أدوات شخصية
User menu

الردة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الردة لغة

الردة مصدر قولهم: رد يرد ردا وردة، وقيل الردة الاسم من الارتداد، وكل ذلك مأخوذ من مادة (ردد) التي تدل على رجع الشيء، تقول: رددت الشيء أرده ردا (رجعته) ، وسمي المرتد بذلك لأنه رد نفسه إلى كفره والأصل في ذلك قولهم: شاة مرد وناقة مردة، وذلك إذا أضرعت كأنها لم تكن ذات لبن فرد عليها، أو ردت هي لبنها.

وقال الراغب: الرد: صرف الشيء بذاته أو بحالة من أحواله، ومن الرد بالذات قوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه (الأنعام/ 128) ومن الرد إلى حالة كان عليها قوله سبحانه: وإن يردك بخير فلا راد لفضله، (يونس/ 107) والارتداد والردة:

الرجوع؛ لكن الردة تختص بالرجوع إلى الكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره، وقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه (المائدة/ 54) الارتداد هو الرجوع من الإسلام إلى الكفر.

وقال الطبري: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في النصرانية أو اليهودية أو غير ذلك من صنوف الكفر «1» ، وقال القرطبي: كانت ردتهم على قسمين:

قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها «2» والارتداد: الرجوع ومنه المرتد، وشيء رد أي رديء، وقال ابن منظور:

الرد: صرف الشيء ورجعه، ورده عن وجه يرده ردا ومردا أو تردادا: صرفه، وهو بناء للتكثير. وقد ارتد وارتد عنه: تحول.

وقال الخطابي- رحمه الله تعالى-: الردة اسم لغوي لكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه.

وتقول: رد عليه الشيء إذا لم يقبله وكذلك إذا خطأه.

واسم الفاعل منه: المرتد «3» .

الردة اصطلاحا

قال الكفوي: الردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، وكذا الارتداد؛ لكن الردة تختص بالكفر وهو (أي الارتداد) أعم «4» .

وقال ابن قدامة: هي الإتيان بما يخرج عن الإسلام إما نطقا أو اعتقادا أو شكا ينقل عن الإسلام.

أما المرتد فهو الراجع عن دين الإسلام «1» .

وقال في الإقناع (المرتد) : هو الذي يكفر بعد إسلامه نطقا أو اعتقادا أو شكا أو فعلا، ولو كان هازلا «2» .

أقسام الردة

قال عز الدين بليق: قد قسم بعض العلماء الردة إلى أقسام أربعة: وهي ردة في الاعتقاد، وردة في الأقوال، وردة في الأفعال، وردة في الترك. قال: ومن نافلة القول أن هذه الأقسام قد تتداخل، فمن اعتقد شيئا فقد يعبر عنه بلسانه أو بعمل من أعماله وبذلك تتداخل هذه الأقسام «3» .

حكم المرتد

قال ابن قدامة: من ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا دعي إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه، فإن رجع (فبها ونعمت) وإلا قتل «4» .

موقف أبي بكر- رضي الله عنه- من المرتدين

لقد كان موقف أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- من المرتدين هو التطبيق العملي لتنفيذ حكم الله فيهم، يقول الطبري: عقد أبو بكر أحد عشر لواء، عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد (المرتد الكذاب) ، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة. ولعكرمة ابن أبي جهل وأمره بمسيلمة (الكذاب) ، وللمهاجر ابن أمية «5» وأمره بجنود العنسي (من المرتدين في اليمن) «6» .

وقد كتب إليهم مع القادة المسلمين كتابا جاء فيه: «قد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله تعالى، وجهالة بأمره، وإجابة للشيطان ... ، وإني بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان وأمرته ألا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا، قبل منه ذلك وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم، وإن أذنوا اسألوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم وإن أقروا قبل منهم «7» .

وقد عهد- رضي الله عنه- إلى الأمراء بأن «يمنع كل قائد أصحابه من العجلة والفساد، وأن لا يدخل في جنوده حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم، (حتى) لا يكونوا عيونا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم «1» .

لقد كان لحزم أبي بكر- رضي الله عنه- وصلابته في التعامل مع هؤلاء المرتدين أثره الواضح في استئصال شأفة الردة من جميع أنحاء بلاد العرب، وحفظ بذلك وحدة الأمة ووقاها من الهلكة، يقول ابن مسعود- رضي الله عنه- «لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما كدنا نهلك فيه لولا أن الله من علينا بأبي بكر،.. عزم الله له على قتال المرتدين، فو الله ما رضي منهم إلا بالخطة المجزية أو الحرب المجلية ... » «2» ، نعم لقد أخزى الله المرتدين على يديه ولم ينج منهم إلا من هرب هائما على وجهه خاسرا الدنيا والآخرة.


للاستزادة: انظر صفات: الإلحاد- الزندقة- الضلال- الكفر- الإعراض- اتباع الهوى- الشرك.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإيمان- الهدى اليقين- الاعتصام- الطاعة- الفرار إلى الله] .

الآيات الواردة في «الردة»

1- يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) «1»

2- يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101) «2»

3- يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) «3»

4- يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) «4»

5- إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) «5»

الآيات الواردة في «الردة» معنى

6- وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم (143) «1»

7- وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) «2»

8- يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) «3»

9- قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) «4»

الأحاديث الواردة في ذم (الردة)

1-* (عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه- قال: أشرف عثمان بن عفان يوم الدار فقال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرىء إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو ارتداد بعد إسلام، أو قتل نفسا بغير حق فقتل به» .

ثم قال: فو الله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قتلت النفس التي حرم الله، فبم تقتلونني؟) * «1» .

2-* (عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: إن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب «2» من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها «3» أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاه ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا. فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره.

ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب.

قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال:

فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة «4» لا ندري ما هو فاعل فيها. قال:

ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال:

فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال؛ ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان:

قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا. فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي «5» بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت:

رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونهبالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.

وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت: أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك:

هل يغدر؟ فذكرت: أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر.

وسألتك: بما يأمركم؟ «1» فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم. فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه) * «2» .

3-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: إن ناسا من عرينة «3» قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها «4» فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها» ففعلوا فصحوا.

ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود «5» رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم «6» ، وتركهم في الحرة «7» حتى ماتوا) * «8» .

4-* (عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، قال:

«انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها» فذهبنا تعادى «9» بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة.

فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها «10» ، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه:

من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا حاطب؟» قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه قد صدقكم» فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه. فقال:

«إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله- عز وجل- اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتكم» ونزلت فيه يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الآية (الممتحنة/ 1) * «1» .

5-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم تندم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن فلانا قد ندم وإنه أمرنا أن نسألك هل له من توبة؟ فنزلت كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم إلى قوله: غفور رحيم (آل عمران/ 86- 89) فأرسل إليه فأسلم) * «2» .

6-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ترتدوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ) * «3» .

الأحاديث الواردة في ذم (الردة) معنى

7- (عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال:

أقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل فقال: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل- فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت- فقال: «لن،- أو لا- نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى- أو يا عبد الله بن قيس- إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة قال: انزل، فإذا رجل عنده موثق. قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود.

قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات) فأمر به فقتل. ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: الليل «4» ، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي) * «5» .

8-* (عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى «6» لي الأرض» ، أو قال: «إن ربي زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض «7» ، وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بسنةبعامة «1» ، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم «2» ، وإن ربي قال لي: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، لو اجتمع عليهم من بين أقطارها- أو قال بأقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضا.

وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين.

وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» ) * «3» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذم (الردة)

1-* (قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-:

المرتد شر من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة) * «4» .

2-* (قال شريك العامري- رحمه الله تعالى-:

قيل لعلي: إن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم، ما تقولون؟ قالوا:

أنت ربنا ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم فقالوا كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة فأبوا إلا ذلك، فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخد لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال:

إني إذا رأيت أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا ) * «5» .

3-* (حكى الجاحظ: لما دخل المرتد الخراساني على المأمون، وكان قد حمله معه من خراسان حتى وافى به العراق، قال له المأمون: لأن أستحييك بحق أحب إلي من أقتلك بحق، ولأن أقبلك بالبراءة أحب إلي من أن أدفعك بالتهمة، قد كنت مسلما بعد أن كنت نصرانيا وكنت فيها أتنخ «6» وأيامك أطول، فاستوحشت مما كنت به آنسا ثم لم تلبث أن رجعت عنا نافرا، فخبرنا عن الشيء الذي صار آنس لك من إلفك القديم، وأنسك الأول. فإن وجدت عندنا دواء دائكتعالجت به، والمريض من الأطباء يحتاج إلى المشاورة.


وإن أخطأك الشفاء ونباعن دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة. أو ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهاد، ولم تفرط في الدخول في باب الحزم، قال المرتد: أوحشني كثرة ما رأيت من الاختلاف فيكم! قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق، ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك. وليس هذا باختلاف، إنما هو تخيير وتوسعة، وتخفيف من المحنة فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يؤثم، ومن أذن مثنى وأقام فرادى لم يحوب «1» ، لا يتعايرون ولا يتعايبون، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بتاتا «2» .


والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبينا، مع إجماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر. فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت من أجله هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع النصارى واليهود اختلاف في شيء من التأويلات. وينبغي لك أن لا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل وليس على هذا بنى الله الدنيا.

قال المرتد: أشهد أن الله واحد لا ند له ولا ولد، وأن المسيح عبده، وأن محمدا صادق، وأنك أمير المؤمنين حقا! فأقبل المأمون على أصحابه فقال: فروا عليه عرضه «3» ، ولا تبروه في يومه ريثما يعتق إسلامه؛ كي لا يقول عدوه إنه أسلم رغبة، ولا تنسوا بعد نصيبكم من بره وتأنيبه ونصرته، والعائدة عليه «4» .

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢ فبراير ٢٠١٥ الساعة ٠٨:٢١.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٥٥٠ مرة.