديات/ 6) : أي كفور.

وكذا قاله جماعة، وقال أبو أمامة الباهلي- رضي الله عنه-: الكنود: الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده.

وقال الحسن البصري- رحمه الله تعالى-: الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم الله عليه) * «5» .

2-* (قال سعيد بن جبير- رحمه الله تعالى- عند تفسير قوله تعالى: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة (القلم/ 17) . كان أصحابها من قرية يقال لها ضروان على ستة أميال من صنعاء وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة فإن ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل. فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق؛ إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية رأس المال والربح والصدقة فلم يبق لهم شيء) * «6» .

وقال عقب ذلك ابن كثير- رحمه الله تعالى- هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات وبدل نعمة الله كفرا.

3-* (قال كعب الأحبار- رحمه الله تعالى-:

ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه نفعها في الدنيا، ورفع له بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله، ولم يتواضع بها إلا منعه الله نفعها في الدنيا، وفتح له طبقات من النار يعذبه إن شاء أو يتجاوز عنه) * «1» .

4-* (قال وهب بن منبه- رحمه الله تعالى-:

ترك المكافأة من التطفيف) * «2» .

5-* (كتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن رحمهما الله تعالى- حين ولي القضاء بالرقة: أما بعد، فلتكن التقوى من بالك على كل حال، وخف الله من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر عليها مع المعصية بها «3» ، وأما التبعة فيها فقلة الشكر عليها، فعفا الله عنك كل ما ضيعت من شكر، أو ركبت من ذنب، أو قصرت من حق) * «4» .

6-* (قال الأصمعي- رحمه الله تعالى-:

سمعت أعرابيا يقول: أسرع الذنوب عقوبة كفر المعروف) * «5» .

7-* (قال إبراهيم بن مهدي مخاطبا المأمون:

البر بي منك وطا العذر عندك لي ... فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... وقام شاهد عدل غير متهم لئن جحدتك معروفا مننت به ... إني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمتك من عاف ومنتقم) * «6» .

8-* (قال ابن المبارك- رحمه الله تعالى-:

يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها شكور أو كفور ففي شكر الشكور لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور) * «7» .

9-* (قال ابن الأثير: من كان عادته وطبعه كفران نعمة الناس وترك شكره لهم كان من عادته كفر نعمة الله- عز وجل- وترك الشكر له) * «8» .

10-* (قال الشنقيطي- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى: أفبنعمة الله يجحدون (النحل/ 71) : هذا إنكار من الله عليهم جحودهم بنعمته؛ لأن الكافر يستعمل نعم الله في معصية الله فيستعينبكل ما أنعم الله به عليه على معصيته؛ فإنه يرزقهم ويعافيهم، وهم يعبدون غيره، وجحود النعمة كفرانها) * «1» .


11-* (قال بعض الحكماء: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفر؛ فإنه يشكرك عليه من لا تصنعه إليه. ويقال أيضا: إعطاء الفاجر يقويه على فجوره، ومسألة اللئيم إهانة للعرض، وتعليم الجاهل زيادة في الجهل، والصنيعة عند الكفور إضاعة للنعمة، فإذا هممت بشيء من هذا فارتد الموضع قبل الإقدام عليه أو على الفعل) * «2» .

من مضار (الجحود)

(1) يسبب غضب الرب- عز وجل-.

(2) يعرض عنه الخلق ولا يمدون إليه يد المساعدة.

(3) الجحود من أسباب منع النعم ومنع نزولها وزوالها بعد حصولها.

(4) فيه تشبه باليهود والكفار والملحدين.

(5) يقطع أواصر المجتمع المسلم.

(6) لا يصرف الله عن شكر نعمه إلا غافلا أو جاهلا.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١١:٢٦.
  • تم عرض هذه الصفحة ٧٬٠١٤ مرة.