أدوات شخصية
User menu

الربا

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الربا لغة

مصدر قولهم: ربا يربو، إذا زاد، وهو مأخوذ من مادة (ر ب و) التي تدل على الزيادة والنماء والعلو «1» ، تقول من ذلك: ربا الشيء يربو، إذا زاد، وربا الرابية يربوها: إذ علاها، وربا فلان: أصابه الربو وهو علو في النفس، وأربت الحنطة تربي، إذا زكت، والربا في المال والمعاملة: هو الزيادة على رأس المال، وباعتبار هذه الزيادة قال تعالى: وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله (الروم/ 39) ونبه بقوله يمحق الله الربا ويربي الصدقات (البقرة/ 276) أن الزيادة المعقولة المعبر عنها ب «البركة» مرتفعة عن الربا، ولذلك قال في مقابلته وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (الروم/ 39) ، وقال الطبري في تفسير الآية الأولى: الربا هو ما يعطى الناس بينهم، بعضهم بعضا، يعطي الرجل الرجل العطية يريد أن يعطى أكثر منها، وأما كونه لا يربو عند الله فمعناه: ما أعطيتم من شيء تريدون به مثابة الدنيا ومجازاة الناس، فذاك هو الربا الذي لا يقبله الله ولا يجزي به «2» ، وقال في تفسير الآية الثانية يمحق الله الربا (البقرة/ 276) المعنى: ينقص الله الربا فيذهبه كما جاء في الحديث:

«الربا وإن كثر فإلى قل» «3» ، وقال القرطبي: معنى يمحق الله الربا (البقرة/ 276) يعني في الدنيا بإذهاب بركته وإن كان (في الظاهر) كثيرا، وعن ابن عباس- رضي الله عنهما-: المحق ألا يقبل الله منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة «4» .


وقال الجوهري: الربا في البيع: تثنيته ربوان وربيان، والربية مخففة لغة في الربا، وفي الحديث:

«ليس عليهم ربية ولا دم» أي أنه أسقط عنهم كل دم كانوا يطلبون به. وكل ربا كان عليهم إلا رؤوس أموالهم فإنهم يردونها «5» ، وقال ابن منظور: يقال: ربا الشيء يربو ربوا ورباء أي زاد ونما، وأربيته: نميته ومنه أخذ الربا الحرام، وأربى الرجل دخل في الربا «6» .

الربا اصطلاحا

قال الراغب:: الربا في الشرع خص بالزيادة على وجه دون وجه «7» .

وقال الجرجاني: الربا شرعا هو فضل خال عن عوض شرط لأحد العاقدين «1» .

وقيل: هو عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد مع تأخير في البدلين أو أحدهما «2» .

وقال التهانوي: الربا في الشرع هو عبارة عن عقد فاسد، وإن لم تكن فيه زيادة لأن بيع الدرهم بالدرهم نسيئة ربا وإن لم تتحقق فيه زيادة.

وقال أيضا: وقيل هو فضل مالي بلا عوض في معاوضة مال بمال شرط لأحد المتعاقدين «3» .

أنواع الربا

ربا الفضل: وهو البيع مع زيادة أحد العوضين المتفقي الجنس على الآخر.

وربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما عند التفرق من المجلس أو التخاير فيه بشرط اتحادهما علة، بأن يكون كل منهما معلوما، أو كل منهما نقد وإن اختلف الجنس.

وربا النسيئة: وهو البيع للمطعومين أو للنقدين المتفقي الجنس أو المختلفيه لأجل، ولو لحظة، وإن استويا وتقابضا في المجلس.

فالأول وهو ربا الفضل: كبيع صاع بر بدون صاع بر أو بأكثر؛ أو درهم فضة بدون درهم فضة أو بأكثر.

سواء أتقابضا أم لا، وسواء أجلا أم لا. (ودون صاع: أي أقل منه) .

والثاني وهو ربا اليد: كبيع صاع بر بصاع بر، أو درهم ذهب بدرهم ذهب، أو صاع بر بصاع شعير أو أكثر، أو درهم ذهب بدرهم فضة أو أكثر، لكن تأخر قبض أحدهما من المجلس أو التخاير.

والثالث وهو ربا النساء: كبيع صاع بر بصاع بر، أو درهم فضة بدرهم فضة، لكن مع تأجيل أحدهما ولو إلى لحظة، وإن تساويا وتقابضا في المجلس.

والحاصل: أنه متى استوى العوضان جنسا وعلة، كبر ببر، أو ذهب بذهب، اشترط ثلاثة شروط: التساوي، وعلمهما به يقينا عند العقد، والحلول والتقابض قبل التفرق؛ ومتى اختلفا جنسا واتحدا علة، كبر بشعير، أو ذهب بفضة. اشترط شرطان: الحلول والتقابض.

وجاز التفاضل، ومتى اختلفا جنسا وعلة، كبر بذهب أو ثوب، لم يشترط شيء من هذه الثلاثة.

فالمراد بالعلة هنا: إما الطعم، بأن يقصد الشيء للاقتيات أو الأدم أو التفكه أو التداوي، وإما النقدية، وهي منحصرة في الذهب والفضة مضروبة وغيرها، فلا ربا في الفلوس وإن راجت.

وزاد المتولي نوعا رابعا وهو: ربا القرض: لكنه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل، لأنه الذي فيه شرط يجر نفعا للمقرض، فكأنه أقرضه هذا الشيء بمثله مع زيادة ذلك النفع الذي عاد عليه.

حكم الربا

وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع بنص الآيات والأحاديث، وكل ما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة، نعم بعضها معقول المعنى وبعضها تعبدي، وربا النسيئة هو الذي كان مشهورا في الجاهلية، لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا ورأس المال باق بحاله، فإذا حل طالبه برأس ماله، فإن تعذر عليه الأداء زاد في الحق والأجل.

وتسمية هذا نسيئة مع أنه صدق عليه ربا الفضل أيضا؛ لأن النسيئة هي المقصودة فيه بالذات، وهذا النوع مشهور الآن بين الناس، وواقع كثيرا «1» .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المراباة حرام بالكتاب والسنة، والإجماع. وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه. والمحلل، والمحلل له» .

وإن كان أصل الربا في الجاهلية: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل. فإذا حل الأجل قال له:

أتقضي؟ أم تربى؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال. فيتضاعف المال والأصل واحد.

وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين.

وأما إذا كان هذا هو المقصود ولكن توسلوا بمعاملة أخرى؛ فهذا تنازع فيه المتأخرون من المسلمين، وأما الصحابة فلم يكن بينهم نزاع أن هذا محرم، فإنما الأعمال بالنيات، والآثار عنهم بذلك كثيرة مشهورة.

والله تعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين، وأكل المال بالباطل، وهو موجود في المعاملات الربوية. وأما إذا حل الدين وكان الغريم معسرا: لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا غيرها؛ بل يجب إنظاره، وإن كان موسرا كان عليه الوفاء، فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره، ولا مع إعساره.

والواجب على ولاة الأمور بعد تعزير المتعاملين بالمعاملة الربوية: أن يأمروا المدين بأن يؤدي رأس المال. ويسقطوا الزيادة الربوية. فإن كان معسرا وله مغلات يوفي منها وفي دينه منها بحسب الإمكان «2» .

وقال ابن حجر: عد الربا كبيرة هو ما أطبقوا عليه اتباعا لما جاء في الأحاديث الصحيحة من تسميته كبيرة، بل هو من أكبر الكبائر وأعظمها «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: أكل الحرام- التطفيف- السرقة- الغلول- المكر- سوء المعاملة- التناجش- الغش- الخداع- الخبث.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: أكل الطيبات- الصلاح- النزاهة- حسن المعاملة- النبل- المروءة- العفة] .

الآيات الواردة في «الربا»

1- الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280) «1»

2- يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) «2»

3- فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) «3»

4- أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) «4»

الأحاديث الواردة في ذم (الربا)

1-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: «آكل الربا وموكله، وشاهداه، وكاتباه إذا علموا به، والواشمة والمستوشمة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم» ) * «1» .

2-* (عن أبي سعيد- رضي الله عنه- قال:

أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر. فقال: «ما هذا التمر من تمرنا» فقال الرجل: يا رسول الله! بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا الربا. فردوه. ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا» ) * «2» .

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات «3» » .

قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم. وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات «4» » ) * «5» .

4-* (عن عوف بن مالك- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياك والذنوب التي لا تغفر:

الغلول «6» ، فمن غل شيئا أتي به يوم القيامة، وأكل الربا، فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط، ثم قرأ: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس (البقرة/ 275) * «7» .

ومن حديث أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلا «8» يجر شقيه، ثم قرأ: لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس» ) * «9» .

5-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا، والزنا، والخمر» ) * «10» .

6-* (عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال:

دخلنا على جابر بن عبد الله. فسأل عن القوم «1» حتى انتهى إلي. فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين. فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى «2» ، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب. فقال: مرحبا بك، يا ابن أخي سل عما شئت.

فسألته- وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة. فقام في نساجة «3» ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه، على المشجب «4» ، فصلى بنا. فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بيده «5» ، فعقد تسعا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس «6» في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ...

الحديث وفيه: «فأجاز «7» رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت «8» له، فأتى بطن الوادي «9» فخطب الناس وقال:

«إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا «10» ، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله «11» ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه «12» ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح «13» ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوابعده- إن اعتصمتم به- كتاب الله «1» ، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس «2» : «اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثلاث مرات» ) * «3» .

7-* (عن عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) - رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «درهم ربا يأكله الرجل- وهو يعلم- أشد من ستة وثلاثين زنية» ) * «4» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب وزنا بوزن.

مثلا بمثل. والفضة بالفضة وزنا بوزن. مثلا بمثل.

فمن زاد أو استزاد فهو ربا» ) * «5» .

9-* (عن عون بن أبي جحيفة؛ قال: رأيت أبي اشترى عبدا حجاما، فسألته، فقال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور» ) * «6» .

10-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك» ) * «7» .

11-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» ) * «8» .

12-* (عن أبي نضرة قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف «9» ؟ فلم يريا به بأسا «10» .

فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف؟ فقال: ما زاد فهو ربا. فأنكرت ذلك لقولهما.


فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه صاحب نخله بصاع من تمر طيب- وكان تمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللون- «1» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنى لك هذا؟» قال: انطلقت بصاعين فاشتريت به هذا الصاع. فإن سعر هذا في السوق كذا. وسعر هذا كذا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويلك أربيت. إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة. ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت» .

قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة «2» ؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني. ولم آت ابن عباس. قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة، فكرهه) * «3» .

13-* (عن أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلا بمثل. من زاد أو ازداد فقد أربى.

فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا. فقال: لقد لقيت ابن عباس. فقلت: أرأيت هذا الذي تقول أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وجدته في كتاب الله- عز وجل-؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الربا في النسيئة «4» » ) * «5» .

14-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» ) * «6» .

15-* (عن سمرة بن جندب- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» . قال:

فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه ليشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال:-

وربما قال أبو رجاء فيشق- قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلكالجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى. قال: قلت:

سبحان الله! ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات.

قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا «1» قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال:

فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول- أحمر مثل الدم- وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا.

قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلا مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها. قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط.

قال: قلت لهما: ما هذا؟

ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن. قال: قالا لي: ارق. فارتقيت فيها قال:

فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قال لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فساروا في أحسن صورة.

قال: قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك. قال: فسما بصري صعدا. فإذا قصر مثل الربابة البيضاء. قال: قالا لي هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما.

ذراني فأدخله. قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله. قال:

قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني.

وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا. وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنهإبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم» ) * «1» .

16-* (عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار. فجاء أبو الأشعث. قال:

قالوا: أبو الأشعث. أبو الأشعث. فجلس فقلت له:

حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت. قال: نعم.

غزونا غزاة- وعلى الناس معاوية- فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس «2» ، فتسارع الناس في ذلك. فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى «3» ، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه. فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال:

لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية (أو قال: وإن رغم «4» ) . ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء «5» ) * «6» .

17-* (عن جابر- رضي الله عنه- قال:

لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء) * «7» .

18-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة» ) * «8» .

19-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- ذكر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» ) * «9» .

20-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشترى الثمرة حتى تطعم، وقال: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» ) * «10» .

الأحاديث الواردة في ذم (الربا) معنى

21-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا فقال مروان: ما فعلت.

فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك «1» . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يستوفى. قال:

فخطب مروان الناس فنهى عن بيعها. قال سليمان:

فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس) * «2» .

22-* (قال نافع: فذهب عبد الله وأنا معه والليثي، حتى دخل على أبي سعيد الخدري؛ فقال:

إن هذا أخبرني أنك تخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع الورق بالورق إلا مثلا بمثل، وعن بيع الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل. فأشار أبو سعيد بإصبعيه إلى عينيه وأذنيه. فقال: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب. ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل.

ولا تشفوا «3» بعضه على بعض. ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز، إلا يدا بيد» ) * «4» .

23-* (عن سعيد بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد الخدري حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر.

فقدم بتمر جنيب «5» . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال: لا، والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع «6» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا تفعلوا. ولكن مثلا بمثل. أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا. وكذلك الميزان» ) * «7» .

24-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدينار بالدينار، لا فضل بينهما.

والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما» ) * «8» .

25-* (عن فضالة بن عبيد- رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر. نبايع اليهود، الوقية «9» الذهب بالدينارين والثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن» ) * «10» .

26-* (عن حنش الصنعاني أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة. فطارت لي ولأصحابي قلادة «11» فيها ذهب وورق وجوهر فأردت أن أشتريها.

فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل» ) * «1» .

27-* (عن أبي سعيد- رضي الله عنه- قال:

كنا نرزق تمر الجمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الخلط «2» من التمر. فكنا نبيع صاعين بصاع. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا صاعي تمر بصاع «3» ، ولا صاعي حنطة بصاع. ولا درهم بدرهمين» ) * «4» .

28-* (عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين» ) * «5» .

29-* (عن أبي بكرة- رضي الله عنه- قال:

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا. قال: فسأله رجل فقال: يدا بيد؟ فقال: هكذا سمعت) * «6» .

30-* (عن عطاء بن يسار- رحمه الله- قال: إن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية «7» من ذهب، أو ورق، بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا. فقال أبو الدرداء:

من يعذرني «8» من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو يخبرني عن رأيه؟ - لا أساكنك بأرض أنت فيها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: أن لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن) * «9» .

31-* (عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرا. فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع. فلما جاء معمرا أخبره بذلك. فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده.

ولا تأخذن إلا مثلا بمثل. فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل» قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن يضارع «10» » ) * «11» .

فسألت فضالة بن عبيد فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة واجعل ذهبك في كفة ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثلمن

الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذم (الربا)

1-* (عن مالك- رضي الله عنه- قال:

بلغني أن رجلا أتى ابن عمر- رضي الله عنهما- فقال: إني أسلفت رجلا سلفا، واشترطت عليه أفضل مما أسلفته، فقال عبد الله بن عمر: فذلك الربا. قال:

فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن؟ فقال عبد الله بن عمر:

السلف على ثلاثة وجوه: سلف تسلفه تريد به وجه الله فلك وجه الله تعالى، وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك فلك وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ خبيثا بطيب فذلك الربا. قال: فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أرى أن تشق الصحيفة فإن أعطاك مثل الذي أسلفته قبلته، وإن أعطاك دون الذي أسلفته فأخذته أجرت، وإن أعطاك أفضل مما أسلفته طيبة به نفسه فذلك شكر شكره لك، ولك أجر ما أنظرته) * «1» .


2-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أن عمر بن الخطاب قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق، إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك «2» إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء «3» والرماء: هو الربا.

وفي رواية عن القاسم بن محمد قال: قال عمر ابن الخطاب- رضي الله عنه-: «الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، والصاع بالصاع، ولا يباع كالىء «4» بناجز» ) * «5» .

3-* (قال ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله تعالى: فأذنوا بحرب من الله ورسوله ... أي استيقنوا بحرب من الله ورسوله) * «6» .

4-* (وقال أيضا: «آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق» ) * «7» .

5-* (وقال أيضا: «يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب» ) * «8» .

6-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: «من كان مقيما على الربا لا ينزع منه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه «9» فإن نزع وإلا ضرب عنقه» ) * «10» .

7-* (عن مجاهد بن جبر- رحمه الله- قال:

«كنت مع ابن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أباعبد الرحمن، إني أصوغ الذهب فأبيعه بالذهب بأكثر من وزنه فأستفضل قدر عمل يدي (في صنعته) فنهاه عن ذلك. فجعل الصائغ يردد عليه المسألة- وابن عمر ينهاه- حتى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابته يريد أن يركبها، فقال له آخر ما قال: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم» ) * «1» .

8-* (روى أحمد بإسناد جيد عن كعب الأحبار قال: «لأن أزني ثلاثا وثلاثين زنية أحب إلي من أن آكل درهم ربا يعلم الله أني أكلته حين أكلته ربا» ) * «2» .

9-* (قال قتادة: «إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك علم أي: علامة لأكلة الربا يعرفهم به أهل الموقف» ) * «3» .

10-* (عن عبيد أبي صالح مولى السفاح قال: بعت بزا لي من أهل دار نخلة إلى أجل، ثم أردت الخروج إلى الكوفة، فعرضوا علي أن أضع عنهم بعض الثمن وينقدوني، فسألت زيد بن ثابت فقال: «لا آمرك أن تأكل هذا ولا توكله» ) * «4» .

11-* (سئل شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: عن رجل تداين دينا فدخل به السوق فاشترى شيئا بحضرة الرجل، ثم باعه عليه بفائدة هل يجوز ذلك أم لا؟.

فأجاب: الحمد لله. هذا على ثلاثة أوجه:

الأول: أن يكون بينهم مواطأة لفظية، أو عرفية، على أن يشتري السلعة من رب الحانوت فهذا لا يجوز. والثاني: أن يشتريها منه على أن يعيدها إليه.

فهذا أيضا لا يجوز. فقد دخلت أم ولد زيد بن أرقم على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين، إني ابتعت من زيد ابن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة درهم نسيئة، ثم ابتعته منه بستمائة نقدا، فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت. أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: «دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرية، وقال أنس بن مالك: هذا مما حرم الله ورسوله.

والوجه الثالث: أن يشتري السلعة سرا، ثم يبيعها للمستدين بيانا فيبيعها أحدهما فهذه تسمى «التورق» .

لأن المشتري ليس غرضه في التجارة، ولا في البيع. ولكن يحتاج إلى دراهم، فيأخذ مائة، ويبقى عليه مائة وعشرون مثلا. فهذا قد تنازع فيه السلف والعلماء.

والأقوى أيضا أنه منهي عنه، كما قال عمر ابن عبد العزيز ما معناه: أن التورق أصل الربا. فإن الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل؛ لما فيذلك من ضرر المحتاج وأكل ماله بالباطل، وهذا المعنى موجود في هذه الصورة.

وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء مانوى. وإنما الذي أباحه الله البيع والتجارة، وهو أن يكون المشتري غرضه أن يتجر فيها.

فأما إذا كان قصده مجرد الدراهم بدراهم أكثر منها:

فهذا لا خير فيه.

وسئل- رحمه الله-: عن رجل يداين الناس كل مائة بمائة وأربعين، ويجعل سلفا على حرير، فإذا جاء الأجل، وأعسر المدين عن وفائه قال له: عاملني، فيأخذ رب الحرير من عنده، ويقول للمدين: اشتريت مني هذا الحرير بمائة وتسعين.

إلا أنه يأتيه على حساب كل مائة بمائة وأربعين. وإذا قبضه المدين منه قال:

أوفني هذا الحرير عن السلف الذي لي عندك، وإذا جاءت السنة الثانية طالبه بالدراهم المذكورة، فأعسرت عليه، أو بعضها. قال: عاملني، فيحسب المتبقي والأصل. ويجعل ذلك سلفا على حرير. فما يجب على هذا الرجل؟.

فأجاب: هذا هو عين الربا الذي أنزل فيه القرآن؛ فإنه كان يكون للرجل على الرجل الدين.

فيأتي إليه عند محل الأجل، فيقول: إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإن وفاه وإلا زاده المدين في الدين.

وزاده الغريم في الأجل، حتى يتضاعف المال. فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون* وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (البقرة/ 278- 280) .

وهذه المعاملة التي يفعلها مثل هذا المربي:

مقصودها مقصود أولئك المشركين المربين؛ لكن هذا أظهر صورة المعاملة، وهذا لا ينفعه باتفاق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا المربي يبيعه ذلك الحرير إلى أجل؛ ليوفيه إياه عن دينه، فهو بمنزلة أن يبيعه إياه إلى أجل ليشتريه بأقل من ذلك وقد سئل ابن عباس عن مثل هذا، فقال: هذا حرام، حرمه الله ورسوله.

وسألت أم ولد زيد بن أرقم عائشة أم المؤمنين عن مثل هذا. فقالت: إني بعت من زيد غلاما إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم ابتعته بستمائة، فقالت لها عائشة:

بئس ما اشتريت، وبئس ما بعت. أخبري زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. قالت:

يا أم المؤمنين أرأيت إن لم أجد إلا رأس مالي. فقالت عائشة فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف (البقرة/ 275) . وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع» فنهى أن يبيع ويقرض ليحابيه في البيع؛ لأجل القرض. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات» فهذان المتعاملان إن كان قصدهما أخذ دراهم بدراهم إلى أجل فبأي طريق توصل إلى ذلك كان حراما؛ لأن المقصود حرام لا يحل قصده، بل قد نهى السلف عن كثير من ذلك سدا للذرائع؛ لئلا يفضي إلى هذا المقصود، وهذا المرابي لا يستحق في ذمم الناس إلا ما أعطاهم أو نظيره. فأما الزيادات فلا يستحق شيئا منها، لكن ما قبضه قبل ذلك بتأويل فإنه يعفى عنه، وأما ما بقى له في الذمم فهو ساقط.

لقوله: وذروا ما بقي من الربا «1» .

12-* (قال ابن القيم: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن بهلاكها» ) * «2» .

من مضار (الربا)

(1) آكل الربا مطرود من رحمة الله تعالى محارب من الله ورسوله.

(2) لم يتهدد الله- عز وجل- ويتوعد مرتكب كبيرة كمرتكب جريمة الربا.

(3) الربا جريمة اجتماعية إذا تفشت في مجتمع من المجتمعات دمرته وقوضت بنيانه.

(4) آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه وكل من يعين في رواج هذه الجريمة النكراء آثمون عند الله مبعدون من رحمته.

(5) قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الربا والزنا في كثير من المواضع لأنهما جريمتان اجتماعيتان متشابهتان في آثارهما السلبية على المجتمع.

(6) الربا يزرع الأحقاد في القلوب وينزع منها الرأفة والرحمة وبذلك تموت الأخوة وتتفكك بنية المجتمع.

(7) دليل خبث نفس المرابي وسوء طويته.

(8) وعمله هذا يدل على سوء خاتمته.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٤٧٢ مرة.