أدوات شخصية
User menu

الحياء

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الحياء لغة

مصدر قولهم حيي وهو مأخوذ من مادة (ح ي ي) التي تدل على الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، قال أبو زيد يقال حييت منه أحيا إذا استحييت.

وقال الجوهري: واستحياه واستحيا منه بمعنى (واحد) من الحياء، ويقال: استحيت (بياء واحدة) وأصله استحييت فأعلوا الياء الأولى وألقوا حركتها على الحاء، وقول الله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما أي لا يستبقي، والحيا مقصور: المطر والخصب، والحياء ممدود: الاستحياء، والحياء أيضا رحم الناقة والجمع أحيية عن الأصمعي «1» .

وقال ابن منظور: الحياء: التوبة والحشمة، يقال: حيي منه حياء، واستحيا، واستحى حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء الياءين، و (الصيغتان) الأخيرتان تتعديان بحرف وبغير حرف، يقولون: استحيا منك واستحياك واستحى منك واستحاك، والحياء يكون بمعنى الاستحياء بدليل قول جرير:


لولا الحياء لها جني استعبار ... ولزرت قبرك، والحبيب يزار وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحياء شعبة من الإيمان» ، قال بعضهم: كيف جعل الحياء وهو غريزة شعبة من الإيمان وهو اكتساب؟ والجواب في ذلك: أن المستحيي ينقطع بالحياء عن المعاصي، فصار كالإيمان الذي يقطع عنها، ويحول بين المؤمن وبينها «2» ، وقال ابن الأثير في هذا الحديث:

وإنما جعله بعض الإيمان لأن الإيمان ينقسم إلى: ائتمار بما أمر الله به، وانتهاء عما نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الإيمان «3» .

أما الحديث الآخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» فله تأويلان:

أحدهما ظاهر وهو المشهور: أي إذا لم تستح من العيب ولم تخش العار مما تفعله فافعل ما تحدثك به نفسك من أغراضها حسنا كان أو قبيحا، ولفظه أمر، ومعناه توبيخ وتهديد، وفيه إشعار بأن الذي يردع الإنسان عن مواقعة السوء هو الحياء، فإذا انخلع منه كان كالمأمور بارتكاب كل ضلالة، وتعاطي كل سيئة.

والثاني أن يحمل الأمر على بابه، ويكون المعنى: إذا كنت في فعلك آمنا أن تستحيي منه لجريك فيه على سنن الصواب، وليس من الأفعال التي يستحيا منها، فاصنع منها ما شئت «1» ، قال ابن القيم- رحمه الله تعالى-: فالمعنى على الأول يكون تهديدا كما في قوله تعالى: اعملوا ما شئتم (فصلت/ 40) ، وعلى الثاني إذنا وإباحة، ولا يمكن حمل الحديث على المعنيين جميعا لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة، واعتبار أحد المعنيين يوجب عدم اعتبار الآخر «2» .


وأضاف الإمام العيني إلى هذين معنيين آخرين هما:

1- معنى الوعيد، أي افعل ما شئت تجاز به.

2- أنه على طريق المبالغة في الذم، أي تركك الحياء أعظم مما تفعله، قال- رحمه الله تعالى- والحديث للتنويه بشأن الحياء والحث عليه «3» ، وقال ابن سيده: معنى الحديث: أن من لم يستح صنع ما شاء على جهة الذم لترك الحياء، وليس يأمره بذلك وإنما هو أمر بمعنى الخبر «4» .

ويقال رجل حيي أي ذو حياء، ووزنه فعيل، والأنثى بالهاء، يقال: امرأة حيية، قال الأزهري:

للعرب في هذا الحرف لغتان: استحى الرجل يستحي، بياء واحدة، واستحيا يستحيي، بياءين، والقرآن نزل بهذه اللغة الثانية في قوله عز وجل إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما (البقرة/ 26) .

والثلاثي منه قولهم: حييت منه أحيا، وتقول في الجمع حيوا، كما تقول خشوا ورضوا، ذهبت الياء لالتقاء الساكنين، وفي حديث البراق (ودنوت منه لأركبه فتحيا مني) أي انقبض وانزوى ولا يخلو أن يكون مأخوذا من الحياء على سبيل التمثيل، لأن من شأن الحيي أن ينقبض، أو يكون أصله: تحوى أي تجمع فقلبت واوه ياء، وأما قوله عز وجل ويستحيي نساءهم (القصص/ 4) فمعناه: يستفعل من الحياة أي يتركهن أحياء، وليس فيه إلا لغة واحدة (وهي إثبات الياءين) وحيا الناقة يقصر ويمد لغتان عن الليث، وقال الأزهري حياء الناقة والشاة وغيرهما ممدود، إلا أن يقصره شاعر ضرورة، وإنما سمي حياء من الاستحياء لأنه يستر من الآدمي ويكنى عنه من الحيوان، ويستفحش التصريح باسمه «5» .

وقال ابن القيم: الحياء (الذي هو الاستحياء) مشتق من الحياة، ومن ذلك أيضا: الحيا للمطر، لكنه مقصور، وعلى حسب حياة القلب، يكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيا كان الحياء أتم «6» .

الحياء اصطلاحا

تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به «7» .

وقال الجرجاني: هو انقباض النفس من شيء وتركه حذرا عن اللوم فيه «1» .

ويقال: خلق يبعث على ترك القبح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق «2» .

وقال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها «3» .

وقال المناوي: الحياء انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن لمواجهة ما تراه نقصا، حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن.

وقيل: هو الترقي عن المساوىء خوف الذم.

وقيل: هو انقباض النفس من شيء حذرا من الملام «4» .

وقال الجاحظ: الحياء من قبيل الوقار وهو غض الطرف والانقباض عن الكلام حشمة للمستحيا منه، وهو عادة محمودة ما لم تكن عن عي، ولا عجز «5» .

وذكر ابن مسكويه: أن الحياء من الفضائل التي تدخل تحت العفة، بل هو أولها ثم عرفه بقوله:

الحياء: هو انحصار النفس خوف إتيان القبائح والحذر من الذم والسب «6» .

وقال ابن علان: خلق يبعث على ترك القبيح من الأقوال والأفعال والأخلاق يمتنع صاحبه من التقصير في حق ذي الحق.

وقيل: هو ملكة راسخة للنفس توزعها (تدفعها) على إيفاء الحقوق وترك القطيعة والعقوق «7» .

وقال ابن مفلح الحنبلي: وحقيقة الحياء خلق يبعث على فعل الحسن وترك القبيح «8» .

وقال النووي: روينا عن أبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى- قوله: الحياء رؤية الآلاء (النعم) ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى حياء «9» ، ومعنى هذه العبارة أن الحياء: حالة للنفس تتولد من رؤية أمرين هما: رؤية النعم من ناحية ورؤية التقصير من ناحية أخرى وهذا التصور خاص بالحياء من المولى عز وجل.

وقال فضل الله الجيلاني: الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يلام به مما كان قبيحا حقيقة «10» .

الحيي من صفات الله- عز وجل-:

ومن صفات المولى- عز وجل- (الحيي) كما في الحديث: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده ... » ومعناه على هذا: المبالغ في الحياء.


والغرض والغاية من وصف الله تعالى به فعل ما يسر وترك ما يضر والعطاء من غير سؤال «1» .

وقال الفيروز آبادي: وأما حياء الرب تبارك وتعالى من عبده، فنوع آخر لا تدركه ولا تكيفه العقول فإنه حياء كرم وبر وجود، فإنه كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا، ويستحي أن يعذب شيبة شابت في الإسلام «2» .

أنواع الحياء

الحياء قسمان: غريزي، ومكتسب. والحياء المكتسب: هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، وقد ينطبع الشخص بالمكتسب حتى يصير كالغريزي.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع له النوعان، فكان صلى الله عليه وسلم في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان في المكتسب في الذروة العليا «3» .

وقال المناوي: الحياء نوعان: نفساني وهو المخلوق في النفوس كلها كالحياء من كشف العورة والجماع بين الناس، وإيماني وهو أن يمتنع المسلم من فعل المحرم خوفا من الله «4» .

ونقل صاحب الآداب الشرعية عن غير واحد قولهم: قد يكون الحياء تخلقا واكتسابا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة واستعماله على مقتضى الشرع يحتاج إلى كسب ونية وعلم «5» .

المعاصي تذهب الحياء

قال ابن القيم- رحمه الله تعالى-: من عقوبات المعاصي ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير وذهابه ذهاب الخير أجمعه فقد جاء في الحديث الصحيح «الحياء خير كله «6» » .

والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد، حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله، ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع.

وإذا رأى إبليس طلعة وجهه حيا وقال: فديت من لا يفلح، ومن لا حياء فيه ميت في الدنيا شقي في الآخرة، وبين الذنوب وقلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا، ومن استحيا من الله عند معصيته استحيا الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستح من معصيته لم يستح الله من عقوبته «7» .

مظاهر الحياء وأقسامه

قال ابن القيم: قسم الحياء إلى عشرة أوجه:

حياء جناية، وحياء تقصير، وحياء إجلال، وحياء2- وحياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة قالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.

3- وحياء الإجلال: وهو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه.

4- وحياء الكرم: كحياء النبي صلى الله عليه وسلم من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطولوا الجلوس عنده، فقام واستحيى أن يقول لهم: انصرفوا.

5- وحياء الحشمة: كحياء علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي لمكان ابنته منه.

6- وحياء الاستحقار، واستصغار النفس:

كحياء العبد من ربه عز وجل حين يسأله حوائجه، احتقارا لشأن نفسه، واستصغارا لها. وقد يكون لهذا النوع سببان:

أحدهما: استحقار السائل نفسه. واستعظام ذنوبه وخطاياه.

الثاني: استعظام مسئوله (وهو المولى عز وجل) .

7- وأما حياء المحبة: فهو حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحس به في وجهه ولا يدري ما سببه.

وكذلك يعرض للمحب عند ملاقاته محبوبه ومفاجأته له روعة شديدة. ومنه قولهم «جمال رائع» وسبب هذا الحياء والروعة مما لا يعرفه أكثر الناس.

فإذا فاجأ المحبوب محبه، ورآه بغتة، أحس القلب بهجوم سلطانه عليه فاعتراه روعة وخوف.

8- وأما حياء العبودية: فهو حياء ممتزج من محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجل منها. فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.

9- وأما حياء الشرف والعزة: فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء أو إحسان. فإنه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزة.

10- وأما حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون. فيجد نفسه مستحييا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحيي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء. فإن العبد إذا استحيى من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر «1» .

الحياء والأمر بالمعروف

الحياء الحقيقي لا يمنع من الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر:

قال صاحب «فضل الله الصمد» : فإن قيل إنصاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحق، فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة، فأقول إن ذلك ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور ومهانة وإنما أطلقوا عليه حياء تشبيها ومجازا «1» ، وإنما يكون الحياء حقيقيا حيث يكون قبح المستحيا منه حقيقيا، فلا يدخل فيه الانقباض عما يستقبحه الناس وهو في الحقيقة حسن، ولا الانقباض عما هو في الأصل قبيح ولكن الانقباض عنه يؤدي إلى ما هو أقبح منه، مثال ذلك ما يقع من بعض خرعات النساء، يعرض لها فاجر في خلوة يحاول استكراهها، فتنقبض نفسها عن أن تستغيث وتصرخ، لأنها تستقبح أن يشيع عنها أن فاجرا تعرض لها، ولو عقلت لعلمت أن شيوع ذلك ليس بقبيح إذا اقترن بإبائها عن الفاحشة، والناس يثنون عليها بالعفة والحزم والثبات إذا سمعوا أنها انتهرته وصرخت بأهلها فجاءوا ودفعوه، وعلى ذلك فالحياء في قوله صلى الله عليه وسلم «الحياء لا يأتي إلا بخير» هو الحياء الحقيقي.

وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان أشد حياء من العذراء في خدرها وهو لنا في ذلك قدوة- لا يقوم دون غضبه شيء إذا انتهكت حرمات الله «2» .

مم يتولد الحياء؟

قال الجنيد- رحمه الله تعالى- الحياء رؤية الآلاء (أي النعم) ، ورؤية التقصير، ويتولد بينهما الحياء «3» .

وقال أبو الفدا (إسماعيل الهروي) : يتولد الحياء من التعظيم المنوط بالحب «4» .

قال ابن القيم: يعني أن الحياء حالة حاصلة من امتزاج التعظيم بالمودة، فإذا اقترنا تولد بينهما الحياء «5» .

وقال غيرهما: تولده من شعور القلب بما يستحيى منه (ونفرته عنه) ، فيتولد من هذا الشعور والنفرة حالة هي الحياء «6» .

قال ابن القيم: ولا تنافي بين هذه الأقوال، لأن للحياء عدة أسباب، وكل أشار إلى بعضها «7» .

وقد يتولد الحياء من علم العبد بنظر الحق إليه، فيجذبه ذلك إلى تحمل المجاهدة ويحمله على استقباح الجناية، ويسكته عن الشكوى «8» .

وقد أشار ابن القيم إلى هذه الدرجة في مطلع حديثه عن الحياء عند ما ذكر الآيات الكريمة التي تدل على رؤية المولى عز وجل لعباده ظواهرهم وبواطنهم وعلى كونه رقيبا عليهم، وذلك قوله سبحانه:

ألميعلم بأن الله يرى (العلق/ 14) ، وقوله عز من قائل: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (غافر/ 19) ، وقوله سبحانه: إن الله كان عليكم رقيبا (النساء/ 1) «1» .

وجاء في حديث جبريل المشهور: ما الإحسان؟: قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك «2» .

وقال ابن القيم في شرح العبارة السابقة: يعني أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياء منه سبحانه، فيجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة، وذلك كمثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيده، فإنه يكون نشيطا فيه، محتملا لأعبائه، ولا سيما مع الإحسان من سيده، والله عز وجل لا يغيب نظره عن عبده، فإذا ما غاب نظر العبد عن كون المولى ناظرا إليه تولد من ذلك قلة الحياء والقحة، هذا ولاستقباح الجناية الناشيء عن الحياء درجتان أخريان، دنيا وهي الاستقباح الحاصل عن ملاحظة الوعيد، وعليا: وهي الاستقباح الحاصل عن المحبة.

ومن الحياء ما يتولد من تحقق القلب بالمعية الخاصة مع الله عز وجل، قال ابن القيم: والمعية مع الله نوعان:


عامة: وهي معية العلم والإحاطة المستفادة من قوله عز وجل: وهو معكم أين ما كنتم (الحديد/ 4) ..

وقوله سبحانه: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه.. (ق 16) .

وقوله سبحانه: فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ... (الشورى/ 11) .

وقوله سبحانه: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ... (المجادلة/ 7) وقوله سبحانه: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (الأنعام/ 103) ، وقوله سبحانه: ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا (الجن/ 28) .

خاصة: وهي التي أشار إليها سبحانه في قوله:

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (النحل/ 128) وقوله- عز من قائل: إن الله مع الصابرين (البقرة/ 153) وقوله- سبحانه: وإن الله لمع المحسنين (العنكبوت/ 69) .

وهذه المعية معية قرب تتضمن الموالاة والنصر والحفظ وكلا المعيتين مصاحبة منه للعبد، لكن الأولى مصاحبة اطلاع وإحاطة، والثانية مصاحبة موالاة ونصر وإعانة.

وقرب الله- عز وجل- من العبد فهو- أيضا نوعان:

الأول: قربه من داعيه بالإجابة، وذلك كما قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيبدعوة الداع إذا دعان (البقرة/ 186) .

ولهذا نزلت هذه الآية جوابا للصحابة- رضي الله عنهم- عند ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟» «1» .

والثاني: قربه من عابده بالإثابة، وشاهده قوله صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأقرب ما يكون الرب من عبده وهو في جوف الليل» .

وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه، واستواءه على عرشه إذ هو ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ومن ذلك على سبيل المثال أن أهل السنة وهم أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحباؤه، الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم وأحب إليهم منها، يجدون نفوسهم أقرب إليه، وهم في الأقطار النائية عنه من بعض جيران حجرته في المدينة (المنورة) «2» .

الحياء أصل لكل خير

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وخلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق لم يقر الضيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤد أمانة، ولم تقض لأحد حاجة، ولا تحرى الرجل الجميل فآثره، والقبيح فتجنبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع من فاحشة.

وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئا من الأمور المفترضة عليه، ولم يرع لمخلوق حقا، ولم يصل له رحما، ولا بر له والدا؛ فإن الباعث على هذه الأفعال إما ديني، وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وإما دنيوي علوي، وهو حياء فاعلها من الخلق. فقد تبين أنه لولا الحياء إما من الخالق أو من الخلائق لم يفعلها صاحبها.


ثم قال- رحمه الله-: إن للإنسان آمرين وزاجرين، آمر وزاجر من جهة الحياء، فإذا أطاعه امتنع من فعل كل ما يشتهي، وله آمر وزاجر من جهة الهوى والطبيعة، فمن لم يطع آمر الحياء وزاجره، أطاع آمر الهوى والشهوة ولا بد «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: الاستقامة- الإيمان العفة- غض البصر- المراقبة- حفظ الفرج- حسن الخلق.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- الكبر والعجب- الغرور- اتباع الهوى- المجاهرة بالمعصية- إطلاق البصر- سوء الخلق- التفريط والإفراط] .

الآيات الواردة في «الحياء»

1- وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) «1»


2- يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (53) «2»

الأحاديث الواردة في (الحياء)

1-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء» .

قال: قلنا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» ) * «1» .

2-* (عن سعيد بن زيد الأنصاري- رضي الله عنه- قال: إن رجلا قال يا رسول الله: أوصني.

قال: «أوصيك أن تستحيي من الله عز وجل- كما تستحيي رجلا من صالحي قومك» ) * «2» .

3-* (عن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من سنن المرسلين:

الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح» ) * «3» .

4-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قلت يا رسول الله: إن البكر تستحيي. قال: «رضاها صمتها» ) * «4» .

5-* (عن سلمان الفارسي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه يدعوه أن يردهما صفرا، ليس فيهما شيء» ) * «5» .

6-* (عن أشج عبد القيس أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فيك خلتين يحبهما الله- عز وجل-» . قلت: ما هما؟ قال: «الحلم والحياء» . قلت أقديما كان في أم حديثا؟ قال: «بل قديما» . قلت:


الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما) * «6» .

7-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام(الحياء» ) * «1» .

8-* (عن أبي مسعود (وهو البدري) - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ) * «2» .

9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى كان حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء من الله فآذاه من آذاه من بني إسرائيل.

فقالوا: ما يستتر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة «3» » .. الحديث) * «4» .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع «5» وستون شعبة «6» ، والحياء شعبة من الإيمان» ) * «7» .

11-* (عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء، وأخرز غربه «8» وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ.

فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثم قال:

«إخ إخ» «9» ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه) * «10» .

12-* (عن أم سلمة- رضي الله عنها- قالت: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأت الماء» .

فغطت أم سلمة- تعني وجهها- وقالت: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟ قال: «نعم، تربت يمينك فبم يشبهها ولدها؟» ) * «11» .

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان، والإيمان فيالجنة، والبذاء «1» من الجفاء، والجفاء في النار» ) * «2» .

14-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» ) * «3» .

15-* (عن أبي أمامة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق» ) * «4» .

16-* (عن عمران بن حصين- رضي الله عنهما- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير» . فقال بشير بن كعب: مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا وإن من الحياء سكينة. فقال له عمران:

أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدثني عن صحيفتك» ) * «5» .

17-* (عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» .

فقال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل» قلت. والرجل يكون خاليا. قال: «فالله أحق أن يستحيا منه» ) * «6» .

18-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها «7» » ) * «8» .

19-* (عن هشام عن أبيه قال: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل.

فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) * «9» .

20-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنىويستحيي أن يسأل الناس إلحافا» ) * «1» .


21-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه» ) * «2» .


22-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه فإن الحياء من الإيمان» ) * «3»

23-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون:


لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس.

خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا.

فيقول: لست هناكم- ويذكر ذنبه فيستحيي- ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.

فيأتونه فيقول: لست هناكم- ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي- فيقول ائتوا خليل الرحمن. فيأتونه، فيقول: لست هناكم ائتوا موسى عبدا كلمة الله وأعطاه التوراة، فيأتونه فيقول:

لست هناكم- ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه- فيقول ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه، فيقول لست هناكم، ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء، ثم يقال:

ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة. ثم أعود إليه. فإذا رأيت ربي مثله ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة.

ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود» ) * «4» .

24-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: «لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه. فقال أبو موسى:


وبعثني مع أبي عامر، قال: فرمي أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم بسهم، فأثبته في ركبته فانتهيت إليه، فقلت: يا عم: من رماك؟، فأشار أبو عامر إلى أبي موسى، فقال: إن ذاك قاتلي تراه ذلك الذي رماني، قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته فلما رآني ولى عني ذاهبا فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحيي؟، ألست عربيا؟، ألا تثبت؟ فكف، فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين فضربته بالسيف فقتلته ... الحديث» ) * «5» .

الأحاديث الواردة في (الحياء) معنى

25-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل لم قلت كذا وكذا؟ ولكنه يعم فيقول: ما بال أقوام..» ) * «1» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (الحياء)

26-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه، فلما خرج قالت عائشة:

دخل أبو بكر فلم تهتش «2» له، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله «3» ، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك. فقال: «ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة» ) * «4» .

27-* (عن صخر بن العيلة بن عبد الله الأحمسي- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثقيفا، فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد نبي الله قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر يومها عهد الله وذمته أن لا يفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه صخر: أما بعد، فإن ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله، وأنا مقبل إليهم وهم في خيل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة جامعة، فدعا لأحمس عشر دعوات: «اللهم بارك لأحمس في خيلها ورجالها» .

وأتاه القوم فتكلم المغيرة ابن شعبة، فقال: يا نبي الله، إن صخرا أخذ عمتي ودخلت فيما دخل فيه المسلمون.

فدعاهم، فقال: «يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم فادفع إلى المغيرة عمته» ، فدفعها إليه وسأل نبي الله صلى الله عليه وسلم: «ما لبني سليم قد هربوا عن الإسلام، وتركوا ذلك الماء؟» فقال: يا نبي الله أنزلنيه أنا وقومي، قال: «نعم» فأنزله وأسلم- يعني السلميين- فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع إليهم الماء. فأبى، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا.

فأتاه، فقال: «يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزواأموالهم ودماءهم، فادفع إلى القوم ماءهم» ، قال:

نعم، يا نبي الله، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء) * «1» .

28-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: إن امرأة من الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف أغتسل من المحيض؟ قال: «خذي فرصة «2» ممسكة فتوضئي ثلاثا» .

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استحيا فأعرض بوجهه، أو قال: «توضئي بها» ، فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي صلى الله عليه وسلم) * «3» .


29-* (عن أنس رضي الله عنه قال: بني على النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه، فقال: «فارفعوا طعامكم» .

وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله» ، فقالت:

وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك. فتقرى «4» حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة.

ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ثلاثة من رهط في البيت يتحدثون وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري آخبرته أو أخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة «5» الباب داخلة وأخرى خارجة أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب) * «6» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الحياء)

1-* (قال أبو بكر- رضي الله عنه- وهو يخطب الناس: «يا معشر المسلمين: استحيوا من الله فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من ربي عز وجل» ) * «7» .

2-* (قال عمر- رضي الله عنه-: «من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه» ) «8» .

3-* (قال ابن جريج: أخبرني محمد بن عباد ابن جعفر أنه سمع ابن عباس- رضي الله عنهما- يقرأ ألا إنهم يثنون صدورهم (هود/ 5) قال سألتهعنها فقال: «أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا «1» فيفضوا إلى السماء أو يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء. فنزل ذلك فيهم» ) * «2» .

4-* (قال ابن مسعود- رضي الله عنه-:

«من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله» ) * «3» .

5-* (قال علي: كنت رجلا مذاء «4» فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال «فيه الوضوء «5» » ) * «6» .

6-* (عن الزبير بن العوام- رضي الله عنه- قال: لما كان يوم أحد، أقبلت امرأة تسعى، حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تراهم، فقال: «المرأة، المرأة» .

قال الزبير فتوسمت أنها أمي صفية، قال فخرجت أسعى إليها فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال:

فلدمتني «7» في صدري وكانت امرأة جلدة «8» ، قالت: إليك، لا أرض لك «9» ، قال: فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم عليك، قال:

فوقفت وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله، فكفنوه فيهما، قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار، قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة، قال: فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب.

فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له) * «10» .

7-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال:

اختلف في الغسل، إذا قعد بين شعبها ولم ينزل، رهط من المهاجرين والأنصار. فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى:

فأنا أشفيكم من ذلك. فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي فقلت لها: يا أماه (أو يا أم المؤمنين) إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك. فقالت: لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك.

فإنما أنا أمك. قلت: ما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» ) * «11» .

8-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

«مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم منه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله» ) * «1» .

9-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنها ضافت ضيفا، فأمرت بملحفة صفراء فنام فيها، فاحتلم، فاستحيا أن يرسل بها وبها أثر الاحتلام فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: «لم أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعي» ) * «2» .


10-* (قال إياس بن قرة: كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر عنده الحياء، فقالوا: الحياء من الدين.

فقال عمر: «بل هو الدين كله» ) * «3» .

11-* (قال وهب بن منبه: «الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفة» ) * «4» .

12-* (قال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر» ) * «5» .

13-* (وقال أيضا: «لو أن المسلم لم يصب من أخيه، إلا أن حياءه منه يمنعه من المعاصي» ) * «6» .

14-* (قال الحسن البصري: «الحياء والتكرم خصلتان من خصال الخير، لم يكونا في عبد إلا رفعه الله بهما» ) * «7» .

15-* (عن شقيق بن سلمة (أبي وائل) - رحمه الله تعالى- قال: «خرجنا في ليلة مخوفة، فمررنا بأجمة فيها رجل نائم، وقيد فرسه فهي ترعى عند رأسه فأيقظناه، فقلنا له: تنام في مثل هذا المكان؟ قال: فرفع رأسه، فقال إني أستحيي من ذي العرش أن يعلم أني أخاف شيئا دونه، ثم وضع رأسه فنام» ) * «8» .

16-* (قال الفضيل بن عياض: «خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل» ) * «9» .

17-* (قال أبو الفدا (إسماعيل الهروي) في منازل السائرين: «الحياء من أول مدارج أهل الخصوص يتولد من تعظيم منوط بود» ) * «10» .

18-* (قال الشاعر:

إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء «11» ) * «12» .

19-* (من كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيى منه، وعمارة القلب بالهيبة والحياء، فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير) * «1» .

20-* (وقال ذو النون المصري: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك، والحب ينطق، والحياء يسكت، والخوف يقلق) * «2» .

21-* (قال السري (الرفاء) : إن الحياء والأنس يطرقان القلب، فإن وجدا فيه الزهد والورع (حلا فيه) وإلا رحلا) * «3» .

22-* (نقل ابن القيم (ربما عن كتب السابقين) الآثار الآتية في الحياء: أوحى الله عز وجل إلى عيسى عليه السلام: «عظ نفسك، فإن اتعظت، وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس» ) * «4» .

23-* (وفي أثر آخر: يقول الله تعالى: يابن آدم، إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة) * 5.

24-* (وفي أثر آخر يقول الرب عز وجل:

رده، ويعصيني ولا يستحيي مني» ) * 6.

25-* (قال يحيى بن معاذ: «من استحيا من الله مطيعا، استحيا الله منه وهو مذنب» ) * «7» .

26-* (قال ابن القيم في شرح قول يحيى بن معاذ في الأثر السابق: «من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يدي ربه إطراق مستحي خجل، فإذا واقع ذنبا استحيا الله عز وجل من أن ينظر إليه في تلك الحالة لكرامته عليه..

وفي واقع الحياة ما يشهد لذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به، وأحبهم إليه وأقربهم منه، من ولد أو صاحب، أو ممن يحب من غيرهم وهو يخونه- فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع حياء عجيب، حتى كأنه هو الجاني، وذلك غاية الكرم.

وقد قيل إن سبب هذا الحياء أنه يمثل نفسه «8» ، في حال طاعته كأنه يعصي الله عز وجل فيستحيي منه في تلك الحال ولهذا شرع الاستغفار عقب الأعمال الصالحة، والقرب التي يتقرب بها إلى الله عز وجل» .

وقيل: إنما يمثل نفسه خائنا، فيلحقه الحياء كما إذا شاهد رجلا مضروبا وهو صديق له أو من قد أحصر على المنبر عن الكلام، فإنه يخجل أيضا تمثيلا لنفسه بتلك الحال، وهذا قد يقع، ولكن حياء من اطلع على محبوبه وهو يخونه ليس من هذا، فإنه لو اطلع على غير من يحب، لم يلحقه هذا الحياء ولا قريب منه، وإنما يلحقه مقته وسقوطه من عينه، وإنما سبب الحياء- والله أعلم- شدة تعلق قلبه ونفسه به فينزل الوهم فعل حبيبه بمنزلة فعله هو، ولا سيما إن قدر حصول المكاشفة بينهما، هذا في حق الشاهد «9» .

وأما حياء الرب تعالى من عبده، فذلك نوع آخر، لا تدركه الأفهام، ولا تكيفه العقول فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال فإنه تبارك وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا، ويستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام) * «1» .

27-* (ذكر ابن عبد البر عن سليمان- عليه السلام- «الحياء نظام الإيمان فإذا انحل النظام ذهب ما فيه» ) * «2» .

28-* (عن معبد الجهني قال: في قوله تعالى ولباس التقوى ذلك خير (الأعراف/ 26) ، قال: «لباس التقوى الحياء» ) * «3» .

29-* (وقال الحسن: «أربع من كن فيه كان كاملا، ومن تعلق بواحدة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، وعقل يسدده، وحسب يصونه وحياء يقوده» ) * «4» .

30-* (قال الأصمعي: «سمعت أعرابيا يقول: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه» ) * «5» .

31-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «إن مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث، وصدق التأسي في طاعة الله، وإعطاء السائل، ومكافأة الصنيع، وصلة الرحم، وأداء الأمانة، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وقرى الضيف ورأسهن الحياء» ) * «6» .

32-* (قال أبو بكر بن أبي الدنيا (مؤلف مكارم الأخلاق) : بدأنا الحياء لقول أم المؤمنين رضي الله عنها-: «رأس مكارم الأخلاق الحياء» ) * «7» .

33-* (عن الشعبي قال: مر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في بعض طرق المدينة فسمع امرأة تقول:

دعتني النفس بعد خروج عمرو ... إلى اللذات فاطلع التلاعا «8» .

فقلت لها: عجلت فلن تطاعي ... ولو طالت إقامته رباعا أحاذر إن أطعتك سب نفسي ... ومخزاة تجللني قناعا فقال عمر- وأتي بالمرأة-: أي شيء منعك؟ قالت الحياء وإكرام عرضي.

فقال- رضي الله عنه- إن الحياء ليدل على هنات ذات ألوان، من استحيا استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وقي، وكتب إلى صاحب زوجها فأقفله إليها) * «9» .


34-* (قال عبد الله (بن مسعود) : الإيمان عريان، وزينته التقوى ولباسه الحياء) * «1» .

35-* (عن كعب الأحبار قال: لم يكن الحياء في رجل قط فتطعمه النار أبدا) * «2» .

36-* (عن سليمان (لعله ابن عبد الملك) قال: إذا أراد الله بعبد هلاكا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا) * «3» .

37-* (وقال صالح بن جناح:

إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه) * «4» .

38-* (وقال آخر كأنه الفرزدق:

يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم) * «5» .

39-* (وقال ابن جرير الطبري:

حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مكالمتي رفيقي ولو أني سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغنى سهل الطريق) * «6» .

40-* (عن ابن الأعرابي: قال بعض العرب:

إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عريانا) *.

من فوائد (الحياء)

(1) من خصال الإيمان وحسن الإسلام.

(2) هجر المعصية خجلا من الله سبحانه وتعالى.

(3) الإقبال على الطاعة بوازع الحب لله عز وجل.

(4) يبعد عن فضائح الدنيا والآخرة.

(5) أصل كل شعب الإيمان.

(6) يكسو المرء الوقار فلا يفعل ما يخل بالمروءة والتوقير ولا يؤذي من يستحق الإكرام.

(7) لا يمنع من مواجهة أهل الباطل ومرتكبي الجرائم.

(8) هو دليل على كرم السجية وطيب المنبت.

(9) صفة من صفات الأنبياء والصحابة والتابعين.

(10) يعد صاحبها من المحبوبين من الله ومن الناس.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٤٬٢٣٠ مرة.