أدوات شخصية
User menu

الضراعة والتّضرّع

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الضراعة لغة

مصدر قولهم: ضرع يضرع ضراعة وذلك مأخوذ من مادة (ض ر ع) الّتي تدلّ على لين في الشّيء، ومن هذا الباب ضرع الشّاة، سمّي بذلك لما فيه من لين فأمّا المضارعة فهي التشّابه بين الشّيئين وكأنّهما ارتضعا من ضرع واحد، والنّحويّون يقولون للفعل المستقبل: مضارع لمشاكلته الأسماء فيما يلحقها من الإعراب.

يقال: ضرع فلان لفلان وضرع له، إذا ما تخشّع له وسأله أن يعطيه.

ويقال: ضرع الرّجل ضراعة أي خضع وذلّ، وأضرعه غيره، وفي المثل: إنّ الحمّى أضرعتني لك والضّرع:

الضّعيف، وإنّ فلانا لضارع الجسم أي نحيف ضعيف، وتضرّع فلان إلى الله أي ابتهل قال الفرّاء: يقال: جاء فلان يتضرّع ويتعرّض بمعنى إذا جاء يطلب إليك حاجة.

وقال ابن منظور: ضرع إليه يضرع ضرعا وضراعة: خضع وذلّ فهو ضارع من قوم ضرعة وضروع، وتضرّع: تذلّل وتخشّع وقول الله- عزّ وجلّ- فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا (الأنعام/ 43) معناه: تذلّلوا وخضعوا ويقال: ضرع له واستضرع (بمعنى) والضّارع المتذللّ للغنيّ، وأضرعت له مالي أي بذلته له، وقوله- عزّ وجلّ- تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (الأنعام/ 63) المعنى: تدعونه مظهرين الضّراعة وهي شدّة الفقر والحاجة إلى الله- عزّ وجلّ- وفي حديث الاستسقاء «خرج متبذّلا متضرّعا» ، التّضرّع: التّذلّل والمبالغة في السّؤال والرّغبة، وقال الرّاغب: التّضرّع:


إظهار الضّراعة وقوله سبحانه: لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (الأعراف/ 94) أي يتضرّعون فأدغم. قال صاحب البصائر:

معناه يتذلّلون في دعائهم إيّاه والدّعاء تضرّع؛ لأنّ فيه تذلّل الرّاغبين، قال: وقوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً (الأعراف/ 55) أي مظهرين الضّراعة وهي شدّة الفقر إلى الله تعالى وحقيقته الخشوع «1» .

الضراعة اصطلاحا

قال المناويّ: الضّراعة: الخضوع والتّذلّل.

التّضرّع: أن تدعو الله- عزّ وجلّ- بضراعة «2» .

[للاستزادة: انظر صفات: التوسل- الابتهال- الإخبات- الإنابة- الدعاء- الذكر- الخوف- الخشية- الرجاء.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- الغرور- الكبر والعجب- العصيان- القنوط- الغافلة- اليأس- اتباع الهوى] .

الآيات الواردة في «الضراعة والتضرع»

التّضرع على سبيل الأمر والتوجيه

1- ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) «1»

2- وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) «2»

التّضرع ثمرة الأخذ بالبأساء والضراء

3- قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) «3»


4-* وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) «4»

5- وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99) «1»


6- وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (74)

  • وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)

وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) «2»

الأحاديث الواردة في (الضراعة والتضرع)

1-* (عن الفضل بن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الصّلاة مثنى مثنى، تشهّد في كلّ ركعتين وتخشّع، وتضرّع، وتمسكن، وتذرّع «1» وتقنع «2» يديك- يقول: ترفعهما إلى ربّك مستقبلا ببطونهما وجهك- وتقول: يا ربّ يا ربّ! ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا» ) * «3» .

2-* (عن أبي أمامة- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهبا» ، قلت: «لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما.

وقال ثلاثا أو نحو هذا- فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» ) * «4» .

الأحاديث الواردة في (الضراعة والتضرع) معنى

3-* (عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه قال: أوّل ما اتّخذ النّساء المنطق «5» من قبل أمّ إسماعيل اتّخذت منطقا لتعفّي أثرها «6» على سارة، ثمّ جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه حتّى وضعها عند البيت عند دوحة «7» فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكّة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثمّ قفّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أمّ إسماعيل فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الّذي ليس فيه إنس ولا شيء؟!، فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها.


فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا. ثمّ رجعت. فانطلق إبراهيم حتّى إذا كان عند الثّنيّة «8» ، حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثمّ دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ.

حتّى بلغ يَشْكُرُونَ (إبراهيم/ 37) . الحديث؛ وفيه: ثمّ قال: «يا إسماعيل، إنّ الله أمرني بأمر. قال:

فاصنع ما أمرك ربّك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك.

قال: فإنّ الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعةعلى ما حولها- قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يا بني، حتّى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يا بني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (البقرة/ 127) .

قال: فجعلا يبنيان حتّى يدورا حول البيت وهما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (البقرة/ 127)) * «1» .


4-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجّيكم إلّا الصّدق، فليدع كلّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه.

فقال واحد منهم: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرزّ، فذهب وتركه، وأنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقرا، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت له:

اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرزّ. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنّها من ذلك الفرق، فساقها. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت «2» عنهم الصّخرة.

فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون «3» من الجوع، وكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتّى طلع الفجر.

فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة حتّى نظروا إلى السّماء.

فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عمّ من أحبّ النّاس إليّ، وأنّي راودتها عن نفسها فأبت إلّا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتّى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعدت بين رجليها.

فقالت: اتّق الله، ولا تفضّ الخاتم إلّا بحقّه، فقمت وتركت المائة الدّيا نار. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، ففرّج الله عنهم فخرجوا» ) * «4» .


5-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال:

كشف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السّتارة والنّاس صفوف خلف أبي بكر، فقال: «أيّها النّاس! إنّه لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلّا الرّؤيا الصّالحة، يراها المسلم أو ترى له، ألا وإنّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ- عزّ وجلّ- وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء فقمن «5» أن يستجاب لكم» ) * «6» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الضراعة والتضرع)

6-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّها قالت: أفاض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من آخر يومه حين صلّى الظّهر، ثمّ رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيّام التّشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشّمس، كلّ جمرة بسبع حصيات يكبّر مع كلّ حصاة، ويقف عند الأولى والثّانية، فيطيل القيام ويتضرّع ويرمي الثّالثة، ولا يقف عندها) * «1» .

7-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج متبذّلا متواضعا متضرّعا، حتّى أتى المصلّى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد) * «2» .

8-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يدعو في الصّلاة: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدّجّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات.

اللهمّ إنّي أعوذ بك من المأثم والمغرم «3» » . فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: «إنّ الرّجل إذا غرم حدّث فكذب، ووعد فأخلف» ) * «4» .

9-* (عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- أنّه قال: لمّا كان يوم بدر، قال: نظر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى أصحابه وهم ثلثمائة ونيّف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم القبلة، ثمّ مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثمّ قال: «اللهمّ أين ما وعدتني، اللهمّ أنجز ما وعدتني، اللهمّ إنّك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا» ، قال: فما زال يستغيث ربّه- عزّ وجلّ- ويدعوه حتّى سقط رداؤه: فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فردّه، ثمّ التزمه من ورائه، ثمّ قال: يا نبيّ الله، كفاك مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله- عزّ وجلّ-: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (الأنفال/ 9) فلمّا كان يومئذ والتقوا، فهزم الله- عزّ وجلّ- المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا، فاستشار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر وعليّا وعمر، فقال أبو بكر: يا نبيّ الله، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان، فإنّي أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفّار، وعسى الله أن يهداهم فيكونون لنا عضدا «5» ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما ترى يا ابن الخطّاب؟» قال: قلت: والله ماأرى ما رأى أبو بكر، ولكنّي أرى أن تمكّنني من فلان، (قريب لعمر) ، فأضرب عنقه، وتمكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتّى يعلم الله أنّه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم «1» وأئمّتهم، وقادتهم، فهوي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت فأخذ منهم الفداء، فلمّا أن كان من الغد، قال عمر:


غدوت إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإذا هو قاعد وأبو بكر، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله! أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال:

فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«الّذي عرض على أصحابك من الفداء، لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشّجرة» (لشجرة قريبة) وأنزل الله- عزّ وجلّ-: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الأنفال/ 67) إلى قوله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ (الأنفال/ 68) من الفداء، ثمّ أحلّ لهم الغنائم، فلمّا كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفرّ أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكسرت رباعيته وهشّمت البيضة على رأسه، وسال الدّم على وجهه، وأنزل الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها (آل عمران/ 165) الآية بأخذكم الفداء) * «2» .


10-* (عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قال: كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويّ النّحل، فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسرّي عنه، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال:

«اللهمّ زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنّا» ، ثمّ قال صلّى الله عليه وسلّم:

«أنزل عليّ عشر آيات، من أقامهنّ دخل الجنّة، ثمّ قرأ:

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (المؤمنون/ 1) حتّى ختم عشر آيات» ) * «3» .

11-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

خسفت الشّمس في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالنّاس فقام فأطال القيام، ثمّ ركع فأطال الرّكوع. ثمّ قام فأطال القيام- وهو دون القيام الأوّل- ثمّ ركع فأطال الرّكوع- وهو دون الرّكوع الأوّل- ثمّ سجد فأطال السّجود، ثمّ فعل في الرّكعة الثّانية مثل ما فعل في الأولى، ثمّ انصرف وقد انجلت الشّمس، فخطب النّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا وصلّوا وتصدّقوا» .

ثمّ قال: «يا أمّة محمّد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمّة محمّد، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتمكثيرا» ) * «1» .


12-* (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كان إذا أهمّه الأمر رفع رأسه إلى السّماء، فقال: «سبحان الله العظيم» ، وإذا اجتهد في الدّعاء قال: «يا حيّ يا قيّوم» ) * «2» .


13-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول عند الكرب: «لا إله إلّا الله العليم الحكيم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات والأرض وربّ العرش الكريم» ) * «3» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الضراعة والتضرع)

1-* (عن عون بن عبد الله قال: بينا رجل في بستان بمصر في فتنة ابن الزّبير «4» مكتئبا، معه شيء ينكت «5» به في الأرض، إذ رفع رأسه فسنح له «6» صاحب مسحاة «7» ، فقال له: يا هذا مالي أراك مكتئبا حزينا؟ قال: فكأنّه ازدراه «8» .

فقال: لا شيء. فقال صاحب المسحاة: أللدّنيا فإنّ الدّنيا عرض حاضر، يأكل منها البرّ والفاجر، والآخرة أجل صادق يحكم فيها ملك قادر، يفصل بين الحقّ والباطل.

فلمّا سمع ذلك منه كأنّه أعجبه، قال: فقال: لما فيه المسلمون.

قال: فإنّ الله سينجّيك بشفقتك على المسلمين، وسل، فمن ذا الّذي سأل الله- عزّ وجلّ- فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه، وتوكّل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه؟ قال: فعلقت لدعاء «9» : اللهمّ سلّمني وسلّم منّي فتمحّلت «10» ولم تصب منه أحدا» ) * «11» .

2-* (قال يحيى الغسّانيّ- رحمه الله تعالى-:

«أصاب النّاس قحط على عهد داود- عليه السّلام- فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتّى يستسقوا بهم، فقال أحدهم: اللهمّ إنّك أنزلت في توراتك أن نعفو عمّن ظلمنا، اللهمّ إنّا ظلمنا أنفسنا فاعف عنّا، وقال الثّاني: اللهمّ إنّك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقّاءنا، اللهمّ إنّا أرقّاؤك فأعتقنا، وقال الثّالث:

اللهمّ إنّك أنزلت في توراتك أن لا نردّ المساكين إذاوقفوا بأبوابنا، اللهمّ إنّا مساكينك، وقفنا ببابك فلا تردّ دعاءنا، فسقوا» ) * «1» .

3-* (قال الدّاوديّ- رحمه الله تعالى-:

«على الدّاعي أن يجتهد ويلحّ ولا يقل: إن شئت، كالمستثني ولكن دعاء البائس الفقير» ) * «2» .

من فوائد (الضراعة والتضرع)

(1) تثمر إخلاص الطّلب من الله.

(2) تؤذن بضعف العبد وقوّة الرّبّ.

(3) تدلّ على دوام الصّلة بين العبد والرّبّ.

(4) تثمر النّجاة من الضّرّ والتّخفيف عند القضاء.

(5) هي سمة التّوحيد الخالص.

(6) سبيل النّجاة في الدّنيا والآخرة.

(7) التّضرّع عند نزول البأس سبيل إلي دفعه وترك التّضرّع حينئذ أمارة قسوة القلب.

(8) تضرّع قوم يونس إلى الله نفعهم وكشف عنهم عذاب الخزي في الحياة الدّنيا.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٤ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٢:٤١.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٠٩٧ مرة.