أدوات شخصية
User menu

الطمأنينة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الطمأنينة لغة

هي الاسم من الاطمئنان الّذي هو مصدر قولهم: اطمأنّ الشّيء يطمئنّ إذا سكن، وذلك مأخوذ من مادّة (ط م ن) بزيادة الهمزة، يقال فيه: اطمأنّ المكان إذا ثبت واستقرّ. واطمأنّ الرّجل اطمئنانا وطمأنينة أي سكن، قال أبو إسحاق في قوله تعالى:

فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (النساء/ 103) :

أي إذا سكنت قلوبكم، يقال: اطمأنّ الشّيء إذا سكن وطأمنته وطمأنته إذا سكّنته.

وقوله- عزّ وجلّ-: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ (الرعد/ 28) معناه: إذا ذكر الله بوحدانيّته آمنوا به غير شاكّين.

وقيل في تفسير قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ هي الّتي قد اطمأنّت بالإيمان وأخبتت لربّها.

وقال الرّاغب: معناه: هي ألّا تصير أمّارة بالسّوء، واطمأنّ وتطامن متقاربان لفظا ومعنى «1» .

الطمأنينة اصطلاحا

قال الرّاغب: الطّمأنينة: هي السّكون بعد الانزعاج، وقال الكفويّ: الطّمأنينة في الشّرع (أي عند الفقهاء) القرار بمقدار التّسبيحة في أركان الصّلاة «2» ، وقال الحراليّ: هي الهدوء والسّكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق «3» ، وقال صاحب المنازل (الهرويّ) الطّمأنينة: سكون يقوّيه أمن صحيح شبيه بالعيان «4» .

الفرق بين الطمأنينة والسكينة

قال الفيروز آباديّ: الطّمأنينة والسّكينة كلّ منهما تستلزم الآخرى. لكنّ استلزام الطّمأنينة السّكينة أقوى من العكس. ثمّ إنّ الطّمأنينة أعمّ من السّكينة. وهي على درجات: طمأنينة القلب بذكر الله. وهي طمأنينة الخائف إلى الرّجاء، والطّمأنينة:

سكون أمن فيه استراحة أنس.

والسّكينة تكون: حينا بعد حين، والطّمأنينة لا تفارق صاحبها وكأنّها نهاية السّكينة «5» .

وذكر ابن القيّم عن صاحب المنازل أنّ بين الطّمأنينة والسّكينة فرقين:

أحدهما: أنّ السّكينة صولة تورث خمود الهيبة أحيانا، والطّمأنينة: سكون أمن في استراحة أنس.

والثّاني: أنّ السّكينة تكون نعتا، وتكون حينا بعد حين، والطّمأنينة لا تفارق صاحبها، ومن ثمّ تكون الطّمأنينة موجب السّكينة وأثرا من آثارها وكأنّها نهاية السّكينة «1» .

درجات الطمأنينة

هي على درجات منها:

الدّرجة الأولى: طمأنينة القلب بذكر الله.

وهي طمأنينة الخائف إلى الرّجاء. والضّجر إلى الحكم.

والمبتلى إلى المثوبة.

لأنّ الخائف إذا طال عليه الخوف واشتدّ به، وأراد الله- عزّ وجلّ- أن يريحه، ويحمل عنه أنزل عليه السّكينة فاستراح قلبه إلى الرّجاء واطمأنّ به، وسكن لهيب خوفه.

وأمّا طمأنينة الضّجر إلى الحكم: فالمراد بها:

أنّ من أدركه الضّجر من قوّة التّكاليف، وأعباء الأمر وأثقاله. ولا سيّما من أقيم مقام التّبليغ عن الله.

ومجاهدة أعداء الله، وقطّاع الطّريق إليه. فإنّ ما يحمله ويتحمّله فوق ما يحمله النّاس ويتحمّلونه.

فلابدّ أن يدركه الضّجر ويضعف صبره. فإذا أراد الله أن يريحه ويحمل عنه: أنزل عليه سكينة. فاطمأنّ إلى حكمه الدّينيّ. وحكمه القدريّ. ولا طمأنينة له بدون مشاهدة الحكمين.

وأمّا طمأنينة المبتلى إلى المثوبة. فلا ريب أنّ المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكن قلبه، واطمأنّ بمشاهدة العوض. وإنّما يشتدّ به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثّواب.


الدّرجة الثّانية: طمأنينة الرّوح في الشّوق إلى ما وعدت به بحيث لا تلتفت إلى ما وراءها، وهذا شأن كلّ مشتاق إلى محبوب وعد بحصوله، إذ تحدث الطّمأنينة بسكون نفسه إلى وعد اللّقاء والعلم بحصول الموعود به «2» .

[للاستزادة: انظر صفات: السكينة- الإيمان- التقوى- الثبات- حسن السمت- الرضا- القناعة- اليقين- الإخبات- الخشوع- الخشية- الذكر- القنوت.


وفي ضد ذلك: القلق- السخط- الشك- العجلة- القنوط- الجزع- الكفر- اليأس] .

الآيات الواردة في «الطمأنينة»

1- وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) «1»

2- وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) «2»


3- فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) «3»

4- إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) «4»


5- إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) «5»

6- إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (7) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (8) «6»

7- الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) «7»

8- مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106) «8»

9- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112) «1»

10- قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (95) «2»

11- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (11) «3»

12- يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) «4»

الأحاديث الواردة في (الطمأنينة)

1-* (عن ميمونة- رضي الله عنها- زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سجد خوّى بيديه (يعني جنّح) حتّى يرى وضح إبطيه من ورائه.

وإذا قعد اطمأنّ على فخذه اليسرى) * «1» .

2-* (عن صفيّة بنت شيبة- رضي الله عنها- قالت: لمّا اطمأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكّة عام الفتح طاف على بعير يستلم الرّكن بمحجن في يده. قالت: وأنا أنظر إليه) * «2» .

3-* (عن أبي ثعلبة الخشنيّ- رضي الله عنه- قال: «قلت يا رسول الله أخبرني بما يحلّ لي ويحرم عليّ قال:

فصعّد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصوّب فيّ النّظر. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «البرّ ما سكنت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النّفس.

ولم يطمئنّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون» .

وقال «لا تقرب لحم الحمار الأهليّ، ولا ذا ناب من السّباع) * «3» .


4-* (عن وابصة بن معبد- رضي الله عنه- قال: «أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البرّ والإثم إلّا سألته عنه، وإذا عنده جمع، فذهبت أتخطّى النّاس، فقالوا: إليك وابصة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إليك يا وابصة.

فقلت: أنا وابصة، دعوني أدنو منه، فإنّه من أحبّ النّاس إليّ أن أدنو منه. فقال لي: ادن يا وابصة. ادن يا وابصة، فدنوت منه حتّى مسّت ركبتي ركبته. فقال:

يا وابصة أخبرك ما جئت تسألني عنه، أو تسألني؛ فقلت: يا رسول الله، فأخبرني. قال جئت تسألني عن البرّ والإثم.

قلت: نعم فجمع أصابعه الثّلاث. فجعل ينكت بها في صدري ويقول: يا وابصة استفت نفسك:

البرّ ما اطمأنّ إليه القلب، واطمأنّت إليه النّفس. والإثم ما حاك في القلب، وتردّد في الصّدر، وإن أفتاك النّاس» ) * «4» .

5-* (عن أبي الحوراء السّعديّ- رضي الله عنه- قال: قلت للحسن بن عليّ (رضي الله عنهما) ما حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: حفظت من رسولالله صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. فإنّ الصّدق طمأنينة وإنّ الكذب ريبة» ) * «1» .

6-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «نحن أحقّ بالشّك من إبراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (البقرة/ 260)) * «2» .

7-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «يكون عليكم أمراء تطمئنّ إليهم القلوب، وتلين لهم الجلود، ثمّ يكون عليكم أمراء تشمئزّ منهم القلوب.

وتقشعرّ منهم الجلود» ، فقال رجل أنقاتلهم يا رسول الله؟ قال: «لا ما أقاموا الصّلاة» ) * «3» .

8-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال. أقبل نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم شابّ «4» لا يعرف، قال: فيلقى الرّجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر! من هذا الرّجل الّذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرّجل يهديناي إلى السّبيل، فيحسب الحاسب أنّه إنّما يهديه الطّريق وإنّما يعني سبيل الخير، فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبيّ الله هذا فارس قد لحق بنا. قال: فالتفت نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «اللهمّ اصرعه» فصرعته فرسه، ثمّ قامت تحمحم قال: ثمّ قال: يا نبيّ الله مرني بما شئت.


قال: «قف مكانك لا تتركنّ أحدا يلحق بنا» قال: فكان أول النّهار جاهدا على نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم وكان آخر النّهار مسلحة «5» له.

قال فنزل نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم جانب الحرّة ثمّ بعث إلى الأنصار فجاؤا نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فسلّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطمئنّين. قال:

فركب نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وخفروا حولهما بالسّلاح.

قال فقيل بالمدينة جاء نبيّ الله فاستشرفوا نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم ينظرون إليه ويقولون: جاء نبيّ الله، فأقبل يسير حتّى جاء إلى جانب دار أبي أيّوب، قالوا: فإنّه ليحدّث أهلها إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف «6» لهم منه، فعجل أن يضع الّذي يخترف فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فرجع إلى أهله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أيّ بيوت أهلنا أقرب؟» قال: فقال أبو أيّوب أنا يا نبيّ الله هذه داري، وهذابابي، قال: «فانطلق فهيّأ لنا مقيلا، ثمّ جاء.

فقال: يا نبيّ الله قد هيّأت لكم مقيلا، فقوما على بركة الله فقيلا. فلمّا جاء نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم جاء عبد الله بن سلام فقال، أشهد أنّك رسول الله حقّا، وأنّك جئت بحقّ، ولقد علمت اليهود أنّي سيّدهم وابن سيّدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم فدخلوا عليه فقال لهم نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم يا معشر اليهود، ويلكم اتّقوا الله، فو الّذي لا إله إلّا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقّا، وأنّي جئتكم بحقّ. أسلموا» . قالوا ما نعلمه ثلاثا) * «1» .


9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل المسجد، فدخل رجل فصلّى، ثمّ جاء فسلّم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فردّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السّلام.

قال: «ارجع فصلّ. فإنّك لم تصلّ» . فرجع الرّجل فصلّى كما كان صلّى. ثمّ جاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسلّم عليه.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وعليك السّلام» ، ثمّ قال: «ارجع فصلّ. فإنّك لم تصلّ» .

حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات. فقال الرّجل: والّذي بعثك بالحقّ ما أحسن غير هذا. علّمني. قال: «إذا قمت إلى الصّلاة فكبّر.

ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن. ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعا، ثمّ ارفع حتّى تعتدل قائما، ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجدا.

ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالسا، ثمّ افعل ذلك في صلاتك كلّها» ) * «2» .

الأحاديث الواردة في (الطمأنينة) معنى

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق، والسّكينة في أهل الغنم. والفخر والرّياء في الفدّادين «3» أهل الخيل والوبر» ) * «4» .


11-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه دفع مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم عرفة فسمع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وراءه زجرا «5» شديدا وضربا وصوتا للإبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: «أيّها النّاس، عليكم بالسّكينة، فإنّ البرّ ليس بالإيضاع «6» » ) * «7» .

12-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول «إذا أقيمت الصّلاة فلا تأتوها تسعون. وأتوها تمشون. وعليكم السّكينة،فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا» ) * «1» .

13-* (عن جابر بن سمرة- رضي الله عنهما- قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنّها أذناب «2» خيل شمس «3» ؟ اسكنوا في الصّلاة» ، قال: ثمّ خرج علينا فرآنا حلقا «4» . فقال: «مالي أراكم عزين «5» ؟» ، قال:

ثمّ خرج علينا فقال: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها؟» .

فقلنا: يا رسول الله وكيف تصفّ الملائكة عند ربّها؟ قال: «يتمّون الصّفوف الأول، ويتراصّون في الصّفّ» ) * «6» .

14-* (عن البراء- رضي الله عنه- قال:

رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الأحزاب ينقل التّراب- وقد وارى التّراب بياض بطنه- وهو يقول:

لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزل السّكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا «7» .

15-* (عن البراء- رضي الله عنه- قال:

كان رجل يقرأ سورة الكهف. وعنده فرس مربوط بشطنين «8» فتغشّته سحابة. فجعلت تدور وتدنو.

وجعل فرسه ينفر منها. فلمّا أصبح أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له، فقال: «تلك السّكينة تنزّلت للقرآن» ) * «9» .


16-* (عن أبي قتادة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تقوموا حتّى تروني، وعليكم السّكينة» ) * «10» .

17-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» ) * «11» .


18-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يسّروا ولا تعسّروا وسكّنوا ولا تنفّروا» ) * «12» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الطمأنينة)

19-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّها قالت: أوّل ما بدأ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الوحي الرّؤيا الصّادقة في النّوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءته مثل فلق الصّبح. فكان يأتي حراء فيتحنّث فيه- وهو التّعبّد- اللّيالي ذوات العدد.

ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها. حتّى فجئه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ.

فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطّني «1» حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارىء.

فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ» فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني.

فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتّى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق/ 1- 5) . فرجع بها ترجف بوادره «2» حتّى دخل على خديجة. فقال: زمّلوني، زمّلوني «3» » فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع. فقال:


«يا خديجة! مالي؟» ، وأخبرها الخبر. وقال: «قد خشيت على نفسي» فقالت له كلّا. أبشر. فو الله لا يخزيك الله أبدا.

إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ «4» ، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ ثمّ انطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزّى بن قصيّ،- وهو ابن عمّ خديجة أخي أبيها، وكان امرآ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العربيّ، فيكتب بالعربيّة من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي! ماذا ترى؟.

فأخبره النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما رأى. فقال ورقة: هذا النّاموس الّذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا «5» ، أكون حيّا حين يخرجك قومك.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أو مخرجيّ هم؟» .

فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قطّ بما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا.

ثمّ لم ينشب «6» ورقة أن توفّي، وفتر الوحي فترة حتّى حزن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم- فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلّما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمّد! إنّك رسول الله حقّا.

فيسكن لذلك جأشه «7» وتقرّ نفسه فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك) * «8» .

20-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: خسفت «1» الشّمس في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلّي.

فأطال القيام جدّا، ثمّ ركع فأطال الرّكوع جدّا، ثمّ رفع رأسه فأطال القيام جدّا، وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع فأطال الرّكوع جدّا، وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ سجد، ثمّ قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع فأطال الرّكوع، وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ رفع رأسه فقام، فأطال القيام، وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع فأطال الرّكوع، وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ سجد.

ثمّ انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد تجلّت الشّمس، فخطب النّاس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: «إنّ الشّمس والقمر من آيات الله وإنّهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبّروا وادعوا الله وصلّوا وتصدّقوا.

يا أمّة محمّد! إن من أحد أغير من الله «2» أن يزني عبده أو تزني أمته.

يا أمّة محمّد، والله لو تعلمون ما أعلم «3» لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا. ألا هل بلّغت؟» ) * «4» .

21-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: صلّيت مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليلة فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال:


هممت أن أقعد وأذر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم» ) * «5» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الطمأنينة)

1-* (قال مالك بن أنس- رحمه الله-: «حقّ على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية. والعلم حسن لمن رزق خيره» ) * «6» .

2-* (قال بشير «7» بن كعب: «مكتوب في الحكمة: إنّ من الحياء وقارا، وإنّ من الحياء سكينة» ) * «8» .

3-* (عن قتادة في قوله تعالى وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ (الرعد/ 28) . قال: هشّت إليه واستأنست به» وقال السّدّيّ في قوله تعالى أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد/ 28) : تسكن القلوب» ) * «9» .


4-* (عن مجاهد في قوله تعالى: يا أَيَّتُهَاالنَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (الفجر/ 27) قال: «الّتي أيقنت بأنّ الله ربّها» ) * «1» .

5-* (أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن- رضي الله عنه- في قوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (الفجر/ 27) قال: «إنّ الله إذا أراد قبض عبده المؤمن اطمأنّت النّفس إليه، واطمأنّ إليها، ورضيت عن الله، ورضي الله عنها أمر بقبضها فأدخلها الجنّة وجعلها من عباده الصّالحين» ) * «2» .

6-* (عن قتادة في قوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ قال: هذا المؤمن اطمأنّ إلى ما وعد الله» ) * «3» .


من فوائد (الطمأنينة)

(1) أثر من آثار هداية القلب.

(2) ركن من أركان الصّلاة لا تتمّ إلّا بها.

(3) ثناء الله على النّفوس المطمئنّة ورضاه عنها.

(4) سبب من أسباب سعادة الإنسان ودليل فلاحه.

(5) طريق موصل إلى الجنّة.

(6) دليل اليقين وصحّة الدّين.

(7) دليل الوقار.

(8) الطّمأنينة دليل اتّصاف المرء بالحياء وكفى بالحياء خلقا حميدا.

(9) الطّمأنينة عند الموت دليل رضا الله- عزّ وجلّ- وبشرى لصاحبها بدخول الجنّة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٤ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٥:٣٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ٥٬٨٥٩ مرة.