أدوات شخصية
User menu

السخرية

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


السخرية لغة

هي الاسم من الفعل «سخر» والمصدر من ذلك هو «السخر، والمسخر والسخر بالضم، قال أعشى باهلة:

إني أتتني لسان لا أسر بها ... من علو، لا عجب منه ولا سخر «1» وكل ذلك مأخوذ من مادة «س خ ر» التي تدل على «احتقار واستذلال» ومن ذلك أيضا قولهم: سخر الله- عز وجل- الشيء، وذلك إذا ذلله لأمره وإرادته، ومن الباب سخرت منه: إذا هزئت به «2» ، وفي كتاب الله- عز وجل-: فإنا نسخر منكم كما تسخرون (هود/ 38) ، وقال الجوهري يقال سخرت منه وسخرت به كما يقال: ضحكت منه، وبه، وهزئت منه، وبه «3» .

وقال الفراء: يقال سخرت منه ولا يقال:

سخرت به، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم (الحجرات/ 11) ، قال: وسخرت منه هي اللغة الفصيحة وقول الراعي:

تغير قومي ولا أسخر ... وما حم من قدر يقدر المعنى: لا أسخر منهم «4» وفي الحديث «أتسخر مني وأنت الملك أي أتستهزيء بي.

وقال الفيروزابادي: سياقة إلى الغرض المختص به قهرا، والمسخر هو المقيض للفعل، والسخري: هو الذي يقهر لنا بإرادته، وسخرت منه:

أي سخرته للهزء منه، ويقال: رجل سخرة لمن يسخر كبرا، وسخرة كصبرة لمن يسخر منه. والسخرية أيضا فعل الساخر «5» .

وقول الله- عز وجل-: فاتخذتموهم سخريا (المؤمنون/ 110) بالضم والكسر «6» ، حمل على التسخير وعلى السخرية، ويدل على الوجه الثاني (السخرية) قوله بعده وكنتم منهم تضحكون (المؤمنون/ 110) «7» ، وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: فرق أبو عمرو بينهما (أي بين القراءتين) فجعلالمكسورة من جهة التهزؤ، والمضمومة من جهة السخرة، وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد كما يقال عصي وعصي، وحكى القرطبي عن بعضهم أن الكسر (سخريا) بمعنى: الاستهزاء والسخرية بالقول. والضم (سخريا) بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل «1» .

والاستسخار، أن يدعو بعض الناس بعضا إلى السخرية، وبهذا فسر قول الله تعالى:

وإذا رأوا آية يستسخرون (الصافات/ 14) قال الرماني معناه يدعو بعضهم بعضا إلى أن يسخر (بها) ، وقيل المعنى يسخرون، كما في قولهم: علا قرنه واستعلاه، وعجب من كذا واستعجب «2» ، وعلى هذا يكون معنى قول الله تعالى: يستسخرون يسخرون ويستهزئون «3» ، يقول العلامة ابن كثير في تفسير هذه الآية:

يستسخرون: يستهزئون (عن قتادة ومجاهد) «4» ، وقال أبو حيان: يكون استسخر هنا بمعنى المجرد (أي سخر) وقيل فيه معنى الطلب «5» أي يطلبون أن يكونوا ممن يسخرون «6» ، وقال بعضهم: المعنى هنا هو المبالغة أي إنهم يبالغون في السخرية «7» .

ويقال رجل سخرة، أي يسخر في الأعمال يتسخره من قهره، وكل ما ذل وانقاد أو تهيأ لك على ما تريد فقد سخر لك «8» .

السخرية اصطلاحا

قال المناوي: السخرية هي استزراء العقل معنى، بمنزلة التسخير «9» في الفعل حسا، ونقل عن ابن الكمال قوله: السخرية تكون من شيء يحق عند صاحبه ولا يحق عند الساخر «10» .

الفرق بين السخرية والهزء

تغاضى بعض العلماء عن الفرق الدقيق بين السخرية والاستهزاء الذي هو ارتياد الهزء فقال: إن السخرية والاستهزاء معناهما واحد «11» وعلى ذلك فسر كثيرون: السخرية بالاستهزاء «12» .

ولكن الواقع اللغوي وتأمل ما ورد من ذلك في القرآن الكريم يشيران إلى وجود نوع من الفرق بينهما، حتى وإن كان هذا الفرق قد يتناسى أحيانا فيستعمل أحدهما في المعنى الذي يستعمل فيه الآخر، ويتمثل هذا الفرق في أن الهزء: هو إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه «13» ، أي أنه يكون بالقول المصحوب بسوء النية، ولا يشترط فيه أنيسبقه فعل من أجله يستهزأ بصاحبه من أجل ذلك الفعل، أما السخرية فإنها تكون بالفعل أو بالإشارة.

وتكون بالقول «1» ، ويسبقها في العادة فعل من أجله يسخر بصاحبه، ويتلخص من ذلك أن بينهما فرقا من جهتين «2» : الأولى السخرية تكون بالفعل وبالقول، والهزء لا يكون إلا بالقول، الثانية: أن السخرية يسبقها عمل من أجله يسخر بصاحبه، أما الاستهزاء فلا يسبقه ذلك «3» .

الهمز واللمز من السخرية

قال القرطبي: قال سفيان الثوري: الهمزة:

الذي يهمز بلسانه، واللمزة: الذي يلمز بعينيه، وقال ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ واللمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه «4» (سخرية به) .

ويقول يحيى المعلمي: الهمز: هو السخرية من الناس بالإشارة كتحريك اليد قرب الرأس إشارة إلى الوصف بالجنون، أو الوغض بالعين رمزا للاستخفاف، أو نحو ذلك من الحركات واللمز: هو السخرية من الناس بالقول، كتسمية الشخص باسم يدل على عاهة فيه أو مرض، أو اتهامه بخليقة سيئة، أو التعريض بذلك «5» .

التنابز بالألقاب من السخرية

قال الطبري- رحمه الله تعالى- التنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله بنهيه ذلك، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، وغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو صفة يكرهها «6» ، ولما كانت آية السخرية يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم.... (الحجرات/ 11) ، فيما يقوله أنس وابن زيد في نساء النبي صلى الله عليه وسلم عيرن صفية بالقصر وقيل: نزلت في عائشة- رضي الله عنها أشارت بيدها إلى صفية، (قائلة) يا نبي الله إنها لقصيرة، وقال عكرمة وابن عباس أن صفية بنت حيي قالت: يا رسول الله: إن النساء يعيرنني ويقلن لي: يا يهودية «7» .. إلخ الحديث.

كل ذلك يدل على أن التنابز بالألقاب إنما هو داخل في مفهوم السخرية، كما دخل فيها مفهوم الهمز واللمز.

ومن ثم يكون ذكر اللمز والتنابز بعد ذكرالسخرية من قبيل ذكر الخاص بعد العام، اهتماما به، ونظير ذلك قول الله تعالى: فيهما فاكهة ونخل ورمان (الرحمن/ 68) إذ النخل والرمان من الفاكهة أيضا.

التهكم والتعيير

المراد بالتهكم: ما كان ظاهره جدا وباطنه هزلا، يقول الكفوي: ولا تخلو ألفاظ التهكم من لفظ من الألفاظ الدالة على الذم أو لفظة معناها الهجو «1» .

ومن ثم كان التهكم من السخرية، أما التعيير بالفقر أو الذنب أو العلة أو ما شابه ذلك فقد نصوا على أنه من السخرية، يقول الإمام الطبري: «عم الله بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك» «2» .

حكم السخرية

يفهم من نهي المولى عز وجل عن السخرية بأنواعها المختلفة أنها حرام، يقول الإمام السفاريني:

وتحرم السخرية والهزء لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ... الآية «3» ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك في مواضع عديدة «4» .

[للاستزادة: انظر صفات: الاستهزاء- الإساءة- التحقير- سوء الخلق- الغرور- الكبر والعجب- المن- الأذى- الهجاء- سوء المعاملة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: تكريم الإنسان البشاشة- حسن الخلق- الرأفة- الرحمة- الصفح طلاقة الوجه- المحبة- النصيحة- الأدب- حسن المعاملة- حسن العشرة] .

الآيات الواردة في «السخرية»

1- زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) «1»

2- ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) «2»

3- الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) «3»

4- وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) «4»

5- ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (41) «5»

6- ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) «6»

7- بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) «1»

8- وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63) «2»

9- واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) «3»

10- يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) «4»

الآيات الواردة في «السخرية» معنى

11- ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (58) «5»

12- ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) «6»

13- إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) «7»

14- ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) «8»

الأحاديث الواردة في ذم (السخرية)

1-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا، رجل يخرج من النار حبوا «1» ، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة.

فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة: قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا- فيقول تسخر مني (أو تضحك مني) وأنت الملك؟» . فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه «2» . وكان يقال:

ذلك أدنى أهل الجنة منزلة) * «3» .

2-* (عن أم هانيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: وتأتون في ناديكم المنكر (العنكبوت/ 29) قال: «كانوا يخذفون «4» أهل الأرض ويسخرون منهم» ) * «5» .

3-* (عن يعلى بن أمية قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه جبة وعليه درع من زعفران، فقال: يا رسول الله، إني أحرمت فيما ترى، والناس يسخرون مني وأطرق هنيهة، قال: ثم دعاه، فقال:

«اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك هذا الزعفران، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» ) * «6» .

4-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق الأرز «7» فليكن مثله» ، قالوا: يا رسول الله، وما صاحب فرق الأرز؟.

قال: «خرج ثلاثة فغيمت عليهم السماء، فدخلوا غارا، فجاءت صخرة من أعلى الجبل حتى طبقت «8» الباب عليهم، فعالجوها، فلم يستطيعوها، فقال بعضهم لبعض: لقد وقعتم في أمر عظيم، فليدع كل رجل بأحسن ما عمل، لعل الله تعالى أن ينجينا من هذا.

فقال أحدهم: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت أحلب حلابهما، فأجيئهما وقد ناما، فكنت أبيت قائماوحلابهما على يدي، أكره أن أبدأ بأحد قبلهما، أو أن أوقظهما من نومهما، وصبيتي يتضاغون «1» حولي، فإن كنت تعلم أني إنما فعلته من خشيتك فافرج عنا. قال:

فتحركت الصخرة، قال: وقال الثاني: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم لم يكن شيء مما خلقت أحب إلي منها، فسمتها نفسها «2» ، فقالت: لا والله دون مائة دينار، فجمعتها، ودفعتها إليها، حتى إذا جلست منها مجلس الرجل، فقالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه «3» ، فقمت عنها. فإن كنت تعلم أن ما فعلته من خشيتك فافرج عنا.

قال: فزالت الصخرة حتى بدت السماء، وقال الثالث: اللهم إنك تعلم أني كنت استأجرت أجيرا بفرق من أرز، فلما أمسى عرضت عليه حقه فأبى أن يأخذه، وذهب وتركني، فتحرجت منه، وثمرته له، وأصلحته، حتى اشتريت منه بقرا وراعيها، فلقيني بعد حين، فقال: اتق الله، وأعطني أجري، ولا تظلمني، فقلت، انطلق إلى ذلك البقر وراعيها فخذها، فقال: اتق الله، ولا تسخر بي، فقلت: إني لست أسخر بك، فانطلق فاستاق ذلك، فإن كنت تعلم أني إنما فعلته ابتغاء مرضاتك خشية منك فافرج عنا، فتدحرجت الصخرة، فخرجوا يمشون» ) * «4» .

5-* (عن عبد الرحمن بن يزيد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: إني لأرى صاحبكم يعلمكم كيف تصنعون، حتى إنه ليعلمكم إذا أتى أحدكم الغائط. قال: قلت نعم، أجل ولو سخرت، بأنه ليعلمنا كيف يأتي أحدنا الغائط، وإنه ينهانا أن يستقبل أحدنا القبلة وأن يستدبرها، وأن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن يتمسح أحدنا برجيع ولا عظم، وأن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) * «5» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن (السخرية)

6-* (عن عائشة رضي الله عنها- قالت:

قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا.

قال- غير مسدد «6» - تعني قصيرة. فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» . قالت:

وحكيتله إنسانا، فقال: ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا» ) * «1» .

7- عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال:

إني ساببت رجلا «2» فعيرته بأمه «3» ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم:

«يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية «4» .

إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» ) * «5» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذم (السخرية)

1-* (في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ... الآية.

قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، كان في أذنه وقر، فإذا سبقوه إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أو سعوا له إذا أتى حتى يجلس إلى جنبه ليسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته من صلاة الفجر ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أخذ أصحابه مجالسهم منه، فربض كل رجل منهم بمجلسه، وعضوا فيه «6» فلا يكاد يوسع أحد لأحد، حتى يظل الرجل لا يجد مجلسا فيظل قائما. فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا، تفسحوا، ففسحوا له حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسح، فقال له الرجل: قد وجدت مجلسا فاجلس.

فجلس ثابت من خلفه مغضبا، ثم قال: من هذا؟ قالوا: فلان. فقال ثابت:

ابن فلانة! يعيره بها، يعني أما له في الجاهلية، فاستحيا الرجل. فنزلت) * «7» .

2-* (وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم، كانوا يستهزئون بفقراء الصحابة مثل عمار، وخباب.

وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم- مولى أبي حذيفة-، وغيرهم، لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا منهم) * «8» . 3-* (وقيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلما، وكان المسلمون إذا رأوه قالوا:

ابن فرعون هذه الأمة. فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت) * «9» .

4-* (قال الطبري في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم.. الآية: يقول- تعالى ذكره-: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين عسى أن يكونوا خيرا منهم أي المهزوء منهم خير من الهازئين، ولا نساء من نساء أي: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات عسى المهزوء منهن أن يكن خيرا من الهازئات) * «1» .

5-* (وقال الطبري في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم.. الآية.

« ... إن الله عم بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن، لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك» ) * «2» .

6-* (وقال في قوله تعالى.. ولا تلمزوا أنفسكم.. أي: ولا يغتب بعضكم بعضا أيها المؤمنون، ولا يطعن بعضكم على بعض.

وقال: ولا تلمزوا أنفسكم فجعل اللامز أخاه لامزا نفسه، لأن المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضهم لبعض من تحسين أمره وطلب صلاحه ومحبته الخير ولذلك روي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

«المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر» ) * «3» .

7-* (روي عن أنس وعكرمة بن عباس- رضي الله عنهم- أن قوله- تعالى- ولا نساء من نساء نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب، أم المؤمنين- رضي الله عنها- أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن النساء يعيرنني، ويقلن لي: يا يهودية بنت يهوديين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلا قلت إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد» فأنزل الله هذه الآية) * «4» .

8-* (قال الطبري في قوله تعالى: ولا تنابزوا بالألقاب اختلف أهل التأويل في الألقاب التي نهى الله عن التنابز بها في هذه الآية: فقال بعضهم: عنى بها الألقاب التي يكره النبز بها الملقب، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية، فلما أسلموا نهوا أن يدعو بعضهم بعضا بما يكره من أسمائه التي كان يدعى بها في الجاهلية.

وقال آخرون: بل ذلك قول الرجل المسلم للرجل المسلم: يا فاسق، يا زاني.

وقال آخرون: بل ذلك تسمية الرجل الرجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسوق والأعمال القبيحة بعد التوبة.. ثم قال: والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله- تعالى ذكره- نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب، والتنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاهباسم يكرهه أو صفة يكرهها) * «1» .

9-* (وفي قوله تعالى.. ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن قال القرطبي: أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر.

وقال: قال المفسرون: نزلت في امرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سخرتا من أم سلمة، وذلك أنها ربطت خصريها بسبيبة- وهو ثوب أبيض- وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجرها، فقالت عائشة لحفصة رضي الله عنهما-: انظري! ما تجر خلفها كأنه لسان كلب، فهذه كانت سخريتهما) * «2» .

10-* (قال القرطبي عند تفسير يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم.. وبالجملة فينبغي ألا يجتريء أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرا، وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله، والاستهزاء بمن عظمه الله.

ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع.

وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا «3» .

زاد في نزهة الفضلاء: «وإني لأكره أن أرى الرجل فارغا ليس في عمل آخرة ولا دنيا» ) *.

11-* (قال النيسابوري في قوله تعالى: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون الآية (المطففين/ 29) قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل، والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين «4» .

وقيل: جاء علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا:

رأينا اليوم الأصلع، فضحكوا منه، فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي- كرم الله وجهه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم) * «5» .

12-* (قال الطبري في تفسيره الآيات إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون.. الآيات.

إن الذين اكتسبوا المآثم فكفروا بالله في الدنيا كانوا فيها من الذين أقروا بوحدانية الله وصدقوا به يضحكون استهزاء منهم بهم، وكان هؤلاء الذينأجرموا إذا مر الذين آمنوا بهم يتغامزون: أي يغمز بعضهم بعضا بالمؤمن استهزاء به وسخرية) * «1» .

13-* (قال القرطبي في قول الله تعالى:

فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري (المؤمنون/ 110) .

يستفاد من هذا: التحذير من السخرية والاستهزاء بالضعفاء والمساكين والاحتقار لهم والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يعني، وأن ذلك مبعد من الله عز وجل) * «2» .

14-* (وقال بعضهم: لو سخرت من راضع لخشيت أن يجوز بي فعله) * «3» .

15- قال العلامة الشيخ مرعي في أقاويل الثقات: الاستهزاء من باب العبث والسخرية، فمعنى يستهزيء بهم أي يجازيهم على استهزائهم، وهو من باب المشاكلة في اللفظ ليزدوج الكلام ك وجزاء سيئة سيئة مثلها، نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

والمعنى: يعاملهم معاملة المستهزيء، أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم، واستدراجهم بالإمهال. وأما في الآخرة فيروى أنه يفتح لأحدهم باب الجنة فيسرع نحوه، فإذا سار إليه سد دونه، ثم يفتح له باب آخر، فإذا أقبل عليه سد دونه. وهذا الذي قاله على طريقة الخلف. وأما مذهب السلف فلا يؤولون ولا يكيفون فيؤمنون بما أخبر، لا كما يخطر في أوهام البشر) * «4» . 16-* (قال الشاعر:

المرء إن كان عاقلا ورعا ... أشغله عن عيوبه ورعه كما السقيم المريض يشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه ) * «5» .

17-* (وقال آخر:

لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله سترا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا ) * «6» .

18-* (عن أسير بن جابر أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس، فقال عمر: هل ههنا أحد من القرنيين؟ فجاء ذلك الرجل فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه، إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم) * «7» .

من مضار (السخرية)

(1) في السخرية مخالفة صريحة لأمر الله عز وجل ثم هي جالبة لسخطه مستوجبة لعذابه.

(2) السخرية تفكك عرى المجتمع وتجعل المستسخر به ناقما على الساخر متربصا به يحاول الانتقام لنفسه.

(3) السخرية نذير شؤم للساخرين، فقد كان الغرق عاقبة قوم نوح الذين كفروا بالله وسخروا من نوح.

(4) السخرية تفقد الساخر الوقار وتسقط عنه المروءة.

(5) الساخر يظلم نفسه بتحقير من وقره الله عز وجل واستصغار من عظمه الله.

(6) السخرية انتهاك صريح لحقوق الإنسان عامة، ومخلة بمبدأ تكريم الإنسان على وجه الخصوص.

(7) السخرية تميت القلب وتورثه الغفلة حتى إذا كان يوم القيامة ندم الساخر على ما قدمت يداه، ولات ساعة مندم أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (انظر الآية رقم 9) .

(8) السخرية من سمات الكفار والمنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم.

(9) في ارتكاب السخرية اقتراف أمر محرم نهى عنه الشرع الحنيف (انظر حكم السخرية) .

(10) الساخرون من الناس في الدنيا، يسخر منهم الله عز وجل، وأنبياؤه الكرام (انظر الآيات 3، 4) .

(11) السخرية تنسي الإنسان ذكر ربه، وبذلك يخسر الساخر نفسه ويلقي بها في النار (انظر الآية 6) .

(12) السخرية داء من أدواء الجاهلية يجب تجنبه والبعد عنه.

(13) اللامز لأخيه المؤمن الساخر منه، إنما يلمز نفسه ويسخر منها لأن المؤمنين كرجل واحد.

(14) السخرية وما في معناها من الاستهزاء بالضعفاء والمساكين والتحقير لهم والإزراء عليهم، كل ذلك مبعد من الله عز وجل (انظر الأثر رقم 13) .

(15) على الساخر أن يتوقع عقوبته في الدار العاجلة أيضا بأن يحدث له مثل ما حدث للمسخور منه.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ٤٬٤٥٢ مرة.