أدوات شخصية
User menu

الشفاعة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الشفاعة لغة

الشّفاعة مصدر قولهم شفع يشفع وهو مأخوذ من مادّة (ش ف ع) الّتي تدلّ على مقارنة الشّيئين، من ذلك الشّفع خلاف الوتر، تقول: كان فردا فشفعته، قال جلّ ثناؤه وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (الفجر/ 3) ، قال أهل التّفسير: الوتر الله تعالى، والشّفع: الخلق، وشفع فلان لفلان إذا جاء ملتمسا مطلبه ومعينا له، والشّفعة في الدّار من هذا؛ لأنّه يشفع بها ماله، وقال الرّاغب:

الشّفع ضمّ الشّيء إلى مثله، ومن ذلك: الشّفعة الّتي هي طلب مبيع في شركته بما بيع به ليضمّه إلى ملكه، والشّفعة: الزّيادة، وهي أن يشفّعك فيما تطلب حتّى تضمّه إلى ما عندك فتزيده وتشفعه بها، أي تزيده بها أي إنّه كان وترا، فضمّ إليه ما زاده وشفعه به.

وقد كان الرّجل في الجاهليّة إذا أراد بيع منزل أتاه رجل فشفع إليه فيما باع فشفّعه وجعله أولى بالمبيع ممّن بعد فبسببه سمّيت شفعة. وشفع: أيضا طلب، وتقول:

شفع لي يشفع شفاعة وتشفّع. والشّفيع: الشّافع.

والجمع شفعاء، واستشفع بفلان على فلان، وتشفّع له إليه فشفّعه فيه. وقال الفارسيّ: استشفعه طلب منه الشّفاعة، أي قال له: كن لي شافعا، واستشفعته إلى فلان أي سألته أن يشفع لي إليه. وفي التّنزيل:

مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها (النساء/ 85) .

أي من انضمّ إلى غيره وعاونه وصار شفعا له، أو شفيعا في فعل الخير والشّرّ فعاونه وقوّاه شاركه في نفعه وضرّه، وقيل الشّفاعة هاهنا أن يشرع الإنسان للآخر طريق خير أو شرّ فيقتدي به فيصير كأنّه شفع له، وقول الله عزّ وجلّ- ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ (يونس/ 3) أي يدبّر الأمر وحده لا ثاني له في فصل الأمر إلّا أن يأذن للمدبّرات والمقسّمات من الملائكة فيفعلون ما يفعلونه بعد إذنه. وتقول: شفعت في الأمر شفعاء وشفاعة: طالبت بوسيلة وذمام.

والشّفاعة: الدّعاء، والشّفاعة: كلام الشّفيع للملك في حاجة يسألها لغيره. والشّافع: الطّالب لغيره، يتشفّع به إلى المطلوب، يقال: تشفّعت بفلان إلى فلان فشفّعني فيه.

وتشفّعت إليه في فلان فشفّعني فيه تشفيعا. والمشفّع: الّذي يقبل الشّفاعة، والمشفّع الّذي تقبل شفاعته. واستشفعت بفلان فشفع لي، وشفّعه:

أجاب شفاعته ومنه قوله عليه الصّلاة والسّلام «القرآن شافع مشفّع» «1» .

واصطلاحا

قال الرّاغب: الشّفاعة الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشّفاعة يوم القيامة «1» . وقال الجرجانيّ وابن المناويّ:

هي السّؤال في التّجاوز عن الذّنوب من الّذي وقعت الجناية في حقّه «2»

وقال الكفويّ: هي سؤال فعل الخير وترك الضّرّ عن الغير على سبيل الضّراعة «3» .

وقال المناويّ (نقلا عن الحراليّ) : الشّفاعة وصلة بين الشّفيع والمشفوع له لمزيد وصلة بين الشّفيع والمشفوع عنده «4» .

أنواع الشفاعة

قال ابن أبي العزّ- رحمه الله تعالى- في شرحه للعقيدة الطّحاوية: الشّفاعة أنواع:

النّوع الأوّل: الشّفاعة العظمى الخاصّة بنبيّنا صلّى الله عليه وسلّم من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

النّوع الثّاني: شفاعته صلّى الله عليه وسلّم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيّئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنّة.

النّوع الثّالث: شفاعته صلّى الله عليه وسلّم في قوم آخرين قد أمر بهم إلى النّار أن لا يدخلوها.

النّوع الرّابع: شفاعته صلّى الله عليه وسلّم في رفع درجات من يدخل الجنّة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.

النّوع الخامس: الشّفاعة في أقوام ليدخلوا الجنّة بغير حساب وهم السّبعون ألفا.

النّوع السّادس: الشّفاعة في تخفيف العذاب عمّن يستحقّه. كشفاعته في عمّه أبي طالب أن يخفّف عنه عذابه.

النّوع السّابع: شفاعته صلّى الله عليه وسلّم أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنّة.

النّوع الثّامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمّته ممّن دخل النّار فيخرجون منها.

وهذه الشّفاعة تشاركه فيها الملائكة والنّبيّون والمؤمنون «5» .

الفرق بين الشفاعة الشرعية والشفاعة الشّركيّة

قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: عند قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ* قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (الزمر/ 43- 44) .

أخبر الله في كتابه أنّ الشفاعة لمن له ملك السّموات والأرض، وهو الله وحده. فهو الّذي يشفع بنفسه إلى نفسه، ليرحم عبده. فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه.

فصارت الشّفاعة في الحقيقة إنّما هي له، والّذي يشفع عنده إنّما يشفع بإذنه له وأمره له، بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده.

وهذا ضدّ الشّفاعة الشّركيّة الّتي أثبتها المشركون ومن وافقهم، وهي الّتي أبطلها الله سبحانه في كتابه،بقوله: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ (البقرة/ 123) وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ (البقرة/ 254) وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الأنعام/ 51) وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ (السجدة/ 4) .


فأخبر سبحانه أنّه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه. كما قال تعالى: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ (يونس/ 3) وقال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (البقرة/ 255) فالشّفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه.


والفرق بين الشّفيعين، كالفرق بين الشّريك والعبد المأمور. فالشّفاعة الّتي أبطلها الله: شفاعة الشّريك فإنّه لا شريك له، والّتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الّذي لا يشفع، ولا يتقدّم بين يدي مالكه حتّى يأذن له. ويقول: اشفع في فلان.

ولهذا كان أسعد النّاس بشفاعة سيّد الشّفعاء يوم القيامة أهل التّوحيد، الّذين جرّدوا التّوحيد وخلّصوه من تعلّقات الشّرك وشوائبه، وهم الّذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى (الأنبياء/ 28) وقال:


يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ 1ضلائكة المقرّبون. وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدّمون بين يديه، ولا يفعلون شيئا إلّا بعد إذنه لهم، وأمرهم. ولا سيّما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا.

فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيّدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتّخذهم شفعاء من دونه، ظنّا منه أنّه إذا فعل ذلك تقدّموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل النّاس بحقّ الرّبّ سبحانه وما يجب له. ويمتنع عليه.

فإنّ هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرّبّ تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتّخذ الرّجل من خواصّهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتّخذ المشركون من دون الله الشّفيع والوليّ.

فالشّفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم. فإنّ قيام مصالحهم بهم. وهم أعوانهم وأنصارهم، الّذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم.


ولولا هم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في النّاس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم. وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشّافع.

لأنّهم يخافون أن يردّوا شفاعتهم فتنتقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم. فلا يجدون بدّا من قبول شفاعتهم على الكره والرّضى.

فأمّا الغنيّ الّذي غناه من لوازم ذاته، وكلّ ما سواه فقير إليه بذاته. وكلّ من في السّماوات والأرض عبيد له، مقهورون بقهره، مصروفون بمشيئته.

لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزّه وسلطانه وملكه وربوبيّته وإلهيّته مثقال ذرّة، قال سبحانه في سيّدة آيالقرآن، آية الكرسيّ: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (البقرة/ 255) وقال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (الزّمر/ 44) .

فأخبر أنّ حال ملكه للسّموات والأرض يوجب أن تكون الشّفاعة كلّها له وحده، وأنّ أحدا لا يشفع عنده إلّا بإذنه، فإنّه ليس بشريك، بل مملوك محض. بخلاف شفاعة أهل الدّنيا بعضهم عند بعض.

شروط قبول الشفاعة

وسرّ الفرق بين الشّفاعتين: أنّ شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقا، ولا أمرا، ولا إذنا، بل هو سبب محرّك له من خارج كسائر الأسباب الّتي تحرّك الأسباب.

وهذا السّبب المحرّك قد يكون عند المتحرّك لأجله ما يوافقه، كمن يشفع عنده في أمر يحبّه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه، كمن يشفع إليه في أمر يكرهه، ثمّ قد يكون سؤاله، وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشّافع، وقد يكون المعارض الّذي عنده أقوى من شفاعة الشّافع، فيردّها ولا يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى متردّدا بين ذلك المعارض الّذي يوجب الرّدّ، وبين الشّفاعة الّتي تقتضي القبول، فيتوقّف إلى أن يترجّح عنده أحد الأمرين بمرجّح، فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هي سعي في سبب منفصل عن المشفوع إليه يحرّكه به، ولو على كره منه، فمنزلة الشّفاعة عنده منزلة من يأمر غيره، أو يكرهه على الفعل، إمّا بقوّة وسلطان، وإمّا برغبة، فلا بدّ أن يحصل للمشفوع إليه من الشّافع إمّا رغبة ينتفع بها، وإمّا رهبة منه تندفع عنه بشفاعته، وهذا بخلاف الشّفاعة عند الرّبّ سبحانه، فإنّه ما لم يخلق شفاعة الشّافع، ويأذن له فيها، ويحبّها منه، ويرضى عن الشّافع، لم يمكن أن توجد.

والشّافع لا يشفع عنده لحاجة الرّبّ إليه، ولا لرهبته منه، ولا لرغبته فيما لديه، وإنّما يشفع عنده مجرّد امتثال لأمره وطاعة له. فهو مأمور بالشّفاعة، مطيع بامتثال الأمر.

فإنّ أحدا من الأنبياء والملائكة، وجميع المخلوقات لا يتحرّك بشفاعة ولا غيرها إلّا بمشيئة الله تعالى وخلقه. فالرّبّ سبحانه وتعالى هو الّذي يحرّك الشّفيع حتّى يشفع، والشّفيع عند المخلوق هو الّذي يحرّك المشفوع إليه حتّى يقبل. والشّافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره.

وهو في الحقيقة شريكه.

ولو كان مملوكه وعبده. فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النّفع بالنّصر، والمعاونة.

وغير ذلك. كما أنّ الشّافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق، أو نصر، أو غيره، فكلّ منهما محتاج إلى الآخر «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: التوسل- التعاون على البر والتقوى- التناصر- الضراعة والتضرع- الإخاء.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- التخاذل- القسوة- التعاون على الإثم والعدوان] .

الآيات الواردة في «الشفاعة»

آيات تثبت عدم قبول الشفاعة

1- يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) «1»

2- يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) «2»

3- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) «3»

4- قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) «4»

5- وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71) «5»

6- الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) «6»

الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله تعالى

7- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) «1»

8- إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (4) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) «2»

9- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (106) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (108) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) «3»

10- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) «4»


11- قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْقالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) »

12-* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (26) «2»

الشفاعة لله- عز وجل

13- أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) «3»

الشفاعة يثاب عليها

14- مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) «4»

الشفاعة للكفار أمنية لا سبيل إليها

15- وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53) «5»

الشفاعة في سياق التحذير

16- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) «6»


الأحاديث الواردة في (الشفاعة)

1-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ، وأحلّت لي المغانم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة» ) * «1» .

2-* (عن أبي سعيد- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا أهل النّار الّذين هم أهلها، فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النّار بذنوبهم (أو قال بخطاياهم) فأماتهم إماتة حتّى إذا كانوا فحما، أذن بالشّفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر «2» .

فبثّوا على أنهار الجنّة. ثمّ قيل: يا أهل الجنّة أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبّة تكون في حميل السّيل» فقال رجل من القوم: كأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد كان بالبادية) * «3» .

3-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أوّل شفيع في الجنّة لم يصدّق نبيّ من الأنبياء ما صدّقت، وإنّ من الأنبياء نبيّا ما يصدّقه من أمّته إلّا رجل واحد» ) * «4» .

4-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- أنّه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا جاءه السّائل أو طلبت إليه حاجة قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ما شاء» ) * «5» .

5-* (عن عوف بن مالك الأشجعيّ- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتاني آت من عند ربّي فخيّرني بين أن يدخل نصف أمّتي الجنّة وبين الشّفاعة، فاخترت الشّفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا» ) * «6» .

6-* (عن عثمان بن حنيف- رضي الله عنه-:

أنّ رجلا ضرير البصر أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: «إن شئت أخّرت لك وهو خير وإن شئت دعوت» . فقال: ادعه.

فأمره أن يتوضّأ فيحسن وضوءه ويصلّي ركعتين، ويدعو بهذا الدّعاء:

«اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بمحمّد نبيّ الرّحمة. يا محمّد! إنّي قد توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي هذه لتقضى اللهمّ فشفّعه فيّ» ) * «7» .

7-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنّه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الرّجل يشفع للرّجلين والثّلاثة» ) * «1» .

8-* (عن معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنهما- أنّه قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الرّجل ليسألني الشّيء فأمنعه حتّى تشفعوا فيه فتؤجروا» وإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اشفعوا تؤجروا» ) * «2» .


9-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّه قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكر عنده عمّه أبو طالب.

فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح «3» من نار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه» ) * «4» .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتّى غفر له وهي سورة تبارك الّذي بيده الملك» ) * «5»

11-* (عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي أحرّم ما بين لابتي المدينة. أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها» .

وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. لا يدعها أحد رغبة عنها إلّا أبدل الله فيها من هو خير منه.

ولا يثبت أحد على لأوائها «6» وجهدها إلّا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» ) * «7» .

12-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خيّرت بين الشّفاعة وبين أن يدخل نصف أمّتي الجنّة فاخترت الشّفاعة، لأنّها أعمّ وأكفى، أترونها للمتّقين؟ لا. ولكنّها للمذنبين، الخطّائين المتلوّثين» ) * «8» .

13-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنّه قال: سألت نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم أن يشفع لي يوم القيامة قال: «أنا فاعل بهم» .

قال: فأين أطلبك يوم القيامة يا نبيّالله قال: «اطلبني أوّل ما تطلبني على الصّراط» قال:

قلت: فإذا لم ألقك على الصّراط. قال: «فأنا عند الميزان» . قال: قلت فإن لم ألقك عند الميزان. قال: «فأنا عند الحوض لا أخطأ هذه الثّلاث مواطن يوم القيامة» ) * «1» .

14-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- أنّه قال: شهدت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين، وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمّد إنّا أهل وعشيرة، فمنّ علينا، منّ الله عليك، فإنّه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك.

فقال: «اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم» . قالوا: خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا، نختار أبناءنا، فقال: «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم، فإذا صلّيت الظّهر، فقولوا: إنّا نستشفع برسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المؤمنين وبالمؤمنين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في نسائنا وأبنائنا» . قال:

ففعلوا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم» .

وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقالت الأنصار: مثل ذلك، وقال عيينة بن بدر: أمّا ما كان لي ولبني فزارة فلا، وقال الأقرع بن حابس: أمّا أنا وبنو تميم فلا، وقال عبّاس ابن مرداس: أمّا أنا وبنو سليم فلا، فقالت الحيّان: كذبت، بل هو لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أيّها الناس ردّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسّك بشيء من الفيء فله علينا ستّة فرائض من أوّل شيء يفيئه الله علينا» .

ثمّ ركب راحلته، وتعلّق به النّاس، يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتّى ألجأوه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال: «يا أيّها النّاس: ردّوا عليّ ردائي، فو الله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم، ثمّ لا تلفوني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» .

ثمّ دنا من بعيره، فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصابعه السّبّابة والوسطى، ثمّ رفعها، فقال: «يا أيّها النّاس ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلّا الخمس، والخمس مردود عليكم فردّوا الخياط والمخيط، فإنّ الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارا ونارا وشنارا، فقام رجل معه كبّة من شعر، فقال: إنّي أخذت هذه أصلح بها بردعة بعير لي دبر «2» ، قال: «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لك» ، فقال الرّجل: يا رسول الله أمّا إذ بلغت ما أرى، فلا أرب لي بها، ونبذها) * «3» .


15-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الصّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصّيام: أي ربّمنعته الطّعام والشّهوات بالنّهار فشفّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النّوم باللّيل فشفّعني فيه. قال: فيشفّعان» ) * «1» .

16-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (الإسراء/ 79) : سئل عنها قال: «هي الشّفاعة» ) * «2» .

17-* (عن خادم للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم (رجل أو امرأة) قال: كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممّا يقول للخادم ألك حاجة؟ قال: حتّى كان ذات يوم قال: يا رسول الله حاجتي. قال: «وما حاجتك؟» .

قال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة. قال: «ومن دلّك على هذا؟» .

قال: ربّي- عزّ وجلّ-. قال: «إمّا لا فأعنّي بكثرة السّجود» ) * «3» .

18-* (عن المقدام بن معد يكرب أنّه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «للشّهيد عند الله ستّ خصال:

يغفر له في أوّل دفعة، ويرى مقعده من الجنّة. ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدّنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه» ) * «4»

19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لكلّ نبيّ دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبأ دعوتي شفاعة لأمّتي في الآخرة» ) * «5» .

20-* (عن عبد الله بن شقيق- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليدخلنّ الجنّة بشفاعة رجل من أمّتي، أكثر من بني تميم» ) * «6» .

21-* (عن عبد الله بن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه مات ابن له بقديد أو بعسفان. فقال: يا كريب! انظر ما اجتمع له من النّاس.

قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له. فأخبرته. فقال: تقول هم أربعون؟ قال:

نعم. قال: أخرجوه. فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من رجل مسلم يموت،فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلّا شفّعهم الله فيه» ) * «1» .

22-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من ميّت تصلّي عليه أمّة من المسلمين يبلغون مائة كلّهم يشفعون له إلّا شفّعوا فيه» ) * «2» .

23-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- رضي الله عنه- أنّه قال: مرّ رجل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال:

«ما تقولون في هذا؟» . قالوا: حريّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفّع، وإن قال أن يستمع.

قال: ثمّ سكت. فمرّ رجل من فقراء المسلمين، فقال: «ما تقولون في هذا؟» . قالوا: حريّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفّع، وإن قال أن لا يستمع. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» ) * «3» .

24-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها، فإنّي أشفع لمن يموت بها» ) * «4» .

25-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّ ناسا في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربّنا يوم القيامة؟. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«نعم» . قال: «هل تضارّون في رؤية الشّمس بالظّهيرة صحوا ليس معها سحاب؟، وهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟» . قالوا: لا.

يا رسول الله! قال: «ما تضارّون في رؤية الله- تبارك وتعالى- يوم القيامة إلّا كما تضارّون في رؤية أحدهما «5» .

إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذّن ليتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد، كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب، إلّا يتساقطون في النّار. حتّى إذا لم يبق إلّا من كان يعبد الله من برّ وفاجر. وغبّر أهل الكتاب «6» .

فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟. قالوا: كنّا نعبد عزير ابن الله. فيقال:

كذبتم، ما اتّخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟. قالوا: عطشنا. يا ربّنا فاسقنا. فيشار إليهم:

ألا تردون؟ فيحشرون إلى النّار كأنّها سراب «7» يحطم بعضها بعضا. فيتساقطون في النّار. ثمّ يدعىالنّصارى.

فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنّا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم. ما اتّخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا. يا ربّنا فاسقنا. قال فيشار إليهم:

ألا تردون؟. فيحشرون إلى جهنّم كأنّها سراب يحطم بعضها بعضا «1» فيتساقطون في النّار. حتّى إذا لم يبق إلّا من كان يعبد الله تعالى من برّ وفاجر، أتاهم ربّ العالمين- سبحانه وتعالى- في أدنى صورة من الّتي رأوه فيها قال: فما تنتظرون؟ تتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربّنا فارقنا النّاس في الدّنيا أفقر ما كنّا إليهم «2» ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون:

نعوذ بالله منك. لا نشرك بالله شيئا (مرّتين أو ثلاثا) حتّى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب «3» . فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم.

فيكشف عن ساق «4» . فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلّا أذن الله له بالسجود. ولا يبقى من كان يسجد اتّقاء ورياء إلّا جعل الله ظهره طبقة واحدة «5» . كلّما أراد أن يسجد خرّ على قفاه.

ثمّ يرفعون رؤوسهم، وقد تحوّل في صورته الّتي رأوه فيها أوّل مرّة. فقال: أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربّنا. ثمّ يضرب الجسر على جهنّم. وتحلّ الشّفاعة «6» .

ويقولون: اللهمّ سلّم سلّم» . قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: «دحض مزلّة «7» فيه خطاطيف وكلاليب وحسك «8» . تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السّعدان.

فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالرّيح وكالطّير وكأجاويد الخيل والرّكاب «9» . فناجمسلّم. ومخدوش مرسل. ومكدوس في نار جهنّم «1» .

حتّى إذا خلص المؤمنون من النّار، فو الّذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدّ مناشدة لله، في استقصاء الحقّ «2» ، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الّذين في النّار. يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا ويصلّون ويحجّون. فيقال لهم:

أخرجوا من عرفتم. فتحرّم صورهم على النّار.

فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النّار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه. ثمّ يقولون: ربّنا ما بقي فيها أحد ممّن أمرتنا به.

فيقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير «3» فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثمّ يقولون: ربّنا لم نذر فيها أحدا ممّن أمرتنا.

ثمّ يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثمّ يقولون: ربّنا لم نذر فيها ممّن أمرتنا أحدا. ثمّ يقول:

ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثمّ يقولون: ربّنا لم نذر فيها خيرا «4» » . وكان أبو سعيد الخدريّ يقول: إن لم تصدّقوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم:

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (النساء/ 40) » . فيقول الله عزّ وجلّ-: شفعت الملائكة وشفع النّبيّون وشفع المؤمنون. ولم يبق إلّا أرحم الرّاحمين.

فيقبض قبضة من النّار «5» فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قطّ. قد عادوا حمما «6» . فيلقيهم في نهر في أفواه الجنّة «7» يقال له نهر الحياة.

فيخرجون كما تخرج الحبّة في حميل السّيل «8» . ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشّجر.

ما يكون إلى الشّمس أصيفر وأخيضر. وما يكونمنها إلى الظّلّ يكون أبيض «1» ؟» . فقالوا: يا رسول الله كأنّك كنت ترعى بالبادية. قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم «2» يعرفهم أهل الجنّة.

هؤلاء عتقاء الله «3» الّذين أدخلهم الله الجنّة بغير عمل عملوه ولا خير قدّموه. ثمّ يقول: ادخلوا الجنّة، فما رأيتموه، فهو لكم.

فيقولون: ربّنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: يا ربّنا أيّ شيء أفضل من هذا؟.

فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا» ) * «4» .

26-* (عن رويفع بن ثابت الأنصاريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من قال اللهمّ صلّ على محمّد وأنزله المقعد المقرّب عندك يوم القيامة شفعت له» ) * «5» .

27-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنّه قال: لمن سأله عن الورود.

فقال: «نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي ذلك فوق النّاس «6» ، قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأوّل فالأوّل، ثمّ يأتينا ربّنا بعد ذلك فيقول:

من تنظرون؟. فيقولون: ننظر ربّنا. فيقول: أنا ربّكم.

فيقولون: حتّى ننظر إليك. فيتجلّى لهم يضحك.

فينطلق بهم ويتّبعونه. ويعطى كلّ إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا. ثمّ يتّبعونه. وعلى جسر جهنّم كلاليب وحسك. تأخذ من شاء الله. ثمّ يطفأ نور المنافقين.

ثمّ ينجو المؤمنون. فتنجو أوّل زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر.

سبعون ألفا لا يحاسبون. ثمّ الّذين يلونهم كأضوأ نجم في السّماء. ثمّ كذلك. ثمّ تحلّ الشّفاعة. ويشفعون حتّى يخرج من النّار من قال: لا إله إلّا الله.

وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنّة. ويجعل أهل النّار يرشّون عليهم الماء حتّى ينبتوا نبات الشّيء في السّيل. ويذهب حراقه «7» .

ثمّ يسأل حتّى تجعل له الدّنيا وعشرة أمثالها معها» ) * «8» .

28-* (عن أبي بكرة- رضي الله عنه- أنّهقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يحمل النّاس على الصّراط يوم القيامة فتتقادع «1» بهم جنبة الصّراط تقادع الفراش في النّار.

قال فينجّي الله- تبارك وتعالى- برحمته من يشاء.

قال: ثمّ يؤذن للملائكة والنّبيّين والشّهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرّة من إيمان» ) * «2» .

29-* (عن عبد الله بن شقيق- رضي الله عنه- قال: كنت مع رهط بإيلياء، فقال رجل منهم:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يدخل الجنّة بشفاعة رجل من أمّتي أكثر من بني تميم» ، قيل:

يا رسول الله سواك؟. قال: «سواي» . فلمّا قام، قلت: من هذا؟.

قالوا: هذا ابن أبي الجدعاء) * «3» .

30-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: قيل يا رسول الله: من أسعد النّاس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد النّاس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلّا الله خالصا من قلبه، أو نفسه» ) * «4» .


الأحاديث الواردة في (الشفاعة) معنى

31-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله- عزّ وجلّ- ليرفع الدّرجة للعبد الصّالح في الجنّة، فيقول: يا ربّ أنّى لي هذه، فيقول: باستغفار ولدك لك» ) * «5» .

32-* (عن أبيّ بن كعب- رضي الله عنه- أنّه قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلّي. فقرأ قراءة أنكرتها عليه. ثمّ دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه.

فلمّا قضينا الصّلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقلت إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقرآ.

فحسّن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شأنهما. فسقط في نفسي من التّكذيب «6» ولا إذ كنت في الجاهليّة، ففقال لي: «يا أبيّ! أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف.

فرددت إليه: أن هوّن على أمّتي. فردّ إليّ الثّانية: اقرأه على حرفين. فرددت إليه: أن هوّن على أمّتي.

فردّ إليّ الثّالثة: اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكلّ ردّة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت: اللهمّ اغفر لأمّتي.

اللهمّ اغفر لأمّتي. وأخّرت الثّالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلّهم حتّى إبراهيم عليه السّلام» ) * «1» .

33-* (عن النّوّاس بن سمعان- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الّذين كانوا يعملون به.

تقدمه سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاثة أمثال، ما نسيتهنّ بعد، قال: كأنّهما غمامتان أو ظلّتان سوداوان بينهما شرق «2» أو كأنّهما حزقان «3» من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما» ) * «4» .

34-* (عن كعب بن مالك- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يبعث النّاس يوم القيامة، فأكون أنا وأمّتي على تلّ ويكسوني ربّي تبارك وتعالى- حلّة خضراء.

ثمّ يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذاك المقام المحمود» ) * «5» .

35-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا ربّ حلّه، فيلبس تاج الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ زده فيلبس حلّة الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكلّ آية حسنة» ) * «6» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الشفاعة)

36-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: إنّ أباه توفّي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلّم جابر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليشفع له إليه، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكلّم اليهوديّ، ليأخذ تمر نخله بالّتي له فأبى، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّخل فمشى فيها، ثمّ قال لجابر: «جدّ له فأوف له الّذي له» ، فجدّه بعد ما رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر وسقا، فجاء جابر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليخبره بالّذي كان فوجده يصلّي العصر، فلمّا انصرف أخبره بالفضل، فقال: «أخبر ذلك ابن الخطّاب» ، فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال له عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليباركنّ فيها) * «7» .


37-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه قال: «إنّ زوج بريرة كان عبدا يقال له: مغيث، كأنّي أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته،فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعبّاس: «يا عبّاس! ألا تعجب من حبّ مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا.

فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لو راجعته» . قالت: يا رسول الله! أتأمرني؟.

قال: «إنّما أنا أشفع» ، قالت: لا حاجة لي فيه) * «1» .

38-* (عن أمّ سلمة- رضي الله عنها- أنّها قالت: دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أبي سلمة وقد شقّ بصره فأغمضه، ثمّ قال: «إنّ الرّوح إذا قبض تبعه البصر» ، فضجّ ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلّا بخير، فإنّ الملائكة يؤمّنون على ما تقولون» ، ثمّ قال: «اللهمّ اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديّين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره ونوّر له فيه» ) * «2» .


39-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سألت ربّي- عزّ وجلّ- فوعدني أن يدخل من أمّتي سبعين ألفا على صورة القمر ليلة البدر، فاستزدت فزادني مع كلّ ألف سبعين ألفا، فقلت: أي ربّ! إن لم يكن هؤلاء مهاجري أمّتي. قال: إذن أكملهم لك من الأعراب» ) * «3» .

40-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة كذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربّنا، فيأتون آدم فيقولون:

أنت أبو النّاس. خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كلّ شيء، فاشفع لنا عند ربّك حتّى يريحنا من مكاننا هذا . فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه، فيستحي. ائتوا نوحا، فإنّه أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.


فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربّه ما ليس له به علم، فيستحي فيقول ائتوا خليل الرّحمن.

فيأتونه، فيقول: لست هناكم ائتوا موسى عبدا كلّمه الله وأعطاه التّوراة، فيأتونه فيقول: لست هناكم ويذكر قتل النّفس بغير نفس، فيستحي من ربّه فيقول ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه، فيقول:

لست هناكم، ائتوا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبدا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فيأتوني، فأنطلق حتّى أستأذن على ربّي فيؤذن، فإذا رأيت ربّي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء، ثمّ يقال:

ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفّع.

فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلّمنيه، ثمّ أشفّع، فيحدّ لي حدّا، فأدخلهم الجنّة. ثمّ أعود إليه. فإذا رأيت ربّي مثله- ثمّ أشفّع فيحدّ لي حدّا، فأدخلهم الجنّة، ثمّ أعود الثّالثة. ثمّ أعود الرّابعة فأقول:

ما بقي في النّار إلّا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود.

فقال صلّى الله عليه وسلّم: «يخرج من النّار من قال لا إله إلّا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثمّ يخرج من النّار من قال: لا إله إلّا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برّة، ثمّ يخرج من النّار من قال لا إله إلّا الله، وكان في قلبه (من الخير) ما يزن ذرّة» ) * «4» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الشفاعة)

1-* (قال ابن عمر- رضي الله عنهما-:

«يجيء القرآن يشفع لصاحبه، يقول: يا ربّ لكلّ عامل عمالة من عمله، وإنّي كنت أمنعه اللّذّة والنّوم فأكرمه، فيقال: ابسط يمينك فيملأ من رضوان الله، ثمّ يقال:

ابسط شمالك فيملأ من رضوان الله، ويكسى كسوة الكرامة، ويحلّى حلية الكرامة ويلبس تاج الكرامة» ) * «1» .

2-* (قال ابن مسعود- رضي الله عنه-:

«يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه فيكون له قائدا إلى الجنّة، ويشهد عليه، ويكون سائقا به إلى النّار» ) * «2» .

3-* (وقال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-: «إنّ هذا القرآن مأدبة الله فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله والنّور والشّافع النّافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوجّ فيقوّم ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرّدّ، فاتلوه فإنّ الله يأجركم على تلاوته، بكلّ حرف عشر حسنات، أما إنّي لا أقول: الم، ولكن بألف ولام وميم» ) * «3» .

4-* (قال ابن عبّاس- رضي الله عنهما-:

«السّابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنّة برحمة الله، والظّالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنّة بشفاعة محمّد صلّى الله عليه وسلّم» ) * «4» .

5-* (قال عروة بن الزّبير: «لقي الزّبير سارقا فشفّع فيه، فقيل له حتّى يبلغ الإمام، فقال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشّافع والمشفّع» ) * «5» .

6-* (قال عكرمة- رحمه الله تعالى-: «إنّ عبّاسا وعمّارا والزّبير أخذوا سارقا فخلّوا سبيله فقلت لابن عبّاس: بئسما صنعتم حين خلّيتم سبيله، فقال: لا أمّ لك! أما لو كنت أنت لسرّك أن يخلّى سبيلك» ) * «6» .

7-* (كان أبو المليح- رحمه الله تعالى- يصلّي على جنازة فظنّوا أنّه قد كبّر، فأقبل عليهم بوجهه وقال: «أقيموا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم» ) * «7» .

8-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله-:

أحبّ الصّالحين ولست منهم ... لعلّي أن أنال بهم شفاعةوأكره من تجارته المعاصي ... ولو كنّا سواء في البضاعة) * «1» .

9- (قال أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- لتلميذه مهنّا لمّا سأله فقال: رجل ظلمني وتعدّى عليّ ووقع في شيء عند السّلطان أعين عليه عند السّلطان؟

قال أحمد: «لا، بل اشفع فيه إن قدرت» . قال: سرقني في المكيال والميزان أدسّ إليه من يوقفه على السّرقة؟.

قال أحمد: «إن وقع في شيء فقدرت أن تشفع له فاشفع له» ) * «2» .

10-* (قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى-: «نقل ابن عبد البرّ وغيره: جواز الشّفاعة فيما يقتضي التّعزير» ) * «3» .

11-* (وقال ابن عبد البرّ أيضا: «لا أعلم خلافا أنّ الشّفاعة في ذوي الذّنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السّلطان، وأنّ على السّلطان أن يقيمها إذا بلغته» ) * «4» .

من فوائد (الشفاعة)

(1) من دلائل كمال الإيمان وحسن الإسلام.

(2) دليل كمال شفقة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

(3) بها ترفع الدّرجات وتقال العثرات وتقضى الحاجات.

(4) دليل حبّ الله ورضاه عن الشّافع والمشفوع به لمن وقعت منه، ووسيلة الحبّ والرّضا لمن يتطلّع إليه.

(5) هي للمسلمين أحبّ من فضائل أعمالهم.

(6) دليل حبّ الخير للآخرين وحسن الظّنّ بهم.

(7) يحتاج إليها كلّ الخلق يوم القيامة حتّى الفضلاء والمقرّبون.

(8) دليل رقّة قلب الشّافع ورحمته بغيره.

(9) تزيد من الألفة والتّرابط بين الأفراد في المجتمع الإسلاميّ.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٦٥٦ مرة.