أدوات شخصية
User menu

الرأفة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الرأفة لغة

مصدر قولهم: رؤف به يرؤف رأفة ورآفة وهو مأخوذ من مادّة (ر أف) الّتي تدلّ كما يقول ابن فارس على الرّقّة والرّحمة، قال- عزّ وجلّ- وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (النور/ 2) وقرئت رآفة، والرّأفة أشدّ الرّحمة، وقيل هي أرقّ من الرّحمة، ولا تكاد تقع في الكراهة، والرّحمة قد تقع في الكراهة للمصلحة، يقول أبو زيد: رؤفت بالرّجل أرؤف رأفة ورآفة، ورأفت به أرأف (كذلك) ورئفت به رأفا، قال:

كلّ من كلام العرب «1» والرّءوف اسم للمولى- عزّ وجلّ- وصفة من صفات رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم:

الرّءوف من أسماء الله الحسنى

من صفات الله- عزّ وجلّ- الّتي سمّي بها «الرّءوف» ومعناها الرّحيم لعباده العطوف عليهم بألطافه وفيه لغتان قرأ بهما جميعا: رءوف على فعول وهي قراءة أهل المدينة ورؤف على فعل، فمن الأوّل قول كعب بن مالك الأنصاريّ- رضي الله عنه-:

نطيع نبيّنا ونطيع ربّا ... هو الرّحمن كان بنا رءوفاومن الثّاني قول جرير:

يرى للمسلمين عليه حقّا ... كفعل الوالد الرّؤف الرّحيم فالله- عزّ وجلّ- هو الرّءوف لأنّه المتناهي في الرّحمة بعباده لا راحم أرحم منه ولا غاية وراء رحمته، وقد يقال أيضا «رأف» بسكون الهمزة، ومن ذلك قول الشّاعر:

فآمنوا بنبيّ لا أبا لكم ... ذي خاتم صاغه الرّحمن مختوم رأف رحيم بأهل البرّ يرحمهم ... مقرّب عند ذي الكرسيّ مرحوم ونقل ابن منظور عن الفرّاء أنّه يقال (أيضا) رئف بكسر الهمزة «2» .

وقال الغزاليّ: الرّؤف (معناه) ذو الرّأفة، والرّأفة شدّة الرّحمة «3» ، وقال ابن الأثير: هو الرّؤف بعباده العطوف عليهم بألطافه «4» .

الرءوف من صفة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين

جاء وصف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالرّءوف والرّحيم في قوله- عزّ وجلّ- لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْعَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة/ 128) فالرّءوف (هنا) شديد الرّحمة، (والرّحيم) الّذي يريد لهم الخير، وقيل رءوف بالطّائعين ورحيم بالمذنبين، قال ابن عبّاس: سمّاه (المولى) باسمين من أسمائه، وفي الجمع بينهما دلالة على أنّ في كلّ منهما معنى ليس في الآخر على نحو ما ذكره أهل العلم.

يقول النّيسابوريّ: ومن رأفته صلّى الله عليه وسلّم أنّه أمر بالرّفق كما قال: إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق ومن رحمته قيل له فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159 آل عمران) وههنا نكتة وهي أنّ رأفته ورحمته لمّا كانت مخلوقة اختصّت بالمؤمنين فقط وكانت رأفته- عزّ وجلّ- ورحمته للنّاس عامّة إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (البقرة/ 143) وهناك نكتة أخرى هي أنّ رحمته صلّى الله عليه وسلّم عامّة للعالمين وأمّا رحمته المضمومة إلى الرّأفة فخاصّة بالمؤمنين، وكأنّ الرّأفة إشارة إلى ظهور أثر الدّعوة في حقّهم فالمؤمنون أمّة الدّعوة والإجابة جميعا وغيرهم أمّة الدّعوة فقط «1» .

الرأفة اصطلاحا

قال الكفويّ: الرّأفة مبالغة فى رحمة مخصوصة هي رفع المكروه وإزالة الضرّ «2» .

بين الرحمة والرأفة

قال بعض العلماء الرّحمة هي أن يوصّل إليك المسارّ، والرّأفة هي أن يدفع عنك المضارّ، والرّأفة إنّما تكون باعتبار إفاضة الكمالات والسّعادات الّتي بها يستحقّ الثّواب، والرّحمة من باب التّزكية والرّأفة من باب التّخلية، وذكر الرّحمة بعد الرّأفة مطّرد في القرآن الكريم لتكون أعمّ وأشمل «3» .

وقال ابن الأثير: الرّأفة أرقّ من الرّحمة، ولا تكاد تقع في الكراهة، والرّحمة (قد) تقع في الكراهة للمصلحة «4» .

[للاستزادة: انظر صفات: الرحمة- الرفق- الشفقة- العطف- الحنان.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإساءة- سوء المعاملة- العنف- القسوة] .

الآيات الواردة في «الرأفة»

الرءوف من أسماء الله الحسنى

1- وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) «1»

2- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) «2»

3- لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) «3»

4- لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) «4»

5- أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (9) «1»

6- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (45) «2»

7- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (66) «3»

8- إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20) «4»

9- هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (9) «5»

الرءوف من صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم

10- لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) «1»

النهي عن الرأفة في حدود الله

11- الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) «2»

الرأفة من صفة المؤمنين من أتباع المسيح عليه السلام

12- وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27) «3»

الأحاديث الواردة في (الرأفة)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا لبعض الطّعام، فكان أبو هريرة ممّا يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثمّ لقيت أبا هريرة من العشيّ فقلت: الدّعوة عندي اللّيلة، فقال سبقتني، قلت: نعم. فدعوتهم. فقال أبو هريرة:

ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار ثمّ ذكر فتح مكّة. فقال: أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى قدم مكّة فبعث الزّبير على إحدى المجنبتين «1» ، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسّر «2» .

فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كتيبة. قال: فنظر فرآني، فقال: «أبو هريرة؟» . قلت:

لبّيك يا رسول الله. فقال: «لا يأتيني إلّا أنصاريّ» - زاد غير شيبان- فقال: «اهتف لي بالأنصار» . قال: فأطافوا به. ووبّشت قريش أوباشا لها «3» وأتباعا.

فقالوا: نقدّم هؤلاء. فإن كان لهم شيء كنّا معهم. وإن أصيبوا أعطينا الّذي سئلنا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم» . ثمّ قال بيديه، إحداهما على الأخرى. ثمّ قال: «حتّى توافوني بالصّفا» .

قال: فانطلقنا. فما شاء أحد منّا أن يقتل أحدا إلّا قتله. وما أحد منهم يوجّه إلينا شيئا. قال:

فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش. لا قريش بعد اليوم. ثمّ قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» فقالت الأنصار، بعضهم لبعض: أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته.

قال أبو هريرة: وجاء الوحي. وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا. فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى ينقضي الوحي.

فلمّا انقضى الوحي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الأنصار» . قالوا:

لبّيك يا رسول الله قال: «قلتم أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته» . قالوا: قد كان ذاك. قال «كلّا إنّي عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم» .

فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الّذي قلنا إلّا ضنّا «4» بالله وبرسوله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم» .

قال: فأقبل النّاس إلى دار أبي سفيان. وأغلق النّاس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أقبل إلى الحجر. فاستلمه. ثمّ طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه.

قال: وفي يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوس. وهو آخذ بسية القوس «5» . فلمّا أتى على الصّنم جعل يطعنه في عينه ويقول: «جاءالحقّ وزهق الباطل» .

فلمّا فرغ من طوافه أتى الصّفا فعلا عليه. حتّى نظر إلى البيت ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو) * «1» .

2-* (عن أبيّ بن كعب- رضي الله عنه- أنّه قال: إنّ أبا هريرة كان حريصا «2» على أن يسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أشياء لا يسأله عنها غيره. فقال يا رسول الله ما أوّل ما رأيت في أمر النّبوّة؟.

فاستوى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسا، وقال: «لقد سألت أبا هريرة.

إنّي لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟. قال:

نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قطّ، وأرواح لم أجدها من خلق قطّ، وثياب لم أرها على أحد قطّ، فأقبلا إليّ يمشيان حتّى أخذ كلّ واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسّا، فقال أحدهما لصاحبه:

أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر «3» ، وقال أحدهما لصاحبه: افلق «4» صدره فهوى أحدهما إلى صدري ففلقها فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له:

أخرج الغلّ والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثمّ نبذها فطرحها فقال له: أدخل الرّأفة والرّحمة، فإذا مثل الّذي أخرج يشبه الفضّة ثمّ هزّ إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسلم فرجعت بها أغدو رقّة على الصّغير ورحمة للكبير» ) * «5» .

من الأحاديث الواردة في (الرأفة) معنى

انظر: صفات: الرحمة- والرفق- والشفقة

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الرأفة)

انظر: صفات: الرحمة- والرفق- والشفقة

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الرأفة)

1-* (عن زيد بن ثابت الأنصاريّ- رضي الله عنه- وكان ممّن يكتب الوحي قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر.

فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بالنّاس، وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلّا أن تجمعوه، وإنّيلأرى أن تجمع القرآن.

قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال عمر: هو والله خير.

فلم يزل عمر يراجعني فيه حتّى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الّذي رأى عمر- قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلّم- فقال أبو بكر:

إنّك رجل شابّ عاقل ولا نتّهمك وكنت تكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فتتبّع القرآن فاجمعه.

فو الله لو كلّفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير.

فلم أزل أراجعه حتّى شرح الله صدري للّذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبّعت القرآن أجمعه من الرّقاع والأكتاف والعسب «1» وصدور الرّجال، حتّى وجدت من سورة التّوبة آيتين مع خزيمة الأنصاريّ لم أجدهما مع أحد غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة/ 128) إلى آخرها.

وكانت الصّحف الّتي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند عمر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند حفصة بنت عمر» ) * «2» .

2-* (قال كعب بن مالك الأنصاريّ- رضي الله عنه-:

نطيع نبيّنا ونطيع ربّا ... هو الرّحمن كان بنا رءوفا)

  • «3» .

3-* (قال أبو سليمان الدّارنيّ- رحمه الله تعالى-: «جلساء الرّحمن يوم القيامة من جعل في قلبه خصالا: الكرم والسّخاء والحلم والرّأفة والشّكر والبرّ والصّبر» ) * «4» .

4-* (قال الشّاعر:

فآمنوا بنبيّ لا أبا لكم ... ذي خاتم صاغه الرّحمن مختوم رأف رحيم بأهل البرّ يرحمهم ... مقرّب عند ذي الكرسيّ مرحوم ) * «5» .

من فوائد (الرأفة)

(1) مدعاة لرضى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وتكون سببا في دخول الجنّة.

(2) صاحبها يحمل صفة يتحلّى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

(3) أنّها سبب للألفة والمحبّة بين عباد الله المسلمين

(4) من رزق الرّأفة فقد جمع كثيرا من خصال الخير.

(5) أنّ صاحبها ينال درجة عالية من الأجر؛ لأنّها أشدّ الرّحمة وأرقّها.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢ مارس ٢٠١٥ الساعة ١١:٤٥.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٨١٦ مرة.