أدوات شخصية
User menu

الجدال والمراء

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الجدال لغة

مصدر قولهم: جادله يجادله جدالا ومجادلة وهو مأخوذ من مادة (ج د ل) التي تدل على استحكام الشيء في استرسال يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام، تقول من ذلك: جادله أي ناظره وخاصمه، والاسم من ذلك: الجدل، وهو شدة الخصومة، وجدل الحبل: إحكام فتله، وإلى هذا المعنى أرجع الراغب معنى الجدال (والمجادلة) فقال:

الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه، وأصله من جدلت الحبل، ومن ذلك جدلت البناء: أحكمته، والأجدل: الصقر المحكم البنية، وقيل: الأصل في الجدال: الصرع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة، والجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، ويقال رجل جدل ومجدل ومجدال إذا كان شديد الخصومة والجدل. كما يقال: جادلت الرجل فجدلته جدلا أي غلبته. كما يأتي منه المصدر على جدال ومجادلة، ومعناه المناظرة والمخاصمة.


والرجل مجدول إذا انقطع في الخصام. وهما يتجادلان إذا كانا يتخاصمان.

والمجدل الجماعة من الناس، وذلك لأن الغالب عليهم إذا اجتمعوا أن يتجادلوا، والجدال (أيضا) المخاصمة بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، قال الفيومي: هذا هو الأصل، ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها. وهو محمود إذا كان للوقوف على الحق وإلا فمذموم، ومن معنى الصرع قيل:

جدله جدلا، وجدله فانجدل، وتجدل: أي صرعه على الجدالة، وهو مجدول ومجدل ومجندل، وأكثر ما يقال:

جدلته تجديلا، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا خاتم النبيين في أم الكتاب، وإن آدم لمنجدل في طينته» ، والمجدل الملقى بالجدالة وهي الأرض، ومنه حديث علي- رضي الله عنه- حين وقف على طلحة وهو قتيل (بعد معركة الجمل) فقال: «أعزز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء» أي ملقى على الأرض قتيلا «1» .

الجدال اصطلاحا

الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة، والجدال: عبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها «1» .

وقال المناوي: هو مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها.

وقيل: هو التخاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب «2» .

وقال الكفوي: هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره.

والمجادلة: هي المنازعة في المسألة العلمية لإلزام الخصم سواء كان كلامه فاسدا أو لا «3» .

حكم الجدال

الجدال قد يكون محمودا إذا تعلق بإظهار الحق وقد أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وجادلهم بالتي هي أحسن (النحل/ 125) .

وقد يكون مذموما إذا شغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، وهذا هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أوتي الجدل قوم إلا ضلوا» «4» .

وقد عد الذهبي هذا النوع من الكبائر، وقال:

إن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محمودا، وإن كان الجدال في مدافعة الحق، أو كان بغير علم كان مذموما، وعلى هذا التفصيل تنزل النصوص الواردة في إباحته وذمه «5» .

[للاستزادة: انظر صفات: التنازع- التفرق الهجر- التخاذل- الإعراض- البذاءة- البغض سوء الظن.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الألفة- الإخاء- السماحة- المروءة- الحياء- المحبة- حسن الظن] .

الآيات الواردة في «الجدال»

الجدال يفسد العبادة

1- الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) «1»

2- إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) «2»

لا جدال عن الباطل

3- إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) «3»

4- الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (25) «1»


5- ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) «2»

6- وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72) «3»


7- قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) «4»

8- ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71)قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) «1»

9- وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) «2»

10- حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) «3»

11- ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي الألباب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) «4»


12- ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) «5»

13- ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) «6»

14- ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57)وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) «1»

الجدال يكون بالحسنى

15- ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) «2»

16- ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) «3»

لا يجوز الجدال في الله- عز وجل

17- ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) «4»

18- يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) «5»

19- ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) «6»

20- ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) «7»

21- الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) «8»

كل نفس تجادل

22- يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) «1»

23- ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) «2»

24- قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) «3»

الآيات الواردة في «الجدال» معنى

25- واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) «4»


الأحاديث الواردة في ذم (الجدال)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جدال في القرآن كفر» ) * «1» .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم- مرتين- والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» ) * «2» .

وفي رواية لسعيد بن منصور في سننه: «فلا يرفث ولا يجادل» «3» .

3-* (عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم- حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا ... الحديث إلى قولها: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر- «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله. إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.

قالت: فقام سعد بن عبادة- وهو سيد الخزرج- وكان رجلا صالحا، ولكن اجتهلته الحمية «4» - فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير- وهو ابن عم سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله، لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين ... الحديث» ) * «5» .


4-* (عن أبي أمامة الباهلي- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (الزخرف/ 58) «6» .

5-* (عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في غزوة تبوك ... الحديث إلى أن قال فيه: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقد توجه قافلا «1» من تبوك، حضرني بثي «2» . فطفقت «3» أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه.

وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما- وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه- وكانوا بضعة وثمانين رجلا- فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت. فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال:

«تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك «4» ؟» قال:

قلت: يا رسول الله إني، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه «5» إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر. والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» ... الحديث» ) * «6» .

6-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات.. إلى قوله: وما يذكر إلا أولوا الألباب (آل عمران/ 8) . فقال: «يا عائشة: إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم الله فاحذروهم» ) «7» .

الأحاديث الواردة في ذم (الجدال) معنى

7-* (عن وائل بن حجر- رضي الله عنه- قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي:

هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي: «ألك بينة؟» قال: لا.

قال: «فلك يمينه» . قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي عن ما حلف عليه وليس يتورع من شيء.

فقال: «ليس لك منه إلا ذلك» . فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- لما أدبر- «أما لئنحلف على مال ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض» ) * «1» .

8-* (عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى «2» رجلان من المسلمين فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» ) * «3» .

9-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الكذب- وهو باطل- بني له في ربض «4» الجنة، ومن ترك المراء- وهو محق- بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها» ) * «5»

10-* (عن كعب بن مالك- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار» ) * «6» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذم (الجدال)

1-* (قال سليمان بن داود- عليهما السلام- لابنه: دع المراء، فإن نفعه قليل، وهو يهيج العداوة بين الإخوان) * «7» .

2-* (عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر:

هل تعرف ما يهرم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال:

يهرمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين) * «8» .

3-* (وقال- رضي الله عنه- إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله) * «9» .

4-* (قال علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- لإياس بن عمر- رحمه الله- إنك إن بقيت سيقرأالقرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا، ومن طلب به أدرك) * «1» .

5-* (قال أبو الدرداء- رضي الله عنه- لا تكون عالما حتى تكون متعلما، ولا تكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا، وكفى بك إثما أن لا تزال مخاصما، وكفى بك إثما أن لا تزال مماريا، وكفى بك كذبا أن لا تزال محدثا في غير ذات الله) * «2» .

6-* (قال ميمون بن مهران- رحمه الله- يوصي بعض تلامذته: «إياك والخصومة والجدال في الدين، ولا تجادلن عالما ولا جاهلا. أما العالم فإنه يحزن عنك علمه، ولا يبالي ما صنعت؛ وأما الجاهل فإنه يخشن بصدرك، ولا يطيعك» ) * «3» .

7-* (كتب عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- إلى أهل المدينة: من تعبد بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، ومن جعل دينه غرضا للخصومات كثر تنقله) * «4» .


8-* (وقال- رحمه الله تعالى-: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع) * «5» .

9-* (قال الأوزاعي- رحمه الله تعالى-: إذا أراد الله بقوم شرا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل) * «6» .

10-* (قال مسعر بن كدام- رحمه الله تعالى- يوصي ابنه كداما:

إني منحتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب عليك شفيق أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاور جارا ولا لرفيق والجهل يزري بالفتى في قومه ... وعروقه في الناس أي عروق؟) * «7» .

11-* (قال مالك- رحمه الله تعالى-: قال الله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (البقرة/ 197) الرفث: إصابة النساء، والفسوق:

الذبح للأنصاب، والجدال في الحج: أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقزح، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة فكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء:

نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب. فقال الله تعالى: لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (الحج/ 67) . فهذا الجدال) * «8» .

12-* (قال سهل بن عبد الله التستري- رحمه الله تعالى- لرجل سأله متى يعلم الرجل أنه من أهل السنة والجماعة؟ فقال: إذا عرف من نفسه عشرخصال: لا يترك الجماعة، ولا يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف، ولا يكذب بالقدر، ولا يشك في الإيمان، ولا يماري في الدين، ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب، ولا يترك المسح على الخفين، ولا يترك الجماعة (أو قال الجمعة) خلف كل وال جار أو عدل) * «1» .

13-* (قال خالد بن برمك: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به مكروه:

العجلة، واللجاجة، والعجب، والتواني، فثمرة العجلة الندامة، وثمرة اللجاجة الحيرة، وثمرة العجب البغضة، وثمرة التواني الذل) * «2» .

14-* (روي عن يزيد بن هارون- رحمه الله تعالى- أنه كان جالسا في مجلس فذكر حديث الرؤية، فقال له رجل في المجلس: يا أبا خالد ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وقال: ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به «3» . ويلك، ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث أو يتكلم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه واستخف بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعوه ولا تبتدعوا فيه، فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم) * «4» .

من مضار (الجدال)

(1) الجدال يحرم صاحبه من الوصول إلى الحق ومعرفة الرشد.

(2) يورث البغضاء والكراهية.

(3) يحذر منه الناس ويتحاشونه.

(4) سبب للمعاقبة بالحرمان من السعادة التي يحظى بها الباحث عن الحق.

(5) طول ممارسته يغري بالتمادي في الباطل.

(6) يؤدي إلى سوء العاقبة بالحرمان من المنزلة العالية في الجنة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١١:٣٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٠٦٠ مرة.