أدوات شخصية
User menu

الصمت وحفظ اللسان

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الصمت لغة

مصدر قولهم: صمت يصمت إذا سكت، وهو مأخوذ من مادّة (ص م ت) الّتي تدلّ على إبهام وإغلاق، يقال من ذلك صمت الرّجل وأصمت إذا سكت، ومنه قولهم: لقيت فلانا ببلدة إصمت، وهي القفر الّتي لا أحد بها، كأنّها صامتة ليس بها ناطق، ويقال ماله صامت ولا ناطق فالصّامت الذّهب والفضّة، والنّاطق: الإبل والغنم والخيل، والصّموت الدّرع اللّيّنة الّتي إذا صبّها الرّجل على نفسه لم يسمع لها صوت، وباب مصمت: قد أبهم إغلاقه، والصّامت من اللّبن: الخاثر، لأنّه إذا كان كذلك فأفرغ فى إناء لم يسمع له صوت.

وقال الجوهريّ: يقال: صمت يصمت صمتا وصموتا وصماتا، وأصمت وقيل: أصمت معناه أطال السّكوت مثله، والتّصميت: التّسكيت ومثله السّكوت، ورجل صمّيت أي سكّيت والصّمتة بالضّمّ مثل السّكتة، ويقال: رميته بصماته وسكاته، أي بما صمت به وسكت، وفي حديث أسامة- رضي الله عنه-: «لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخلت عليه يوم أصمت فلم يتكلّم» .

قال الأزهريّ معناه: «ليس بيني وبينه أحد» وقال ابن الأثير: يقال صمت العليل وأصمت فهو صامت ومصمت إذا اعتقل لسانه، ومنه الحديث الآخر أنّ امرأة من أحمس حجّت مصمتة أي: ساكتة لا تتكلّم.

وفي حديث عليّ- رضي الله عنه-: «لا صمت يوما إلى اللّيل» معناه: لا تصمت يوما إلى اللّيل «1» .

وفى حديث صفة التّمرة أنّها صمتة للصّغير.

أي أنّه إذا بكى أسكت بها.

والصّمتة هي الاسم من: صمت، وقيل الصّمت المصدر، وما سوى ذلك فهو اسم، ومن أمثالهم: إنّك لا تشكو إلى مصمّت، أي لا تشكو إلى من لا يعبأ بشكواك، من قولهم صمّت الرّجل شكا إليه فنزع إليه من شكايته «2» .

الصمت اصطلاحا

قال الكفويّ: الصّمت إمساك عن قول الباطل دون الحقّ «3» .

وقال المناويّ: الصّمت: فقد الخاطر بوجد حاضر، وقيل: سقوط النّطق بظهور الحقّ، وقيل:

انقطاع اللّسان بظهور العيان «1» .

الفرق بين السكوت والصمت

الفرق بينهما من وجوه

1- أنّ السّكوت هو ترك التّكلّم مع القدرة عليه، وبهذا القيد الأخير يفارق الصّمت؛ فإنّ القدرة على التّكلّم غير معتبرة فيه.

2- كما أنّ الصّمت يراعى فيه الطّول النّسبيّ فمن ضمّ شفتيه آنا يكون ساكتا ولا يكون صامتا إلّا إذا طالت مدّة الضّمّ.

3- السّكوت إمساك عن الكلام حقّا كان أو باطلا، أمّا الصّمت فهو إمساك عن قول الباطل دون الحقّ.

حفظ اللسان

الحفظ لغة

انظر حفظ في صفة (حفظ الأيمان) .

اللسان لغة

اللّسان في اللّغة هو جارحة الكلام، وقد يكنى به عن الكلمة فتؤنّث حينئذ كما في قول أعشى باهلة:

إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها.

فمن ذكّره قال في الجمع ثلاثة ألسنة ومن أنّثه قال: ثلاث ألسن؛ لأنّ ذلك قياس ما جاء على فعال من المذكّر والمؤنّث وإن أردت به اللّغة أنّثت، واللّسن بالتّحريك الفصاحة، وقد لسن بالكسر فهو لسن وألسن، وقوم لسن.

ويقال: لسنته إذا أخذته بلسانك، والملسون: الكذّاب، واللّسن: الكلام واللّغة، واللّسن بالتّحريك:

الفصاحة؛ يقال لكلّ قوم لسن: أي لغة يتكلّمون بها واللّسان: اللّغة، قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ (الروم/ 22) ومن ذلك قولهم: فلان يتكلّم بلسان قومه.


أي بلغتهم، واللّسان أيضا الرّسالة، واللّسان: المقول، واللّسان: الثّناء، والإلسان:

إبلاغ الرّسالة، وألسنه ما يقول أي أبلغه، وألسن عنه بلّغ، ولسنه يلسنه لسنا: كان أجود لسانا منه، ولسنه:

كلّمه، ولسنه أخذه بلسانه، وفي حديث عمر- رضي الله عنه- وذكر امرأة فقال: إن دخلت عليك لسنتك، أي أخذتك بلسانها، يصفها بالسّلاطة وكثرة الكلام والبذاء، ولسان القوم: المتكلّم بلسانهم، وقوله في الحديث: لصاحب الحقّ اليد واللّسان، اليد: اللّزوم (والقوّة) ، واللّسان: التّقاضي، ولسان الميزان: عذبته، ولسان النّار ما يتشكّل منها على شكل اللّسان «2» .

حفظ اللسان اصطلاحا

أن يصون المرء لسانه عن الكذب، والغيبة والنّميمة، وقول الزّور، وغير ذلك ممّا نهى عنه الشّارع الحكيم.

قال الجاحظ: ومن الأخلاق الفاضلة: اللهجة وهى الإخبار عن الشّيء على ما هو به، وهذا الخلق مستحسن، ما لم يؤدّ إلى ضرر مجحف، فإنّه ليس بمستحسن صدق الإنسان إن سئل عن فاحشة كان قد ارتكبها، إذ لا يفى صدقة بما يلحقه في ذلك من العار والمنقصة الباقية اللّازمة «3» .

خطر اللسان

قال الإمام الغزاليّ- رحمه الله-: إنّ اللّسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة. فإنّه صغير جرمه «1» ، عظيم طاعته وجرمه، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلّا بشهادة اللّسان، وهما غاية الطّاعة والعصيان.

وأعصى الأعضاء على الإنسان اللّسان، فإنّه لا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في تحريكه.

وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله، والحذر من مصائده وحبائله. وإنّه أعظم آلة للشّيطان في استغواء الإنسان.

واللّسان رحب الميدان، ليس له مردّ، ولا لمجاله منتهى وحدّ. له في الخير مجال رحب، وله في الشّرّ ذيل سحب، فمن أطلق عذبة «2» اللّسان، وأهمله مرخيّ العنان «3» سلك به الشّيطان في كلّ ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطرّه إلى البوار، ولا يكبّ النّاس في النّار على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شرّ اللّسان إلّا من قيّده بلجام الشّرع، فلا يطلقه إلّا فيما ينفعه في الدّنيا والآخرة، ويكفّه عن كلّ ما يخشى غائلته في عاجله وآجله.

ذلك أنّ خطر اللّسان عظيم، ولا نجاة من خطره إلّا بالصّمت، فلذلك مدح الشّرع الصّمت وحثّ عليه. فقال صلّى الله عليه وسلّم: «من صمت نجا» «4» . «5»

فضل الكلام والصمت

يقول الماورديّ: اعلم أنّ الكلام ترجمان يعبّر عن مستودعات الضّمائر، ويخبر بمكنونات السّرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على ردّ شوارده، فحقّ على العاقل أن يحترز من زلله، بالإمساك عنه، أو بالإقلال منه.

وفى شروط الكلام يقول الماورديّ: واعلم أنّ للكلام شروطا لا يسلم المتكلّم من الزّلل إلّا بها، ولا يعرى من النّقص إلّا بعد أن يستوفيها. وهي أربعة:

الشّرط الأوّل: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إمّا فى اجتلاب نفع، أو دفع ضرر. ذلك أنّ مالا داعي له هذيان، وما لا سبب له هجر، ومن سامح نفسه في الكلام إذا عنّ، ولم يراع صحّة دواعيه، وإصابة معانيه، كان قوله مرذولا، ورأيه معلولا.

الشّرط الثّاني: أن يأتي به في موضعه، ويتوخّى به إصابة فرصته؛ لأنّ الكلام في غير حينه لا يقع موقع الانتفاع به، وما لا ينفع من الكلام فقد تقدّم القول بأنّه هذيان وهجر، فإن قدّم ما يقتضي التّأخير كان عجلة وخرقا، وإن أخّر ما يقتضي التّقديم كان توانيا وعجزا، لأنّ لكلّ مقام قولا، وفي كلّ زمان عملا.


الشّرط الثّالث: أن يقتصر منه على قدر حاجته، فإنّ الكلام إن لم ينحصر بالحاجة، ولم يقدّر بالكفاية، لم يكن لحدّه غاية، ولا لقدره نهاية، وما لم يكن من الكلام محضورا كان إمّا حصرا إن قصر، أو هذرا إن كثر.

الشّرط الرّابع: اختيار اللّفظ الّذي يتكلّم به، لأنّ اللّسان عنوان الإنسان، يترجم عن مجهوله،ويبرهن عن محصوله، فيلزم أن يكون بتهذيب ألفاظه حريّا، وبتقويم لسانه مليّا.

ومن آداب الكلام: قال- رحمه الله-: واعلم أنّ للكلام آدابا إن أغفلها المتكلّم أذهب رونق كلامه وطمس بهجة بيانه، ولها النّاس عن محاسن فضله، بمساوئ أدبه، فعدلوا عن مناقبه، بذكر مثالبه.

ومن آدابه

1- أن لا يتجاوز في مدح، ولا يسرف في ذمّ، وإن كانت النّزاهة عن الذّمّ كرما، والتّجاوز في المدح قلقا يصدر عن مهانة؛ والسّرف في الذّمّ انتقام يصدر عن شرّ، وكلاهما شين، وإن سلم من الكذب.

2- أن لا تبعثه الرّغبة والرّهبة في وعد أو وعيد يعجز عنهما، ولا يقدر على الوفاء بهما؛ فإنّ من أطلق بهما لسانه، وأرسل فيهما عنانه، ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل صار وعده نكثا، ووعيده عجزا.

3- أنّه إن قال قولا حقّقه بفعله، وإذا تكلّم بكلام صدّقه بعمله، فإنّ إرسال القول اختيار، والعمل به اضطرار، ولأن يفعل ما لم يقل أجمل من أن يقول ما لم يفعل.

4- أن يراعي مخارج كلامه بحسب مقاصده وأغراضه، فإن كان ترغيبا قرنه باللّين واللّطف، وإن كان ترهيبا خلطه بالخشونة والعنف، فإنّ لين اللّفظ في التّرهيب، وخشونته في التّرغيب، خروج عن موضعهما، وتعطيل للمقصود بهما، فيصير الكلام لغوا، والغرض المقصود لهوا.


5- ألّا يرفع بكلامه صوتا مستكرها، ولا ينزعج له انزعاجا مستهجنا، وليكفّ عن حركة تكون طيشا، وعن حركة تكون عيّا، فإنّ نقص الطّيش أكثر من فضل البلاغة.

6- أن يتجافى هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى الكناية عمّا يستقبح صريحه، ويستهجن فصيحه، ليبلغ الغرض ولسانه نزه، وأدبه مصون، وكما أنّه يصون لسانه عن ذلك، فهكذا يصون عنه سمعه، فلا يسمع خنى، ولا يصغي إلى فحش، فإنّ سماع الفحش داع إلى إظهاره، وذريعة إلى إنكاره؛ وإذا وجد عن الفحش معرضا، كفّ قائله وكان إعراضه أحد النّكيرين، كما أنّ سماعه أحد الباعثين.

7- أن يجتنب أمثال العامّة الغوغاء، ويتخصّص بأمثال العلماء الأدباء. فإنّ لكلّ صنف من النّاس أمثالا تشاكلهم، فلا تجد لساقط إلّا مثلا ساقطا، وتشبيها مستقبحا، وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب، لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثّر تأثيرها؛ لأنّ المعاني بها لائحة والشّواهد بها واضحة، والنّفوس بها وامقة، والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة، فلذلك ضرب الله الأمثال في كتابه العزيز وجعلها من دلائل رسله، وأوضح بها الحجّة على خلقه؛ لأنّها في العقول معقولة، وفي القلوب مقبولة «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الصدق- كتمان السر- الكلم الطيب- خفظ الصوت- الحلم- الصبر والمصابرة- الأدب- مجاهدة النفس.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: إفشاء السر- الكذب- اللغو- الغيبة- النميمة- البذاءة] .


الأحاديث الواردة في (الصمت وحفظ اللسان)

1-* (عن عبد الله- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه أدرك عمر بن الخطّاب في ركب، وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا إنّ الله- عزّ وجلّ- ينهاكم أن تحلفوا بابائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ) * «1» .

2-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من صمت نجا» ) * «2» .

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» ) * «3» .

4-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّها قالت: يا رسول الله إنّ البكر تستحي، قال: «رضاها صمتها» ) * «4» .

الأحاديث الواردة في (الصمت وحفظ اللسان) معنى

5-* (عن أبي أمامة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أنا زعيم ببيت في ربض «5» الجنّة لمن ترك المراء وإن كان محقّا، وببيت في وسط الجنّة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنّة لمن حسن خلقه» ) * «6» .

6-* (عن الحارث بن هشام- رضي الله عنه- أنّه قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أخبرني بأمر أعتصم به، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «املك هذا» ، وأشار إلى لسانه) * «7» .

7-* (عن عبد الله- رضي الله عنه- أنّه ارتقى الصّفا فأخذ بلسانه، فقال: يا لسان، قل خيرا تغنم، واسكت عن شرّ تسلم، من قبل أن تندم، ثمّ قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أكثر خطأ ابن آدم في لسانه» ) * «8» .

8-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال:

سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيّ المسلمين أفضل؟. قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» ) * «1» . 9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا. فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله «2» جميعا ولا تفرّقوا، ويكره لكم قيل وقال «3» وكثرة السّؤال «4» وإضاعة المال» ) * «5» .

10-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟.

قال: «الصّلاة على ميقاتها» قلت: ثمّ ماذا يا رسول الله؟ قال: «أن يسلم النّاس من لسانك» ) * «6» .

11-* (عن عمرو بن عبسة- رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله ما الإسلام؟. قال:

«أن يسلم قلبك لله- عزّ وجلّ- وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك» . قال: فأيّ الإسلام أفضل؟. قال:

«الإيمان» . قال: وما الإيمان؟. قال: «تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت» . قال:

فأيّ الإيمان أفضل؟. قال: «الهجرة» . قال: فما الهجرة؟. قال: «تهجر السّوء» . قال: فأيّ الهجرة أفضل؟. قال: «الجهاد» .

قال: وما الجهاد؟. قال: «أن تقاتل الكفّار إذا لقيتهم» . قال: فأيّ الجهاد أفضل؟.

قال: «من عقر «7» جواده وأهريق «8» دمه» . قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثمّ عملان هما أفضل الأعمال إلّا من عمل بمثلهما: حجّة مبرورة أو عمرة مبرورة» ) * «9» .

12-* (عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قال: كنت مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنّة، ويباعدني من النّار. قال:

«لقد سألتني عن عظيم، وإنّه ليسير على من يسّره الله عليه.

تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت» . ثمّ قال: «ألا أدلّك على أبواب الخير: الصّوم جنّة، والصّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار، وصلاة الرّجل من جوف اللّيل» .

قال: ثمّ تلا تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حتّى بلغ يَعْمَلُونَ (السجدة/ 16) ثمّقال: «ألا أخبرك برأس الأمر كلّه وعموده وذروة سنامه «1» ؟» قلت: بلى.

يا رسول الله! قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصّلاة، وذروة سنامه الجهاد» . ثمّ قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كلّه» .

قلت: بلى، يا نبيّ الله. فأخذ بلسانه. قال: «كفّ عليك هذا» . فقلت: يا نبيّ الله! وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟. قال: «ثكلتك «2» أمّك يا معاذ، وهل يكبّ النّاس في النّار على وجوههم أو على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم» ) * «3» .

13-* (عن أسود بن أصرم- رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله! أوصني. قال: «تملك يدك» ؟.

قلت: فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: «تملك لسانك» ؟. قلت: فماذا أملك إذا لم أملك لساني؟.

قال: «لا تبسط يدك إلّا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلّا معروفا» ) * «4» .

14-* (عن سفيان بن عبد الله الثّقفيّ- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله! حدّثني بأمر أعتصم به. قال:

قل: «ربّي الله ثمّ استقم» . قلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تخاف عليّ؟. فأخذ بلسان نفسه ثمّ قال: «هذا» ) * «5» .

15-* (عن عقبة بن عامر- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله ما النّجاة؟. قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» ) * «6» .

16-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: كان فلان رديف «7» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم عرفة، قال:

فجعل الفتى يلاحظ النّساء وينظر إليهنّ. قال:

وجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصرف وجهه بيده مرارا، قال:

وجعل الفتى يلاحظ إليهنّ. قال: فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ابن أخي، إنّ هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له» ) * «8» .

17-* (عن أمّ حبيبة- رضي الله عنها- زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلّ كلام ابن آدم عليه لا له إلّا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله» ) * «9» .

18-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّأبعد النّاس من الله القلب القاسي» ) * «1» .


19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ) * «2» .

20-* (عن سهل بن سعد- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من يضمن «3» لي ما بين لحييه «4» وما بين رجليه أضمن له الجنّة» ) * «5» .

21-* (عن معاذ- رضي الله عنه- قال: يا رسول الله، أوصني. قال: «اعبد الله كأنّك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كلّه» .

قال: «هذا» ، وأشار بيده إلى لسانه) * «6» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الصمت وحفظ اللسان)

22- عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكثر الذّكر، ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة) * «7» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الصمت وحفظ اللسان)

1-* (قيل لعيسى- عليه السّلام-: دلّنا على عمل ندخل به الجنّة.

قال: «لا تنطقوا أبدا» ، قالوا: لا نستطيع ذلك، فقال: «فلا تنطقوا إلّا بخير» ) * «8» .

2-* (قال عيسى- عليه السّلام-: «طوبى لمن بكى على خطيئته، وخزن لسانه، ووسعه بيته» ) * «9» .

3-* (قال سليمان بن داود- عليهما السّلام-:

«إن كان الكلام من فضّة فالسّكوت من ذهب» ) * «10» .

4-* (كان أبو بكر الصّدّيق- رضي الله عنه- يضع حصاة في فيه، يمنع بها نفسه عن الكلام، وكان يشير إلى لسانه ويقول: «هذا الّذي أوردني الموارد» ) * «1» .

5-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه-:

«من كثر كلامه كثر سقطه» ) * «2» .

6-* (قال عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه-: «اللّسان قوام البدن، فإذا استقام اللّسان استقامت الجوارح، وإذا اضطرب اللّسان لم تقم له جارحة» ) * «3» .

7-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: «أنذرتكم فضول الكلام، بحسب أحدكم ما بلغ حاجته» ) * «4» .

8-* (قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-: «والله الّذي لا إله إلّا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من اللّسان» ) * «5» .

9-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: «خمس لهنّ أحبّ إليّ من الدّهم «6» الموقوفة:

1- لا تتكلّم فيما لا يعنيك؛ فإنّه فضل، ولا آمن عليك الوزر.

2- ولا تتكلّم فيما يعنيك حتّى تجد له موضعا، فإنّه ربّ متكلّم في أمر يعينه، قد وضعه في غير موضعه فعنت.

3- ولا تمار «7» حليما ولا سفيها؛ فإنّ الحليم يقليك، والسّفيه يؤذيك.

4- واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحبّ أن يذكرك به، وأعفه ممّا تحبّ أن يعفيك منه، وعامل أخاك بما تحبّ أن يعاملك به.

5- واعمل عمل رجل يعلم أنّه مجازى بالإحسان مأخوذ بالاحترام» ) * «8» .

10-* (قال عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما-: «دع ما لست منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك «9» » ) * «10» .

11-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: «لا يتّقي الله- عزّ وجلّ- رجل أو أحد حقّ تقاته حتّى يخزن من لسانه» ) * «11» .

12-* (قال عبد الله بن طاوس- رحمه الله-:

«كان طاوس- رحمه الله- يتعذّر من طول السّكوت ويقول: «إنّي جرّبت لساني فوجدته لئيما» ) * «12» .

13-* (قال طاوس- رحمه الله-: «لسانيسبع إن أرسلته أكلني» ) * «1» .

14-* (عن يعلى بن عبيد- رحمه الله- قال:

«دخلنا على محمّد بن سوقة فقال: «أحدّثكم بحديث لعلّه ينفعكم فإنّه قد نفعني. قال لنا عطاء بن أبي رباح: يا بني أخي، إنّ من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدّون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه، أو تأمر بمعروف، أو تنهى عن منكر، أو تنطق بحاجتك في معيشتك الّتي لا بدّ لك منها، أتنكرون: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ (الانفطار: 10- 11) وعَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ* ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق/ 17- 18) .

أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته الّتي أملى صدر نهاره، كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه» ) * «2» .

15-* (قال محمّد بن واسع لمالك بن دينار:

«يا أبا يحيى حفظ اللّسان أشدّ على النّاس من حفظ الدّيا نار والدّرهم» ) * «3» .

16-* (قال وهب بن منبّه: في حكمة آل داود: «حقّ على العاقل أن يكون عارفا بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شانه» ) * «4» .

17-* (قال الحسن- رحمه الله-: «ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه» ) * «5» .

18-* (قال الحسن بن هانئ:

إنّما العاقل من ... ألجم فاه بلجام لذ «6» بداء الصّمت خي ... ر لك من داء الكلام ) * «7» .

19-* (عن الحسن- رحمه الله- قال: كانوا يتكلّمون عند معاوية- رضي الله عنه- والأحنف ساكت، فقالوا: مالك لا تكلّم يا أبا بحر؟. قال:

«أخشى الله إن كذبت، وأخشاكم إن صدقت» ) * «8» .

20-* (عن الأوزاعيّ قال: «كتب إلينا عمر ابن عبد العزيز- رحمه الله- برسالة لم يحفظها غيري، وغير مكحول: «أمّا بعد، فإنّه من أكثر ذكر الموت رضي من الدّنيا باليسير، ومن عدّ كلامه من عمله، قلّ كلامه فيما لا ينفعه» ) * «9» .


21-* (عن عمرو بن قيس- رحمه الله- أنّ رجلا مرّ بلقمان، والنّاس عنده، فقال: «ألست عبد بني فلان؟ قال:

بلى. الّذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فما الّذي بلغ بك ما أرى؟.

قال: «صدق الحديث، وطول السّكوت عمّا لا يعنيني» ) * «10» .

22-* (قال محمّد بن الفضل الحارثيّ- رحمه الله تعالى-: «كان يقال: كثرة الكلام تذهبالوقار» ) * «1» .

23-* (عن يزيد بن أبي حبيب- رحمه الله- قال: «من فتنة العالم أن يكون الكلام أحبّ إليه من الاستماع وإن وجد من يكفيه؛ فإنّ في الاستماع سلامة، وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلّم في الكلام إلّا من عصم الله، ترمّق «2» ، وتزيّن، وزيادة، ونقصان) * «3» .

24-* (عن يونس بن عبيد قال: «ما من النّاس أحد يكون لسانه منه على بال إلّا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله» ) * «4» .

25-* (عن الرّبيع بن خثيم- رحمه الله- قال: «لا خير في الكلام إلّا في تسع: تهليل، وتكبير، وتسبيح، وتحميد، وسؤالك عن الخير، وتعوّذك من الشّرّ، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءتك القرآن» ) * «5» .

26-* (عن إبراهيم بن عبد العزيز التّيميّ قال: «المؤمن إذا أراد أن يتكلّم نظر، فإن كان كلامه له تكلّم، وإن كان عليه أمسك عنه، والفاجر إنّما لسانه رسلا رسلا «6» » ) * «7» .

27-* (قال عبيد الله بن أبي جعفر: «إذا كان المرء يحدّث في مجلس فأعجبه الحديث فليسكت، وإن كان ساكتا فأعجبه السّكوت فليتحدّث» ) * «8» .

28-* (عن عبد الله بن المبارك- رحمه الله- قال: «قال بعضهم في تفسير العزلة: هو أن يكون مع القوم، فإن خاضوا في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت» ) * «9» .

29-* (قال أبو بكر بن عيّاش: «اجتمع أربعة ملوك، فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت، ولا أندم على ما لم أقل، وقال آخر: إنّي إذا تكلّمت بكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلّم بها ملكتها ولم تملكني، وقال ثالث: عجبت للمتكلّم إن رجعت عليه كلمته ضرّته، وإن لم ترجع لم تنفعه. وقال الرّابع:

أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منّي على ردّ ما قلت» ) * «10» .

30-* (عن عبد العزيز بن أبي روّاد قال:

قال رجل لسلمان- رضي الله عنه-: أوصني؟ قال: «لا تكلّم. قال: وكيف يصبر رجل على أن لا يتكلّم؟. قال: فإن كنت لا تصبر على الكلام، فلا تتكلّم إلّا بخير أو اصمت» ) * «11» .

31-* (وذكر ابن عبد البرّ ما أنشده بعضهم:

سأرفض ما يخاف عليّ منه ... وأترك ما هويت لما خشيتلسان المرء ينبي عن حجاه «1» . ... وعيّ المرء يستره السّكوت) * «2» .

32-* (قال الشّاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدّم وكائن «3» ترى من ساكت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التّكلّم) * «4» .

33-* (قال الشّاعر:

وأعلم علما ليس بالظّنّ إنّه ... إذا زال مال المرء فهو ذليل وإنّ لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة «5» على عوراته لدليل) * «6» .

34-* (قال الشّاعر:

عوّد لسانك قلّة اللّفظ ... واحفظ كلامك أيّما حفظ إيّاك أن تعظ الرّجال وقد ... أصبحت محتاجا إلى الوعظ) * «7» .

35-* (قال الشّاعر:

من لزم الصّمت اكتسى هيبة ... تخفي على النّاس مساويه) * «8» .

لسان من يعقل في قلبه ... وقلب من يجهل في فيه) * «9» .

36-* (قال بعضهم:

عجبت لإدلال العييّ «10» بنفسه ... وصمت الّذي قد كان بالقول أعلما

وفي الصّمت ستر للعييّ وإنّما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلّما) * «11»

37-* (قال بعضهم: «الصّمت يجمع للرّجل فضيلتين: السّلامة في دينه، والفهم عن صاحبه» ) * «12» .

38-* (قال بعضهم:

احفظ لسانك أيّها الإنسان ... لا يلد غنّك إنّه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشّجعان) * «13» .

من فوائد (الصمت وحفظ اللسان)

(1) دليل كمال الإيمان، وحسن الإسلام.

(2) السّلامة من العطب في المال، والنّفس، والعرض.

(3) دليل حسن الخلق، وطهارة النّفس.

(4) يثمر محبّة الله، ثمّ محبّة النّاس.

(5) يهيّأ المجتمع الصّالح، والنّشء الصّالح.

(6) الفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٤ مارس ٢٠١٥ الساعة ١١:١٨.
  • تم عرض هذه الصفحة ٣٬٨٢٠ مرة.