أدوات شخصية
User menu

الشجاعة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الشجاعة لغة

مصدر شجع فلان أي صار شجاعا وهو مأخوذ من مادّة (ش ج ع) الّتي تدلّ على الجرأة والإقدام، قال ابن فارس: ومن ذلك قولهم الرّجل الشّجاع وهو المقدام، والشّجعة من النّساء: الجريئة، وقال ابن منظور: شجع شجاعة: اشتدّ عند البأس.

والشّجاعة: شدّة القلب في البأس.

ويقال: رجل شجاع وشجاع، وشجاع وأشجع، من قوم شجاع وشجعان، وشجعان. والمرأة شجاعة وشجعة وشجيعة وشجعاء، وقيل: لا توصف به المرأة. وتشجّع فلان: أي تكلّف الشّجاعة.

وشجّعته: إذا قلت له أنت شجاع أو قوّيت قلبه. ورجل مشجوع: أي مغلوب بالشّجاعة «1» .

واصطلاحا

قال الجاحظ: الشّجاعة هي الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش

عند المخاوف مع الاستهانة بالموت «2» .

وقال المناويّ: هي الإقدام الاختياريّ على مخاوف نافعة في غير مبالاة «3» .

وقال ابن حزم- رحمه الله تعالى-: هي بذل النّفس للذّود عن الدّين أو الحريم أو عن الجار المضطهد أو عن المستجير المظلوم، وعمّن هضم ظلما في المال والعرض، وسائر سبل الحقّ سواء قلّ من يعارض أو كثر «4» .

وقال الجرجانيّ: هي هيئة حاصلة للقوّة الغضبيّة، بين التّهوّر والجبن، بها يقدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها، كالقتال مع الكفّار ما لم يزيدوا على ضعف المسلمين «5» .

وقيل: هي الصّبر والثّبات والإقدام على الأمور النّافع تحصيلها أو دفعها وتكون في الأفعال والأقوال «6» .

الفرق بين الشجاعة والصبر والكرم

تلتقي هذه الصّفات في بعض الأحيان ولكنّهاتنفصل في أحيان أخرى بحسب السّياق، يقول الكفويّ: الكرم إن كان بمال فهو جود وإن كان بكفّ ضرر مع القدرة فهو عفو، وإن كان ببذل النّفس فهو شجاعة، وقال أيضا: الصّبر في المحاربة شجاعة، وفي إمساك النّفس عن الفضول قناعة، وفي إمساك كلام الضّمير كتمان، وقد لخّص- رحمه الله- العلاقة بين هذه المصطلحات بقوله: إنّ اختلاف الأسامي (المصطلحات) يكون باختلاف المواقع «1» .

منزلة الشجاعة بين الفضائل

قال الطّرطوشيّ: واعلم أنّ كلّ كريهة ترفع، أو مكرمة تكتسب لا تتحقّق إلّا بالشّجاعة، ألا ترى أنّك إذا هممت أن تمنح شيئا من مالك خار طبعك، ووهن قلبك، وعجزت نفسك، فشححت به، وإذا حقّقت عزمك، وقوّيت نفسك، وقهرت ذلك العجز، أخرجت المال المضنون به، وعلى قدر قوّة القلب وضعفه تكون طيبة النّفس بإخراجه، أو كراهية النّفس لإخراجه مع إخراجه، وعلى هذا النّمط جميع الفضائل، مهما لم تقارنها قوّة نفس لم تتحقّق، وكانت مخدوعة. فالجبان يفرّ عن أمّه وأبيه.

والشّجاع يقاتل عمّن لا يثوب به إلى رحله، فبقوّة القلب يصاب امتثال الأوامر والانتهاء عن الزّواجر، وبقوّة القلب يصاب اكتساب الفضائل، وبقوّة القلب ينتهى عن اتّباع الهوى والتّضمّخ بالرّذائل. وبقوّة القلب يصبر الجليس على إيذاء الجليس وجفاء الصّاحب، وبقوّة القلب يكتم الأسرار ويدفع العار، وبقوّة القلب يقتحم الأمور الصّعاب، وبقوّة القلب يتحمّل أثقال المكاره، وبقوّة القلب يصبر على أخلاق الرّجال، وبقوّة القلب تنفّذ كلّ عزيمة أوجبها الحزم والعدل.

وليس الصّبر والشّجاعة وقوّة النّفس أن تكون مصرّا في المحال «2» لجوجا في الباطل، ولا أن تكون جلدا عند الضّرب، صبورا على التّعب، مصمّما على التّغرير والتّهوّر؛ فإنّ هذه صفة الحمير والخنازير، ولكن أن تكون صبورا على أداء الحقوق عليك، صبورا على سماعها وإلقائها إليك، غالبا لهواك، مالكا لشهواتك، ملتزما للفضائل بجهدك، عاملا في ذلك على الحقيقة الّتي لا يحيلك عنها حياة ولا موت، حتّى يكون عندك موتك على الخير الّذي أشار به العلم وأوجبه العدل، خيرا من البقاء على ما أوجب رفض العلم والعدل «3» .

وقال الأبشيهيّ- رحمه الله تعالى-: اعلم أنّ الشّجاعة عماد الفضائل، ومن فقدها لم تكمل فيه فضيلة يعبّر عنها بالصّبر وقوّة النّفس. قال الحكماء:

وأصل الخير كلّه في ثبات القلب، والشّجاعة عند اللّقاء على ثلاثة أوجه: الوجه الأوّل إذا التقى الجمعان، وتزاحف العسكران وتكالحت الأحداق بالأحداق، برز من الصّفّ إلى وسط المعترك يحمل ويكرّ وينادي هل من مبارز، والثّاني إذا نشب القوم واختلطوا، ولم يدر أحد منهم من أين يأتيه الموت، يكون رابط الجأش،ساكن القلب، حاضر اللّبّ، لم يخالطه الدّهش، ولا تأخذه الحيرة، فيتقلّب تقلّب المالك الأموره، القائم على نفسه. والثّالث إذا انهزم أصحابه يلزم السّاقة، ويضرب في وجوه القوم، ويحول بينهم وبين عدوّهم، ويقوّي قلوب أصحابه، ويزجي الضّعيف، ويمدّهم بالكلام الجميل، ويشجّع نفوسهم، فمن وقع أقامه، ومن وقف حمله، ومن كبا به فرسه حماه حتّى ييأس العدوّ منهم. وهذا أحمدهم شجاعة، وعن هذا قالوا:

إنّ المقاتل من وراء الفارّين كالمستغفر من وراء الغافلين، ومن أكرم الكرم الدّفاع عن الحرم «1» . أصل الشجاعة وعوامل تقويتها:

يقول الرّاغب: الشّجاعة إن اعتبرت وهي في النّفس، فصرامة القلب على الأهوال، وربط الجأش في المخاوف، وإن اعتبرت بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة، وهي فضيلة بين التّهوّر والجبن، وهي تتولّد من الفزع والغضب إذا كانا متوسّطين؛ فإنّ الغضب قد يكون مفرطا كمن يحتدّ سريعا من أشياء صغيرة، وقد يكون مقصّرا كمن لا يغضب من الاجتراء على حرمه وشتم أبيه وأمّه، وقد يكون متوسّطا على ما يجب في وقت ما يجب، وبقدر ما يجب، وكذلك الفزع قد يكون مفرطا فيتولّد منه الجبن الهالع، ومقصّرا فيتولّد عنه الوقاحة والغمارة كمن لا يفزع من شتم آبائه وتضييع حرمه وأصدقائه، وقد يكون متوسّطا كما يجب وبقدر ما يجب ولكونهما أعني الغضب والفزع على حالين محمود ومذموم صارا يحمدان تارة ويذمّان أخرى؛ فإنّ الغضب في نحو قوله تعالى: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ والفزع في نحو قول الشّاعر فزعت لظلمة ... إلخ ... محمودان، والتّهوّر هو الثّبات المذموم في الأمور المعطبة «2» .


وأصلها في القلب بثبوته وقوّته وسكونه عند المهمّات والمخاوف، وهي خلق نفسيّ، ولكن لها موادّ تمدّها، فأعظم ما يمدّه وينمّيه: الإيمان، وقوّة التّوكّل على الله، وكمال الثّقة به سبحانه، وعلم العبد أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويمدّه أيضا الإكثار من ذكر الله والثّناء عليه. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الأنفال/ 45) .

ومن أسباب تقوية هذا الخلق الفاضل أيضا التّمرين؛ فإنّ الشّجاعة، وإن كان أصلها في القلب؛ فإنّها تحتاج إلى تدريب النّفس على الإقدام وعلى التّكلّم بما في النّفس، بإلقاء المقالات والخطب في المحافل، فمن مرّن نفسه على ذلك، لم يزل به الأمر حتّى يكون ملكة له، كذلك يدرّب نفسه على مقارعة الأعداء ولقائهم والجسارة في ميادين القتال فيقوى بذلك قلبه ونفسه، فلا يزال به الأمر حتّى لا يبالي بلقاء الأعداء ولا تزعجه المخاوف.

والإخلاص لله وعدم مراعاة الخلق سبب بالغ في تقوية ذلك؛ فإنّ المخلص الّذي لا يريد إلّا وجه الله وثوابه لا يبالي بلوم اللّائمين، إذا كان في ذلك رضا لربّ العالمين.

فمتى قوي إيمان العبد باللهوبقضائه وقدره، وقوي يقينه بالثّواب والعقاب وتمّ توكّله على الله وثقته بكفاية الله، وعلم أنّ الخلق لا يضرّون ولا ينفعون وأنّ نواصيهم بيد الله، وعلم الآثار الجليلة النّاشئة عن الشّجاعة، قوي قلبه واطمأنّ فؤاده، وأقدم على كلّ قول وفعل ينفع الإقدام عليه.

ولا بدّ لمن كانت هذه حاله أن يمدّها الله بمدد من عنده لا يدركه بحوله ولا قوّته. وكمال زينة هذا الخلق النّبيل: أن يكون موافقا للحكمة؛ فإنّه إذا زاد عن حدّ الحكمة خشي أن يكون تهوّرا وسفها وإلقاء باليد إلى التّهلكة، وذلك مذموم، كما يذمّ الجبن والخور.

فالشّجاعة المحمودة تتوسّط خلقين مذمومين، وهما الجبن والتّهوّر، وتكون محمودة، إذا كان المقصود بها نصر الحقّ وردّ الباطل وتحصيل المنافع العامّة والمصالح المشتركة «1» .

أنواع الشجاعة

قال الرّاغب: أنواع الشّجاعة خمسة:

1- سعيّة كمن أقدم لثوران غضب وتطلّب غلبة.

2- وبهيميّة كمن حارب توصّلا إلى مأكل أو منكح.

3- وتجريبيّة كمن حارب مرارا فظفر. فجعل ذلك أصلا يبني عليه.

4- وجهاديّة كمن يحارب ذبّا عن الدين.

5- وحكميّة وهي ما تكون في كلّ ذلك عن فكر وتمييز وهيئة محمودة بقدر ما يجب وعلى ما يجب، ألا ترى أنّه يحمد من أقدم على كافر غضبا لدين الله أو طمعا في ثوابه أو خوفا من عقابه أو اعتمادا على ما رأى من إنجاز وعد الله في نصرة أوليائه، فإنّ كلّ ذلك محمود وإن كان محض الشّجاعة هو أن لا يقصد بالإقدام حوز ثواب أو دفع عقاب.

والفرق بين المقدم في الحرب لمحض الحكمة وإخلاص الدّين، وبين المقدم لغير ذلك هو أنّ المقدم لغير الحكمة والإخلاص يخاف الموت أكثر ممّا يخاف المذمّة الصّادقة والمقدم للحكمة والإخلاص بالضّدّ من ذلك؛ فإنّه يختار الموت الحميد على الحياة الذّميمة، ولذلك قال عليّ- رضي الله تعالى عنه-: (أيّها النّاس إنّكم إن لم تقتلوا تموتوا والّذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسّيف أهون من ميتة على فراش) .

ومن الشّجاعة المحمودة مجاهدة الإنسان نفسه أو غيره، وكلّ واحد منهما ضربان: مجاهدة النّفس بالقول:

وذلك بالتّعلّم. وبالفعل: وذلك بقمع الشّهوة، وتهذيب الحميّة. ومجاهدة الغير بالقول. وذلك تزيين الحقّ وتعليمه، وبالفعل وذلك مدافعة الباطل ومتعاطيه بالحرب «2» .

[للاستزادة: انظر صفات: الثبات- الرجولة جهاد الأعداء- القوة- قوة الإرادة- العزم والعزيمة- النبل- علو الهمة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الجبن- التخاذل التهاون- التولى- التخلف عن الجهاد- صغر الهمة- الضعف- الوهن] .

الآيات الواردة في «الشجاعة» معنى

1- وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) «1»

2- وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) «2»

3- وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) «3»

4- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) «4»

5- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) «5»

6- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) «6»

7- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) «7»

انظر الآيات الواردة في: الثبات- جهاد الأعداء- والصبر والمصابرة

الأحاديث الواردة في (الشجاعة)

1-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنّه قال:

كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحسن النّاس وأشجع النّاس وأجود النّاس، ولقد فزع أهل المدينة، فكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم سبقهم على فرس، وقال: «وجدناه بحرا «1» » ) * «2» .

() الأحاديث الواردة في (الشجاعة) معنى

2-* (عن يسير بن جابر- رضي الله عنه- قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة. فجاء رجل ليس له هجّيرى «3» إلّا: يا عبد الله بن مسعود جاءت السّاعة.

قال فقعد وكان متّكئا. فقال: إنّ السّاعة لا تقوم، حتّى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة. ثمّ قال بيده هكذا (ونحّاها نحو الشّام) فقال: عدوّ يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام. قلت: الرّوم تعني؟ قال: نعم.

وتكون عند ذاكم القتال ردّة شديدة «4» فيشترط «5» المسلمون شرطة «6» للموت لا ترجع إلّا غالبة. فيقتتلون حتّى يحجز بينهم اللّيل.

فيفيء هؤلاء وهؤلاء. كلّ غير غالب. وتفنى الشّرطة.

ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت. لا ترجع إلّا غالبة. فيقتتلون. حتّى يحجز بينهم اللّيل. فيفيء هؤلاء وهؤلاء. كلّ غير غالب.

وتفنى الشّرطة. ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت. لا ترجع إلّا غالبة. فيقتتلون حتّى يمسوا. فيفيء هؤلاء وهؤلاء. كلّ غير غالب.

وتفنى الشّرطة. فإذا كان يوم الرّابع، نهد» إليهم بقيّة أهل الإسلام. فيجعل الله الدّبرة عليهم «8» .

فيقتلون مقتلة- إمّا قال: لا يرى مثلها، وإمّا قال: لم ير مثلها- حتّى إنّ الطّائر ليمرّ بجنباتهم «9» فما يخلّفهم حتّى يخرّ ميتا.

فيتعادّ بنو الأب «10» كانوا مائة. فلا يجدونه بقي منهم إلّا الرّجل الواحد. فبأيّ غنيمة يفرح؟ أو أيّ ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس، هو أكبر من ذلك.

فجاءهم الصّريخ؛ إنّ الدّجّال قد خلفهم في ذراريّهم. فيرفضون «11» ما في أيديهم. ويقبلون. فيبعثون عشرة فوارس طليعة: قالرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم. هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ. أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ» ) * «1» .


3-* (قال أنس- رضي الله عنه- إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ سيفا يوم أحد فقال: «من يأخذ منّي هذا؟» . فبسطوا أيديهم، كلّ إنسان منهم يقول: أنا. أنا.

قال: «فمن يأخذه بحقّه؟» . قال: فأحجم القوم. فقال سماك بن خرشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقّه. قال:

فأخذه ففلق به هام المشركين) * «2» .

4-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنّه قال:

إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان.

قال: فتكلّم أبو بكر، فأعرض عنه. ثمّ تكلّم عمر، فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة، فقال: إيّانا تريد يا رسول الله! والّذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها «3» .

ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد «4» لفعلنا، قال: فندب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّاس. فانطلقوا حتّى نزلوا بدرا ووردت عليهم روايا قريش ... الحديث) * «5» .

5-* (عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال:

فقعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جبا الرّكيّة «6» ، فإمّا دعا وإمّا بسق فيها «7» .

قال: فجاشت «8» . فسقينا واستقينا. قال:

ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دعانا للبيعة في أصل الشّجرة، قال: فبايعته أوّل النّاس. ثمّ بايع وبايع. حتّى إذا كان في وسط من النّاس قال: «بايع. يا سلمة» . قال قلت:

قد بايعتك يا رسول الله في أوّل النّاس. قال: «وأيضا» .

قال: ورآني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عزلا «9» (يعني ليس معه سلاح) . قال: فأعطاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حجفة أو درقة «10» ، ثمّ بايع. حتّى إذا كان في آخر النّاس قال:

«ألا تبايعني يا سلمة؟» . قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أوّل النّاس، وفي أوسط النّاس. قال:

«وأيضا» . قال: فبايعته الثّالثة. ثمّ قال لي: «يا سلمة أين حجفتك أو درقتك الّتي أعطيتك؟» . قال قلت:

يا رسول الله لقيني عمّي عامر عزلا. فأعطيته إيّاها.

قال: فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «إنّك كالّذي قال الأوّل «1» : اللهمّ أبغني «2» حبيبا، هو أحبّ إليّ من نفسي» . ثمّ إنّ المشركين راسلونا «3» الصّلح. حتّى مشى بعضنا في بعض. واصطلحنا. قال:

وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه، وأحسّه «4» ، وأخدمه. وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي، مهاجرا إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، قال: فلمّا اصطلحنا نحن وأهل مكّة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها «5» فاضطجعت في أصلها. قال:

فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكّة. فجعلوا يقعون في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأبغضتهم، فتحوّلت إلى شجرة أخرى، وعلّقوا سلاحهم. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي:

يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي «6» ثمّ شددت على أولئك الأربعة وهم رقود.

فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثا «7» في يدي. قال: ثمّ قلت: والّذي كرّم وجه محمّد لا يرفع أحد منكم رأسه إلّا ضربت الّذي فيه عيناه. قال: ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

قال: وجاء عمّي عامر برجل من العبلات «8» يقال له مكرز. يقوده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. على فرس مجفّف «9» .

في سبعين من المشركين.

فنظر إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «دعوهم. يكن لهم بدء الفجور وثناه «10» » . فعفا عنهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وأنزل الله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (الفتح/ 24) الآية كلّها. قال: ثمّ خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا.

بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون. فاستغفر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمن رقي هذا الجبل اللّيلة. كأنّه طليعة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه. قال سلمة:

فرقيت تلك اللّيلة مرّتين أو ثلاثا. ثمّ قدمنا المدينة.

فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بظهره «11» مع رباح غلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة.

أندّيه «1» مع الظّهر. فلمّا أصبحنا إذا عبد الرّحمن الفزاريّ قد أغار على ظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. قال: فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثمّ قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثا: يا صباحاه! ثمّ خرجت في آثار القوم أرميهم بالنّبل.

وأرتجز أقول:

أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع فألحق رجلا منهم. فأصكّ سهما في رحله «2» .

حتّى خلص نصل السّهم إلى كتفه. قال: قلت:

خذها:

وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع قال: فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم «3» . فإذا رجع إليّ فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها.

ثمّ رميته فعقرت به. حتّى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل. فجعلت أردّيهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتّى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلّا خلّفته وراء ظهري.

وخلّوا بيني وبينه. ثمّ اتّبعتهم أرميهم. حتّى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفّون.

ولا يطرحون شيئا إلّا جعلت عليه آراما «4» من الحجارة. يعرفها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.

حتّى أتوا متضايقا من ثنيّة فإذا هم قد أتاهم فلان ابن بدر الفزاريّ. فجلسوا يتضحّون (يعني يتغدّون) . وجلست على رأس قرن. قال الفزاريّ: ما هذا الّذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا، البرح «5» .


والله ما فارقنا منذ غلس «6» . يرمينا حتّى انتزع كلّ شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة.

قال: فصعد إليّ منهم أربعة في الجبل. قال: فلمّا أمكنوني من الكلام، قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال قلت: أنا سلمة بن الأكوع. والّذي كرّم وجه محمّد صلّى الله عليه وسلّم لا أطلب رجلا منكم إلّا أدركته.

ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظنّ. قال: فرجعوا فما برحت مكاني حتّى رأيت فوارس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتخلّلون الشّجر. قال: فإذا أوّلهم الأخرم الأسديّ. على إثره أبو قتادة الأنصاريّ.

وعلى إثره المقداد بن الأسود الكنديّ. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولّوا مدبرين. قلت: يا أخرم احذرهم.

لا يقتطعوك حتّى يلحق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ، فلا تحل بينيوبين الشّهادة. قال: فخلّيته. فالتقى هو وعبد الرّحمن.

قال: فعقر بعبد الرّحمن فرسه. وطعنه عبد الرّحمن فقتله.

وتحوّل على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعبد الرّحمن. فطعنه فقتله. فو الّذي كرّم وجه محمّد صلّى الله عليه وسلّم لتبعتهم أعدو على رجليّ. حتّى ما أرى ورائي، من أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلّم ولا غبارهم شيئا.

حتّى يعدلوا قبل غروب الشّمس إلى شعب فيه ماء.

يقال له ذا قرد. ليشربوا منه، وهم عطاش. قال:

فنظروا إليّ أعدو وراءهم. فحلّيتهم عنه» (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدّون في ثنيّة. قال: فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكّه بسهم في نغض «2» كتفه. قال قلت:

خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع قال: يا ثكلته أمّه أكوعه بكرة «3» . قال قلت:

نعم. يا عدوّ نفسه أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنيّة. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة «4» من لبن وسطيحة فيها ماء. فتوضّأت وشربت. ثمّ أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو على الماء الّذي حلّأتهم عنه. فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أخذ تلك الإبل.

وكلّ شيء استنقذته من المشركين وكلّ رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الّتي استنقذت من القوم.

وإذا هو يشوي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من كبدها وسنامها. قال قلت: يا رسول الله خلّني فأنتخب من القوم مائة رجل. فأتّبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلّا قتلته. قال:

فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى بدت نواجذه في ضوء النّار. فقال: «يا سلمة أتراك كنت فاعلا؟» . قلت:

نعم، والّذي أكرمك. فقال: «إنّهم الآن ليقرون في أرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان، فقال: نحر لهم فلان جزورا، فلمّا كشفوا جلدها رأوا غبارا.

فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين. فلمّا أصبحنا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة.

وخير رجّالتنا سلمة» . قال: ثمّ أعطاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سهمين: سهم الفارس وسهم الرّاجل.

فجمعهما لي جميعا. ثمّ أردفني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وراءه على العضباء.

راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدّا قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك.

قال: فلمّا سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا. إلّا أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلّمقال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمّي ذرني فلأسابق الرّجل.

قال: «إن شئت» . قال: قلت: اذهب إليك.

وثنيت رجليّ فطفرت «1» فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي «2» ثمّ عدوت في إثره.

فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثمّ إنّي رفعت حتّى ألحقه «3» . قال فأصكّه بين كتفيه. قال قلت: قد سبقت والله! قال: أنا أظنّ «4» قال: فسبقته إلى المدينة قال:

فو الله ما لبثنا إلّا ثلاث ليال حتّى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال: فجعل عمّي «5» عامر يرتجز بالقوم:

تا لله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبّت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من هذا؟» . قال: أنا عامر. قال: «غفر لك ربّك» . قال: وما استغفر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لإنسان يخصّه إلّا استشهد. قال:

فنادى عمر بن الخطّاب، وهو على جمل له: يا نبيّ الله لولا ما متّعتنا بعامر. قال: فلمّا قدمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه «6» ويقول:

قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح «7» بطل مجرّب «8»

إذا الحروب أقبلت تلهّب قال: وبرز له عمّي عامر، فقال: قد علمت خيبر أنّي عامر ... شاكي السّلاح بطل مغامر «9»

قال: فاختلفا ضربتين: فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له «10» . فرجع سيفه على نفسه. فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه. قال سلمة:

فخرجت فإذا نفر من أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم يقولون:

بطل عمل عامر. قتل نفسه. قال: فأتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّموأنا أبكي. فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من قال ذلك؟» . قال قلت: ناس من أصحابك. قال: «كذب من قال ذلك. بل له أجره مرّتين» . ثمّ أرسلني إلى عليّ، وهو أرمد. فقال:

«لأعطينّ الرّاية رجلا يحبّ الله ورسوله، أو يحبّه الله ورسوله» . قال: فأتيت عليّا فجئت به أقوده، وهو أرمد. حتّى أتيت به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فبسق في عينيه فبرأ. وأعطاه الرّاية. وخرج مرحب.

فقال:

قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح بطل مجرّب إذا الحروب أقبلت تلهّب فقال عليّ:

أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره «1» ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصّاع كيل السّندره «2»

قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثمّ كان الفتح على يديه» ) * «3» .

6-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ثلاثة يحبّهم الله- عزّ وجلّ- وثلاثة يبغضهم الله- عزّ وجلّ-.

أمّا الّذين يحبّهم الله- عزّ وجلّ-: فرجل أتى قوما فسألهم بالله- عزّ وجلّ- ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلّفه رجل بأعقابهم، فأعطاه سرّا، لا يعلم بعطيّته إلّا الله- عزّ وجلّ- والّذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتّى إذا كان النّوم أحبّ إليهم ممّا يعدل به نزلوا، فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملّقني، ويتلو آياتي، ورجل كانوا في سريّة فلقوا العدوّ فهزموا، فأقبل بصدره حتّى يقتل أو يفتح الله له.

والثّلاثة الّذين يبغضهم الله- عزّ وجلّ-: الشّيخ الزّاني، والفقير المختال، والغنيّ الظّلوم» ) * «4» .

7-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنّه قال: ندب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم النّاس يوم الخندق، فانتدب الزّبير، ثمّ ندبهم فانتدب الزّبير، ثمّ ندبهم «5» فانتدب الزّبير.

قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ لكلّ نبيّ حواريّا «6» وحواريّ الزّبير» ) * «7» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الشجاعة)

8-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- أنّه قال لرجل قال له: أكنتم ولّيتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم ما ولّى ولكنّه انطلق أخفّاء من النّاس، وحسّر إلى هذا الحيّ من هوازن، وهم قوم رماة. فرموهم برشق من نبل.

كأنّها رجل من جراد. فانكشفوا. فأقبل القوم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته. فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب. أنا ابن عبد المطّلب.

اللهمّ نزّل نصرك» . قال البراء: كنّا والله إذا احمرّ البأس نتّقي به. وإنّ الشّجاع منّا للّذي يحاذي به- يعني النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم) * «1» .

9-* (عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه- قال: لمّا جال النّاس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلك الجولة يوم أحد، تنحّيت فقلت: أذود عن نفسي، فإمّا أن أستشهد، وإمّا أن أنجو حتّى ألقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فبينا أنا كذلك إذا برجل مخمّر وجهه ما أدري من هو، فأقبل المشركون حتّى قلت: قد ركبوه، ملأ يده من الحصى، ثمّ رمى به في وجوههم، فنكبوا على أعقابهم القهقرى حتّى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مرارا، ولا أدري من هو، وبيني وبينه المقداد بن الأسود، فبينا أنا أريد أن أسأل المقداد عنه، إذ قال المقداد: يا سعد هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدعوك، فقلت: وأين هو؟ فأشار لي المقداد إليه، فقمت ولكأنّه لم يصبني شيء من الأذى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أين كنت اليوم يا سعد؟» .

فقلت: حيث رأيت يا رسول الله! فأجلسني أمامه فجعلت أرمي، وأقول: اللهمّ سهمك فارم به عدوّك، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «اللهمّ استجب لسعد، اللهم سدّد لسعد رميته، إيها «2» سعد» . فداك أبي وأمّي، فما من سهم أرمي به إلّا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ سدّد رميته وأجب دعوته، إيها سعد» حتّى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما في كنانته فنبلني سهما نضيّا) * «3» .

قال الزّهريّ: إنّ السّهام الّتي رمى بها سعد يومئذ كانت ألف سهم «4» .

10-* (عن العبّاس بن عبد المطّلب- رضي الله عنه- قال: شهدت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين.

فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم نفارقه. ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذاميّ.

فلمّا التقى المسلمون والكفّار ولّى المسلمون مدبرين، فطفقرسول الله صلّى الله عليه وسلّم يركض بغلته قبل الكفّار. قال عبّاس:

وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أكفّها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أي عبّاس! ناد أصحاب السّمرة» فقال عبّاس: (وكان رجلا صيّتا) فقلت بأعلى صوتي:

أين أصحاب السّمرة «1» ؟ قال: فو الله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا:

يا لبّيك يا لبّيك. قال: فاقتتلوا والكفّار. والدّعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار.

قال: ثمّ قصرت الدّعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«هذا حين حمي الوطيس «2» » قال: ثمّ أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حصيات، فرمى بهنّ وجوه الكفّار. ثمّ قال:

«انهزموا، وربّ محمّد» . قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فو الله! ما هو إلّا أن رماهم بحصياته. فما زلت أرى حدّهم كليلا «3» وأمرهم مدبرا) * «4» .

11-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: غزونا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزوة قبل نجد، فأدركنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في واد كثير العضاه «5» .

فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحت شجرة، فعلّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرّق النّاس في الوادي يستظلّون بالشّجر. قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«إنّ رجلا أتاني وأنا نائم. فأخذ السّيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي. فلم أشعر إلّا والسّيف صلتا «6» في يده. فقال لي: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله.

ثمّ قال في الثّانية: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله.

قال: فشام السّيف «7» فها هو ذا جالس» ثمّ لم يعرض له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) *» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الشجاعة)

1-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه-:

«إنّ الشّجاعة والجبن غرائز في الرّجال، تجد الرّجل يقاتل لا يبالي ألّا يؤوب إلى أهله، وتجد الرّجل يفرّ عن أبيه وأمّه، وتجد الرّجل يقاتل ابتغاء وجه الله فذلك الشّهيد» ) * «1» .

2-* (قيل لعليّ- رضي الله عنه-: «إذا جالت الخيل، فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني» ) * «2» .

3-* (قال الزّبير بن العوّام- رضي الله عنه- «كان أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكّة عبد الله بن مسعود.

قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ، فمن رجل يسمعهموه؟. قال عبد الله ابن مسعود: أنا.

قالوا: إنّا نخشاهم عليك. إنّما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال:

دعوني فإنّ الله- عزّ وجلّ- سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتّى أتى المقام في الضّحى وقريش في أنديتها فقام عند المقام ثمّ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ رافعا صوته الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قال: ثمّ استقبلها يقرأ فيها قال: وتأمّلوا فجعلوا يقولون: ما يقول ابن أمّ عبد؟ قال: ثمّ قالوا إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمّد، فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتّى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ.

ثمّ انصرف إلى أصحابه وقد أثّروا في وجهه، فقالوا: هذا الّذي خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها. قالوا: حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون) * «3» .

4-* (قال طلحة بن عبيد الله- رضي الله عنه- «لمّا كان يوم أحد ارتجزت بهذا الشّعر:

نحن حماة غالب ومالك ... نذبّ عن رسولنا المبارك نضرب عنه اليوم في المعارك ... ضرب صفاح الكوم «4» في المبارك فلمّا انصرف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، قال لحسّان:

«قل في طلحة» . فأنشأ حسّان، وقال:

طلحة يوم الشّعب آسى محمّدا ... على سالك ضاقت عليه وشّقت يقيه بكفّيه الرّماح وأسلمت ... أشاجعه تحت السّيوف فشلّت وكان أمام النّاس إلّا محمّدا ... أقام رحى الإسلام حتّى استقلّت «5»

5-* (وقال موسى بن طلحة: «إنّ طلحة رجع بسبع وثلاثين أو خمس وثلاثين بين ضربة وطعنة ورمية، ترصّع جبينه وقطعت سبّابته وشلّت الإصبع الّتي تليها» ) * «1» .

6-* (قال سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه-: «كان حمزة بن عبد المطّلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويقول: «أنا أسد الله» ) * «2» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشرة منهم خبيب الأنصاريّ، فأخبرني عبيد الله بن عياض أنّ ابنة الحارث أخبرته أنّهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحدّ بها، فلمّا خرجوا من الحرم ليقتلوه قال خبيب الأنصاريّ:

ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ شقّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع فقتله ابن الحارث، فأخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه خبرهم يوم أصيبوا) * «3» .

8-* (قال معاذ بن عمرو- رضي الله عنه-:

جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني. فلمّا أمكنني حملت عليه، فضربته، فقطعت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، وبقيت معلّقة بجلدة بجنبي، وأجهضني عنها القتال، فقاتلت عامّة يومي وإنّي لأسحبها خلفي.

فلمّا آذتني، وضعت قدمي عليها ثمّ تمطّأت عليها حتّى طرحتها» قال الذّهبيّ بعد هذه القصّة: «هذه والله الشّجاعة لا كآخر من خدش بسهم ينقطع قلبه وتخور قواه «4» ) * «5» .

9-* (عن رجل من أسلم أنّه قال: «إنّ أبا جهل اعترض لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند الصّفا فاذاه وشتمه، وقال فيه ما يكره من العيب لدينه والتّضعيف له، فلم يكلّمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومولاة لعبد الله بن جدعان «6» التّيميّ في مسكن لها فوق الصّفا تسمع ذلك، ثمّ انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطّلب أن أقبل متوشّحا قوسه راجعا عن قنص له، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على نادي قريش وأشدّها شكيمة، وكان يومئذ مشركا على دين قومه، فجاءته المولاة، وقد قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليرجع إلى بيته، فقالت له: يا أبا عمارة! لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمّد من أبي الحكم آنفا، وجده هاهنا فاذاه وشتمه وبلغ ما يكره، ثمّ انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم ولم يكلّم محمّدا فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله من كرامته- فخرج سريعا لا يقف علىأحد كما كان يصنع يريد الطّواف بالبيت متعمّدا لأبي جهل أن يقع به، فلمّا دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه حتّى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه على رأسه ضربة مملوءة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا: ما نراك يا حمزة إلّا صبأت فقال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي ذلك منه.

أنا أشهد أنّه رسول الله وأنّ الّذي يقول حقّ، فو الله لا أنزع. فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل:

دعوا أبا عمارة لقد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا، ومرّ حمزة على إسلامه وتابع يخفّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلمّا أسلم حمزة علمت قريش أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد عزّ وامتنع، وأنّ حمزة سيمنعه فكفّوا عن بعض ما كانوا يتناولونه وينالون منه، فقال في ذلك سعد حين ضرب أبا جهل فذكر رجزا غير مستقر أوّله: «ذق أبا جهل بما غشيت» . قال:

ثمّ رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشّيطان، فقال: أنت سيّد قريش اتّبعت هذا الصّابأ وتركت دين آبائك، للموت خير لك ممّا صنعت، فأقبل على حمزة شبه، فقال: ما صنعت؟ اللهمّ إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلّا فاجعل لي ممّا وقعت فيه مخرجا، فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشّيطان، حتّى أصبح فغدا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ابن أخي إنّي وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو، أرشد هو أم غيّ شديد؟ فحدّثني حديثا فقد استشهيت يا ابن أخي أن تحدّثني، فأقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فألقى الله في نفسه الإيمان، كما قال رسول الله، فقال: «أشهد إنّك لصادق شهادة المصدّق والعارف، فأظهر يا ابن أخي دينك، فهو الله ما أحبّ أنّ لي ما ألمعت الشّمس، وأنّي على ديني الأوّل. قال: فكان حمزة ممّن أعزّ الله به الدّين» ) * «1» .


10-* (قيل لعبد الملك: من أشجع العرب في شعره؟ فقال: «عبّاس بن مرداس حين يقول:

أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها وهذا أشجع بيت قالته العرب» ) * «2» .

11-* (قال الشّعبيّ- رحمه الله تعالى-:

«كان موالي بلال يضربونه على بطنه ويعصرونه ويقولون: دينك الّلات والعزّى، فيقول: ربّي الله.

أحد أحد، ولو أعلم كلمة أحفظ لكم منها لقلتها.

فمرّ أبو بكر بهم، فقالوا اشتر أخاك في دينك، فاشتراه بأربعين أوقيّة، فأعتقه، فقالوا: لو أبى إلّا أوقيّة لبعناه، فقال- وأقسم بالله-: لو أبيتم إلّا بكذا وكذا بشيء كثير لاشتريته» ) * «3» .

12-* (قال الحافظ ابن عبد البرّ- رحمه الله تعالى- في ترجمة البراء بن مالك- رضي الله عنه- «كان من الأبطال الأشدّاء قتل من المشركين مائة رجل مبارزة سوى من شارك فيه» . وقال- رحمه الله تعالى-:

«زحف المسلمون إلى المشركين في اليمامة حتّىألجأوهم إلى الحديقة، وفيها عدوّ الله مسيلمة، فقال البراء: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم، فاحتمل حتّى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم حتّى فتح على المسلمين، ودخل عليهم المسلمون ووقع به يومها بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم وضربة فحمل إلى رحله يداوى» ) * «1» .

13-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-:

«إنّ الجميع يتمادحون بالشّجاعة والكرم، حتّى إنّ ذلك عامّة ما تمدح به الشّعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتنافون بالجبن والبخل، ولمّا كان صلاح بني آدم لا يتمّ في دينهم ودنياهم إلّا بالشّجاعة والكرم، بيّن الله سبحانه أنّه من تولّى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله من يقوم بذلك فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (التوبة/ 38- 39) ، وكذلك من تولّى عنه بترك الإنفاق توعّده كما في آخر سورة (محمّد) صلّى الله عليه وسلّم» .

ثمّ قال- رحمه الله تعالى-: «وبالشّجاعة والكرم في سبيل الله فضّل الله السّابقين فقال تعالى:

لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى (الحديد/ 10) .

وقد ذكر الله عزّ وجلّ- الجهاد بالنّفس والمال في سبيله ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشّجاعة والسّماحة في طاعته سبحانه وطاعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم» ) * «2» .

14-* (قال الذّهبيّ- رحمه الله تعالى- في ترجمة حمزة بن عبد المطّلب- رضي الله عنه-: «الإمام البطل الضّرغام أسد الله أبو عمارة» ) * «3» .

15-* (وقال في ترجمة خالد بن الوليد- رضي الله عنه-: «سيف الله وفارس الإسلام، وليث المشاهد السّيّد الإمام الأمير الكبير قائد المجاهدين، تأمّر على المسلمين يوم مؤتة بعد استشهاد الأمراء وأخذ الرّاية، وحمل على العدوّ.

فكان النّصر، وسمّاه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: سيف الله، وشهد الفتح وحنينا، وحارب أهل الرّدّة ومسيلمة، وغزا العراق وشهد حروب الشّام، ولم يبق في جسده قيد شبر إلّا وعليه طابع الشّهداء» ثمّ ذكر حادثة له وقال بعدها «هذه والله الكرامة، وهذه الشّجاعة» ) * «4» .


16-* (قال الأبشيهيّ- رحمه الله تعالى- عن هذا أيضا: «من الأبطال (الشّجعان) سيف الله وسيف رسوله صلّى الله عليه وسلّم بطل مذكور وفارس مشهور في الجاهليّة والإسلام» ) * «5» .

17-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى- وهو يعدّد الأبطال الشّجعان منهم عليّ بن أبي طالب آيةمن آيات الله، ومعجزة من معجزات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مؤيّد بالتأييد الإلهي، مثبّت قواعد الإسلام ومرسيها، وهو المتقدّم على ذوي الشّجاعة كلّهم بلا مرية ولا خلاف، وكان يقول: والّذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسّيف أهون عليّ من موتة على فراش، وقال بعض العرب ما لقينا كتيبة فيها عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- إلّا أوصى بعضنا على بعض» ) * «1» .

18-* (وقال: «قهر ألب آرسلان ملك التّرك ملك الرّوم وقمعه، وقتل رجاله، وأباد جمعه وكانت الرّوم قد جمعت جيوشا يقلّ أن يجمع لغيرهم من بعدهم مثلها، وكان قد بلغ عددهم ستّمائة ألف مقاتل، كتائب متواصلة، وعساكر مترادفة، وكراديس يتلو بعضها بعضا، لا يدركهم الطّرف، ولا يحصيهم العدد، وقد استعدّوا من الكراع، والسّلاح، والمجانيق، والآلات المعدّة للحروب وفتح الحصون بما لا يحصى.

وكانوا قد قسّموا بلاد المسلمين: الشّام، والعراق، ومصر، وخراسان، وديار بكر. ولم يشكّوا أنّ الدّولة قد دارت لهم.

وأنّ نجوم السّعود قد خدمتهم. ثمّ استقبلوا بلاد المسلمين فتواترت أخبارهم إلى بلاد المسلمين، واضطربت لها ممالك أهل الإسلام.

فاحتشد للقائهم الملك ألب آرسلان وهو الّذي يسمّى الملك العادل، وجمع جموعه بمدينة أصبهان، واستعدّ بما قدر عليه، ثمّ خرج يؤمّهم فلم يزل العسكران يتدانيان إلى أن عادت طلائع المسلمين إلى المسلمين.

وقالوا لأب آرسلان: غدا يتراءى الجمعان، فبات المسلمون ليلة الجمعة، والرّوم في عدد لا يحصيهم إلّا الله الّذي خلقهم، وما المسلمون فيهم إلّا أكلة جائع، فبقي المسلمون وجلين لما دهمهم، فلمّا أصبحوا صباح يوم الجمعة نظر بعضهم إلى بعض، فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدوّ، فأمر ألب آرسلان أن يعدّ المسلمون، فبلغوا اثني عشر ألفا، فكانوا كالشّامة البيضاء في الثّور الأسود.

فجمع ذوي الرّأي من أهل الحرب والتّدبير، والشّفقة على المسلمين، والنّظر في العواقب، واستشارهم في استخلاص أصوب الرّأي فتشاوروا برهة، ثمّ اجتمع رأيهم على اللّقاء.

فتوادع القوم، وتحاللوا، وناصحوا الإسلام وأهله، وتأهّبوا أهبة اللّقاء. وقالوا لألب آرسلان: باسم الله نحمل عليهم. فقال ألب آرسلان:


يا معشر أهل الإسلام أمهلوا، فإنّ هذا يوم الجمعة، والمسلمون يخطبون على المنابر، ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها، فإذا زالت الشّمس، وعلمنا أنّ المسلمين قد صلّوا ودعوا الله أن ينصر دينه، حملنا عليهم إذ ذاك. وكان ألب آرسلان قد عرف خيمة ملك الرّوم، وعلامته، وزيّه، وزينته، وفرسه.

ثمّ قال لرجاله: لا يتخلّف أحد منكم أن يفعل كفعلي، ويتبع أثري، ويضرب بسيفه ويرمي سهمه حيث أضرب بسيفي، وأرمي بسهمي، ثمّ حمل برجاله حملةرجل واحد إلى خيمة ملك الرّوم فقتلوا من كان دونها، ووصلوا إلى الملك فقتلوا من كان دونه، وجعلوا ينادون بلسان الرّوم: قتل الملك، قتل الملك. فسمعت الرّوم أنّ ملكهم قد قتل، فتبدّدوا، وتمزّقوا كلّ ممزّق، وعمل السّيف فيهم أيّاما، وأخذ المسلمون أموالهم وغنائمهم. وأتوا بالملك أسيرا بين يدي ألب أرسلان، والحبل في عنقه.

فقال له ألب آرسلان: ماذا كنت تصنع بي لو أسرتني، قال: وهل تشكّ أنّني كنت أقتلك. فقال له ألب آرسلان: أنت أقلّ في عيني من أن أقتلك.

اذهبوا به فبيعوه لمن يزيد فيه، فكان يقاد والحبل في عنقه، وينادى عليه من يشتري ملك الرّوم.

وما زالوا كذلك يطوفون به على الخيام، ومنازل المسلمين وينادون عليه بالدّراهم، والفلوس فلم يدفع فيه أحد شيئا حتّى باعوه من إنسان بكلب، فأخذه الّذي ينادي عليه، وأخذ الكلب وأتى بهما إلى ألب آرسلان وقال قد طفت به جميع العسكر، وناديت عليه، فلم يبذل أحد فيه شيئا، سوى رجل واحد دفع فيه هذا الكلب. فقال قد أنصفك.

إنّ الكلب خير منه، ثمّ أمر ألب آرسلان بعد ذلك بإطلاقه وذهب إلى القسطنطينيّة، فعزلته الرّوم وكحّلوه بالنّار.

فانظر ماذا يأتي على الملوك إذا عرفوا في الحرب من الحيلة، والمكيدة» ) * «1» .

19-* (وقال- رحمه الله تعالى-: «لا ينبغي أن يقدم الجيش إلّا الرّجل ذو البسالة والنّجدة والشّجاعة والجرأة، ثابت الجأش، صارم القلب، صادق البأس، ممّن قد توسّط الحروب ومارس الرّجال ومارسوه، ونازل الأقران، وقارع الأبطال، عارفا بمواضع الفرص، خبيرا بمواقع القلب والميمنة والميسرة. فإنّه إذا كان كذلك وصدر الكلّ عن رأيه كانوا جميعا كأنّهم مثله» ) * «2» .


20-* (حكي أنّه كان للعرب فارس يقال له ابن فتحون، وكان أشجع العرب والعجم في زمانه. وكان المستعين يكرمه ويعظّمه ويجري له في كلّ عطيّة خمسمائة دينار. وكانت جيوش الكفّار تهابه وتعرف منه الشّجاعة، وتخشى لقاءه.

فيحكى أنّ الرّوميّ كان إذا سقى فرسه ولم يشرب يقول له: ويلك لم لا تشرب هل رأيت ابن فتحون في الماء، فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السّلطان.

فوشوا به عند المستعين فأبعده ومنعه من عطائه، ثمّ إنّ المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الرّوم فتقابل المسلمون والمشركون صفوفا، ثمّ برز علج إلى وسط الميدان ونادى وقال: هل من مبارز؟ فبرز إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرّومي، فصاح المشركون سرورا، وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الكلب الرّوميّ يجول بين الصّفّين وينادي: هل من اثنين لواحد؟ فخرج إليه فارس من المسلمين فقتله الرّوميّ.

فصاح الكفّار سرورا، وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الكلب يجول بين الصّفّين وينادي ويقول: ثلاثة لواحد، فلم يجترئأحد من المسلمين أن يخرج إليه، وبقي النّاس في حيرة، فقيل للسّلطان: ما لها إلّا أبو الوليد بن فتحون فدعاه وتلطّف به، قال: السّاعة أكفي المسلمين شرّه، فلبس قميص كتّان واستوى على سرج فرسه بلا سلاح وأخذ بيده سوطا طويلا، وفي طرفه عقدة معقودة، ثمّ برز إليه فتعجّب منه النّصرانيّ. ثمّ حمل كلّ واحد منهما على صاحبه فلم تخطأ طعنة النّصرانيّ سرج ابن فتحون.

وإذا ابن فتحون متعلّق برقبة الفرس، ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السّرج، ثمّ انقلب في سرجه وحمل على العلج، وضربه بالسّوط فالتوى على عنقه فجذبه بيده من السّرج فاقتلعه، وجاء به يجرّه حتّى ألقاه بين يدي المستعين.

فعلم المستعين أنّه كان قد أخطأ في صنعه مع أبي الوليد بن فتحون فاعتذر إليه، وأكرمه، وأحسن إليه، وبالغ في الإنعام عليه، وردّه إلى أحسن أحواله، وكان من أعزّ النّاس إليه» ) * «1» .

21-* (يقال: «الشّجاع محبّب حتّى إلى عدوّه، والجبان مبغّض حتّى إلى أمّه) * «2» .

22-* (قال بعضهم: «الشّجاعة صبر ساعة، وقد جمع الله تعالى جميع ما يحتاج إليه في الحرب في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال/ 45- 46) » ) * «3» .

23-* (وقيل: «الرّجال ثلاثة: فارس وشجاع وبطل، فالفارس الّذي يشدّ إذا شدّوا، والشّجاع الدّاعي إلى البراز والمجيب داعيه، والبطل الحامي لظهورهم إذا انهزموا» ) * «4» .

24-* (وقيل أيضا: «الشّجاع يبادر للحرب غير مبال بها لثقته بنفسه وعزمه على التّغلّب على عدوّه.

لكنّه في نفس الوقت يفرّق بين الشّجاعة والتّهوّر والإقدام، وانتظار الفرصة المناسبة لينقضّ» ) * «5» .

25-* (وقال بعضهم: «الشّجاع لا يقرّ له قرار ولا يهدأ له بال، ولا يغمض له جفن، ولا يهنأ بطعام أو شراب إذا كان يرى عدوّه طليقا يتحدّاه وينغّص عليه حياته.

وبالطّبع فإنّ الفارس الشّجاع لا بدّ أن يكون متمرّسا على الطّعن والرّمي والإبداع في إصابة الهدف بمرماه، ولا يعيب الشّجاع أن يفرّ مرّة أو مرّتين» ) * «6» .

26-* (قالت الحكماء: أصل الخيرات كلّها في ثبات القلب، ومنه تستمدّ جميع الفضائل وهو الثّبوت والقوّة على ما يوجبه العدل والعلم، والجبن غريزة يجمعها سوء الظّنّ بالله تعالى، والشّجاعة غريزة يجمعها حسن الظّنّ بالله تعالى) * «7» .

من فوائد (الشجاعة)

(1) دليل على حسن الظّنّ بالله والتّوكّل عليه.

(2) أصلها الّذي يمدّها الإيمان بالله والصّبر، وهي أصل لكلّ فضيلة من النّجدة والمروءة والنّخوة.

(3) الشّجاع يحبّه كلّ الخلق ويهابونه حتّى الأعداء.

(4) خلق وسط بين التّهوّر والجبن.

(5) تظهر في مواطن الشّدّة والمحنة.

(6) تبعث في نفس الإنسان قوّة غير مدركة حين يقرأ عن الشّجعان الأقوياء.

(7) الرّجل الشّجاع درع لأمّته وصون لها.

(8) الشّجاعة تكون في كثير من الأحيان حاسمة لبعض المواقف الشّائكة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٣٬٧٣٠ مرة.