أدوات شخصية
User menu

الستر

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


السّتر لغة

مصدر قولهم سترت الشّيء أستره وأستره إذا غطّيته، وهذا المصدر مأخوذ من مادّة (س ت ر) الّتي تدلّ على التّغطية أو الغطاء، قال ابن فارس: السّين والتّاء والرّاء كلمة تدلّ على غطاء.

وقال الرّاغب: السّتر تغطية الشّيء، يقال:

سترت الشّيء فاستتر أي غطّيته فتغطّى، كما يقال:

تستّر أي تغطّى (في هذا المعنى) ويقال أيضا: ستر الشّيء سترا وسترا: أخفاه، أنشد ابن الأعرابيّ:

ويسترون النّاس من غير ستر والسّتر والسّترة ما يستتر به، قال تعالى لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (الكهف/ 90) ، وجمع السّتر أستار، وستور، وستر، ويقال امرأة ستيرة أي ذات ستارة، وجارية مستّرة أي مخدّرة، وقول الله- عزّ وجلّ-:

حِجاباً مَسْتُوراً (الإسراء/ 45) أي حجابا على حجاب، والأوّل مستور بالثّاني يراد بذلك كثافة الحجاب، ويقال إنّه مفعول بمعنى فاعل أي ساتر كما في قوله سبحانه إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (مريم/ 61) أي آتيا. وفي الحديث الشّريف: «إنّ الله

حييّ ستير يحبّ السّتر» فعيل هنا بمعنى فاعل أيضا، أي من شأنه وإرادته، حبّ السّتر والصّون.

والسّترة: ما استترت به من شيء كائنا ما كان وهو أيضا السّتار والسّتارة والجمع السّتائر.

والسّترة والمستر، والسّتارة، والإستار كالسّتر، وفي الحديث: «أيّما رجل أغلق بابه على امرأة، وأرخى دونها إستارة فقد تمّ صداقها» ، الإستارة من السّتر، قيل: لم تستعمل إلّا في هذا الحديث، أو لم تسمع إلّا فيه، والسّتر أيضا: الحياء، يقال: ما لفلان ستر ولا حجر، فالسّتر الحياء، والحجر العقل «1» .

الستير من صفات المولى- عز وجل

ورد السّتير والسّتّير صفة للمولى- عزّ وجلّ- قال ابن الأثير في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله حييّ ستير يحبّ الحياء والسّتر» ستير: فعيل بمعنى فاعل، أي من شأنه وإرادته حبّ السّتر والصّون»

وقد أورد النسائيّ صيغة أخرى في هذه الصّفة وهي ستّير بتشديد التّاء مكسورة وذلك في قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الّذي رواه عطاء عن يعلى «إنّ الله- عزّ وجلّ- حليم حييّ ستّير ... الحديث» قال الإمام السّنديّ فيالحاشية: معناه أنّه- عزّ وجلّ- تارك للقبائح، ساتر للعيوب والفضائح، يحبّ الحياء والسّتر من العبد؛ ليكون متخلّقا بأخلاقه تعالى «1» وقد روى أبو داود مثل ذلك ولم يذكر (حليم) «2»


الستر اصطلاحا

قال المنذريّ: السّتر على المسلم تغطية عيوبه، وإخفاء هناته.

وقال ابن حجر: معنى قوله «ستر مسلما» أي رآه على قبيح فلم يظهره للنّاس، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه، ومن السّتر أيضا: أن يستتر الإنسان إذا وقع منه شيء.

قال ابن حجر: والّذي يظهر أنّ السّتر محلّه في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التّلبّس بها فيجب عليه الإنكار وإلّا رفعه إلى الحاكم «3» .

وقال الإمام النّوويّ: المراد بالسّتر السّتر على ذوي الهيئات ونحوهم ممّن ليس معروفا بالأذى والفساد، فأمّا المعروف بذلك، فيستحبّ ألّا يستر عليه إلى وليّ الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأنّ السّتر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد ... وأمّا جرح الرّواة والشّهود والأمناء على الصّدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فلا يحلّ السّتر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليّته، وليس هذا من الغيبة المحرّمة بل من النّصيحة الواجبة «4» .

الفرق بين الستر والغفران

قال الكفويّ في الكلّيّات: الغفران يقتضي إسقاط العقاب، وقيل الثّواب، ولا يستحقّه إلّا المؤمن، ولا يستعمل إلّا في الباري- عزّ وجلّ-، أمّا السّتر فهو أخصّ من ذلك إذ يجوز أن يستر ولا يغفر والغفران لا يكون إلّا في الآخرة (أمّا السّتر فيكون في الدّنيا أيضا) «5» .

وقال أبو هلال: الغفران أخصّ. وهو يقتضي إيجاب الثّواب، والسّتر سترك الشّيء بستر، ثمّ استعمل في الإضراب عن ذكر الشّيء، فيقال: ستر فلان إذا لم يذكر ما اطّلع عليه من عثرات، وستر الله عليه خلاف فضحه، ولا يقال لمن يستر عليه في الدّنيا إنّه غفر له، لأنّ الغفران ينبأ عن استحقاق الثّواب على ما ذكرنا، ويجوز أن يستر في الدّنيا على الكافر والفاسق «6» .


[للاستزادة: انظر صفات: الاستغفار- النبل العفة- الحياء- المداراة- الوقاية.

وفي ضد ذلك: انظر صفات الفضح- الإساءة- سوء الخلق- المجاهرة بالمعصية- الطيش] .


الآيات الواردة في «الستر»

1- وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) «1»

الآيات الواردة في «الستر» ولها معنى آخر

2- وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45) «2»

3- حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (90) «3»

الأحاديث الواردة في (الستر)

1-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- قال:

اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا أبا ذرّ، أبد فيها» فبدوت إلى الرّبذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والسّتّ، فأتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال:

«أبو ذرّ» فسكتّ، فقال: «ثكلتك أمّك أبا ذرّ، لأمّك الويل» فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعسّ «1» فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترت بالرّاحلة، واغتسلت، فكأنّي ألقيت عنّي جبلا، فقال: «الصّعيد الطّيّب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسّه (جلدك) ؛ فإنّ ذلك خير» وقال مسدّد: غنيمة من الصّدقة) * «2» .

2-* (عن عبد الله بن جعفر- رضي الله عنهما- قال: أردفني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم خلفه.

فأسرّ إليّ حديثا لا أحدّث به أحدا من النّاس. وكان أحبّ ما استتر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحاجته، هدف «3» أو حائش نخل، قال ابن أسماء في حديثه: يعني حائط نخل) * «4» .

3-* (عن ابن شهاب، قال أخبرني أنس بن مالك؛ أنّ أبا بكر كان يصلّي لهم في وجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي توفّي فيه. حتّى إذا كان يوم الإثنين.

وهم صفوف في الصّلاة. كشف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستر الحجرة. فنظر إلينا وهو قائم. كأنّ وجهه ورقة مصحف. ثمّ تبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضاحكا.

قال فبهتنا ونحن في الصّلاة. من فرح بخروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ. وظنّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خارج للصّلاة.

فأشار إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده أن أتمّوا صلاتكم. قال: ثمّ دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأرخى السّتر. قال: فتوفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من يومه ذلك» ) * «5» .


4-* (عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتى فاطمة- رضي الله عنها-، فوجد على بابها سترا، فلم يدخل، قال: وقلّما كان يدخل إلّا بدأ بها، فجاء عليّ- رضي الله عنه- فرآها مهتمّة، فقال: مالك؟ قالت: جاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إليّ فلم يدخل، فأتاه عليّ- رضي الله عنه-، فقال: يا رسول الله، إنّ فاطمة اشتدّ عليها أنّك جئتها فلم تدخل عليها، قال: «وما أنا والدّنيا؟ وما أنا والرّقم؟ «6» » فذهب إلى فاطمة فأخبرها بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: قل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما يأمرني به، قال: «قل لها فلترسل به إلى بني فلان» ) * «7» .

5-* (عن يعلى- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلا يغتسل بالبراز «1» بلا إزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال صلّى الله عليه وسلّم «إنّ الله- عزّ وجلّ- حليم حييّ ستّير يحبّ الحياء والسّتر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» ) * «2» .

6-* (عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزّبيديّ أنّه مرّ وصاحب له بأيمن وفئة من قريش قد حلّوا أزرهم فجعلوها مخاريق «3» يجتلدون بها، وهم عراة قال عبد الله: فلمّا مررنا بهم، قالوا: إنّ هؤلاء قسّيسون فدعوهم، ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج عليهم فلمّا أبصروه تبدّدوا، فرجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مغضبا حتّى دخل، وكنت أنا وراء الحجرة فسمعته يقول: «سبحان الله! لا من الله استحيوا، ولا من رسوله استتروا» وأمّ أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول الله. قال عبد الله: فبلأي «4» ما استغفر لهم» ) * «5» .


7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ موسى كان رجلا حييّا ستّيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فاذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التّستّر إلّا من عيب بجلده: إمّا برص وإمّا أدرة «6» ، وإمّا آفة.

وإنّ الله أراد أن يبرّئه ممّا قالوا لموسى، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثمّ اغتسل.

فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر.

حتّى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه ممّا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فو الله إنّ بالحجر لندبا «7» من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله (الأحزاب/ 69) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» ) * «8» .


8-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: إنّ ابن عمر- والله يغفر له- أوهم، إنّما كان هذا الحيّ من الأنصار- وهم أهل وثن- مع هذا الحيّ من يهود- وهم أهل كتاب- وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النّساء إلّا على حرف «9» ، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحيّ منالأنصار، قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النّساء شرحا منكرا «1» ، ويتلذّذون منهنّ مقبلات، ومدبرات ومستلقيات، فلمّا قدم المهاجرون المدينة تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت:

إنّما كنّا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلّا فاجتنبي، حتّى شري أمرهما «2» ، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله- عزّ وجلّ-: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (البقرة/ 223) أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات- يعني بذلك- موضع الولد) * «3» .


9-* (عن عبادة بن الصّامت- رضي الله عنه- وكان شهد بدرا؛ وهو أحد النّقباء ليلة العقبة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال- وحوله عصابة من أصحابه-:

«بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف.

فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدّنيا، فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثمّ ستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك) * «4» .

10-* (عن صفوان بن محرز المازنيّ قال:

بينما أنا أمشي مع ابن عمر- رضي الله عنهما- آخذ بيده إذ عرض رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في النّجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إنّ الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، فيقول:

نعم أي ربّ. حتّى إذا قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنّه هلك قال: سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأمّا الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (هود/ 18)) * «5» .

11-* (عن شيخ من طفاوة، قال تثوّيت «6» أبا هريرة بالمدينة، فلم أر رجلا من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أشدّ تشميرا»

ولا أقوم على ضيف منه، فبينما أنا عنده يوما، وهو على سرير له، ومعه كيس فيه حصى، أو نوى، وأسفل منه جارية له سوداء، وهو يسبّح بها، حتّى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها، فجمعته فأعادته في الكيس، فدفعته إليه، فقال: ألا أحدّثك عنّي وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: قلت: بلى، قال: بينا أنا أوعك «8» في المسجد إذ جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى دخل المسجد فقال: «من أحسّ الفتى الدّوسيّ» ؟ثلاث مرّات، فقال رجل: يا رسول الله، هو ذا يوعك في جانب المسجد، فأقبل يمشي حتّى انتهى إليّ، فوضع يده علىّ، فقال لي معروفا، فنهضت، فانطلق يمشي حتّى أتى مقامه الّذي يصلّي فيه، فأقبل عليهم، ومعه صفّان من رجال وصفّ من نساء، أو صفّان من نساء وصفّ من رجال، فقال: «إن أنساني الشّيطان شيئا من صلاتي فليسبّح القوم وليصفّق النّساء» قال: فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم ينس من صلاته شيئا، فقال: «مجالسكم» زاد موسى «ههنا» ثمّ حمد الله- تعالى- وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد» ثمّ اتّفقوا: ثمّ أقبل على الرّجال فقال: «هل منكم الرّجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه، وألقى عليه ستره واستتر بستر الله؟» قالوا: نعم، قال «ثمّ يجلس بعد ذلك، فيقول فعلت كذا، فعلت كذا» قال:


فسكتوا، قال: فأقبل على النّساء. فقال: «هل منكنّ من تحدّث؟» فسكتن، فجثت فتاة (قال مؤمّل في حديثه: فتاة كعاب) على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله، إنّهم ليتحدّثون، وإنّهنّ ليتحدّثن، فقال: «هل تدرون ما مثل ذلك؟» فقال: «إنّما ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانا في السّكّة، فقضى منها حاجته، والنّاس ينظرون إليه، ألا وإنّ طيب الرّجال ما ظهر ريحه، ولم يظهر لونه، ألا إنّ طيب النّساء ما ظهر لونه، ولم يظهر ريحه» ) *.


قال أبو داود: من هاهنا حفظته عن مؤمّل وموسى «ألا لا يفضينّ رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة إلّا إلى ولد أو والد» وذكر ثالثة فأنسيتها» ) * «1» .

12-* (عن يعلى بن أميّة- رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو بالجعرانة «2» .

عليه جبّة وعليها خلوق «3» (أو قال أثر صفرة) فقال:

كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الوحي. فستر بثوب. وكان يعلى يقول:

وددت أنّي أرى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقد أنزل عليه الوحي. قال فقال «4» : أيسرّك أن تنظر إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقد أنزل عليه الوحي؟ قال فرفع عمر طرف الثّوب. فنظرت إليه له غطيط. (قال وأحسبه قال) كغطيط البكر «5» . قال:

فلمّا سرّي عنه قال: «أين السّائل عن العمرة؟ اغسل عنك أثر الصّفرة (أو قال أثر الخلوق) واخلع عنك جبّتك. واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجّك» ) * «6» .

13-* (عن عائشة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت:

جاءتني امرأة، ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة. فأعطيتها إيّاها. فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها.

ولم تأكل منها شيئا. ثمّ قامت فخرجت وابنتاها، فدخل عليّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فحدّثتهحديثها. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من ابتلي من البنات بشيء، فأحسن إليهنّ كنّ له سترا من النّار» ) * «1» .

14-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأمّا الّذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال في مرج أو روضة «2» .

فما أصابت في طيلها ذلك المرج والرّوضة كان له حسنات، ولو أنّها قطعت طيلها فاستنّت شرفا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنّها مرّت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن تسقى به، كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرّجل أجر.

ورجل ربطها تغنّيا وتعفّفا، ولم ينس حقّ الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء، فهي على ذلك وزر.

وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الحمر قال: «ما أنزل الله عليّ فيها إلّا هذه الآية الفاذّة الجامعة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/ 7- 8)) * «3» .

15-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: دخل عليّ أفلح بن أبي القعيس فاستترت منه، قال: تستترين منّي وأنا عمّك؟ قالت: قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قالت: إنّما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرّجل، فدخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحدّثته فقال: «إنّه عمّك، فليلج عليك» ) * «4» .

16-* (عن العبّاس- رضي الله عنه- قال:

دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعنده نساؤه، فاستترن «5» منّي إلّا ميمونة، فقال: لا يبقى في البيت أحد شهد اللّدّ «6» إلّا لدّ، إلّا أنّ يميني لم تصب العبّاس، ثمّ قال: مروا أبا بكر أن يصلّي بالنّاس، فقالت عائشة لحفصة: قولي له: إنّ أبا بكر رجل إذا قام مقامك بكى، قال: مروا أبا بكر ليصلّ بالنّاس، فقام فصلّى، فوجد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خفّة، فجاء، فنكص أبو بكر- رضي الله عنه- فأراد أن يتأخّر، فجلس إلى جنبه ثمّ اقترأ) * «7» .

17-* (عن صالح السّمّان قال: رأيت أبا سعيد الخدريّ في يوم جمعة يصلّي إلى شيء يستره من النّاس، فأراد شابّ من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشّابّ فلم يجد مساغا إلّا بين يديه، فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشدّ من الأولى، فنال من أبي سعيد ثمّ دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من النّاس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنّما هوشيطان» ) «1» .


18-* (عن عليّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ستر ما بين أعين الجنّ وعورات بني آدم، إذا دخل الكنيف، أن يقول: بسم الله» ) * «2» .

19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كلّ أمّتي معافى إلّا المجاهرين. وإنّ من الإجهار أن يعمل العبد باللّيل عملا، ثمّ يصبح قد ستره ربّه، فيقول: يا فلان! قد عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربّه. فيبيت يستره ربّه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» ) * «3» .

20-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يستر عبد عبدا في الدّنيا، إلّا ستره الله يوم القيامة» ) * «4» .

21-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» ) * «5» .

22-* (عن عديّ بن حاتم- رضي الله عنه- قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من استطاع منكم أن يستتر من النّار ولو بشقّ تمرة فليفعل» ) * «6» .

23-* (عن أبي كثير مولى عقبة بن عامر عن عقبة بن عامر- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من رأى عورة فسترها كان كمن استحيا موءودة من قبرها» ) * «7» .

24-* (عن عبد الله- رضي الله عنه- قال:

جاء رجل إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إنّي عالجت امرأة «8» في أقصى المدينة. وإنّي أصبت منها ما دون أن أمسّها «9» .

فأنا هذا. فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت نفسك. قال: فلم يردّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شيئا. فقام الرّجل فانطلق.

فأتبعه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجلا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ «10» إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ* (هود/ 114) .


فقال رجل من القوم: يا نبيّ الله! هذا له خاصّة؟ قال:

«بل للنّاس كافّة «11» » ) * «12» .

الأحاديث الواردة في (الستر) معنى

25-* (عن أبي بكر- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعثه ببراءة لأهل مكّة: لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنّة إلّا نفس مسلمة، من كان بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مدّة فأجله إلى مدّته، والله بريء من المشركين ورسوله، قال فسار بها ثلاثا، ثمّ قال لعليّ- رضي الله- تعالى عنه-: الحقه فردّ عليّ أبا بكر وبلّغها أنت، قال:

ففعل، قال: فلمّا قدم على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر بكى، قال: يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال: «ما حدث فيك إلّا خير، ولكن أمرت أن لا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي» ) * «1» .

26-* (عن جرهد الأسلميّ عن أبيه- رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّ به وهو كاشف عن فخذه فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «غطّ فخذك؛ فإنّها من العورة» ) * «2» .

27-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إيّاكم والتّعرّي؛ فإنّ معكم من لا يفارقكم إلّا عند الغائط، وحين يفضي الرّجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم» ) * «3» .

28-* (عن هزيل، قال: جاء رجل- قال عثمان: سعد- فوقف على باب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستأذن، فقام على الباب (قال عثمان) مستقبل الباب، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هكذا- عنك- أو هكذا؛ فإنّما الاستئذان من النّظر» ) * «4» .

29-* (عن المسور بن مخرمة- رضي الله عنه- قال: حملت حجرا ثقيلا، فبينا أمشي فسقط عنّي ثوبي، فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خذ عليك ثوبك ولا تمشوا عراة» ) * «5» .

30-* (عن أبي المليح، قال: دخل نسوة من أهل الشّام على عائشة رضي الله عنها فقالت: ممّن أنتنّ؟ قلن:

من أهل الشّام، قالت: لعلّكنّ من الكورة الّتي تدخل نساؤها الحمّامات؟ قلن: نعم، قالت: أما إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من امرأة تخلع ثيابها» في غير بيتها إلّا هتكت ما بينها وبين الله تعالى» ) * «7» .

31-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- قال:

رأيتني أنا والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نتماشى، فأتى سباطة قوم «1» خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذت منه «2» ، فأشار إليّ فجئته، فقمت عند عقبه حتّى فرغ» ) * «3» .

32-* (عن عبد الرّحمن بن أبي سعيد الخدريّ عن أبيه- رضي الله عنهما- قال: «لا ينظر الرّجل إلى عرية الرّجل، ولا المرأة إلى عرية المرأة، ولا يفضي الرّجل إلى الرّجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب» ) * «4» .

33-* (عن جابر- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل الحمّام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل حليلته الحمّام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها بالخمر» ) * «5» .

34-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن اشتمال الصّمّاء «6» ، وأن يحتبي الرّجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء» ) * «7» .

35-* (عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا. ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك.

إلّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» قال قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يرينّها أحد، فلا يرينّها» قال قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا؟ قال «الله أحقّ أن يستحيا منه من النّاس» ) * «8» .


36-* (عن أبي أمامة- رضي الله عنه- قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد، ونحن قعود معه إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله! إنّي أصبت حدّا.

فأقمه عليّ، فسكت عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ثمّ أعاد فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت حدّا. فأقمه عليّ.

فسكت عنه. وأقيمت الصّلاة. فلمّا انصرف نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم. قال أبو أمامة: فاتّبع الرّجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين انصرف. واتّبعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

أنظر ما يردّ على الرّجل. فلحق الرّجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت حدّا فأقمه عليّ. قال أبو أمامة: فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضّأت فأحسنت الوضوء؟» قال: بلى.

يا رسول الله، قال: «ثمّ شهدت الصّلاة معنا؟» فقال:

نعم. يا رسول الله. قال: فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فإنّ الله قد غفر لك حدّك، أو قال ذنبك» ) * «1» .

37-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها «2» لزوجها كأنّه ينظر إليها» ) * «3» .

38-* (عن أبي برزة الأسلميّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم؛ فإنّه من اتّبع عوراتهم، يتّبع الله عورته، ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته» ) * «4» .


المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الستر)

39-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّ أبا بكر دخل عليها. وعندها جاريتان في أيّام منى «5» تغنّيان وتضربان. ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسجّى بثوبه «6» .

فانتهرهما أبو بكر. فكشف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنه وقال:

«دعهما يا أبا بكر! فإنّها أيّام عيد» وقالت: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون. وأنا جارية. فاقدروا قدر الجارية العربة الحديثة السّنّ «7» ) * «8» .

40-* (عن ابن عبد الله بن الحارث؛ أنّ أباه عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: سألت وحرصت على أن أجد أحدا من النّاس يخبرني أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبّح سبحة الضّحى. فلم أجد أحدا يحدّثني ذلك.

غير أنّ أمّ هانىء بنت أبي طالب، أخبرتني؛ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتى، بعد ما ارتفع النّهار، يوم الفتح، فأتي بثوب فستر عليه. فاغتسل. ثمّ قام فركع ثماني ركعات.


لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده. كلّذلك منه متقارب. قالت: فلم أره سبّحها قبل ولا بعد) * «1» .

41-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، صلّى العيد بالمصلّى مستترا بحربة) * «2»

42-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّ صفيّة وقعت في سهم دحية الكلبيّ، فقيل يا رسول الله! قد وقعت في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسبعة أرؤس فجعلها عند أمّ سليم، حتّى تهيّأ وتعتدّ فيما يعلم حمّاد، فقال النّاس: والله ما ندري أتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو تسرّاها فلمّا حملها سترها وأردفها خلفه فعرف النّاس أنّه قد تزوّجها، فلمّا دنا من المدينة أوضع النّاس وأوضع رسول الله «3» صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك كانوا يصنعون، فعثرت النّاقة فخرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخرّت معه وأزواج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينظرن، فقلن: أبعد الله اليهوديّة وفعل بها وفعل، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسترها وأردفها خلفه) «4» .


43-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض) * «5» .

44-* (عن جابر- رضي الله عنه- قال:

سرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى نزلنا واديا أفيح «6» .

فذهب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقضي حاجته فاتّبعته بإداوة من ماء. فنظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم ير شيئا يستتر به.

فإذا شجرتان بشاطيء الوادي «7» فانطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «8» الّذي يصانع قائده حتّى أتى الشّجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها.


فقال «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كذلك. حتّى إذا كان بالمنصف «9» ممّا بينهما، لأم «10» بينهما (يعني جمعهما) فقال: «التئما عليّ بإذن الله» . فالتأمتا.

قال جابر: فخرجت أحضر «11» مخافة أن يحسّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقربي فيبتعد (وقال محمّد ابن عبّاد: فيتبعّد) فجلست أحدّث نفسي.


فحانت منّي لفتة «1» ، فإذا أنا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقبلا.

وإذا الشّجرتان قد افترقتا. فقامت كلّ واحدة منهما على ساق. فرأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقف وقفة. فقال برأسه هكذا (وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينا وشمالا) ثمّ أقبل. فلمّا انتهى إليّ قال:

«يا جابر هل رأيت مقامي؟» قلت: نعم. يا رسول الله قال: «فانطلق إلى الشّجرتين فاقطع من كلّ واحدة منهما غصنا. فأقبل بهما. حتّى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» .

قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته «2» . فانذلق «3» لي. فأتيت الشّجرتين فقطعت من كلّ واحدة منهما غصنا. ثمّ أقبلت أجرّهما حتّى قمت مقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري. ثمّ لحقته فقلت: قد فعلت.

يا رسول الله! فعمّ ذاك؟ قال: «إنّي مررت بقبرين يعذّبان. فأحببت، بشفاعتي، أن يرفّه عنهما» ، ما دام الغصنان رطبين» ) * «5» .

45-* (عن أبي السّمح- رضي الله عنه- قال: كنت أخدم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فكان إذا أراد أن يغتسل قال «ولّني قفاك» فأولّيه قفاي، وأنشر الثّوب فأستره به» ) * «6» .

46-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: لمّا انقضت عدّة زينب «7» قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لزيد «8» :

«فاذكرها عليّ «9» » قال: «فانطلق زيد حتّى أتاها وهي تخمّر عجينها «10» قال: فلمّا رأيتها عظمت في صدري «11» حتّى ما أستطيع أن أنظر إليها أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكرها.

فولّيتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب أرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكرك. قالت:

ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي. فقامت إلى مسجدها «1» ونزل القرآن «2» . وجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدخل عليها بغير إذن.

قال: فقال: «ولقد رأيتنا «3» أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أطعمنا الخبز واللّحم حين امتدّ النّهار «4» . فخرج النّاس وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطّعام. فخرج رسول الله واتّبعته.

فجعل يتتبّع حجر نسائه يسلّم عليهنّ. ويقلن:

يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أنّ القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتّى دخل البيت.

فذهبت أدخل معه فألقى السّتر بيني وبينه. ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به. زاد ابن رافع في حديثه: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ «5» ؛ إلى قوله:

وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (الأحزاب/ 53)) * «6» .

47-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- عن ميمونة بنت الحارث- رضي الله عنها- قالت:

وضعت لرسول الله غسلا وسترته فصبّ على يده فغسلها مرّة أو مرّتين قال سليمان: لا أدري أذكر الثّالثة أم لا ثمّ أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه، ثمّ دلّك يده بالأرض أو بالحائط، ثمّ تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه وغسل رأسه، ثمّ صبّ على جسده، ثمّ تنحّى فغسل قدميه، فناولته خرقة فقال بيده هكذا، ولم يردها) * «7» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الستر)

1-* (عن أبي بكر الصّدّيق- رضي الله عنه- أنّه قال: «لو أخذت سارقا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شاربا لأحببت أن يستره الله عزّ وجلّ» ) * «8» .

2-* (عن أبي مسلمة بن عبد الرّحمن- رضي الله عنه- قال: «دخلت على عائشة، أنا وأخوها من الرّضاعة. فسألتها عن غسل النّبيّ من الجنابة؟ فدعت بإناء قدر الصّاع. فاغتسلت. وبيننا وبينها ستر.

وأفرغت على رأسها ثلاثا. قال: وكان أزواج النّبيّ يأخذن من رؤوسهنّ حتّى تكون كالوفرة «9» » ) * «10» .

3-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: لمّا أرادوا غسل النّبيّ قالوا: والله ما ندري أنجرّد رسول الله من ثيابه كما نجرّد موتانا أم نغسّله وعليه ثيابه؟ فلمّا اختلفوا ألقى الله عليهم النّوم حتّى ما منهم رجل إلّا وذقنه في صدره، ثمّ كلّمهم مكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النّبيّ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله فغسّلوه وعليه قميصه يصبّون الماء فوق القميص ويدلّكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسّله إلّا نساؤه» ) * «1» .


4-* (عن مريم بنت طارق: أنّ امرأة قالت لعائشة: يا أمّ المؤمنين إنّ كريّا «2» أخذ بساقي وأنا محرمة فقالت حجرا حجرا حجرا «3» وأعرضت بوجهها وقالت بكفّها «4» وقالت: يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكنّ ذنبا فلا تخبرنّ به النّاس ولتستغفرنّ الله ولتتب إليه فإنّ العباد يعيّرون ولا يغيّرون والله تعالى يغيّر ولا يعيّر» ) * «5» .

5-* (عن الحارث بن معاوية الكنديّ: أنّه ركب إلى عمر بن الخطّاب يسأله عن ثلاث خلال، قال:

فقدم المدينة فسأله عمر: ما أقدمك؟ قال: لأسألك عن ثلاث خلال، قال: وما هنّ؟ قال: ربّما كنت أنا والمرأة في بناء ضيّق فتحضر الصّلاة، فإن صلّيت أنا وهي كانت بحذائي، وإن صلّت خلفي خرجت من البناء، فقال عمر: تستر بينك وبينها، بثوب، ثمّ تصلّي بحذائك إن شئت، وعن الرّكعتين بعد العصر؟ فقال:

نهاني عنهما رسول الله، قال: وعن القصص فإنّهم أرادوني على القصص؟ فقال: ما شئت، كأنّه كره أن يمنعه، قال: إنّما أردت أن أنتهي إلى قولك، قال: أخشى عليك أن تقصّ فترتفع عليهم في نفسك، ثمّ تقصّ فترتفع حتّى يخيّل إليك أنّك فوقهم بمنزلة الثّريّا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك» ) * «6» .

6-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

«من أطفأ على مؤمن سيّئة فكأنّما أحيا موءدة» ) * «7» .

7-* (عن العلاء بن بدر قال: «لا يعذّب الله قوما يسترون الذّنوب» ) * «8» .

8-* (عن الضّحّاك في قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً (لقمان/ 20) قال: «أمّا الظّاهرة فالإسلام والقرآن. وأمّا الباطنة فما يستر من العيوب» ) * «9» .

9-* (عن الحسن البصريّ أنّه قال: «من كان بينه وبين أخيه ستر فلا يكشفه» ) * «10» .

10-* (قال ابن تيميّة: «فإنّ المرأة لو صلّت وحدها كانت مأمورة بالاختمار» ) * «11» .

11-* (وقال: وأمر النّساء خصوصا بالاستتار، وأن لا يبدين زينتهنّ إلّا لبعولتهنّ، ومناستثناه الله تعالى في الآية، فما ظهر من الزّينة هو الثّياب الظّاهرة. فهذا لا جناح عليها في إبدائها. إذا لم يكن في ذلك محذور آخر) * «1» .

12-* (عن عوف الأحمسيّ قال: كان يقال:

«من سمع بفاحشة، فأفشاها، كان فيها كالّذي بدأها» ) * «2» .

13-* (عن قبيصة بن عقبة قال: بلغ داود الطّائيّ أنّه ذكر عند بعض الأمراء فأثنى عليه، فقال:

إنّما نتبلّغ بستره بين خلقه، ولو يعلم النّاس بعض ما نحن فيه ما ذلّ لنا لسان أن نذكر بخير أبدا» ) * «3» .

14-* (عن أبي الشّعثاء قال: كان شرحبيل ابن السّمط على جيش، قال: فقال: إنّكم نزلتم أرضا فيها نساء وشراب، فمن أصاب منكم حدّا فليأتنا حتّى نطهّره، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب، فكتب إليه: «لا أمّ لك تأمر قوما ستر الله عليهم أن يهتكوا ستر الله عليهم» ) *» .

15-* (عن عثمان بن أبي سودة قال: لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر الله تعالى، قيل: وكيف يهتك ستر الله؟ قال: «يعمل الرّجل الذّنب فيستره الله عليه فيذيعه في النّاس» ) * «5» .

16-* (عن علّام بن مسقين، قال: سأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد: «رجل علم من رجل شيئا، أيفشي عليه؟، قال: يا سبحان الله! لا» ) * «6» .

() من فوائد (الستر)

(1) السّتر صفة في الإنسان يحبّها الله- عزّ وجلّ-.

(2) إنّ من مقتضى أسمائه الحسنى السّتر فهو ستّير يحبّ أهل السّتر.

(3) العبد إذا فعل المعصية واسترجع ستره الله في الدّنيا وذكّره بها في الآخرة ثمّ عفا عنه.

(4) السّتر يطفأ نار الفساد المتأجّجة في المجتمع.

(5) السّاتر لعيوب النّاس يرى في نفسه سعادة وسرورا.

(6) السّاتر لعيوب نفسه يسلم من ألسنة النّاس وسخط الله- عزّ وجلّ-.

(7) السّتر علاج اجتماعي جميل يختفي تحته كثير من أمراض المجتمع ثمّ لا تنتشر.

(8) السّتر يثمر حسن الظّنّ بالله تعالى وبالنّاس.

(9) من ستر عيب غيره ستره الله في الدّنيا والآخرة.

(10) قد يؤدّي ستر عيوب النّاس إلى المحبّة والتّعاطف بينهم.

(11) كتم الأسرار نوع من السّتر يحمد عليها صاحبها من النّاس ومن الله سبحانه.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٣ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٣:١٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٦٨٥ مرة.