أدوات شخصية
User menu

السلم

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


السلم لغة

السّلم (بفتح السين وكسرها) مأخوذ من مادّة (س ل م) الّتي تدلّ على الصّحّة والعافية في كلّ ما اشتقّ منها، قال ابن فارس: ومن هذا الباب: السّلم بمعنى الصّلح، وهو يذكّر ويؤنّث، قال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (الأنفال/ 61) وقال الرّاغب: السّلم والسّلامة: التّعرّي من الآفات الظّاهرة والباطنة، والسّلام والسّلم والسّلم:

الصّلح، قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (النساء/ 94) قيل نزلت فيمن قتل بعد إقراره بالإسلام ومطالبته بالصّلح «1» ، وقال ابن منظور: من معاني السّلم: الاستسلام، والتّسالم: التّصالح. والمسالمة: المصالحة. وفي حديث الحديبية:

«أنّه أخذ ثمانين من أهل مكّة سلما» ؛ قال ابن الأثير:

يروى بكسر السّين وفتحها، وهما لغتان للصّلح، وهو المراد في الحديث على ما فسّره الحميديّ في غريبه؛ وقال الخطّابيّ: إنّه السّلم، بفتح السّين واللّام، يريد الاستسلام والإذعان كقوله تعالى: وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ(النساء/ 90) ؛ أي الانقياد، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع؛ قال: وهذا هو الأشبه بالقضيّة، فإنّهم لم يؤخذوا عن صلح، وإنّما أخذوا قهرا وأسلموا أنفسهم عجزا، وللأوّل وجه، وذلك أنّهم لم يجر معهم حرب، إنّما لمّا عجزوا عن دفعهم أو النّجاة منهم، رضوا أن يؤخذوا أسرى ولا يقتلوا، فكأنّهم قد صولحوا على ذلك، فسميّ الانقياد صلحا، وهو السّلم؛ ومنه كتابه بين قريش والأنصار:


وإنّ سلم المؤمنين واحد لا يسالم مؤمن دون مؤمن، أي لا يصالح واحد دون أصحابه، وإنّما يقع الصّلح بينهم وبين عدوّهم باجتماع ملئهم على ذلك؛ قال:

ومن الأوّل حديث أبي قتادة: «لآتينّك برجل سلم» أي أسير، لأنّه استسلم وانقاد. واستسلم أي انقاد.

ومنه الحديث: «أسلم سالمها الله» ، هو من المسالمة وترك الحرب، ويحتمل أن يكون دعاء وإخبارا، إمّا دعاء لها أن يسالمها الله ولا يأمر بحربها، أو أخبر أنّ الله قد سالمها ومنع من حربها. وحكي السّلم والسّلم الاستسلام وضدّ الحرب أيضا «2» .

السلام من أسماء الله- عز وجل

قال ابن منظور: السّلام الله عزّ وجلّ، اسم من أسمائه (الحسنى) لسلامته من النّقص والعيب والفناء (حكاه ابن قتيبة) ، وقيل معناه: أنّه سلم ممّا يلحق الغير من آفات الغير والفناء، وأنّه الباقي الدّائم الّذي تفنى الخلق ولا يفنى «1» .

وقال الغزاليّ: السّلام (في أسماء الله تعالى معناه) الّذي تسلم ذاته عن العيب وصفاته عن النّقص وأفعاله عن الشّرّ، حتّى إذا كان كذلك، لم يكن في الوجود سلامة إلّا وكانت معزيّة إليه، صادرة منه، وأفعاله سبحانه سالمة كلّها عن الشّرّ المطلق المراد لذاته، لا لخير حاصل في ضمنه أعظم منه.

وقال- رحمه الله تعالى- كلّ عبد سلم عن الغشّ والحقد والحسد، وسلم قلبه عن إرادة الشّرّ، وجوارحه عن الآثام والمحظورات، وسلم عقله من أسر الشّهوة والغضب، فهو الّذي يأت الله تعالى بقلب سليم، وهو السّلام من العباد، أمّا السّلام المطلق الحقّ فهو الله عزّ وجلّ وحده «2» .

واصطلاحا

قال الكفويّ: السّلم (بالكسر والسّكون) ضدّ الحرب، وهو أيضا الإسلام، والسّلم بمعنى الصّلح يفتح ويكسر، ويذكّر ويؤنّث «3» .

قال ابن كثير: السّلم: المسالمة والمصالحة والمهادنة «4» .

وقال ابن حجر: قال أبو عبيدة: السّلم والسّلم واحد وهو الصّلح.

وقال أبو عمر: والسّلم بالفتح الصّلح، والسّلم بالكسر الإسلام «5» .

قال الفيروز آباديّ: والسّلام والسّلم والسّلم:

الصّلح. وقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (النساء/ 94) قيل: نزلت فيمن قتل بعد إقراره بالإسلام ومطالبته بالصّلح «6» .

مسائل السلم

قال القرطبيّ في قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الأنفال/ 61) فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها إنّما قال «لها» لأنّ السّلم مؤنثّة. ويجوز أن يكون التّأنيث للفعلة. والجنوح الميل. يقول: إن مالوا إلى المسالمة؛ أي الصّلح، فمل إليها.

الأخرى: وقد اختلف في هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا؟ فقال قتادة وعكرمة نسخها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (التوبة/ 5) وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (التوبة/ 36) وقالا: نسخت براءةكلّ موادعة، حتّى يقولوا لا إله إلّا الله. وقال ابن عبّاس: النّاسخ لها فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ (محمد/ 35) وقيل:

ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية. وقد صالح أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في زمن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- ومن بعده الأئمّة كثيرا من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم.

وكذلك صالح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدّونه؛ من ذلك خيبر، وإن كان للمسلمين مصلحة في الصّلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدأ المسلمون (به) إذا احتاجوا إليه.

وقد صالح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل خيبر، على شروط نقضوها فنقض صلحهم. وما زالت الخلفاء والصّحابة على هذه السّبيل الّتي شرعناها سالكة، وبالوجوه الّتي شرحناها عاملة.

قال القشيريّ: إذا كانت القوّة للمسلمين فينبغي ألّا تبلغ الهدنة سنة. وإذا كانت القوّة للكفّار جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا تجوز الزّيادة.


وقال الشّافعي- رحمه الله-: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين، على ما فعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبية؛ فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة؛ لأنّ الأصل فرض قتال المشركين حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية.

ودلّ على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم، إذا رأى ذلك الإمام وجها «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: إفشاء السلام- تكريم الإنسان- العدل والمساواة- العفو- الصلح الصفح- التناصر.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الحرب والمحاربة- البغي- العدوان- الطغيان- الظلم الفتنة- التنازع] .

الآيات الواردة في «السلم»

1- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) «1»

2-* فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) »

3- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) «3»


4- إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) «1»


5- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36) «2»

الأحاديث الواردة في (السلم)

1-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّ ثمانين رجلا من أهل مكّة هبطوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من جبل التّنعيم متسلّحين. يريدون غرّة «1» النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه. فأخذهم سلما «2» .

فاستحياهم. فأنزل الله عزّ وجلّ-: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (الفتح/ 24)) * «3» .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رفع رأسه من الرّكعة الآخرة يقول:

«اللهمّ أنج عيّاش بن أبي ربيعة، اللهمّ أنج سلمة بن هشام، اللهمّ أنج الوليد بن الوليد، اللهمّ أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ اجعلها سنين كسني يوسف» .

وأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» ) * «4» .

3-* (عن طلحة بن عبيد الله- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى الهلال قال: «اللهمّ أهلّه علينا باليمن والإيمان، والسّلامة والإسلام، ربّي وربّك الله» ) * «5» .


4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

بينما نحن في المسجد خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «انطلقوا إلى يهود» ، فخرجنا حتّى جئنا بيت المدراس. فقال:

«أسلموا تسلموا، واعلموا أنّ الأرض للهّ ورسوله، وإنّي أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلّا فاعلموا أنّ الأرض للهّ ورسوله» ) * «6» .

5-* (عن عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّه سيكون بعدي اختلاف أو أمر، فإن استطعت أن تكون السّلم «7» فافعل» ) * «8» .

6-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ ومن ترك شيئا منهنّ خيفة فليس منّا» ) * «1» .

7-* (عن أبي أمامة الباهليّ- رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكان أكثر خطبته حديثا حدّثناه عن الدّجّال. وحذّرناه، فكان من قوله صلّى الله عليه وسلّم:

الحديث ... وفيه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «وإنّ أيّامه أربعون سنة. السّنة كنصف السّنة. والسّنة كالشّهر، والشّهر كالجمعة. وآخر أيّامه كالشّررة «2» .

يصبح أحدكم على باب المدينة. فلا يبلغ بابها الآخر حتّى يمسي» . فقيل له: يا رسول الله كيف نصلّي في تلك الأيام القصار؟ قال: «تقدرون فيها الصّلاة كما تقدرونها في هذه الأيّام الطّوال، ثمّ صلّوا» .

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فيكون عيسى ابن مريم عليه السّلام في أمّتي حكما «3» عدلا، وإماما مقسطا «4» . يدقّ الصّليب «5» ، ويذبح الخنزير «6»

ويضع الجزية «7» . ويترك الصّدقة «8» ، فلا يسعى «9» على شاة ولا بعير. وترفع الشّحناء والتّباغض.

وتنزع حمة «10» كلّ ذات حمة، حتّى يدخل الوليد يده في فيّ الحيّة، فلا تضرّه، وتفرّ «11» الوليدة الأسد، فلا يضرّها، ويكون الذّئب في الغنم كأنّه كلبها. وتملأ الأرض من السّلم كما يملأ الإناء من الماء.

وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلّا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضّة «12» ، تنبت نباتها بعهد آدم.

حتّى يجتمع النّفر على القطف «13» من العنب فيشبعهم. ويجتمع النّفر على الرّمّانة فتشبعهم.


ويكون الثّور بكذا وكذا، من المال. وتكون الفرس بالدّريهمات» .

قالوا: يا رسول الله وما يرخص الفرس؟ قال: «لا تركب لحرب أبدا» قيل له: فما يغلي الثّور؟ قال: «تحرث الأرض كلّها.

وإنّ قبل خروج الدّجّال ثلاث سنوات شداد، يصيب النّاس فيها جوع شديد، يأمر الله السّماء في السّنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها.


ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها. ثمّ يأمر السّماء في الثّانية، فتحبس ثلثي مطرها. ويأمر الأرض فتحبسثلثي نباتها، ثمّ يأمر الله السّماء في السّنة الثّالثة، فتحبس مطرها كلّه. فلا تقطر قطرة «1»

ويأمر الأرض فتحبس نباتها كلّه، فلا تنبت خضراء. فلا تبقى ذات ظلف «2» إلّا هلكت، إلّا ما شاء الله» .

قيل: فما يعيش النّاس في ذلك الزّمان؟ قال: «التّهليل والتّكبير والتّسبيح والتّحميد، ويجرى ذلك عليهم مجرى الطّعام» قال أبو عبد الله: سمعت أبا الحسن الطّنافسيّ يقول: سمعت عبد الرّحمن المحاربيّ يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدّب، حتّى يعلّمه الصّبيان في الكتّاب) * «3» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ينزل عيسى ابن مريم إماما عادلا، وحكما مقسطا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويرجع السّلم، ويتّخذ السّيوف مناجل وتذهب حمة كلّ ذات حمة «4» وتنزل السّماء رزقها وتخرج الأرض بركتها، حتّى يلعب الصّبيّ بالثّعبان فلا يضرّه، ويراعي الغنم الذّئب فلا يضرّها، ويراعي الأسد البقر فلا يضرّها» ) * «5» .

الأحاديث الواردة في (السلم) معنى

9-* (عن عوف بن مالك- رضي الله عنه- قال: أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك (وهو في قبّة من أدم) فقال: «اعدد ستّا بين يدي السّاعة: موتي، ثمّ فتح بيت المقدس، ثمّ موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم «6» ، ثمّ استفاضة المال حتّى يعطى الرّجل مائة دينار فيظلّ ساخطا، ثمّ فتنة لا يبقى بيت من العرب إلّا دخلته، ثمّ هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفا» ) * «7» .


10-* (عن أبي سفيان بن حرب- رضي الله عنه- أنّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش كانوا تجّارا بالشّام في المدّة الّتي مادّ»

فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا سفيان في كفّار قريش) * «9» .

11-* (عن جبير بن نفير؛ قال: انطلق بناإلى ذي مخبر، رجل من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأتيناه، (فسألته) عن الهدنة؟ فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ستصالحون الرّوم صلحا آمنا، وتغزون أنتم وهم عدوّا من ورائكم» ) * «1» .


12-* (عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم؛ أنّهم اصطلحوا على وضع الحرب، عشر سنين، يأمن فيهنّ النّاس، وعلى أنّ بيننا عيبة مكفوفة وأنّه لا إسلال، ولا إغلال) * «2» .

13-* (عن أبي حميد السّاعديّ- رضي الله عنه- قال: «غزونا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تبوك، وأهدى ملك أيلة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكتب له ببحرهم» ) * «3» .

14-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «من قتل معاهدا لم يرح «4» رائحة الجنّة، وإنّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما» ) * «5» .

15-* (عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سريّة فصبّحنا الحرقات «6» من جهينة، فأدركت رجلا، فقال: لا إله إلّا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أقال: لا إله إلّا الله وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنّما قالها خوفا من السّلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه «7» حتّى تعلم أقالها أم لا» ، فما زال يكرّرها عليّ حتّى تمنّيت أنّي أسلمت يومئذ. قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتّى يقتله ذو البطين- يعني أسامة-. قال: قال رجل: ألم يقل الله:

وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ؟. فقال سعد: قد قاتلنا حتّى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتّى تكون فتنة» ) * «8» .

16-* (عن عقبة بن مالك اللّيثيّ- رضي الله عنه- قال «بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سريّة، فأغارت على قوم، فشذّ من القوم رجل قال: فأتبعه رجل من السّريّة شاهرا سيفه، قال: فقال الشّاذّ من القوم: إنّي مسلم، فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله، فنمى الحديث إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال فيه قولا شديدا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب إذ قال القاتل: يا رسول الله! والله ما قال الّذي قال إلّا تعوّذا من القتل، فأعرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنه وعمّن قبله من النّاس، ثمّقال أيضا: يا رسول الله، ما قال الّذي قال إلّا تعوّذا من القتل، فأعرض عنه وعمّن قبله من النّاس، وأخذ في خطبته، ثمّ لم يصبر، فقال الثّالثة: والله يا رسول الله، ما قال الّذي قال إلّا تعوّذا من القتل، فأقبل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، تعرف المساءة في وجهه، فقال له: «إنّ الله أبى على من قتل مؤمنا «1» ، ثلاث مرّات» ) * «2» .


17-* (عن المقداد بن الأسود- رضي الله عنه- قال: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلا من الكفّار.

فقاتلني فضرب إحدى يديّ بالسّيف فقطعها، ثمّ لاذ منّى بشجرة «3» ، فقال: أسلمت لله. أفأقتله يا رسول الله! بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقتله» قال:

فقلت: يا رسول الله! إنّه قد قطع يدي. ثمّ قال ذلك بعد أن قطعها. أفأقتله؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقتله.

فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته الّتي قال» ) * «4» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (السلم)

18-* (عن النّعمان بن بشير- رضي الله عنهما- قال: استأذن أبو بكر- رضي الله عنه- على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسمع صوت عائشة عاليا، فلمّا دخل تناولها ليلطمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتني أنقذتك من الرّجل؟» . قال:

فمكث أبو بكر أيّاما، ثمّ استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما:

أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«قد فعلنا، قد فعلنا» ) * «5» .

19-* (عن عبيد الله بن كعب وكان من أعلم الأنصار، أنّ أباه كعب بن مالك- وكان كعب ممّن شهد العقبة بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بها. قال:

خرجنا في حجّاج قومنا من المشركين، وقد صلّينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيّدنا، فلمّا توجّهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا:

يا هؤلاء إنّي قد رأيت والله رأيا وإنّي والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قال: قلنا له: وما ذاك؟ قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنيّة منّي بظهر، يعني الكعبة، وأن أصلّي إليها، قال: فقلنا: والله، ما بلغنا أنّ نبيّنا يصلّي إلّا إلى الشّام، وما نريد أن نخالفه، فقال: إنّي أصلّي إليها فقلنا له: لكنّا لا نفعل، فكنّا إذا حضرت الصّلاة صلّينا إلى الشّام وصلّى إلى الكعبة، حتّى قدمنا مكّة قال أخي، وقد كنّا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلّا الإقامة عليه: فلمّا قدمنا مكّة، قال: يا ابن أخيوأبناءكم» قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثمّ قال:


نعم والّذي بعثك بالحقّ لنمنعنّك ممّا نمنع منه أزرنا، فبايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنحن أهل الحروب، وأهل الحلقة «1» ورثناها كابرا عن كابر، قال: فاعترض القول والبراء يكلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبو الهيثم بن التّيّهان حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله! إنّ بيننا وبين الرّجال حبالا وإنّا قاطعوها- يعني العهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك

وتدعنا؟ قال: فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ قال: «بل الدّم الدّم والهدم الهدم «2» ، أنا منكم، وأنتم منّي، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» وقد قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم» ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا منهم تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وأنا معبد بن كعب فحدّثني في حديثه عن أخيه عن أبيه كعب بن مالك، قال كان أوّل من ضرب على يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم البراء بن معرور، ثمّ تتابع القوم، فلمّا بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صرخ الشّيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قطّ: يا أهل الجباجب- والجباجب المنازل- هل لكم في مذمّم والصّباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ قال عليّ- يعني ابن إسحاق- ما يقول عدوّ الله محمّد؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هذا أزبّ العقبة، هذا ابن أذيب.


اسمع أي عدوّ الله، أما والله لأفرغنّ لك» ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ارفعوا إلى رحالكم» قال:

فقال له العبّاس بن عبادة ابن نضلة: والّذي بعثك بالحقّ لئن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا، قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لم أومر بذلك» قال: فرجعنا فنمنا حتّى أصبحنا، فلمّا أصبحنا غدت علينا جلّة قريش حتّى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنّه قد بلغنا أنّكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، والله إنّه ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم، قال: فانبعث من هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه وقد صدقوا، لم يعلموا ما كان منّا، قال: فبعضنا ينظر إلى بعض قال:

وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، وعليه نعلان جديدان، قال: فقلت كلمة كأنّي أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: ما تستطيع يا أبا جابر، وأنت سيّد من سادتنا أن تتّخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش، فسمعها الحارث فخلعهما ثمّ رمى بهما إليّ، فقال: والله لتنتعلنّهما، قال: يقول أبو جابر: أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه قال: فقلت: والله لا أردّهما قال: واللهصلح، والله لئن صدق الفأل لأسلبنّه) * «1» .


20-* (عن المسور بن مخرمة- رضي الله عنه- قال: خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، زمن الحديبية، في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتّى إذا كانوا بذي الحليفة، قلّة الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة وساق الهدي، قال: وسار النّبي صلّى الله عليه وسلّم، حتّى إذا كان بالثّنيّة الّتي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته فقال النّاس: حل حل «2» خلأت «3» القصواء (مرّتين) «4» فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«ما خلأت، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطّة يعظّمون حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» .


ثمّ زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتّى نزل بأقصى الحديبية على ثمد «5» قليل الماء. فجاءه بديل بن ورقاء الخزاعيّ، ثمّ أتاه- يعني عروة بن مسعود- فجعل يكلّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ومعه السّيف، وعليه المغفر «6» ، فضرب يده بنعل السّيف، وقال: أخّر يدك عن لحيته. فرفع عروة رأسه فقال: من هذا «7» ؟ قالوا:


المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر، أولست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهليّة، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثمّ جاء فأسلم، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا الإسلام فقد قبلنا، وأمّا المال فإنّه مال غدر، لا حاجة لنا فيه» فذكر الحديث فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«اكتب: هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله» . وقصّ الخبر، فقال سهيل: وعلى أنّه لا يأتيك منّا رجل، وإن كان على دينك، إلّا رددته إلينا. فلمّا فرغ من قضيّة الكتاب قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه:

«قوموا فانحروا ثمّ احلقوا» .. ثمّ جاء نسوة مؤمنات مهاجرات فنهاهم الله أن يردّوهنّ، وأمرهم أن يردّوا الصّداق. ثمّ رجع إلى المدينة، فجاءه أبو بصير- رجل من قريش-، يعني فأرسلوا في طلبه، فدفعه إلى الرّجلين، فخرجا به حتّى إذا بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرّجلين والله إنّي لأرى سيفك هذا يا فلان جيّدا، فاستلّه الآخر، فقال: أجل قد جرّبت به، فقال أبو بصير:

أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتّى برد «8» ، وفرّ الآخر، حتّى أتى المدينة، فدخلالمسجد يعدو، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لقد رأى هذا ذعرا» .

فقال: قد قتل والله صاحبي، وإنّي لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: قد أوفى الله ذمّتك فقد رددتني إليهم، ثمّ نجّاني الله منهم. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ويل أمّه مسعر حرب لو كان له أحد» .

فلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيرّده إليهم، فخرج حتّى أتى سيف البحر، وينفلت أبو جندل، فلحق بأبي بصير حتّى اجتمعت منهم عصابة) * «1» .

21-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: نظر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى عليّ والحسن والحسين وفاطمة، فقال: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» ) * «2» .

من الآثار الواردة في (السلم)

1-* (عن أيوب عن عكرمة- رضي الله عنهما- قال: توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الإثنين، فحبس بقيّة يومه والغد حتّى دفن ليلة الأربعاء.

وقالوا: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يمت، ولكن عرج بروحه، كما عرج بروح موسى، فقام عمر، فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يمت، ولكن عرج بروحه كما عرج بروح موسى، والله لا يموت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتّى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم، فلم يزل عمر يتكلّم حتّى أزبد شدقاه ممّا يوعد ويقول، فقام العبّاس، فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد مات، وإنّه لبشر، وإنّه يأسن «3» كما يأسن البشر، أي قوم.

فادفنوا صاحبكم فإنّه أكرم على الله من أن يميته إماتتين، أيميت أحدكم إماتة، ويميته إماتتين، وهو أكرم على الله من ذلك، أي قوم! فادفنوا صاحبكم، فإن يك كما تقولون: فليس بعزيز على الله أن يبحث عنه التّراب، إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما مات حتّى ترك السّبيل نهجا واضحا، فأحلّ الحلال وحرّم الحرام، ونكح وطلّق، وحارب وسالم، ما كان أرعى غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه «4» بمخبطه، ويمدر «5» حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان فيكم، أي قوم! فادفنوا صاحبكم، قال: وجعلت أمّ أيمن تبكي، فقيل لها: يا أمّ أيمن، تبكين «6» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قالت: إنّي والله ما أبكي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلّا أن أكون أعلم أنّه قد ذهب إلى ما هو خير له من الدّنيا، ولكنّيأبكي على خبر السّماء انقطع، قال حمّاد: خنقت العبرة أيّوب حين بلغ ههنا) * «1» .


2-* (عن إبراهيم التّيميّ عن أبيه قال: قال أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلا يقول لا إله إلّا الله أبدا، فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلا يقول لا إله إلّا الله أبدا.

فقال لهما رجل: ألم يقل الله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ (الأنفال/ 39) «فقالا: قد قاتلنا حتّى لم تكن فتنة وكان الدّين كلّه لله) *» .

من فوائد (السلم)

(1) السّلم استسلام لأمر الله يثمر محبّة الله- عزّ وجلّ- ومرضاته.

(2) في السّلم تنتشر الدّعوة إلى الله بأمان واطمئنان.

(3) وفيه حقن الدّماء وصون الأبرياء.

(4) مسالمة العدوّ أمر مشروع إذا كان فيه مصلحة للمسلمين وتقوية لشوكتهم.

(5) كلّ دعوة الإسلام إلى الأمم هي سلم لأنّ في الإسلام السّلام الحقيقيّ.

(6) مع أنّ الإسلام يدعو إلى السّلم فلا يعني ذلك الذّلّة والخضوع لأعداء الله؛ لأنّ المسلمين أعزّة بعزّة الله- عزّ وجلّ-.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٣ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٤:١٤.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٥٣٩ مرة.