أدوات شخصية
User menu

الحرب والمحاربة*

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الحرب والمحاربة لغة

الحرب: اسم للحالة التي هي نقيض السلم، وهي مؤنثة لأنها في معنى المحاربة، والمحاربة مصدر قولهم:

حارب يحارب، الحرب والمحاربة مأخوذ من مادة (ح ر ب) التي تدل على السلب، ومن ذلك:

الحرب، يقال: حربته ماله أي سلبته، واشتقاق الحرب (بمعنى المقاتلة للعدو) من ذلك (لأنها تسلب الأرواح والأموال) ، وقولهم أسد حرب، أي من شدة غضبه كأنه حرب شيئا أي سلبه وكذلك الرجل الحرب، يقال: حرب الرجل فهو حريب، أي سليب، وحرب بالكسر: اشتد غضبه والتحريب إثارة الحرب، ورجل محرب كأنه آلة حرب، وقيل صاحب حروب، والحربة آلة للحرب معروفة، والجمع حراب، وأصله الفعلة من الحرب أو الحراب، ومحراب المسجد، قيل:

سمي بذلك لأنه موضع محاربة الشيطان والهوى، وقيل: سمي بذلك لكون حق الإنسان فيه أن يكون حريبا (سليبا) من أشغال الدنيا ومن توزع الخواطر، والحرب نقيض السلم وقال الجوهري:

الحرب، تؤنث وقد تذكر، وتصغيرها حريب (بلاتاء) وقولهم: أنا حرب لمن حاربني أي عدو (لمن عاداني) يقال: تحاربوا واحتربوا وحاربوا بمعنى (وهو اقتتلوا) ، والتحريب: التحريش، وحربته: أغضبته، وحربت السنان أي حددته، وحربه يحربه حربا، أخذ ماله وتركه بلا شيء، وقد حرب ماله أي سلبه، فهو محروب وحريب وأحربته أي دللته على ما يغنمه من عدو يغير عليه، ودار الحرب: بلاد الكفر الذين لا صلح لهم مع المسلمين، والمحاربة المقاتلة والمنازلة والحرب نقيض السلم، وقول الله تعالى فأذنوا بحرب من الله ورسوله (البقرة/ 279) أي بقتل لأن الحرب داعية القتل، وقيل: المعنى فإن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ورسوله ومحاربة الله ورسوله تعني المعصية وذلك في قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا (المائدة/ 33) «1» . وقيل:


المراد السرقة والقتل والكفر بعد الإيمان، وقيل نقض العهد وقطع السبيل «2» . والمحروبون في حديث الحديبية «وإلا تركناهم محروبين» أي مسلوبينمنهوبين، والمحراب في حديث علي- رضي الله عنه-:

«فابعث عليهم رجلا محرابا» أي معروفا بالحرب عارفا بها وهو من أبنية المبالغة كالمعطاء من العطاء «1» .

المحاربة اصطلاحا

قال القرطبي: اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة، فقال مالك: المحارب: من حمل على الناس في مصر أو برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة «2» ولا ذحل «3» ولا عداوة، وقال قوم:

لا تكون المحاربة في المصر «4» .

وعند الحنابلة لا تثبت المحاربة إلا بما يلى:

1- أن يكون ذلك في الصحراء.

2- أن يكون معهم سلاح.

3- أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرا «5» . هذا من الناحية الفقهية، أما من الناحية الأخلاقية والسلوكية فإن مصطلح المحاربة يشمل إلى جانب ما ذكره الفقهاء ما يفعله آكلو الربا، والمنافقون الذين يقاتلون المسلمين أو يعدون لقتالهم، وذلك كما فعل أبو عامر الراهب الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج إلي الروم يستنصر، وأرسل إلى المنافقين، وقال: استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا مسجدا، فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة، فنزل قول الله تعالى: وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل (التوبة/ 107) وتشمل المحاربة كذلك ما يفعله أهل الحرب من المشركين وأهل الكتاب ضد المسلمين.

حكم المحاربة

عد الإمام ابن حجر المحاربة من الكبائر محتجا بقوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (المائدة/ 33) كما ذكر الله تعالى تغليظ الإثم في قتل النفس بغير حق، أتبعه ببيان أنواع من الفساد في الأرض، فقال: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله أي أولياءه، وقال الزمخشري: محاربة المسلمين في حكم محاربة رسوله يعني أن القصد محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر اسم الله تعالى تعظيما (لإثم) محاربة رسوله، كما في قوله تعالى: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله (الفتح/ 10) ، ولك أن تحمل المحاربة على مخالفة أمر الله أي إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فسادا: القتل أو الصلب.... إلخ، وذكر بعضهم أن مجرد قطع الطريق وإخافة السبيل يعدارتكابا للكبيرة فكيف إذا أخذ المال، أو جرح أو قتل أو فعل عدة كبائر مع ما يغلب على القطاع من ترك الصلاة وإنفاق ما يأخذونه في الخمر والزنا «1» .

أنواع الحرب وحكمها في الإسلام

للحرب نوعان:

الأول: الحرب المشروعة، وهي التي يخوضها المسلمون دفاعا عن أرواحهم وأعراضهم، وهذه الحرب نوع من الجهاد وهي لا تخرج عن حالتين:

1- الدفاع الشرعي ضد العدوان الواقع على الجماعة الإسلامية أو على حرية الدولة الإسلامية.

2- الإغاثة الواجبة لشعب مسلم أو حليف عاجز عن الدفاع عن نفسه أو فتح البلدان غير المسلمة لنشر دين الله «2» .

وهذه الحرب المشروعة فرض كفاية وقد تصبح فرض عين على كل مسلم ومسلمة في حالات كثيرة، كما إذا دخل الكفار المقاتلون بلاد الإسلام.

الثاني: الحرب غير المشروعة وهي المقصودة باعتبارها صفة ذميمة منهيا عنها ولها صور عديدة منها:

أ- أن يقتتل المسلمون فيما بينهم من أجل زعامة أو طمع في حق الغير، والذم هنا متوجه لمن يبدأ بالقتال.

ب- أن يقاتل أصحاب المذاهب الدينية بعضهم بعضا لنصرة مذهبهم كما في اقتتال السنة والشيعة.

ج- أن يقاتل أصحاب الأحزاب والشيع السياسية بعضهم بعضا لنصرة هذا الحزب أو ذلك.

د- أن يتقاتل المسلمون والذميون في الوطن الواحد وذلك كما حدث في لبنان.

كل ذلك يذم البادىء به والمتسبب فيه ويتحمل مسؤوليته من أشعل نار الحرب أمام الله- عز وجل- وعامة المسلمين.

[للاستزادة: انظر صفات: البغي- الطغيان- العتو- العدوان- الفتنة- الظلم- الطمع- الأذى القسوة- اتباع الهوى.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: تكريم الإنسان السلم- الصلح- الإنصاف- الزهد- القناعة- الرضا] .

الآيات الواردة في «الحرب»

1- يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280) «1»

2- إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) «2»

3- وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) «3»

4- فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) «4»

5- والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) «5»

6- فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) «6»

الأحاديث الواردة في ذم (الحرب والمحاربة)

1-* (عن النعمان بن بشير- رضي الله عنهما- قال: استأذن أبو بكر- رضي الله عنه- على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليا، فلما دخل تناولها ليلطمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟» قال: فمكث أبو بكر أياما، ثم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما:

أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد فعلنا قد فعلنا» ) * «1» .

2-* (عن أبي قلابة؛ أنه كان جالسا خلف عمر بن عبد العزيز فذكروا وذكروا، فقالوا وقالوا قد أقادت بها الخلفاء، فالتفت إلى أبي قلابة وهو خلف ظهره فقال: ما تقول يا عبد الله بن زيد؟ أو قال: ما تقول يا أبا قلابة؟ قلت: ما علمت نفسا حل قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان، أو قتل نفسا بغير نفس، أو حارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال عنبسة:

حدثنا أنس بكذا وكذا. قلت: إياي حدث أنس، قال:

قدم قوم على النبي صلى الله عليه وسلم فكلموه فقالوا: قد 2 ستوخمنا «2» هذه الأرض، فقال: «هذه نعم لنا تخرج لترعى فاخرجوا فيها، فاشربوا من ألبانها وأبوالها» فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحوا، ومالوا على الراعي فقتلوه، واطردوا «3» النعم فما يستبطأ من هؤلاء قتلوا النفس، وحاربوا الله ورسوله، وخوفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «سبحان الله» فقلت: تتهمني؟ قال: حدثنا بهذا أنس. قال: وقال: يأهل كذا، إنكم لن تزالوا بخير ما أبقي هذا فيكم ومثل هذا) * «4» .

3-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال:

«حاربت قريظة والنضير، فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فآمنهم وأسلموا. وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة) * «5» .

4-* (عن جابر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة «6» » ) * «7» .

5-* (عن المسور بن مخرمة ومروان- رضيالله عنهما- يصدق كل منهما حديث صاحبه قالا:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين» فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة «1» الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل «2» . فألحت. فقالوا: خلأت «3» القصواء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء. وما ذاك لها بخلق. ولكن حبسها «4» حابس الفيل. ثم قال:

«والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» ثم زجرها فوثبت. قال:

فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا «5» ، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش؛ فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة- فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ «6» . المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إنا لم نجىء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا. وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي «7» ، ولينفذن الله أمره» .

الحديث وفيه: إلى أن قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت به ثم جربت به فقال أبو بصير:

أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد «8» ، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاءأبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد» ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر «1» . قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها.

فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى (الفتح/ 24) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم حتى بلغ الحمية حمية الجاهلية وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت) * «2» .


6-* (عن عبيد الله بن كعب- وكان من أعلم الأنصار- أن أباه كعب بن مالك- وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها- قال:

خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال: البراء لنا: يا هؤلاء إني قد رأيت والله رأيا، وإني والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قال: قلنا له: وما ذاك؟ قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر- يعني الكعبة- وأن أصلي إليها، قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه فقال: إني أصلي إليها فقلنا له: لكنا لا نفعل، فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة، قال أخي:

وقد كنا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة عليه، فلما قدمنا مكة قال: يابن أخي انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه، قال:

فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجل من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تعرفانه؟ قال: قلنا: لا. قال:

فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا: نعم.

قال: وكنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا.

قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم معه جالس، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم.

هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك قال: فو الله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«الشاعر؟» قال: نعم. قال: فقال البراء ابن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا وهداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: لقد كنت على قبلة لو صبرتعليها، قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معنا إلى الشام.

قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. قال:

وخرجنا إلى الحج فواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو ابن حرام أبو جابر، سيد من سادتنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوته إلى الإسلام وأخبرته بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنتسلل مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائهم نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع، قال: فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول متكلم فقال:


يا معشر الخزرج- قال: وكانت العرب مما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج، أوسها وخزرجها- إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه وهو في عز من قومه ومنعة في بلده.

قال: فقلنا قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا ودعا إلى الله- عز وجل- ورغب في الإسلام، قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم. والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان حليف بني عبد الأشهل فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها- يعني العهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لى: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم» فأخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا، منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وأما معبد ابن كعب فحدثني في حديثه عن أخيه عن أبيه كعب ابن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم تتابع القوم، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط: يأهل الجباجب- والجباجب المنازل- هل لكم في مذمم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ قال علي:- يعني ابن إسحاق- ما يقولعدو الله محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«هذا أذب العقبة هذا ابنه أذيب، اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ارفعوا إلى رحالكم» قال: فقال له العباس بن عبادة بن نضلة:


والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لم أومر بذلك» قال: فرجعنا فنمنا حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، والله إنه ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم، قال: فانبعث من هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه، وقد صدقوا لم يعلموا ما كان منا، قال فبعضنا ينظر إلى بعض، قال: وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان جديدان، قال: فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا، ما تستطيع يا أبا جابر وأنت سيد من سادتنا أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فسمعها الحارث فخلعها «1» ثم رمى بهما إلي فقال: والله لتنتعلنهما. قال: يقول أبو جابر: أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه. قال: فقلت والله لا أردهما قال: والله صلح، والله لئن صدق الفأل لأسلبنه. فهذا حديث كعب بن مالك من العقبة وما حضر منها) * «2» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما سالمناهن «3» منذ حاربناهن، ومن ترك شيئا منهن خيفة فليس منا» ) * «4» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي والحسن والحسين وفاطمة، فقال: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» ) * «5» .

الأحاديث الواردة في ذم (الحرب والمحاربة) معنى

9-* (عن أبي النضر، عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له عبد الله بن أبي أوفى. فكتب إلى عمر بن عبيد الله، حين سار إلى الحرورية «1» . يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: «يأيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو «2» واسألوا الله العافية «3» . فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» ) * «4» .

10-* (عن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- أنها قالت: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء. وكان يخلو بغار حراء ويتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي أولات العدد- قبل أن ينزع إلى أهله. ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال:

«ما أنا بقارئ» . قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ.

فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني. فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم (العلق/ 1- 3» ) . فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده. حتى دخل على خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها- فقال: «زملوني، زملوني» فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر.

قال: «لقد خشيت على نفسي» . فقالت خديجة: كلا.

والله ما يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي.

فقالت له خديجة: أي عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتنيفيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي) * «1» .


11-* (عن سلمة بن الأكوع ... الحديث وفيه: قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا.

بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون «2» . فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل الليلة. كأنه طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا.

ثم قدمنا المدينة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره «3» مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه.

وخرجت معه بفرس طلحة أنديه «4» مع الظهر. فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. قال:

فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة.

فناديت ثلاثا: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز أقول:

أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع فألحق رجلا منهم. فأصك سهما في رحله «5» . حتى خلص نصل السهم إلى كتفه. قال قلت: خذها:

وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع قال: فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم «6» ، فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته، فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه «7» ، علوت الجبل. فجعلت أرديهم بالحجارة «8» .

قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم «9» إلاخلفته وراء ظهري «1» . وخلوا بيني وبينه. ثم اتبعتهم «2» أرميهم. حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا.

يستخفون «3» . ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما «4» من الحجارة. يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. حتى أتوا متضايقا من ثنية «5» فإذا هم قد أتاهم فلان ابن بدر الفزاري. فجلسوا يتضحون (يعني يتغدون) .

وجلست على رأس قرن «6» . قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا، من هذا، البرح، والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة.

قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام قال قلت: هل تعرفوني؟ قالوا:

لا. ومن أنت؟ قال قلت: أنا سلمة بن الأكوع.

والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر «7» .

قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي. على إثره أبو قتادة الأنصاري. وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم قال: فولوا مدبرين.

قلت: يا أخرم احذرهم. لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته.

فالتقى هو وعبد الرحمن. قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه. وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحول على فرسه.

ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن.

فطعنه فقتله. فو الذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجلي. حتى ما أرى ورائي، من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم، شيئا. حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد «8» .

ليشربوا منه وهم عطاش. قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم. فحليتهم عنه «9» (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية.

قال: فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكه بسهم في نغض «1» كتفه. قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع قال: يا ثكلته أمه أكوعه بكرة «2» . قال: قلت: نعم. يا عدو نفسه أكوعك بكرة. قال: وأردوا «3» فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن «4» وسطيحة فيها ماء. فتوضأت وشربت. ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حلأتهم عنه «5» .

فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل. وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي «6» استنقذت من القوم. وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها. قال:

قلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من القوم مائة رجل.

فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. قال:

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه «7» في ضوء النار. فقال: «يا سلمة أتراك كنت فاعلا؟» قلت:

نعم والذي أكرمك. فقال: «إنهم الآن ليقرون «8» في أرض غطفان» قال: فجاء رجل من غطفان. فقال:

نحر لهم فلان جزورا. فلما كشفوا جلدها رأوا غبارا.

فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة.

وخير رجالتنا سلمة» قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل.

فجمعهما لي جميعا. ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء «9» راجعين إلى المدينة.

قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا «10» . قال: فجعل يعيد ذلك. قال: 

فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا. إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي، ذرني فلأسابق الرجل.

قال: «إن شئت» قال: قلت: اذهبإليك وثنيت رجلي فطفرت «1» فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي «2» ثم عدوت في إثره. فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثم إني رفعت حتى ألحقه «3» . قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت والله. قال:

أنا أظن «4» قال: فسبقته إلى المدينة» قال: فو الله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجعل عمي «5» عامر يرتجز بالقوم:

تا الله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» قال: أنا عامر. قال: «غفر لك ربك» قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمل له: يا نبي الله لولا ما متعتنا بعامر. قال: فلما قدمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه «6» ويقول:

قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح «7» بطل مجرب «8»

إذا الحروب أقبلت تلهب قال: وبرز له عمي عامر، فقال:

قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر «9»

قال: فاختلفا ضربتين: فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له «10» . فرجع سيفه على نفسه.

فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون:

بطل عمل عامر. قتل نفسه. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي. فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال ذلك؟» قالقلت: ناس من أصحابك. قال: «كذب من قال ذلك «1» بل له أجره مرتين» .

ثم أرسلني إلى علي، وهو أرمد. فقال: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله» قال: فأتيت عليا فجئت به أقوده، وهو أرمد «2» . حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبسق «3» في عينيه فبرأ. وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال:

قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي:

أنا الذي سمتني أمي حيدره «4» ... كليث غابات «5» كريه المنظره أو فيهم بالصاع كيل السندره «6» قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه) * «7» .

12-* (عن الزهري قال: كان محمد بن جبير ابن مطعم يحدث أنه: بلغ معاوية وهم عنده في وفد من قريش أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين» ) * «8» .


13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية «9» . ومن قاتل تحت راية عمية «10» ، يغضب لعصبة «11» ، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتله «12» جاهلية.

ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها. ولا يتحاشى «1» من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه» ) * «2» .

14-* (عن جندب بن عبد الله البجلي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل تحت راية عمية، يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فقتلة جاهلية» ) * «3» .

15-* (عن أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال:

أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة «4» ؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك. قال:

كنا نخبر أنهم أربعة عشر. فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر. وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

لم ولا علمنا بما أراد القوم. وقد كان في حرة «5» فمشى فقال: «إن الماء قليل. فلا يسبقني إليه أحد» فوجد قوما قد سبقوه. فلعنهم يومئذ) * «6» .

من الآثار الواردة في ذم (الحرب والمحاربة)

1-* (قال ابن الجوزي: «عداوة الأقارب صعبة وربما دامت كحرب بكر وتغلب ابني وائل وعبس وذبيان ابني بغيض، والأوس والخزرج ابني قيلة» ) * «7» .

قال الحافظ: ركدت هذه الحروب أربعين عاما.

2-* (قال زهير بن أبي سلمى:

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم «8»

متى تبعثوها «9» تبعثوها ذميمة ... وتضر «10» إذا ضريتموها فتضرم فتعرككم «11» عرك الرحى بثفالها «12» ... وتلقح كشافا «13» ثم تنتج فتتئم «14»

فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد «1» ثم ترضع فتفطم فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها «2» ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم) * «3»

من مضار (الحرب والمحاربة)

(1) الحروب ابتلاء وسخط من الله عز وجل يسلطها على من خالف أمره.

(2) فيها خراب البلاد وإضاعة الأموال وإزهاق الأرواح.

(3) تورث الفقر والدمار للمحروبين.

(4) تشيع العداوة والبغضاء وتنتج أجيالا ضائعة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١٣:٠٨.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٠٧٠ مرة.