أدوات شخصية
User menu

الشورى

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الشورى لغة

اسم للمشاورة، وكلاهما مأخوذ من مادّة (ش ور) الّتي تدلّ على أخذ شيء من شيء «1» ، وقال بعض أهل اللّغة: من هذا الباب شاورت فلانا في أمري، وهو مشتقّ من شور العسل وكأنّ المستشير يأخذ الرّأي من غيره، يقال: شاوره في الأمر مشاورة. طلب منه المشورة. وأشار به: عرّفه. وأشار إليه وعليه بيده وبعينه وبحاجبه: أومأ. وأشار عليه بكذا: أمره وارتآه له، وبيّن له وجه المصلحة، ودلّه على الصّواب «2» . وفي المصباح: أشار في كذا (أي جعل التّعدية ب (في) لا بالباء. واستشرته راجعته لأرى رأيه، فأشار عليّ بكذا أي أراني ما عنده فيه من المصلحة فكانت إشارته حسنة. والاسم:

المشورة. والشّورى: اسم من أشار عليه بكذا، بمعنى استخراج الرّأي. ومنه أهل المشورة ومجلس الشّورى، وهي مصدر بمعنى التّشاور. والمشورة:

الشّورى، وكذا المشورة بضمّ الشّين، تقول: شاوره في الأمر واستشاره بمعنى. وفلان خيّر شيّر أي

يصلح للمشاورة. وجمعه شوراء، والمشيرة: الإصبع السّبّابة «3» .

واصطلاحا

استنباط المرء الرّأي من غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور، ويكون ذلك في الأمور الجزئيّة الّتي يتردّد المرء فيها بين فعلها وتركها «4» .

شروط المستشار

وقد اشترطوا لأهليّة المستشار شروطا خمسة:

1- عقل كامل مع تجربة سالفة، قال أبو الأسود الدّؤليّ:

وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... ولا كلّ مؤت نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند صاحب ... فحقّ له من طاعة بنصيب 2- أن يكون ذا دين وتقى: فقد ورد في الأثر عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما-: من أراد أمرا فشاور فيه امرءا مسلما وفّقه الله لأرشد أموره.

3- أن يكون ناصحا ودودا، فإنّ النّصحوالمودّة يصدّقان الفكرة ويمحّضان «1» الرّأي.

4- أن يكون سليم الفكر من همّ قاطع، وغمّ شاغل، فإنّ من عارضت فكره شوائب الهموم لا يسلم له رأي، ولا يستقيم له خاطر.

5- ألّا يكون له في الأمر المستشار فيه غرض يتابعه، ولا هوى يساعده، فإنّ الأغراض جاذبة والهوى صادّ «2» ، والرّأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: الإرشاد- التعاون على البر والتقوى- التناصر- القدوة الحسنة- النظام الاجتماع] .

وفي ضد ذلك: انظر صفات: اتباع الهوى- التفرق- التنازع- التهاون- التفريط والإفراط] .

الآيات الواردة في «الشورى»

آيات الشورى فيها على سبيل الأمر

1- فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) «4»

آيات الشورى فيها وصف للمؤمنين

2- فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) «5


الأحاديث الواردة في (الشورى)

1-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: أتاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إنّي سأعرض عليك أمرا، فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتّى تشاوري أبويك» .

فقلت: وما هذا الأمر؟. قالت: فتلا عليّ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (الأحزاب/ 28- 29) .

قالت عائشة: فقلت: وفي أيّ ذلك تأمرني أشاور أبويّ، بل أريد الله ورسوله والدّار الآخرة.

قالت: فسرّ بذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأعجبه، وقال سأعرض على صواحبك ما عرضت عليك، قالت: فقلت له: فلا تخبرهنّ بالّذي اخترت، فلم يفعل، وكان يقول لهنّ كما قال لعائشة، ثمّ يقول: قد اختارت عائشة الله ورسوله والدّار الآخرة، قالت عائشة: قد خيّرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم نر ذلك طلاقا) * «1» .

2-* (عن أبي برزة الأسلميّ- رضي الله عنه- أنّ جليبيبا كان امرأ يدخل على النّساء يمرّ بهنّ ويلاعبهنّ، فقلت لامرأتي: لا يدخلنّ عليكم جليبيب، فإنّه إن دخل عليكم لأفعلنّ ولأفعلنّ، قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيّم «2» لم يزوّجها، حتّى يعلم هل للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيها حاجة أم لا؟، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرجل من الأنصار: «زوّجني ابنتك» ، فقال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عيني، فقال: إنّي لست أريدها لنفسي، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: «لجليبيب» ، قال: فقال: يا رسول الله أشاور أمّها فأتى أمّها، فقال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب ابنتك، فقالت: نعم ونعمة عيني، فقال:

إنّه ليس يخطبها لنفسه، إنّما يخطبها لجليبيب، فقالت: أجليبيب؟، إنيه «3» أجليبيب؟ إنيه. أجليبيب؟ إنيه لا. لعمر الله لا تزوّجه، فلمّا أراد أن يقوم ليأتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليخبره بما قالت أمّها، قالت الجارية:

من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمّها، فقالت: أتردّون على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمره، ادفعوني. فإنّه لم يضيّعني.

فانطلق أبوها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، قال: شأنك بها فزوّجها جليبيبا، قال: فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة له، قال: فلمّا أفاء الله عليه قال لأصحابه:

«هل تفقدون من أحد؟» ، قالوا: نفقد فلانا ونفقد فلانا. قال: «انظروا هل تفقدون من أحد؟» . قالوا: لا.

قال: «لكنّي أفقد جليبيبا» . قال: «فاطلبوه في القتلى» قال: فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثمّ قتلوه.

فقالوا: يا رسول الله! ها هو ذا إلى جنب سبعة قدقتلهم ثمّ قتلوه، فأتاه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقام عليه. فقال:

«قتل سبعة وقتلوه، هذا منّي وأنا منه، هذا منّي وأنا منه» مرّتين أو ثلاثا، ثمّ وضعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ساعديه، وحفر له.

ما له سرير إلّا ساعدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ وضعه في قبره، ولم يذكر أنّه غسّله. قال ثابت:

فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها، وحدّث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا قال: هل تعلم ما دعا لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللهمّ صبّ عليها الخير صبّا، ولا تجعل عيشها كدّا كدّا» «1» قال:

فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها، قال أبو عبد الرّحمن: ما حدّث به في الدّنيا أحد إلّا حمّاد بن سلمة، ما أحسنه من حديث) * «2» .

3-* (عن الزّبير- رضي الله عنه- أنّه خاصم رجلا من الأنصار، قد شهد بدرا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شراج من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للزّبير: «اسق يا زبير ثمّ أرسل إلى جارك» .

فغضب الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله! أن كان ابن عمّتك؟. فتلوّن «3» وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ قال: اسق، ثمّ احبس حتّى يبلغ الجدر. فاستوعى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حينئذ حقّه للزّبير.

وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل ذلك أشار على الزّبير برأي سعة له وللأنصاريّ، فلمّا أحفظ الأنصاريّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استوعى للزّبير حقّه في صريح الحكم، قال عروة.

قال الزّبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلّا في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ (النساء: الآية 65)) * «4» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «البكر تستأمر، والثّيّب تشاور» ، قيل: يا رسول الله! إنّ البكر تستحي. قال:

«سكوتها رضاها» ) * «5» .

5-* (عن صهيب- رضي الله عنه- قال:

كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا صلّى همس شيئا لا نفهمه، ولا يحدّثنا به، قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فطنتم لي» .

قال قائل: نعم، قال: «فإنّي قد ذكرت نبيّا من الأنبياء أعطى جنودا من قومه، فقال: من يكافيء؟ هؤلاء، أو من يقوم لهؤلاء- أو كلمة شبيهة بهذه- (شكّ سليمان) - قال: فأوحى الله إليه اختر لقومك بين إحدى ثلاث: إمّا أن أسلّط عليهم عدوّا من غيرهم، أو الجوع، أو الموت، قال: فاستشار قومه في ذلك فقالوا: أنت نبيّ الله نكل ذلك إليك، فخر لنا، قال:

فقام إلى صلاته، قال: وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصّلاة، قال: فصلّى، قال: أمّا عدوّ من غيرهم فلا، أو الجوع فلا، ولكن الموت، قال: فسلّط عليهم الموت ثلاثة أيّام فمات منهم سبعون ألفا، فهمسي الّذيترون أنّي أقول: اللهمّ يا ربّ بك أقاتل، وبك أصاول «1» ولا حول ولا قوّة إلّا بالله» ) * «2» .

6-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «المستشار مؤتمن» ) * «3» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تقوّل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النّار، ومن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أفتى بفتيا غير ثبت فإنّما إثمه على من أفتاه» ) * «4» .

8-* (عن معاوية بن جاهمة- رضي الله عنهما-:

أنّ جاهمة جاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك. فقال: «هل لك من أمّ» ؟ قال: نعم. قال: «فالزمها، فإنّ الجنّة عند رجلها» ) * «5» .

الأحاديث الواردة في (الشورى) معنى

9-* (عن مروان والمسور بن مخرمة- رضي الله عنهما-: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «معي من ترون، وأحبّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطّائفتين: إمّا السّبي وإمّا المال.

وقد كنت استأنيت بكم» وكان أنظرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطّائف- فلمّا تبيّن لهم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غير رادّ إليهم إلّا إحدى الطّائفتين قالوا: فإنّا نختار سبينا، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد فإنّ إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ منكم أن يطيّب ذلك فليفعل.

ومن أحبّ منكم أن يكون على حظّه حتّى نعطيه إيّاه من أوّل ما يفيء «6» الله علينا فليفعل» . فقال النّاس: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «إنّا لا ندري من أذن منكم فيذلك ممّن لم يأذن، فارجعوا حتّى يرفع إلينا عرفاؤكم «1» أمركم» .

فرجع النّاس، فكلّمهم عرفاؤهم، ثمّ رجعوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبروه أنّهم قد طيّبوا وأذنوا. هذا الّذي بلغني عن سبي هوازن) * «2» .


10-* (عن رافع بن خديج- رضي الله عنه- قال: قدم نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة. وهم يأبرون «3» النّخل يقولون: يلقّحون النّخل.

فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنّا نصنعه. قال: «لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيرا» فتركوه. فنفضت «4»

- أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنّما أنا بشر.

إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشيء من رأي «5» فإنّما أنا بشر» ) * «6» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الشورى)

11-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: استشار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الأسارى أبا بكر، فقال:

قومك وعشيرتك فخلّ سبيلهم. فاستشار عمر، فقال: اقتلهم، قال: ففداهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله عزّ وجلّ-: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ «7» فِي الْأَرْضِ- إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً (الأنفال/ 67- 69) قال فلقي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عمر، قال: «كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء» ) * «8» .

12-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شاور، حين بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلّم أبو بكر، فأعرض عنه.

ثمّ تكلّم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن معاذ، فقال: إيّانا تريد؟ يا رسول الله! والّذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها «9» .

ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها «10» إلى برك الغماد «11» لفعلنا.

قال: فندب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّاس. فانطلقوا حتّى نزلوا بدرا.

ووردت عليهم روايا قريش «1» . وفيهم غلام أسود لبني الحجّاج. فأخذوه. فكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: ما لي علم بأبي سفيان.

ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأميّة ابن خلف.

فإذا قال ذلك ضربوه فقال: نعم. أنا أخبركم. هذا أبو سفيان.

فإذا تركوه فسألوه فقال: مالي بأبي سفيان علم. ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأميّة بن خلف في النّاس. فإذا قال هذا أيضا ضربوه.

ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائم يصلّي. فلمّا رأى ذلك انصرف «2» .

قال: «والّذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم» . قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هذا مصرع فلان» قال: ويضع يده على الأرض، هاهنا وهاهنا. قال: فما ماط «3» أحدهم عن موضع يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) * «4» .

13-* (عن زيد بن ثابت- رضي الله عنه- قال: كان النّاس في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتبايعون الثّمار فإذا جدّ «5» النّاس، وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنّه أصاب الثّمر الدّمان، (أصابه مرض) ، أصابه قشام- عاهات يحتجّون بها- فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا كثرت عنده الخصومة في ذلك:

«فأمّا لا فلا تتبايعوا حتّى يبدو صلاح الثّمر» ، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم. وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنّ زيد ابن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتّى تطلع الثّريّا، فيتبيّن الأصفر من الأحمر) * «6»

14-* (عن عليّ- رضي الله عنه- قال: لمّا كان يوم الحديبية، خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا:

يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقّائنا وليس لهم فقه في الدّين، وإنّما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا.

قال: «فإن لم يكن لهم فقه في الدّين سنفقّههم» فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر قريش لتنتهنّ أو ليبعثنّ الله عليكم من يضرب رقابكم بالسّيف على الدّين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان» .

قالوا: من هو يا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ قال: «هو خاصف «7» النّعل» وكان أعطى عليّا نعله يخصفها، ثمّ التفت إلينا عليّ فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» ) * «8» .

15-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: لمّا ذكر من شأني الّذي ذكر، وما علمت به، قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطيبا فتشهّد.

فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثمّ قال: «أمّا بعد.

أشيروا عليّ في أناسأبنوا أهلي «1» . وايم الله ما علمت على أهلي من سوء قطّ. وأبنوهم، بمن؟ والله ما علمت عليه من سوء قطّ، ولا دخل بيتي قطّ إلّا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلّا غاب معي» .

وساق الحديث بقصّته. وفيه:

ولقد دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيتي فسأل جاريتي.

فقالت: والله ما علمت عليها عيبا، إلّا أنّها كانت ترقد حتّى تدخل الشّاة فتأكل عجينها. أو قالت خميرها (شكّ هشام) فانتهزها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. حتّى أسقطوا لها به «2» .

فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلّا ما يعلم الصّائغ على تبر الذّهب الأحمر «3» . وقد بلغ الأمر ذلك الرّجل الّذي قيل له.

فقال: سبحان الله! والله ما كشفت عن كنف أنثى قطّ. قالت عائشة: وقتل شهيدا في سبيل الله.

وفيه أيضا من الزّيادة: وكان الّذين تكلّموا به مسطح وحمنة وحسّان. وأمّا المنافق عبد الله بن أبيّ، فهو الّذي كان يستوشيه «4» ويجمعه. وهو الّذي تولّى كبره، وحمنة) * «5» .

16-* (عن عبد الله- رضي الله عنه- قال: لمّا كان يوم بدر، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى» قال: فقال أبو بكر- رضوان الله عليه-: يا رسول الله! قومك وأهلك استفدهم واستأدهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، قال: وقال عمر:

يا رسول الله! أخرجوك وكذّبوك، قرّبهم فاضرب أعناقهم، قال: وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثمّ أضرمه عليهم نارا، قال: فقال العبّاس: قطعتك رحمك، قال:

فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يردّ عليهم، فقال ناس:

يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، قال:

فخرج عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «إنّ الله- عزّ وجلّ- ليلين قلوب رجال فيه حتّى تكون ألين من اللّبن، وإنّ الله- عزّ وجلّ- ليشدّد قلوب رجال فيه حتّى تكون أشدّ من الحجارة وإنّ مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (إبراهيم/ 36) ، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى صلّى الله عليه وسلّم قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (المائدة/ 118) ، وإنّ مثلك يا عمر كمثل- نوح صلّى الله عليه وسلّم قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (نوح/ 26) ، وإنّ مثلك يا عمر كمثل موسى صلّى الله عليه وسلّم قال: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (يونس/ 88) ، أنتم عالة فلا ينقلبنّ أحد منهم إلّا بفداء- أو ضربة عنق» قال عبد الله:

فقلت إلّا سهيل بن بيضاء، فإنّي قد سمعته يذكرالإسلام، قال: فسكتّ، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن يقع عليّ حجارة من السّماء في ذلك اليوم. حتّى قال إلّا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله- عزّ وجلّ- لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقوله: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ «1» فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «2» ) * «3» .


17-* (عن عائشة- رضي الله عنها- حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، قالت: ودعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد- رضي الله عنهما- حين استلبث الوحي يسألهما، وهو يستشيرهما في فراق أهله، فأمّا أسامة، فأشار بالّذي يعلم من براءة أهله، وأمّا عليّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنّساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فقال: «هل رأيت من شيء يريبك؟» قالت: ما رأيت أمرا أكثر من أنّها جارية حديثة السّنّ تنام عن عجين أهلها فتأتي الدّاجن فتأكله.


فقام على المنبر فقال: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلّا خيرا» وذكر براءة عائشة، وقال أبو أسامة عن هشام وعنها قالت: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطب النّاس فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ما تشيرون عليّ في قوم يسبّون أهلي ما علمت عليهم من سوء قطّ» وعن عروة قال: لمّا أخبرت عائشة بالأمر، قالت: يا رسول الله! أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي؟ فأذن لها، وأرسل معها الغلام.

وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم) * «4» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الشورى)

1-* (عن ميمون بن مهران، قال: كان أبو بكر الصّدّيق إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى به، وإن لم يعلم خرج فسألالمسلمين عن السّنّة، فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم) * «1» .


2-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- «الرّجال ثلاثة: رجل ترد عليه الأمور، فيسدّدها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرّأي، ورجل حائر بائر «2» لا يأتمر رشدا، ولا يطيع مرشدا» ) * «3» .


3-* (قال عليّ- رضي الله عنه-: «نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد» ) * «4» .

4-* (عن عبد الله بن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّ عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- خرج إلى الشّام حتّى إذا كان بسرغ «5» لقيه أمراء الأجناد- أبو عبيدة ابن الجرّاح وأصحابه- فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بأرض الشّام.

قال ابن عبّاس: فقال عمر: «ادع لي المهاجرين الأوّلين، فدعاهم، فاستشارهم، وأخبرهم أنّ الوباء قد وقع في الشّام، فاختلفوا: فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر، ولا نرى أن نرجع عنه. وقال بعضهم: معك بقيّة النّاس وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عنّي.

ثمّ قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عنّي.


ثمّ قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالنّاس ولا تقدمهم على هذا الوباء.

فنادى عمر في النّاس: إنّي مصبّح على ظهر، فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجرّاح:

أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.

أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديا له عدوتان «6» : إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟

قال: فجاء عبد الرّحمن بن عوف- وكان متغيّبا في بعض حاجته- فقال: إنّ عندي في هذا علما، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» . قال: فحمد الله عمر، ثمّ انصرف) * «7» .

5-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النّفر الّذين يدنيهم عمر، وكان القرّآء أصحاب مجالس عمر، ومشاورته كهولا كانوا أو شبّانا.

فقال عيينة لابن أخيه: يابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عبّاس: فاستأذن الحرّ لعيينة، فأذنله عمر، فلمّا دخل عليه، قال: هيه يابن الخطّاب فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل.

فغضب عمر حتّى همّ به، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين، إنّ الله تعالى قال لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف/ 199) وإنّ هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافا عند كتاب الله) * «1» .

6-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال:

كنت أقرأ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرّحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطّاب في آخر حجّة حجّها، إذ رجع إليّ عبد الرّحمن، فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر، لقد بايعت فلانا، فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلّا فلتة فتمّت، فغضب عمر ... الحديث وفيه: ثمّ قال: إنّه بلغني أنّ قائلا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترّنّ امرؤ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا إنّها قد كانت كذلك، ولكنّ الله وقى شرّها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الّذي بايعه تغرّة «2» أن يقتلا ... الحديث) * «3» .

7-* (عن المسور بن مخرمة- رضي الله عنه-:

أنّ الرّهط الّذين ولّاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرّحمن: لست بالّذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنّكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرّحمن، فلمّا ولوا عبد الرّحمن أمرهم فمال النّاس على عبد الرّحمن حتّى إذا كانت اللّيلة الّتي أصبحنا منها، فبايعنا عثمان- قال المسور- طرقني عبد الرّحمن بعد هجع من اللّيل، فضرب الباب حتّى استيقظت، فقال: أراك نائما، فو الله ما اكتحلت هذه الثّلاث بكثير نوم.

انطلق فادع الزّبير وسعدا، فدعوتهما له، فشاورهما، ثمّ دعاني فقال: ادع لي عليّا، فدعوته، فناجاه حتّى ابهارّ اللّيل «4» . ثمّ قام عليّ من عنده، وهو على طمع، وقد كان عبد الرّحمن يخشى من عليّ شيئا.

ثمّ قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتّى فرّق بينهم المؤذّن بالصّبح.

فلمّا صلّى للنّاس الصّبح واجتمع أولئك الرّهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد- وكانوا وافوا تلك الحجّة مع عمر- فلمّا اجتمعوا تشهّد عبد الرّحمن، ثمّ قال: أمّا بعد يا عليّ إنّي قد نظرت في أمر النّاس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلنّ على نفسك سبيلا. 

فقال: أبايعك على سنّة الله وسنّة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرّحمن وبايعه النّاس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون) «5» .

8-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه-:

أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم جلد في الخمر بالجريد والنّعال، ثمّ جلد أبو بكر أربعين. فلمّا كان عمر، ودنا الناس من الرّيف والقرى، قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرّحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخفّ الحدود.

قال: فجلد عمر ثمانين» ) * «1» .

9-* (عن المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- عن عمر- رضي الله عنه-، أنّه استشارهم في إملاص المرأة «2» ، فقال المغيرة: قضى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالغرّة «3» عبد أو أمة) * «4» .

10-* (وقال عمر بن عبد العزيز: «إنّ المشورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة، لا يضلّ معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم» ) * «5» .

11-* (عن معدان بن أبي طلحة: أنّ عمر بن الخطّاب خطب يوم الجمعة. فذكر نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم، وذكر أبا بكر.

قال: إنّي رأيت كأنّ ديكا نقرني ثلاث نقرات. إنّي لا أراه إلّا حضور أجلي. وإنّ أقواما يأمرونني أن أستخلف. وإنّ الله لم يكن ليضيّع دينه، ولا خلافته، ولا الّذي بعث به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم.

فإن عجل بي أمر. فالخلافة شورى بين هؤلاء السّتّة. الذّين توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو عنهم راض. وإنّي قد علمت أنّ أقواما يطعنون في هذا الأمر. أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام.

فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله، الكفرة الضّلّال. ثمّ إنّي لا أدع بعدي شيئا أهمّ عندي من الكلالة «6» .

ما راجعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شيء ما راجعته في الكلالة. وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه. حتّى طعن بإصبعه في صدري.

قال: «يا عمر! ألا تكفيك آية الصّيف «7» الّتي في آخر سورة النّساء؟» وإنّي إن أعش أقض فيها بقضيّة. يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن.

ثمّ قال: اللهمّ إنّي أشهدك على أمراء الأمصار. وإنّي إنّما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم، وليعلّموا النّاس دينهم، وسنّة نبيّهم صلّى الله عليه وسلّم، ويقسموا فيهم فيئهم «8» ، ويرفعوا إليّ ما أشكل عليهم من أمرهم. ثمّ إنّكم، أيّها النّاس تأكلون شجرتين لا أراهما إلّا خبيثتين.

هذا البصل والثّوم. لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد، أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا» ) * «9» .

12-* (قال عياض الأشعريّ: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة بن الجرّاح، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض، وليس عياض هذا بالّذي حدّث سماكا، قال:

وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة. قال: فكتبناإليه: إنّه قد جاش إلينا الموت «1» ، واستمددناه، فكتب إلينا، إنّه قد جاءني كتابكم تستمدّوني، وإنّي أدلّكم على من هو أعزّ نصرا وأحضر جندا، الله- عزّ وجلّ- فاستنصروه، فإنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم قد نصر يوم بدر في أقلّ من عدّتكم، فإذا أتاكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني، قال: فقاتلناهم فهزمناهم وقتلناهم أربع فراسخ، قال:

وأصبنا أموالا، فتشاوروا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كلّ رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنّي «2» فقال شابّ: أنا إن لم تغضب، قال: فسبقه، فرأيت عقيصتي «3» أبي عبيدة تنقزان «4» وهو خلفه على فرس عري) * «5» .

13-* (عن الحسن- رحمه الله- قال:

«والله، ما استشار قوم قطّ إلّا هدوا لأفضل ما بحضرتهم، ثمّ تلا وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ (الشورى/ 38) » ) * «6» .

14-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله-: «إنّما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبّهه على ما يغفل عنه، ويدلّه على ما لا يستحضره من الدّليل لا ليقلّد المشير فيما يقوله، فإنّ الله لم يجعل هذا لأحد بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» ) * «7» .

15-* (وقال الماورديّ: «اعلم أنّ من الحزم لكلّ ذي لبّ، ألّا يبرم أمرا ولا يمضي عزما إلّا بمشورة ذي الرّأي النّاصح، ومطالعة ذي العقل الرّاجح» ) * «8» .


16-* (قال أحدهم: «من أعجب برأيه لم يشاور، ومن استبدّ برأيه كان من الصّواب بعيدا» ) * «9» .

17-* (وقال أحدهم: «المشاور في رأيه، ناظر من ورائه» ) * «10» .

18-* (وقيل في منثور الحكم: «المشاورة راحة لك، وتعب على غيرك» ) * «11» .

19-* (وقال بعض الحكماء: «الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه» ) * «12» .

20-* (وقال بعض الأدباء: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار» ) * «13» .

21-* (وقال بعض البلغاء: «من حقّ العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرّأي الفذّ ربّما زلّ، والعقل الفرد ربّما زلّ» ) * «14» .


22-* (وقال بشّار بن برد:

إذا بلغ الرّأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي قوّة للقوادم) * «1» .

23-* (وقال آخر:

«خليليّ ليس الرّأي في صدر واحد ... أشيرا عليّ بالّذي تريان) * «2» .

24-* (قال ابن عطيّة: والشّورى من قواعد الشّريعة وعزائم الأحكام من لا يستشير أهل العلم والدّين فعزله واجب هذا ما لا خلاف فيه وقد مدح الله المؤمنين بقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ (الشورى/ 38) قال أعرابيّ: ما غبنت قطّ حتّى يغبن قومي.

قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئا حتّى أشاورهم.

وقال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب، ووجوه النّاس فيما يتعلّق بالمصالح، ووجوه الكتّاب والوزراء والعمّال فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها. وكان يقال: ما ندم من استشار، وكان يقال من أعجب برأيه ضلّ) * «3» .

25-* (عن الحسن البصريّ والضّحّاك قالا:

ما أمر الله تعالى نبيّه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم وإنّما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمّته من بعده وفي قراءة ابن عبّاس:

  • وشاورهم في بعض الأمر) «4» .

26-* (قال الشّاعر:

شاور صديقك في الخفيّ المشكل ... واقبل نصيحة ناصح متفضّل فالله قد أوصى بذاك نبيّه ... في قوله شاورهم وتوكّل) * «5» .

27-* (قال الحسن: «ما كمل دين امرئ ما لم يكمل عقله» .


فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في الصّلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه) * «6» .

28-* (قال القرطبيّ: وصفة المستشار في أمور الدّنيا أن يكون عاقلا مجرّبا وادّا في المستشير) * «7» .

29-* (قال الشّاعر:

وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه) * «8» .

30-* (وقال ابن العربيّ: الشّورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصّواب، وما تشاور قوم إلّا هدوا) * «9» .


31-* (قال القرطبيّ: والشّورى مبنيّة على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقربها قولا إلى الكتاب والسّنّة إن أمكنه فإذا أرشده الله- تعالى- إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكّلا عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب) * «1» .

32-* (وقال بعضهم: شاور من جرّب الأمور، فإنّه يعطيك من رأيه ما دفع عليه غاليا وأنت تأخذه مجّانا) * «2» .


== من فوائد (الشورى) ==

(1) الشّورى من مبادإ الإسلام السّمحة في نظام الحكم.

(2) النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شاور المؤمنين ليطيّب بذلك قلوبهم وليشجّعهم على المضيّ في نشر الدّين والدّعوة إلى الله- عزّ وجلّ-.

(3) لقد مدح الله المؤمنين بانتها جهم مبدأ الشّورى بينهم.

(4) الشّورى: تبعث في النّاس حبّ التّعاون مع المسئولين وتشجّعهم على تحمّل مسئوليّاتهم أمام مجتمعهم.

(5) شورى- ما يدعونه- الدّيمقراطيّة تعتمد رأي الأكثريّة مهما كان شأنها، وشورى الإسلام تعتمد رأي العلماء الأتقياء المخلصين من رجال الأمّة.

(6) الشّورى والتّشاور كما تكون في الأمور العامّة بين الحاكم والمحكومين تكون أيضا في الأمور الخاصّة بين أفراد الأسرة في المجتمع.

(7) إذا وردت النّصوص الواضحة في المسألة فلا مشورة بعدها.

(8) لا يستشار إلّا من عرف بالأمانة والإخلاص والعلم.

(9) من استشاره أخوه المسلم، فعليه أن ينصحه فيما يعلم.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٣ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٨:٣١.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٠٦٧ مرة.