أدوات شخصية
User menu

الزهد

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الزهد لغة

تدلّ مادّة «زهد» على القلّة في كلّ شيء، يقول ابن فارس: «الزّاء والهاء والدّال» أصل يدلّ على قلّة الشّيء.

والزّهيد: الشّيء القليل، وهو مزهد: قليل المال: ويقال: رجل زهيد: قليل المطعم، وهو ضيّق الخلق أيضا، وقال بعضهم: الزّهيد: الوادي القليل الأخذ للماء، والزّهاد: الأرض الّتي تسيل من أدنى مطر «1» ، وقد أيّد الرّاغب ما ذهب إليه ابن فارس، فالمادّة تدور عنده حول هذا المعنى. تقول:

الزّهيد:

الشّيء القليل، والزّاهد في الشّيء: الرّاغب عنه، والرّاضي منه بالزّهيد أي القليل كما في قوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (يوسف/ 20) «2» .

وقد تطرّقت المعاجم إلى هذا المعنى فيقول صاحب الصّحاح: والمزهد: القليل المال، وفي الحديث: «أفضل النّاس مؤمن مزهد» .

والزّهيد القليل ... وفلان يزهد عطاء فلان أي يعدّه زهيدا قليلا «3» ، ويقول الزّمخشريّ: «وفلان زاهد زهيد بيّن الزّهادة والزّهد وهي قلّة الطّعم، وقدّم إليهم طعاما فتزاهدوه أي رأوه زهيدا قليلا وتحاقروه.

ومن المجاز واد زهيد: قليل الأخذ للماء، ورجل زهيد:

أي قليل الخير. وهو زهيد العين يقنعه القليل «4» .

وزهيد الأرض ضيّقها لا يخرج منها كثير ماء وجمعه زهدان. والزّهيد: الحقير، وعطاء زهيد قليل.

وازدهد العطاء استقلّه ... وفي الحديث «ليس عليك حساب ولا على مؤمن مزهد» ومنه حديث ساعة الجمعة «فجعل يزهّدها» أي يقلّلها، وفي حديث عليّ رضي الله عنه- «إنّك لزهيد» وفي حديث خالد:

كتب إلى عمر- رضي الله عنه- «أنّ النّاس قد اندفعوا في الخمر، وتزاهدوا الحدّ أي احتقروه وأهانوه ورأوه زهيدا» «5» . والزّهد بفتحتين الزّكاة؛ لأنّ زكاة المال أقلّ شيء فيه «6» .

والزّهد ضدّ الرّغبة، يقال: فلان يزهد في الشّيء أي يرغب عنه، وهو من الأصل الأوّل أيضا؛ لأنّه لا يزهد إلّا في القليل أو الحقير، يقول الجوهريّ: «الزّهد خلاف الرّغبة. تقول: زهد في الشّيء وعن الشّيء:

خلاف التّرغيب فيه «7» » وزهّده في الأمر: رغّبه عنه، وفي حديث الزّهريّ: وسئل عن الزّهد في الدّنيا فقال:

هو ألّا يغلب الحلال شكره، ولا الحرام صبره، أراد ألايعجز ويقصر شكره على ما رزقه الله من الحلال، ولا صبره عن ترك الحرام «1» ، وفلان يتزهّد: أي يتعبّد «2» .

واصطلاحا

قيل: هو بغض الدّنيا والإعراض عنها، وقيل:

هو ترك راحة الدّنيا طلبا لراحة الآخرة، وقيل: هو أن يخلو قلبك ممّا خلت منه يدك «3» .

وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: الزّهد المشروع:

هو ترك الرّغبة فيما لا ينفع في الدّار الآخرة، وهو فضول المباح الّتي لا يستعان بها على طاعة الله، كما أنّ الورع المشروع: هو ترك ما قد يضرّ في الدّار الآخرة.

وهو ترك المحرّمات والشّبهات الّتي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها، كالواجبات، فأمّا ما ينفع في الدّار الآخرة، فالزّهد فيه ليس من الدين بل صاحبه داخل في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (المائدة/ 87) .

كما أنّ الاشتغال بفضول المباحات، هو ضدّ الزّهد المشروع، فإن اشتغل بها عن فعل واجب أو فعل محرّم كان عاصيا، وإلّا كان منقوصا عن درجة المقرّبين إلى درجة المقتصدين «4» .

وقال ابن الجوزيّ: الزّهد: عبارة عن انصراف الرّغبة عن الشّيء إلى ما هو خير منه، وشرط المرغوب عنه أن يكون مرغوبا بوجه من الوجوه، فمن رغب عن شيء ليس مرغوبا فيه، ولا مطلوبا في نفسه لم يسمّ زاهدا.

كمن ترك التّراب لا يسمّى زاهدا وإنّه ليس الزّهد ترك المال وبذله على سبيل السّخاء والقوّة واستمالة القلوب فحسب، بل الزّهد أن يترك الدّنيا للعلم بحقارتها بالنّسبة إلى نفاسة الآخرة «5» .

وقال ابن القيّم: إنّ الزّهد سفر القلب من وطن الدّنيا، وأخذه في منازل الآخرة.

وعلى هذا صنّف المتقدّمون كتب الزّهد، كالزّهد لعبد الله بن المبارك، وللإمام أحمد، ولوكيع، ولهنّاد بن السّريّ، ولغيرهم.

ومتعلّقه ستّة أشياء لا يستحقّ العبد اسم الزّهد حتّى يزهد فيها: وهي المال، والصّور، والرّياسة، والنّاس، والنّفس، وكلّ ما دون الله.

وليس المراد رفضها من الملك، فقد كان سليمان وداود- عليهما السّلام- من أزهد أهل زمانهما. ولهما من المال والملك والنّساء مالهما.

وكان نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم من أزهد البشر على الإطلاق. وله تسع نسوة، وكان عليّ بن أبي طالب، وعبد الرّحمن بن عوف، والزّبير وعثمان- رضي الله عنهم- من الزّهّاد مع ما كان لهم من الأموال، وغيرهم كثير «6» .

حقيقة الزهد

وقال الإمام الغزاليّ: الزّهد هو عبارة عن انصراف الرّغبة عن الشّيء إلى ما هو خير منه.

وكلّ من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنّما عدل عنه لرغبته عنه، وإنّما عدل إلىغيره لرغبته فيه «1» ، فحاله بالإضافة إلى المرغوب (المعدول) عنه تسمّى زهدا، وبالإضافة إلى المعدول إليه (المرغوب فيه) يسمّى رغبة وحبّا، ومن ثمّ يستدعي حال الزّهد مرغوبا عنه ومرغوبا فيه هو خير من المرغوب عنه، وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه، ومن رغب عمّا ليس مطلوبا في نفسه لا يسمّى زاهدا، وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه ... » «2» .

أقسام الزهد وأحكامه

قال ابن القيّم- رحمه الله-: الزّهد أقسام:

(1) زهد في الحرام: وهو فرض عين.

(2) وزهد في الشّبهات: وهو بحسب مراتب الشّبهة، فإن قويت التحق بالواجب، وإن ضعفت كان مستحبّا.

(3) وزهد في الفضول، وهو زهد فيما يعني من الكلام والنّظر والسّؤال واللّقاء وغيره، وزهد في النّاس، وزهد في النّفس حيث تهون عليه نفسه في الله.

(4) وزهد جامع لذلك كلّه، وهو الزّهد فيما سوى ما عند الله، وفي كلّ ما يشغلك عن الله، وأفضل الزّهد إخفاء الزّهد، وأصعبه الزّهد في الحظوظ «3» .

ما يعين على الزهد

والّذي يصحّح هذا الزّهد ثلاثة أشياء:

أحدها: علم العبد أنّ الدّنيا ظلّ زائل، وخيال زائر، فهي كما قال تعالى كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً (الحديد/ 20 مدنية) وسمّاها الله مَتاعُ الْغُرُورِ ونهى عن الاغترار بها، وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترّين، وحذّرنا مثل مصارعهم، وذمّ من رضي بها، واطمأنّ إليها.

الثّاني: علمه أنّ وراءها دار أعظم منها قدرا، وأجلّ خطرا، وهي دار البقاء، فالزّهد فيها لكمال الرّغبة فيما هو أعظم منها.

والثّالث: معرفته وإيمانه الحقّ بأنّ زهده فيها لا يمنعه شيئا كتب له منها، وأنّ حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها فمتى تيقّن ذلك ثلج له صدره، وعلم أنّ مضمونه منها سيأتيه.

فهذه الأمور الثّلاثة تسهّل على العبد الزّهد في الدّنيا وتثبّت قدمه في مقامه «4» .

[للاستزادة: انظر صفات: التواضع- الرضا القناعة- الورع- اليقين- الطاعة- تذكر الموت.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الطمع- طول الأمل- الكبر والعجب- العصيان] .

الآيات الواردة في «الزهد»

1- وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (16) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (18) وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) «1»


الآيات الواردة في «الزهد» معنى

2- فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (130) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (131) »


3-* وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55) «3»


4- فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاًوَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) «1»


5- اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) «2»

6- ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (23) «3»


الأحاديث الواردة في (الزهد)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أدّى العبد حقّ الله وحقّ مواليه كان له أجران» . قال: فحدّثتها كعبا. فقال كعب:

ليس عليه حساب ولا على مؤمن زهد «1» ) * «2» .

2-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنّها تزهّد في الدّنيا وتذكّر الآخرة» ) * «3»

3-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- رضي الله عنه- قال: أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجل فقال: يا رسول الله، دلّني على عمل، إذا أنا عملته، أحبّني الله، وأحبّني النّاس فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ازهد في الدّنيا، يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي النّاس، يحبّوك» ) * «4» .

() الأحاديث الواردة في (الزهد) معنى

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه كان يقول: آلله الّذي لا إله إلّا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع.

وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه، فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ ولم يفعل، ثمّ مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ فلم يفعل، ثمّ مرّ بي أبو القاسم صلّى الله عليه وسلّم فتبسّم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي.

ثمّ قال: يا أبا هرّ! قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: الحق، ومضى. فتبعته فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللّبن؟ قالوا:

أهداه لك فلان- أو فلانه- قال: أبا هرّ! قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصّفّة «5» فادعهم لي.

قال: وأهل الصّفّة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هديّة أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللّبن في أهل الصّفّة؟ كنت أحقّ أن أصيب من هذا اللّبن شربة أتقوّى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللّبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم بدّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت.


قال: «يا أبا هرّ» ، قلت: لبّيك يارسول الله، قال: «خذ فأعطهم» ، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ عليّ القدح فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ عليّ القدح فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ عليّ القدح حتّى انتهيت إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقد روي القوم كلّهم.


فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسّم فقال: «أبا هرّ» ، قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت» ، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: «اقعد فاشرب» فقعدت فشربت.


فقال: «اشرب» فشربت، فما زال يقول: «اشرب» ، حتّى قلت: لا والّذي بعثك بالحقّ، ما أجد له مسلكا، قال: «فأرني» ، فأعطيته القدح، فحمد الله، وسمّى وشرب الفضلة) * «1» .

5-* (عن أنس- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

«اللهمّ لا عيش إلّا عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره» ) * «2» .

6-* (عن عبد الله بن الشّخّير- رضي الله عنه- قال: أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يقرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (التكاثر/ 1) قال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي» .


قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» ) * «3» .

7-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنكبي فقال: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل» .

وكان ابن عمر- رضي الله عنهما- يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحّتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» ) * «4» .

8-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إذا فتحت عليكم فارس والرّوم، أيّ قوم أنتم؟» . قال:

عبد الرّحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله «5» . قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أو غير ذلك.

تتنافسون «6» ثمّ تتحاسدون، ثمّ تتدابرون «7» أو نحو ذلك، ثمّ تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض» ) * «8» .

9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل» ) * «1» .

10-* (عن عبد الله بن عبّاس وعمران بن حصين- رضي الله عنهم- قالا: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اطّلعت في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعت في النّار فرأيت أكثر أهلها النّساء» ) * «2» .


11-* (عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه- أنّه كان في إبله فجاءه ابنه عمر، فلمّا رآه سعد قال: أعوذ بالله من شرّ هذا الرّاكب، فنزل فقال له:


أنزلت في إبلك وغنمك، وتركت النّاس يتنازعون الملك بينهم؟، فضرب سعد في صدره فقال: اسكت.

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ الله يحبّ العبد التّقيّ، الغنيّ، الخفيّ «3» » ) * «4» .

12-* (عن النّعمان بن بشير- رضي الله عنهما- يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم وما يجد من الدّقل «5» ما يملأ به بطنه) * «6» .

13-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ بالسّوق، داخلا من بعض العالية والنّاس كنفته «7» فمرّ بجدي أسكّ «8» ميّت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثمّ قال: «أيّكم يحبّ أنّ هذا له بدرهم؟» .

فقالوا: ما نحبّ أنّه لنا بشيء، وما نصنع به؟. قال: «أتحبّون أنّه لكم؟» .

قالوا: والله لو كان حيّا، كان عيبا فيه، لأنّه أسكّ. فكيف وهو ميّت؟. فقال: «فو الله! للدّنيا أهون على الله من هذا عليكم» ) * «9» .

14-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّ ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يسأله أحد منهم إلّا أعطاه، حتّى نفد ما عنده، فقال لهم حين نفد كلّ شيء أنفق بيديه: «ما يكون عندي من خير لا أدّخره عنكم، وإنّه من يستعفّ يعفّه الله، ومن يتصبّر يصبّره الله، ومن يستغن يغنه الله، ولن تعطوا عطاء خيرا وأوسع من الصّبر» ) * «10» .

15-* (عن عمرو بن عوف الأنصاري- رضي الله عنه-: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرميّ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافقت صلاة الصّبح مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا انصرف تعرّضوا له، فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين رآهم وقال: «أظنّكم سمعتم بقدوم أبيعبيدة، وأنّه جاء بشيء» . قالوا: أجل يا رسول الله.

قال: «فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدّنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم» ) * «1» .

16-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الدّنيا حلوة خضرة، وإنّ الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتّقوا الدّنيا واتّقوا النّساء، وإنّ فتنة بني إسرائيل كانت في النّساء» ) * «2» .

17-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إنّ ممّا أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدّنيا وزينتها» .

فقال رجل: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشّر؟ فسكت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقيل له: ما شأنك تكلّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا يكلّمك؟. فرأينا أنّه ينزل عليه.

قال فمسح عنه الرّحضاء «3» فقال: «أين السائل؟» - وكأنّه حمده- فقال: «إنّه لا يأتي الخير بالشّرّ، وإنّ ممّا ينبت الرّبيع يقتل أو يلمّ «4» ، إلّا آكلة الخضر، أكلت حتّى إذا امتدّت خاصرتاها استقبلت عين الشّمس فثلطت»

وبالت ورتعت. وإنّ هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السّبيل» . أو كما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وإنّه من يأخذه بغير حقّه كالّذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة» ) * «6» .

18-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- أنّه جاءه ثلاثة نفر فقالوا: يا أبا محمّد، إنّا والله، ما نقدر على شيء.

لا نفقة ولا دابّة ولا متاع. فقال لهم: ما شئتم. إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسّر الله لكم. وإن شئتم ذكرنا أمركم للسّلطان.

وإن شئتم صبرتم. فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنّة بأربعين خريفا «7» » . قالوا: فإنّا نصبر، لا نسأل شيئا) * «8» .

19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه-أنّه مرّ بقوم بين أيديهم شاة مصليّة «1» فدعوه فأبى أن يأكل. قال:

خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الدّنيا ولم يشبع من الخبز الشّعير) * «2» .

20-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «تعس «3» عبد الدّينار والدّرهم والقطيفة «4» والخميصة «5» ، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض» ) * «6» .

21-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر- رضي الله عنهما-، فقال:" ما أخرجكما من بيوتكما هذه السّاعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: «وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الّذي أخرجكما، قوموا» فقاموا معه فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلمّا رأته المرأة، قالت:

مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أين فلان؟» .

قالت: ذهب يستعذب «7» لنا من الماء، إذ جاء الأنصاريّ فنظر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصاحبيه، ثمّ قال: الحمد لله، ما أجد اليوم أكرم أضيافا منّي، فانطلق فجاءهم بعذق «8» فيه بسر وتمر ورطب، فقال:

كلوا من هذه، وأخذ المدية «9» فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«إيّاك والحلوب» . فذبح لهم، فأكلوا من الشّاة ومن ذلك العذق، وشربوا، فلمّا أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكر وعمر- رضي الله عنهما-: «والّذي نفسي بيده لتسألنّ عن هذا النّعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثمّ لم ترجعوا حتّى أصابكم هذا النّعيم» ) * «10» .

22-* (عن أبان بن عثمان- رضي الله عنهما- قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان بنصف النّهار، قلت: ما بعث إليه هذه السّاعة إلّا لشيء سأل عنه، فسألته فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من كانت الدّنيا همّه، فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدّنيا إلّا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيّته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدّنيا وهي راغمة» ) * «11» .

23-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- قال:

خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمشي وحده. ليس معه إنسان. قال: فظننت أنّه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظلّ القمر. فالتفت فرآني فقال: «من هذا؟» . فقلت:

أبوذرّ! جعلني الله فداءك. قال: «يا أبا ذرّ تعاله «1» » قال: فمشيت معه ساعة. فقال: «إنّ المكثرين هم المقلّون يوم القيامة.

إلّا من أعطاه الله خيرا. فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرا» . قال فمشيت معه ساعة. فقال: «اجلس هاهنا. قال:

فأجلسني في قاع حوله حجارة. فقال لي: «اجلس هاهنا حتّى أرجع إليك» . قال: فانطلق في الحرّة حتّى لا أراه.

فلبث عنّي. فأطال اللّبث. ثمّ إنّي سمعته وهو مقبل وهو يقول: «وإن سرق وإن زنى» . قال: فلمّا جاء لم أصبر فقلت: يا نبيّ الله جعلني الله فداءك.

من تكلّم في جانب الحرّة؟ ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا. قال: «ذاك جبريل. عرض لي في جانب الحرّة.

فقال: بشّر أمّتك أنّه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة. فقلت: يا جبريل! وإن سرق وإن زنى؟. قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟. قال: نعم.

قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟. قال: نعم، وإن شرب الخمر» ) * «2» .

24-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الدّنيا سجن المؤمن، وجنّة الكافر» ) * «3» .

25-* (عن خالد بن عمير العدويّ قال:

خطبنا عتبة بن غزوان، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال

أمّا بعد. فإنّ الدّنيا قد آذنت «4» بصرم «5» وولّت حذّاء «6» ، لم يبق منها إلّا صبابة «7» كصبابة الإناء، يتصابّها صاحبها، وإنّكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم؛ فإنّه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنّم فيهوي فيها سبعين عاما، لا يدرك لها قعرا.

ووالله لتملأنّ. أفعجبتم ولقد ذكر لنا أنّ ما بين مصراعين من مصاريع الجنّة مسيرة أربعين سنة وليأتينّ عليها يوم وهو كظيظ «8» من الزّحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر، حتّى قرحت «9» أشداقنا، فالتقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك «10» فاتّزرت بنصفها، واتّزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منّا أحد إلّا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإنّي أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما، وعند الله صغيرا، وإنّها لم تكن نبوّة قطّ إلّا تناسخت حتّى يكون آخر عاقبتها ملكا، فستخبرون وتجرّبون الأمراءبعدنا) * «1» .


26-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو كانت الدّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» ) * «2» .

27-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكنّ الغنى غنى النّفس» ) * «3» .

28-* (عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف «4» الخبز والماء» ) * «5» .

29-* (عن المستورد بن شدّاد- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما الدّنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه- وأشار يحيى بالسّبّابة- في اليم «6» فلينظر بم يرجع؟» ) * «7» .

30-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: مرّ علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونحن نعالج خصّا»

لنا، فقال: «ما هذا؟» . فقلنا

قد وهى فنحن نصلحه، قال: «ما أرى الأمر إلّا أعجل من ذلك» ) * «9» .

31-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- رضي الله عنه- أنّه قال: مرّ رجل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» .

فقال: رجل من أشراف النّاس، هذا والله حريّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفّع.

قال: فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ مرّ رجل، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما رأيك في هذا؟» .

فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفّع، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» ) * «10» .

32-* (عن خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه- قال: هاجرنا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نريد وجه الله، فوقعأجرنا على الله- تعالى- فمنّا من مضى لم يأخذ من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد وترك نمرة «1» ، فإذا غطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نغطّي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر «2» ، ومنّا من أينعت له ثمرته فهو يهديها) * «3» .


33-* (عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه- قال: والله إنّي لأوّل رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنّا نغزو مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ما لنا طعام نأكله إلّا ورق الحبلة «4» وهذا السّمر حتّى إنّ أحدنا ليضع كما تضع الشّاة، ثمّ أصبحت بنو أسد تعزّرني «5» على الدّين لقد خبت إذا، وضلّ عملي) * «6» .


34-* (عن أنس- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يتبع الميّت ثلاثة. فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله» ) * «7» .

35-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة فيصبغ في النّار صبغة «8» ثمّ يقال: يا بن آدم، هل رأيت خيرا قطّ، هل مرّ بك نعيم قطّ؟ فيقول: لا والله يا ربّ، ويؤتى بأشدّ النّاس بؤسا في الدّنيا من أهل الجنّة فيصبغ صبغة في الجنّة، فيقال له: يا بن آدم، هل رأيت بؤسا قطّ؟ هل مرّ بك شدّة قطّ؟ فيقول: لا والله يا ربّ، ما مرّ بي بؤس قطّ، ولا رأيت شدّة قطّ» ) * «9» .


36-* (عن أبي الدّرداء- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «ما طلعت شمس قطّ إلّا بعث بجنبتيها ملكان إنّهما ليسمعان أهل الأرض إلّا الثّقلين، يأيّها النّاس، هلمّوا إلى ربّكم؛ فإنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى. وما غربت شمس قطّ إلّا وبجنبتيها ملكان يناديان: اللهمّ عجّل لمنفق خلفا وعجّل لممسك تلفا» ) * «10» .


37-* (عن ربيعة بن كعب- رضي الله عنه- قال: «كنت أخدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتّى يصلّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول لعلّها أن تحدث لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاجة فما أزال أسمعه يقول صلّى الله عليه وسلّم: «سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله وبحمده» .

حتّى أملّ فأرجع أو تغلبني عيني فأرقد،قال: فقال لي يوما لما يرى من خفّتي له وخدمتي إيّاه:

سلني يا ربيعة أعطك، قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله، ثمّ أعلمك ذلك. قال: ففكّرت في نفسي، فعرفت أنّ الدّنيا منقطعة زائلة وأنّ لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لآخرتي فإنّه من الله- عزّ وجلّ- بالمنزل الّذي هو به، قال: فجئت، فقال: ما فعلت يا ربيع؟ قال: فقلت:


نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربّك فيعتقني من النّار، قال: فقال: من أمرك بهذا يا ربيعة؟ قال:

فقلت: لا والله الذي بعثك بالحقّ، ما أمرني به أحد، ولكنّك لمّا قلت: سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الّذي أنت به. نظرت في أمري وعرفت أنّ الدّنيا منقطعة وزائلة، وأنّ لي فيها رزقا سيأتيني، فقلت:


أسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لآخرتي، قال: فصمت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طويلا ثمّ قال لي: «إنّي فاعل فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود» ) * «1» .


المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الزهد)

38-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ اجعل رزق آل محمّد قوتا «2» » ، وفي رواية عمرو: «اللهمّ ارزق» ، وفي أخرى: «كفافا» ) * «3» .

39-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: إن كنّا آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم لنمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلّا التّمر والماء) * «4» .

40-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما في رفّي «5» من شيء يأكله ذو كبد، إلّا شطر شعير «6» في رفّ لي، فأكلت منه حتّى طال عليّ، فكلته ففني) * «7» .

41-* (خطب النّعمان بن بشير- رضي الله عنهما- قال: ذكر عمر ما أصاب النّاس من الدّنيا.

فقال: لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يظلّ اليوم يلتوي، ما يجد دقلا «8» يملأ به بطنه) * «9» .

42-* (عن عائشة أمّ المؤمنين- رضي الله عنها- قالت: كان فراش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أدم «10» وحشوه ليف) * «11» .

43-* (عن عائشة زوج النّبيّ- رضي الله عنها- قالت: لقد مات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين) * «1» .

44-* (عن عمرو بن الحارث- رضي الله عنه- قال: ما ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا، إلّا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة) * «2» .

45-* (عن سهل بن سعد- رضي الله عنه- قال: ما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّقى «3» من حين ابتعثه الله حتّى قبضه الله تعالى، فقيل له هل كانت لكم في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مناخل؟. قال: ما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منخلا من حين ابتعثه الله.

حتّى قبضه الله، فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشّعير غير منخول؟ قال: كنّا نطحنه وننفخه فيطير ما طار، وما بقي ثرّيناه «4» فأكلناه» ) * «5» .


46-* (عن عائشة أمّ المؤمنين- رضي الله عنها- قالت: ما شبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاثة أيّام تباعا من خبز برّ حتّى مضى لسبيله) * «6» .

وفي رواية أخرى: قالت: ما شبع آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم منذ قدم المدينة من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قبض «7» .

47-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: نام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حصير «8» فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتّخذنا لك وطاء»

فقال: «مالي وما للدّنيا، ما أنا في الدّنيا إلّا كراكب استظلّ تحت شجرة ثمّ راح وتركها» ) * «10» .

48-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- قال: كنت أمشي مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حرّة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: «يا أبا ذرّ» .

قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: «ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليّ ثالثة وعندي منه دينار إلّا شيئا أرصده لدين، إلّا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- ثمّ مشى» ، ثمّ قال: «إنّ الأكثرين هم المقلّون يوم القيامة، إلّا من قال هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم» ... الحديث) * «11» .


49-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: لميأكل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على خوان «1» حتّى مات، وما أكل خبزا مرقّقا حتّى مات) * «2» .

50-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّها قالت لعروة: ابن أختي «3» إن كنّا لننظر إلى الهلال ثمّ الهلال، ثلاثة أهلّة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نار.

قال: فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التّمر والماء. إلّا أنّه قد كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم جيران من الأنصار، وأنّ لهم منائح «4» وكانوا يمنحون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أبياتهم فيسقيناه) * «5» .


من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الزهد)

1-* (عن عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: «ارتحلت الدّنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكلّ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدّنيا؛ فإنّ اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل» ) * «6» .

2-* (وعنه- رضي الله عنه- أنّه قال:

«طوبى للزّاهدين في الدّنيا، والرّاغبين في الآخرة، أولئك قوم اتّخذوا أرض الله بساطا. وترابها فراشا. وماءها طيبا، والكتاب شعارا، والدّعاء دثارا، ورفضوا الدّنيا رفضا» ) * «7» .

3-* (عن عروة بن الزّبير- رضي الله عنهما- قال: «ما كانت عائشة أمّ المؤمنين تستجدّ ثوبا حتّى ترقّع ثوبها وتنكّسه «8» .

قال: ولقد جاءها يوما من عند معاوية ثمانون ألفا، فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلّا اشتريت لنا منه لحما بدرهم؟. قالت:

«لو ذكّرتني لفعلت» ) * «9» .

4-* (قال ابن مسعود- رضي الله عنه- الدّنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا علم له) * «10» .

5-* (وعن عمرو بن العاص- رضي الله عنه- أنّه كان يخطب بمصر يقول: ما أبعد هديكم من هدي نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم أمّا هو فكان أزهد النّاس في الدّنياوأمّا أنتم فأرغب النّاس فيها) * «1» .

6-* (عن موسى بن عتبة قال: كتب أبو الدّرداء إلى بعض إخوانه، أمّا بعد، فإنّي أوصيك بتقوى الله، والزّهد في الدّنيا، والرّغبة فيما عند الله، فإنّك إذا فعلت ذلك أحبّك الله لرغبتك فيما عنده، وأحبّك النّاس لتركك لهم دنياهم والسّلام) * «2» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

«رأيت سبعين من أهل الصّفّة ما منهم رجل عليه رداء، إمّا إزار وإمّا كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف السّاقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته» ) * «3» .

8-* (عن أبي واقد اللّيثيّ قال: تابعنا الأعمال أيّها أفضل فلم نجد شيئا أعون على طلب الآخرة من الزّهد في الدّنيا» ) * «4» .

9-* (وعن الحسن- رضي الله عنه-:

«ليس الزّهد في الدّنيا بتحريم الحلال وإضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها، أرغب منك فيها لو لم تصبك» ) * «5» .

10-* (سئل الزّهريّ- رحمه الله- عن الزّهد في الدّنيا. فقال: أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره، أي لا يقصّر في شكر الحلال إذا أصابه، ويصبر عن الحرام إذا اشتهاه ولا يواقعه) * «6» .

11-* (عن محمّد بن كعب القرظيّ: قال: إذا أراد الله بعبد خيرا أزهده في الدّنيا، وفقّهه في الدّين، وبصّره عيوبه، ومن أوتيهنّ فقد أوتي خيرا كثيرا في الدّنيا والآخرة) * «7» .

12-* (عن طارق بن شهاب- رحمه الله- قال: لمّا قدم عمر- رضي الله عنه- الشّام، تلقّاه الجنود، وعليه إزار وخفّان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء.

فقالوا: يا أمير المؤمنين، يلقاك الجنود وبطارقة الشّام وأنت على حالتك هذه. فقال:

إنّا أعزّنا الله بالإسلام، فلن يلتمس العزّ بغيره) * «8» .

13-* (عن الرّبيع بن سليمان عن الشّافعيّ رحمه الله- قال: يا ربيع عليك بالزّهد، فللزّهد على الزّاهد أحسن من الحليّ على المرأة النّاهد) * «9» .

14-* (وقال يحيى بن معاذ: «الزّهد يورث السّخاء بالملك» ) * «10» .

15-* (وقال الجنيد- رحمه الله-: «الزّهد خلوّ القلب عمّا خلت منه اليد» ) * «11» .

16-* (قال سفيان الثّوريّ- رحمه الله-:

«الزّهد في الدّنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولابلبس العباءة» ) * «1» .

17-* (وقال الإمام الغزاليّ- رحمه الله-:

«الزّهد: عبارة عن الرّغبة عن حظوظ النّفس كلّها إلى ما هو خير منها، علما بأنّ المتروك حقير بالإضافة إلى المأخوذ» ) * «2» .


18-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله- في ذمّ الدّنيا والتّمسّك بها:

وما هي إلّا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها) * «3» .

19-* (قال ابن الجلاء: «الزّهد: هو النّظر إلى الدّنيا بعين الزّوال لتصغر في عينيك فيتسهّل عليك الإعراض عنها» ) * «4» .

20-* (وقال ابن خفيف- رحمه الله-: «علامة الزّهد: وجود الرّاحة في الخروج من الملك» ) * «5» .

وقال أيضا: «هو سلوّ القلب عن الأسباب ونفض الأيدي عن الأملاك» وقيل: «هو عزوف القلب عن الدّنيا بلا تكلّف» ) * «6» .

21-* (قيل: الزّهد من قوله سبحانه: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (الحديد/ 23)) * «7» .

() من فوائد (الزهد)

(1) فيه تمام التّوكّل على الله.

(2) يغرس في القلب القناعة.

(3) صرف المسلم عن التّعلّق بالملذّات الفانية إلى العمل من أجل النّعيم المقيم.

(4) فيه كبح جماح النّفس إلى الشّهوات.

(5) يؤصّل العفّة والنّزاهة في نفوس المؤمنين.

(6) يعلّم المسلم كيف يسدّد هدفه إلى الدّار الآخرة.

(7) الزّاهد يحبّه الله ويقرّبه إليه.

(8) راحة في الدّنيا وسعادة في الآخرة.

(9) حبّ النّاس له حيث أنّه لا يزاحمهم على دنياهم.

(10) فيه التّأسّي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصحابته الكرام.

(11) الاطمئنان إلى جناب الله والرّضى بما قسم.

(12) يؤصّل في النّفس حبّ الإنفاق في سبيل الله وعدم التّعلّق بالدّنيا.

(13) يخرج نفسه من عبوديّة الشّيطان والدّنيا والنّفس.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٧٢٦ مرة.