أدوات شخصية
User menu

الرجاء

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الرجاء لغة

الرّجاء مصدر قولهم رجوت فلانا أرجوه وهو مأخوذ من مادّة (ر ج و) الّتي تدلّ على الأمل الّذي هو نقيض اليأس، ممدود. يقال رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة. ويقال ما أتيتك إلّا رجاوة الخير، وترجّيته، ترجية بمعنى رجوته.

قال بشر يخاطب ابنته:

فرجّي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزيّ آبا وقيل: الأمل أكبر من الرّجاء؛ لأنّ الرّجاء معه خوف. قال في اللّسان: وقد يكون الرّجو، والرّجاء بمعنى الخوف. قال تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (نوح/ 13) . أي تخافون عظمة الله.

قال أبو ذؤيب:

إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواسل قال الرّاغب: ووجه ذلك أنّ الرّجاء والخوف يتلازمان قال تعالى: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ (النساء/ 104) . وقال عزّ من قائل: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ (التوبة/ 106) ، ويقال: أرجت النّاقة: دنا نتاجها، وحقيقته: جعلت لصاحبها رجاء في نفسها بقرب نتاجها «1» .

الرجاء اصطلاحا

تأمّل الخير وقرب وقوعه، وفي الرّسالة القشيريّة:

الرّجاء تعليق القلب بمحبوب في المستقبل.

قال ابن القيّم- رحمه الله-: الرّجاء هو النّظر إلى سعة رحمة الله.

وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرّبّ تبارك وتعالى والارتياح لمطالعة كرمه.

وقيل: هو الثّقة بجود الرّبّ تعالى.

وقال الرّاغب: الرّجاء ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة.

وقال المناويّ: الرّجاء ترقّب الانتفاع بما تقدّم له سبب ما «2» .

الفرق بين الرجاء والتمني

والفرق بينه وبين التّمنّي: أنّ التّمنّي يصاحبه الكسل.

ولا يسلك صاحبه طريق الجدّ، والرّجاء على الضّدّ من ذلك. ومن الوجهة اللّغويّة فإنّ أداة الرّجاء «لعلّ» وأداة التّمنّي «ليت» . كما أنّ الرّجاء يفيد إمكان الوقوع بخلاف التّمنّي الّذي يفيد تعذّر الوقوع أو استحالته «3» .

من معاني كلمة الرجاء في القرآن الكريم

وقد ورد الرّجاء في القرآن على ستّة أوجه:

أوّلها: بمعنى الخوف: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِوَقاراً (نوح/ 13) . أي ما لكم لا تخافون. ومنه:

إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (النبأ/ 27) وقوله:

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ (العنكبوت/ 5) .

الثّاني: بمعنى الطّمع: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ (الإسراء: 57) أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ (البقرة/ 218) .

الثّالث: بمعنى توقّع الثّواب: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (فاطر/ 29) .

الرّابع: الرّجا المقصور بمعنى الطّرف: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها (الحاقة/ 17) .

الخامس: الرّجاء المهموز: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ (الأعراف/ 111) أي احبسه.

السّادس: بمعنى التّرك والتّأخير: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ (الأحزاب/ 51) : تؤخّر، وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ (التوبة/ 106) «1» .

حقيقة الرجاء

قال ابن القيّم- رحمه الله-: الرّجاء هو عبوديّة، وتعلّق بالله من حيث اسمه: البرّ المحسن فذلك التّعلّق والتّعبّد بهذا الاسم، والمعرفة بالله: هو الّذي أوجب للعبد الرّجاء من حيث يدري ومن حيث لا يدري.

فقوّة الرّجاء على حسب قوّة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وغلبة رحمته غضبه ولولا روح الرّجاء لعطّلت عبوديّة القلب والجوارح، وهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا.

بل لولا روح الرّجاء لما تحرّكت الجوارح بالطّاعة. ولولا ريحه الطّيّبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات. ولي من الأبيات:

لولا التّعلّق بالرّجاء تقطّعت ... نفس المحبّ تحسّرا وتمزّقا لولا الرّجا يحدو المطيّ لما سرت ... بحمولها لديارهم ترجو اللّقا فتأمّل هذا الموضع حقّ التّأمّل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبوديّة والمحبّة، فكلّ محبّة مصحوبة بالخوف والرّجاء. وعلى قدر تمكّنها من قلب المحبّ يشتدّ خوفه ورجاؤه، ولكنّ خوف المحبّ لا يصحبه وحشة.

بخلاف خوف المسيء. ورجاء المحبّ لا يصحبه علّة، بخلاف رجاء الأجير، وأين رجاء المحبّ من رجاء الأجير وبينهما كما بين حاليهما؟ «2» .

قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله-: المقصود من الرّجاء أنّ من وقع منه تقصير فليحسن ظنّه بالله ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها، وأمّا من انهمك على المعصية راجيا عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا في غرور.

وما أحسن قول أبي عثمان الجيزيّ: من علامة السّعادة أن تطيع، وتخاف أن لا تقبل، ومن علامة الشّقاء أن تعصي، وترجو أن تنجو «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: الاستغفار- الضراعة والتضرع- حسن الظن- الخوف- الرغبة- الدعاء- العبادة- الرهبة- الاستغاثة- الابتهال- الإنابة- التوبة- القنوت- تذكر الموت.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- سوء الظن- الغرور- التفريط والإفراط- اليأس- اتباع الهوى القنوط- الغفلة- القلق- الكبر والعجب- الجزع] .


الآيات الواردة في «الرجاء»

الرجاء بمعنى الطمع في (رحمة الله)

1- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) «1»

2- وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) «2»

3- وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (55) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (56) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (57) «3»

الرجاء بمعنى توقع الثواب

4- وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (28) «4»

5- مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) «5»

6- إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) «6»

7- أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9) «7»

الرجاء بمعنى الخوف

8- قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) «8»

9- وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) «9»

10- لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) «1»

11- لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) «2»

12- ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) «3»

الرجاء بمعنى توقع العذاب

13- إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (27) «4»

الرجاء بمعنى خوف العقاب والطمع في الثواب

14- إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (7) «5»

15-* وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) «6»

16- وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) «7»

17-* وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (21) «8»

الآيات الواردة في «الرجاء» معنى

18- كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) «9»

19- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) «10»

20- فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) «1»

21- فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) «2»

22- فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52) «3»

23- قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) «4»

24- إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) «5»

25- وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) «6»

26- قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) «7»

27- أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81) «8»

28- إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (24) «9»

29- وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (39) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) «10»

30- وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) «1»

31- وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22) «2»

32- فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) «3»

33-* عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) «4»

34- قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (30) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (31) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (32) «5»


الأحاديث الواردة في (الرجاء)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقف على أناس جلوس فقال: «ألا أخبركم بخيركم من شرّكم؟» . قال: فسكتوا. فقال ذلك ثلاث مرّات، فقال رجل: بلى. يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرّنا. قال: «خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شرّه. وشرّكم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه» ) * «1» .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإنّي سمعت دفّ نعليك «2» بين يديّ في الجنّة» . قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أنّي لم أتطهّر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلّا صلّيت بذلك الطّهور ما كتب لي أن أصلّي) * «3» .

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ لكلّ شيء شرّة «4» ولكلّ شرّة فترة فإن كان صاحبها سدّد وقارب فارجوه وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدّوه» ) * «5» .


4-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسيسة عينا «6» ينظر ما صنعت عير أبي سفيان «7» . فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. (قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه) . قال: فحدّثه الحديث. قال:

فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتكلّم. فقال: «إنّ لنا طلبة «8» فمن كان ظهره «9» حاضرا فليركب معنا» ، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم «10» في علو المدينة. فقال: «لا.

إلّا من كان ظهره حاضرا» ، فانطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه. حتّى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقدّمنّ أحد منكم إلى شيء حتّى أكون أنا دونه «11» » ، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» .

قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاريّ: يا رسول الله، جنّة عرضها السّماوات والأرض؟. قال: نعم. قال: بخ بخ «12» .

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما يحملك على قولك بخ بخ» .

قال: لا. والله يا رسول الله إلّا رجاءة «13» أن أكون منأهلها. قال: «فإنّك من أهلها» . فأخرج تمرات من قرنه «1» . فجعل يأكل منهنّ.

ثمّ قال: لئن أنا حييت حتّى آكل تمراتي هذه إنّها لحياة طويلة. قال فرمى بما كان معه من التّمر، ثمّ قاتلهم حتّى قتل) * «2» .

5-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل على شابّ وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟» .

قال: والله يا رسول الله إنّي أرجو الله وإنّي أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلّا أعطاه الله ما يرجو وآمنه ممّا يخاف» ) * «3» .

6-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أربعون خصلة أعلاهنّ منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلّا أدخله الله بها الجنّة» ) * «4» .

7-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «قال الله: يابن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثمّ استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يابن آدم إنّك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثمّ لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» ) * «5» .

8-* (عن سهل بن سعد- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يفتح الله على يديه» ، قال: فبات النّاس يدوكون «6» ليلتهم أيّهم يعطاها.

فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلّهم يرجو أن يعطاها. فقال: «أين عليّ بن أبي طالب؟» . فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله. قال: «فأرسلوا إليه فأتوني به» .

فلمّا جاء بصق في عينيه ودعا له فبرأ حتّى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الرّاية. فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا.

فقال: «انفذ على رسلك «7» حتّى تنزل بساحتهم ثمّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فيه. فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من أن يكون لك حمر النّعم «8» » ) * «9» .

9-* (قال كعب بن مالك- رضي الله عنه-:

لم أتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة غزاها قطّ. إلّا في غزوة تبوك. غير أنّي قد تخلّفت في غزوة بدر. ولم يعاتب أحدا تخلّف عنه.

إنّما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون يريدون عير قريش حتّى جمع الله بينهم وبين عدوّهم، على غير ميعاد ... الحديث، وفيه: فقبل منهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم.


ووكل سرائرهم إلى الله. حتّى جئت. فلمّا سلّمت، تبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: «تعال» . فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه. فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» . قال: قلت: يا رسول الله إنّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر. ولقد أعطيت جدلا «1» .

ولكنّي، والله لقد علمت، لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ.

ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه «2» ، إنّي لأرجو فيه عقبى الله «3» . والله ما كان لي عذر.

والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا هذا- فقد صدق.

فقم حتّى يقضي الله فيك» . فقمت ... والله ما تعمّدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يومي هذا. وإنّي لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي ... الحديث» ) * «4» .

الأحاديث الواردة في (الرجاء) معنى

10-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- قال:

أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو نائم عليه ثوب أبيض. ثمّ أتيته فإذا هو نائم. ثمّ أتيته وقد استيقظ فجلست إليه.

فقال: «ما من عبد قال لا إله إلّا الله ثمّ مات على ذلك إلّا دخل الجنّة» . قلت: وإن زنى وإن سرق؟.

قال: «وإن زنى وإن سرق» . قلت: وإن زنى وإن سرق؟. قال: «وإن زنى وإن سرق» . (ثلاثا) . ثمّ قال في الرّابعة: «على رغم أنف أبي ذرّ» . قال: فخرج أبو ذرّ وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذرّ) * «5» .

11-* (عن عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنّه أتي بدابّة ليركبها فلمّا وضع رجله في الرّكاب قال: بسم الله، فلمّا استوى عليها، قال: الحمد لله، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ* وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (الزخرف/ 13- 14) ، ثمّ حمد الله ثلاثا، وكبّر ثلاثا، ثمّ قال: «سبحانك لا إله إلّا أنت، قد ظلمت نفسي فاغفر لي» ، ثمّ ضحك، فقلت: ممّ ضحكت يا أمير المؤمنين.

قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعل مثل ما فعلت ثمّ ضحك، فقلت: ممّ ضحكت يا رسول الله؟. قال: «يعجب الرّبّ من عبده إذا قال ربّ اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنّه لا يغفر الذّنوب غيري» ) * «6» .

12-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيما يحكي عن ربّه عزّ وجلّ قال: «أذنب عبد ذنبا، فقال اللهمّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أنّ له ربّا يغفر الذّنب ويأخذ بالذّنب، ثمّ عاد فأذنب، فقال أي ربّ اغفر لي ذنبي.

فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أنّ له ربّا يغفر الذّنب ويأخذ بالذّنب. ثمّ عاد فأذنب. فقال أي ربّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أنّ له ربّا يغفر الذّنب ويأخذ بالذّنب.

اعمل ما شئت فقد غفرت لك» ) * «1» .

13-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّ ناسا في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالوا: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«نعم» .. الحديث وفيه: «فو الّذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدّ مناشدة لله في استقصاء الحقّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الّذين في النّار يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا ويصلّون ويحجّون فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فتحرّم صورهم على النّار فيخرجون خلقا كثيرا.. الحديث» ) * «2» .

14-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تلا قول الله- عزّ وجلّ- في إبراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي (إبراهيم/ 36) . وقال عيسى عليه السّلام إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (المائدة/ 118) .

فرفع يديه وقال: «اللهمّ أمّتي أمّتي وبكى» . فقال الله عزّ وجلّ-: يا جبريل اذهب إلى محمّد وربّك أعلم فسله: ما يبكيك؟. فأتاه جبريل عليه الصّلاة والسّلام فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما قال- وهو أعلم- فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمّد فقل: إنّا سنرضيك في أمّتك ولا نسوءك» ) * «3» .

15-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّه عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في النّجوى؟. فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه «4» ويستره، فيقول:

أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟. فيقول: نعم.

أي ربّ، حتّى إذا قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنّه هلك. قال: سترتها عليك في الدّنيا وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطى كتاب حسناته. وأمّا الكافر والمنافقون.

فيقول الأشهاد «5» هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (هود/ 18) » ) * «6» .

16-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه مات ابن له بقديد أو بعسفان «7» . فقال: يا كريب- مولى ابن عبّاس- انظر ما اجتمع له منالنّاس. قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له.

فأخبرته. فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم. قال:

أخرجوه فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلّا شفّعهم الله فيه» ) * «1» .

17-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكلّ حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكلّ سيّئة يعملها تكتب له بمثلها» ) * «2» .

18-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله- عزّ وجلّ- يبسط يده باللّيل ليتوب مسيء النّهار، ويبسط يده بالنّهار ليتوب مسيء اللّيل حتّى تطلع الشّمس من مغربها» ) * «3» .

19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوامّ، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخّر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» ) * «4» .

20-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تلقّت الملائكة روح رجل ممّن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئا؟. قال:

لا. قالوا: تذكّر. قال: كنت أداين النّاس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوّزوا عن الموسر. قال: قال الله عزّ وجلّ-: تجوّزوا عنه» ) * «5» .

21-* (عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قال: قدم على النّبيّ ض سبي، فإذا امرأة من السّبي تحلب ثديها تسقي. إذا وجدت صبيّا في السّبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال النّبيّ ض:

«أترون هذه طارحة ولدها في النّار؟» . قلنا: لا. وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» ) * «6» .

22-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: كنّا قعودا حول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، معنا أبو بكر وعمر في نفر فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا.

فكنت أوّل من فزع فخرجت أبتغي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أتيت حائطا للأنصار لبني النّجّار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والرّبيع الجدول) فاحتفزت «7» كما يحتفز الثّعلب فدخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أبو هريرة؟» . فقلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما شأنك» .

قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشيناأن تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أوّل من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثّعلب وهؤلاء النّاس ورائي. فقال: «يا أبا هريرة» (وأعطاني نعليه) . قال:

«اذهب بنعليّ هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقنا بها قلبه فبشّره بالجنّة ... الحديث» ) * «1» .

23-* (عن عتبان بن مالك- رضي الله عنه- وهو ممّن شهد بدرا، قال: كنت أصلّي لقومي ببني سالم وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار فيشقّ عليّ اجتيازه قبل مسجدهم فجئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت له: إنّي أنكرت بصري وإنّ الوادي الّذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشقّ عليّ اجتيازه فوددت أنّك تأتي فتصلّي من بيتي مكانا أتّخذه مصلّى. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سأفعل» .

فغدا عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر- رضي الله عنه- بعد ما اشتدّ النّهار، فاستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأذنت له، فلم يجلس حتّى قال: «أين تحبّ أن أصلّي من بيتك؟» ، فأشرت له إلى المكان الّذي أحبّ أن أصلّي فيه.

فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكبّر وصففنا وراءه فصلّى ركعتين ثمّ سلّم وسلّمنا حين سلّم فحبسته على خزير «2» يصنع له، فسمع أهل الدّار أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيتي فثاب رجال منهم حتّى كثر الرّجال في البيت، فقال رجل منهم ما فعل مالك؟ لا أراه.

فقال رجل منهم: ذاك منافق لا يحبّ الله ورسوله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقل ذاك ألا تراه قال لا إله إلّا الله يبتغي بذلك وجه الله» . فقال: الله ورسوله أعلم.

أمّا نحن فو الله ما نرى ودّه ولا حديثه إلّا إلى المنافقين. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«فإنّ الله قد حرّم على النّار من قال لا إله إلّا الله يبتغي بذلك وجه الله» ) * «3» .

24-* (عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قال: كنت ردف «4» النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، على حمار يقال له عفير. فقال: «يا معاذ، هل تدري حقّ الله على عباده وما حقّ العباد على الله؟» . قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: «فإنّ حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقّ العباد على الله أن لا يعذّب من لا يشرك به شيئا» . فقلت يا رسول الله أفلا أبشّر به النّاس؟ قال:

«لا تبشّرهم فيتّكلوا» ) * «5» .

25-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لله أشدّ فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوّيّة «6» مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتّى أدركه العطش، ثمّ قال: أرجع إلى مكاني الّذي كنت فيه فأنام حتّى أموت.

فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلتهوعليها زاده وطعامه وشرابه. فالله أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» ) * «1» .

26-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يموت رجل مسلم إلّا أدخل الله مكانه النّار يهوديّا أو نصرانيّا» .

وفي لفظ: «إذا كان يوم القيامة دفع الله- عزّ وجلّ- إلى كلّ مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك «2» من النّار» ) * «3» .

27-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لمّا قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إنّ رحمتي غلبت غضبي» ) * «4» .

28-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: لمّا كانت غزوة تبوك أصاب النّاس مجاعة قالوا:

يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا «5» فأكلنا وادّهنّا «6» . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«افعلوا» . قال فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قلّ الظّهر «7» ولكن ادعهم بفضل أزوادهم «8» ، ثمّ ادع الله لهم عليها بالبركة لعلّ الله أن يجعل في ذلك «9» .

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نعم» .

قال: فدعا بنطع «10» فبسطه ثمّ دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرّجل يجيء بكفّ ذرة، قال ويجيء الآخر بكفّ تمر، قال ويجيء الآخر بكسرة، حتّى اجتمع على النّطع من ذلك شيء يسير.

قال فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليه بالبركة، ثمّ قال: «خذوا في أوعيتكم» قال: فأخذوا في أوعيتهم حتّى ما تركوا في العسكر وعاء إلّا ملأوه قال فأكلوا حتّى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكّ فيحجب عن الجنّة» ) * «11» .

29-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنّته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرّحمة ما قنط من جنّته أحد» ) * «12» .

30-* (عن عبادة بن الصّامت- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلّا آتاه الله إيّاها، أو صرف عنه من السّوء مثلها. ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» . فقال رجل من القوم: إذا نكثر. قال: «الله أكثر» ) * «13» .


31-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلّا وقاه الله فتنة القبر» ) * «1» .

32-* (عن عائشة- رضي الله عنها- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من ميّت تصلّي عليه أمّة من المسلمين يبلغون مائة كلّهم يشفعون له إلّا شفّعوا فيه» ) * «2» .

33-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصّلاة، وصام رمضان. كان حقّا على الله أن يدخله الجنّة.

هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه الّتي ولد فيها» .

قالوا: يا رسول الله أفلا ننبيء النّاس بذلك؟ قال: «إنّ في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، كلّ درجتين ما بينهما كما بين السّماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنّه أوسط الجنّة وأعلى الجنّة وفوقه عرش الرّحمن ومنه تفجّر أنهار الجنّة» ) * «3»

34-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يقول الله- عزّ وجلّ-: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسّيّئة فجزاؤه سيّئة مثلها أو أغفر.

ومن تقرّب منّي شبرا تقرّبت منه ذراعا، ومن تقرّب منّي ذراعا تقرّبت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض «4» خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة» ) * «5» .

35-* (عن عبادة بن الصّامت- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ قال: «من شهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنّة حقّ، والنّار حقّ. أدخله الله الجنّة على ما كان من العمل» ) * «6» .

36-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنّة ومن لقيه يشرك به دخل النّار» ) * «7» .

37-* (عن عثمان- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلّا الله دخل الجنّة» ) * «8» .

38-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والّذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» ) * «9» .

39-* (عن أبي بردة عن أبيه- رضي الله عنهما- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنّصارى» ) * «1» .

40-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي «2» ، وأنا معه إذا ذكرني «3» ، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا، وإن تقرّب إليّ ذراعا، تقرّبت إليه باعا «4» ، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة» ) * «5» .

41-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: «ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا، حين يبقى ثلث اللّيل الآخر، يقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» ) * «6» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الرجاء)

42-* (عن خارجة بن زيد بن ثابت، أنّ أمّ العلاء، امرأة من الأنصار، بايعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم- أخبرته أنّه اقتسم المهاجرون قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الّذي توفّي فيه، فلمّا توفّي وغسّل وكفّن في أثوابه دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السّائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله.

فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وما يدريك أنّ الله قد أكرمه؟» . فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟.

فقال: «أمّا هو فقد جاءه اليقين. والله إنّي لأرجو له الخير. والله ما أدري- وأنا رسول الله- ما يفعل بي» . قالت: فو الله لا أزكّي أحدا بعده أبدا) * «7» .

43-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصّلاة وأنا جنب أفأصوم؟.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وأنا تدركني الصّلاة وأنا جنب فأصوم» . فقال: لست مثلنا يا رسول الله. قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فقال: «والله إنّي لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي» ) * «8» .

44-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي اللهعنه- قال: قال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة؟» .

قال: فكبّرنا. ثمّ قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟» . قال:

فكبّرنا، ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة، وسأخبركم عن ذلك: ما المسلمون في الكفّار إلّا كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور أبيض» ) * «1» .

45-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنّة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصّلاة دعي من باب الصّلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصّيام دعي من باب الرّيّان، ومن كان من أهل الصّدقة دعي من باب الصّدقة» .

فقال أبو بكر- رضي الله عنه- بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة «2» . فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلّها؟ قال: «نعم وأرجو أن تكون منهم» ) * «3» .

46-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين وتجهّز أبو بكر مهاجرا.

فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «على رسلك فإنّي أرجو أن يؤذن لي» . فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟. قال: «نعم» .

فحبس أبو بكر نفسه على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر أربعة أشهر. قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظّهيرة فقال قائل لأبي بكر:


هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقبلا متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر فدا لك بأبي وأمّي. والله إن جاء به في هذه السّاعة لأمر. فجاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاستأذن فأذن له فدخل فقال حين دخل لأبي بكر: «أخرج من عندك» . قال: إنّما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله.

قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج» ، قال: فالصّحبة بأبي أنت يا رسول الله. قال: «نعم» . قال: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين. قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«بالثّمن» . قالت: فجهّزناهما أحثّ الجهاز، ووضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكأت به الجراب- ولذلك كانت تسمّى ذات النّطاقين- ثمّ لحق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر- وهو غلام شابّ لقن ثقف- فيرحل من عندهما سحرا فيصبح من قريش بمكّة كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه، حتّى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلهما حتّى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس.

يفعلذلك كلّ ليلة من تلك اللّيالي الثّلاث) * «1» .

47-* (عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّها قالت للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟.

قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثّعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.

فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ ثمّ قال: يا محمّد فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين «2» ، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» ) * «3» .


48-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما من الأنبياء نبيّ إلّا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر. وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» ) * «4» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الرجاء)

1-* (عن محمّد بن عبد الملك بن هاشم، قال: سمعت ذا النّون المصريّ يقول في دعائه: «اللهمّ إليك تقصد رغبتي، وإيّاك أسأل حاجتي، ومنك أرجو نجاح طلبتي، وبيدك مفاتيح مسألتي، لا أسأل الخير إلّا منك، ولا أرجوه من غيرك، ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك» ) * «5» .

2-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله- في مرض موته:

فلمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما)

  • «6» .

3-* (قال سفيان- رحمه الله-: «من أذنب ذنبا فعلم أنّ الله تعالى قدّره عليه، ورجا غفرانه، غفر الله له ذنبه» ) * «7» .

4-* (قال الغزاليّ- رحمه الله-: «إنّ الرّجاءوالخوف جناحان بهما يطير المقرّبون إلى كلّ مقام محمود، ومطيّتان بهما يقطع من طرق الآخرة كلّ عقبة كئود» ) * «1» .

5-* (قال شاه الكرمانيّ: «علامة صحّة الرّجاء حسن الطّاعة» ) * «2» .

6-* (قال أبو عمران السّلميّ منشدا:

وإنّي لآتي الذّنب أعرف قدره ... وأعلم أنّ الله يعفو ويغفر لئن عظّم النّاس الذّنوب فإنّها ... وإن عظمت في رحمة الله تصغر ) * «3» .

7-* (قال ابن القيّم- رحمه الله-: «الرّجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدّار الآخرة، ويطيّب لها السّير» ) * «4» .

8-* (قال الرّافعيّ- رحمه الله-:

إذا أمسى فراشي من تراب ... وصرت مجاور الرّب الرّحيم فهنّوني أحبّائي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم)

  • «5» .

من فوائد (الرجاء)

(1) إظهار العبوديّة والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه العبد من ربّه، ويترقّبه من إحسانه، وأنّه لا يستغنى عن فضله وإحسانه طرفة عين.

(2) أنّه سبحانه يحبّ من عباده أن يؤمّلوه ويرجوه، ويسألوه من فضله.

(3) أنّ الرّجاء حاد يحدو بالعبد في سيره إلى الله، ويطيّب له المسير، فلولا الرّجاء لما سار أحد، فإنّ الخوف وحده لا يحرّك العبد، وإنّما يحرّكه الحبّ ويزعجه الخوف ويحدوه الرّجاء.

(4) أنّ الرّجاء يطرحه على عتبة المحبّة، ويلقيه في دهليزها، فإنّه كلّما اشتدّ رجاؤه، وحصل له ما يرجوه، ازداد حبّا لله تعالى وشكرا له، ورضى به وعنه.

(5) أنّه يبعث العبد على أعلى المقامات، وهو مقام الشّكر، الّذي هو خلاصة العبوديّة، فإنّه إذا حصل له مرجوّة كان أدعى لشكره.

(6) أنّه يوجب للعبد المزيد من معرفة الله وأسمائه ومعانيها، والتّعلّق به، فإنّ الرّاجي متعلّق بأسمائه الحسنى، متعبّد بها، داع بها.

(7) أنّ الرّجاء مستلزم للخوف، والخوف مستلزمللرّجاء، فكلّ راج خائف، وكلّ خائف راج، ولأجل هذا حسن وقوع الرّجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف

(8) أنّ العبد إذا تعلّق قلبه برجاء ربّه فأعطاه ما رجاه.

كان ذلك ألطف موقعا وأحلى عند العبد وأبلغ من حصول ما لم يرجه، وهذا أحد الأسباب والحكم في جعل المؤمنين بين الرّجاء والخوف في هذه الدّار، فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوّهم واندفاع مخاوفهم

(9) أنّ الله سبحانه وتعالى يريد من عبده تكميل مراتب عبوديّته، من الذّلّ والانكسار والتّوكّل والاستعانة، والخوف، والرّجاء، والصّبر والشّكر، والرّضى والإنابة، وغيرها. ولهذا قدّر عليه الذّنب وابتلاه به لتكمل مراتب عبوديّته بالتّوبة الّتي هي من أحسن عبوديّات عبده إليه، فكذلك تكميلها بالرّجاء والخوف.

(10) أنّ في الرّجاء من الانتظار والتّرقّب والتّوقّع لفضل الله ما يوجب تعلّق القلب بذكره، ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٠٤٧ مرة.