أدوات شخصية
User menu

الزندقة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الزندقة لغة

الزندقة كلمة معربة من اللغة الفارسية استعملها العرب منذ فترة مبكرة في التاريخ الإسلامي للتعبير عن طائفة من الملاحدة، وقد شقت طريقها إلى المعجم العربي منذ القرن الثاني للهجرة فقال عنها الخليل في أقدم معجم عربي (هو كتاب العين) : زندقة الزنديق: ألا يؤمن بالآخرة وبالربوبية «1»

، وقيل: هو الذي لا يؤمن بالآخرة ووحدانية الخالق «2» .

وقال الجوهري:

الزنديق من الثنوية «3»

، وهو معرب، والجمع:

الزنادقة، والهاء (أي التاء الموقوف عليها بالهاء) عوض من الياء المحذوفة، وأصله زناديق، (والفعل من ذلك) تزندق، والاسم: الزندقة «4» .

وقال ابن منظور: الزنديق: القائل ببقاء الدهر، وهو بالفارسية: (زندكراي) أي يقول بدوام بقاء الدهر، والزندقة: الضيق، وقيل الزنديق منه لأنه ضيق على نفسه، وقال أحمد بن يحيى (ثعلب) : لي زنديق من كلام العرب (بالمعنى الديني المعروف للزندقة) ، وإنما تقول العرب: رجل زندق وزندقي إذا كان شديد التخيل، فإذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة (أي المعنى الديني) قالوا: ملحد، ودهري «5»

، وإذا أرادوا السن (أي النسبة إلى الدهر بمعني الزمن) قالوا: دهري، وقد ذكر ابن دريد أن الأصل الفارسي للكلمة هو «زنده» أي يقول بدوام بقاء الدهر «6» .

الزندقة اصطلاحا

قال التهانوي: الزنديق: هو الثنوي القائل بإلهين منهما يكون النور والظلمة ويسميهما: يزدان، وأهريمن، الأول: خالق الخير، والثاني: خالق الشر يعني الشيطان، (وقيل) هو الذي لا يؤمن بالحق تعالى وبالآخرة، وقيل: هو الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقال بعضهم: إنه معرب.. «زنديق «7» » أي من يكون له دين النساء، والصحيح المعنى الأول وهو معرب «زندي» أي من يؤمن بالزند الذي هو كتاب زراد شت، والقائل بوجود يزدان، وأهريمن،والزنادقة فرقة متشبهة مبطلة متصلة بالمجذوبين «1» .

حكم الزندقة

الزندقة كفر، والزنديق كافر، لأنه مع وجود الاعتراف بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يكون في عقائده كفر وهذا بالاتفاق «2» .

حقيقة الزندقة

قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى-:

الزنادقة جمع زنديق، وقال: قال أبو حاتم السجستاني وغيره: الزنديق: فارسي معرب أصله «زنده كرداي» يقول بدوام الدهر لأن (زنده) الحياة و (كرد) العمل، ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب: ليس في كلام العرب زنديق وإنما قالوا زندقي لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا ملحد ودهري أي يقول بدوام الدهر، وقال الجوهري: الزنديق من الثنوية. وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر، وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك. ثم قال:

والتحقيق أن أصل الزنادقة أتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك.

وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور. وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس. وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقية اتبعوا مزدك، وقام الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل ومن ثم أطلق الاسم على كل من أسر الكفر وأظهر الإسلام حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر.

ونقل ابن حجر عن النووي قوله: الزنديق الذي لا ينتحل دينا.

ونقل أيضا عن محمد بن معن قوله: الزنادقة من الثنوية يقولون ببقاء الدهر وبالتناسخ. قال: ومن الزنادقة: الباطنية، وهم قوم زعموا أن الله خلق شيئا ثم خلق منه شيئا آخر. فدبر العالم بأسره ويسمونهما العقل والنفس وتارة العقل الأول والعقل الثاني، وهو من قول الثنوية في النور والظلمة إلا أنهم غيروا الاسمين، وقال محمد بن معن ولهم مقالات سخيفة في النبوات وتحريف الآيات وفرائض العبادات، وقد قيل إن سبب تفسير الفقهاء الزنديق بما يفسر به المنافق قول الشافعي في كتابه «المختصر» : وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة وغيرها ثم تاب سقط عنه القتل، وهذا لا يلزم منه اتحاد الزنديق والمنافق بل كل زنديق منافق ولا عكس. وكان من أطلق عليه في الكتاب والسنة المنافق يظهر الإسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهودية، وأما الثنوية فلا يحفظ أن أحدامنهم أظهر الإسلام في العهد النبوي. والله أعلم «1» .

أصل الزندقة

قال ابن كمال باشا: وأما الذي ذهب إليه صاحب القاموس من أن كلمة زنديق معرب (زنده) فلا وجه له كما لا يخفى، و (زنده) اسم كتاب أظهره مزدك.

ودين الزنادقة خارج عن الأديان السماوية كلها وما في كتابهم من إباحة الأموال والنساء والحكم باشتراك الناس فيها كاشتراكهم في الماء والكلأ مخالف لما في الكتب الإلهية كلها. سمى العرب زنديقا ونسب إلى كتابهم كل من خرج عن الأديان السماوية كلها بالإنكار بواحد أو أكثر من أصول الدين التي اتفقت عليها الأديان السماوية كلها سواء كان ما أنكره وجود الباري- عز اسمه- فيوافق الدهري أو لا.

وكلمة الزنديق في لسان العرب تطلق على من ينفي الباري- عز اسمه- وعلى من يثبت الشريك له وعلى من ينكر حكمته غير مخصوص بالأول كما زعمه ثعلب ولا بالثاني.

كما هو الظاهر من كلام الجوهري والفرق بينه وبين المرتد أنه قد لا يكون زنديقا كما إذا ارتد عن دين الإسلام وتدين بواحد من الأديان السماوية الباطلة. واعتبروا في الزنديق أن يكون مبطنا للكفر على ما نقلناه عن العلامة الشيرازي.

وذلك القيد غير معتبر في مفهوم المرتد فاتسعت دائرة الفرق، ومع هذا فالنسبة بينهما على حالهما، وفي الزنديق قيد آخر اعتبره أيضا أهل الشرع وبه أيضا يفارق المرتد وهو أن يكون معترفا بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم على ما صرح به العلامة التفتازاني في شرحه للمقاصد حيث قال في تفصيل فرق الكفار: قد ظهر أن الكافر اسم لمن لا إيمان له، فإن أظهر الإيمان خص باسم المنافق وإن كفر بعد الإسلام خص باسم المرتد لرجوعه عن الإسلام، وإن قال بإلهين وأكثر خص باسم المشرك لإثباته الشريك في الألوهية، وإن كان متدينا ببعض الأديان والكتب المنسوخة خص باسم الكتابي كاليهودي والنصراني، وإن كان يقول بقدم الدهر وإسناد الحوادث إليه خص باسم الدهري، وإن كان لا يثبت الباري تعالى خص باسم المعطل، وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وإظهاره عقائد الإسلام يبطن عقائد هي كفر بالاتفاق خص بالزنديق. إلا أن أهل الشرع إنما اعتبروا القيد المذكور في الزنديق الإسلامي لا في مطلق الزنديق لأنه قد يكون من المشركين، وقد يكون من أهل الذمة.

الفرق بين الزنديق وغيره من أصناف الكفار

وأما الفرق بين الزنديق والمنافق مع اشتراكهما في إبطان الكفر: هو أن الزنديق معترف بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، دون المنافق وهذا الفرق بين الزنديق من أهل الإسلام والمنافق الاصطلاحي. وأما الفرق بين الزنديق والدهري فيما ذكر فإن الدهري ينكر استناد الحوادث إلى الصانع المختار بخلاف الزنديق.

وأماالفرق بينه وبين الملحد الذي يعتبر أيضا- من زمرة الكفرة على ما دل قول حافظ الدين الكردي في فتاواه:

لو قال أنا ملحد يكفر فيما أن الاعتراف بنبوته صلى الله عليه وسلم معتبر في الزنديق دون الملحد وإن لم يكن عدم الاعتراف دون الملحد وإن لم يكن بالعدم أيضا معتبرا فيه. وبهذا أي بعدم اعتبار القول بعدم الصانع المختار في الملحد يفارق الملحد الدهري.

أحكام الزنادقة

وقال الآمدي في أبكار الأفكار: حكم أموال الزنادقة حكم المرتدين فلا تقبل منهم جزية ولا تنكح نساؤهم ولا دية على قاتل واحد منهم، فإن استرق لحق واحد منهم بدار الحرب وسبي، ولو تاب واحد منهم فإن كان ذلك ابتداء منه غير خوف قبلت توبته، وإن كان ذلك خوفا من القتل بعد الظهور على بدعته فقد اختلف في قبول توبته فقبلها الشافعي وأبو حنيفة ومنع من ذلك مالك وبعض أصحاب الشافعي وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق ولو قتل واحد منهم أو مات فما له مخمس عند الشافعي وأبي حنيفة، وعند مالك ماله كله لا خمس فيه. قلت: لا بعد فيه فإن الزنديق يموه كفره ويروج العقيدة الفاسدة ويخرجها في الصورة الصحيحة وهذا معنى إبطانه الكفر فلا ينافي إظهاره الدعوة إلى الملة الضالة. فالملحد أوسع فرق الكفر جدا، فافهم هذا الفرق.

أنواع الزندقة

والزنادقة على ثلاثة أوجه: إما أن يكون زنديقا من الأصل على الشرك أو يكون مسلما فتزندق أو يكون ذميا فتزندق. ففي الوجه الأول يترك على شركه، وفي الوجه الثاني يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل لأنه مرتد، وفي الوجه الثالث يترك على حاله لأن الكفر ملة واحدة «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الإلحاد- الردة- الشرك- الكفر- الضلال- النفاق- الرياء- اتباع الهوى- الفجور- الإعراض- التفريط والإفراط.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإيمان- الإسلام- الثبات- الهدى- اليقين] .

الأحاديث الواردة في ذم «الزندقة»

انظر صفات: الإلحاد، والردة، والشرك، والكفر، والنفاق، والرياء.

من الآثار الواردة في ذم «الزندقة»

1-* (قال مالك بن أنس- رحمه الله-:

«توبة الزنديق لا تقبل» وهذا يحكى عن أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى-) * «1» .

2-* (قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: «الزنديق يجب قتله» ) * «2» .

من مضار «الزندقة»

(1) شيوع الزندقة يغري ضعاف الإيمان بالانزلاق إليها.

(2) انتشار المعصية، فليس بعد الكفر ذنب، ومن ثم يسهل على الزنديق ارتكابها.

(3) اضطراب المجتمع، فإن الزنادقة لا يحكمهم مبدأ، ومن ثم فإنهم يفعلون ما تدعوهم إليه أهواؤهم بغير رعاية لحقوق الآخرين.

(4) انصراف الناس إلى الشهوات وتلبية دعوة الهوى يضعف المجتمع فيطمع فيه أعداؤه ويستولون عليه ويسلبون عزته وكرامته.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ٥٬٥٣٧ مرة.