أدوات شخصية
User menu

الطموح

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الطّموح لغة

مصدر قولهم: طمح يطمح، وهو مأخوذ من مادّة (ط م ح) الّتي تدلّ على علوّ في الشّيء، يقال طمح ببصره إلى الشّيء: علا، وكلّ مرتفع مفرط في تكبّر طامح، ويقال في المصدر أيضا طماح مثل جماح، يقال: فرس فيه طماح، وطمحت المرأة مثل جمحت، فهي طامح أي تطمح إلى الرّجال، وفي حديث قيلة:

كنت إذا رأيت رجلا ذا قشر طمح بصري إليه، أي امتدّ وعلا، ومنه أيضا الحديث الآخر: فخرّ إلى الأرض فطمحت عيناه إلى السّماء، ويقال أطمح فلان بصره أي رفعه، قال الجوهريّ: وقال بعضهم طمح، أي أبعد في الطّلب ورجل طمّاح: بعيد الطّرف، والطّماح أيضا: الكبر والفخر لارتفاع صاحبه «1» .


الطّموح اصطلاحا

لم تذكر كتب الاصطلاحات الّتي وقفنا عليها تعريفا للطّموح ويمكن أن نستخلص ذلك من جملة ما ذكره اللّغويّون وشرّاح الحديث، فنقول: الطّموح: هو أن ينزع الإنسان إلى معالي الأمور ويعمل على تغيير حاله إلى ما هو أسمى وأنفع، وكلّما نال مرتبة نظر إلى ما فوقها، ولا يكون ذلك محمودا إلّا إذا وافق الشّرع الحنيف.

الطّموح في طلب العلم

قال الشّيخ الخضر حسين- رحمه الله-: «وممّا جبل عليه الحرّ الكريم، أن لا يقنع من شرف الدّنيا والآخرة بشيء ممّا انبسط له، أملا فيما هو أسنى منه درجة وأرفع منزلة «2» .

وفي هذا المعنى يقول الشّاعر:

والحرّ لا يكتفي من نيل مكرمة ... حتّى يروم «3» الّتي من دونها العطب «4»

يسعى به أمل من دونه أجل ... إن كفّه رهب يستدعه رغب لذاك ما سال موسى ربّه أرني ... أنظر إليك وفي تساله عجب يبغي التّزيّد فيما نال من كرم ... وهو النّجيّ لديه الوحي والكتب «5»

إنّ معالي الأمور وعرة المسالك محفوفة بالمكاره،والعلم أرفع مقام تطمح إليه الهمم، وأشرف غاية تتسابق إليها الأمم، فلا يخلص إليه الطّالب دون أن يقاسي شدائد، ويحتمل متاعب، ولا يستهين بالشّدائد إلّا كبير الهمّة ماضي العزيمة.

كان سعيد بن المسيّب يسير اللّيالي في طلب الحديث الواحد، ورحل أبو أيّوب الأنصاريّ من المدينة إلى عقبة بن عامر وهو في مصر ليروي عنه حديثا، فقدم مصر ونزل عن راحلته ولم يحلّ رحلها، فسمع منه الحديث وركب راحلته وقفل إلى المدينة راجعا، ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب أو الأندلس إلّا برجال رحلوا إلى الشّرق ولاقوا في رحلاتهم عناء ونصبا، مثل أسد بن الفرات وأبي الوليد الباجيّ وأبي بكر بن العربيّ.


وخلاصة المقال: تذكير النّبهاء من نشئنا بأن يقبلوا على العلم بهمم كبيرة صيانة للوقت من أن ينفق في غير فائدة، وعزم يبلى الجديدان وهو صارم صقيل، وحرص لا يشفي غليله إلّا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك ولا طول مسافة الطّريق، وألسنة مهذّبة لا تقع في لغو أو مهاترة «1» » «2» .

الفرق بين الطّموح وعلو الهمة

إذا كان كلّ من الطّموح وعلوّ الهمّة يشتركان في الهدف والغاية، أي تطلّب المعالي، فإنّهما قد يختلفان في الوسيلة والباعث، إذ الباعث في علوّ الهمّة قد يكون الأنفة من خمول الضّعة أو الاستنكار لمهانة النّقص، أمّا الباعث على الطّموح فهو نزوع النّفس دائما نحو الأعلى والأرقى، ومن حيث الوسيلة نجد أنّ الطّموح قد يجنح بصاحبه إلى الغلوّ والإسراف على النّفس أو الغير، أمّا علوّ الهمّة فلا يسلك صاحبها إلّا الدّروب الشّريفة الّتي تتّفق مع مباديّ الشّرع الحنيف.

[للاستزادة: انظر صفات: علو الهمة- الشجاعة- الشرف- النبل- القوة والشدة- الرجولة- العزم والعزيمة- قوة الإرادة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: صغر الهمة- التهاون- الجبن- الوهن- الذل- الضعف- الكسل- التفريط والإفراط.

الأحاديث الواردة في (الطموح) معنى

1-* (عن الحسن بن عليّ- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله- تعالى- يحبّ معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها «1» » ) * «2» .

2-* (عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه- قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقّاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر يتوارى «3» ، فقلت: ما لك يا أخي؟ قال: إنّي أخاف أن يراني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيستصغرني فيردّني، وأنا أحبّ الخروج لعلّ الله أن يرزقني الشّهادة. قال: فعرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فردّه، فبكى فأجازه.

فكان سعد- رضي الله عنه- يقول: فكنت أعقد حمائل «4» سيفه من صغره، فقتل وهو ابن ستّ عشرة سنة) * «5» .


من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الطموح)

1-* (أخرج الطّبرانيّ عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّ عمر- رضي الله عنه- قال يوم أحد لأخيه: خذ درعي يا أخي. قال: أريد من الشّهادة مثل الّذي تريد، فتركاها جميعا) * «6» .

2-* (عن سليمان بن بلال- رضي الله عنه-:

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعا الخروج معه، فذكر ذلك للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأمر أن يخرج أحدهما. فاستهما «7» ، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد- رضي الله عنهما-: إنّه لابدّ لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنّة لآثرتك به، إنّي أرجو الشّهادة في وجهي هذا، فاستهما، فخرج سهم سعد؛ فخرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر، فقتله عمرو بن عبد ودّ) * «8» .

3-* (قال معاوية لعمرو بن العاص: «من طلب عظيما خاطر بعظيمته» .

وكان عمرو يقول: «عليكم بكلّ أمر مزلقة مهلكة. أي عليكم بجسام الأمور» ) * «9» .

4-* (عن دكين الرّاجز قال: «أتيت عمر بنعبد العزيز بعد ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو والي المدينة فقال لي: يا دكين، إنّ لي نفسا توّاقة «1» ، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلمّا نلتها تاقت إلى الخلافة. فلمّا نلتها تاقت إلى الجنّة» ) * «2» .


5-* (عن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير عن أبيه- رضي الله عنهما- قالا: حدّثني أبي الّذي أرضعني- وكان أحد بني مرّة بن عوف- وكان في تلك الغزوة «غزوة مؤتة» قال: والله لكأنّي أنظر إلى جعفر- رضي الله عنه- حين اقتحم عن فرس له «شقراء» ثّمّ عقرها، ثمّ قاتل القوم حتّى قتل وهو يقول:

يا حبّذا الجنّة واقترابها ... طيّبة وبارد شرابها والرّوم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليّ إذ لاقيتها ضرابها «3» ) * «4» .


6- قيل للعتّابيّ: فلان بعيد الهمّة، قال: إذن لا يكون له غاية دون الجنّة) * «5» .

7-* (نظر رجل إلى أبي دلف في مجلس المأمون فقال: إنّ همّته ترمي به وراء سنّه) * «6» .

8-* (قال مالك بن عمارة اللّخميّ: كنت جالسا في ظلّ الكعبة أيّام الموسم عند عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزّبير، وكنّا نخوض في الفقه مرّة، وفي المذاكرة مرّة، وفي أشعار العرب وأمثال النّاس مرّة، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتّساع في المعرفة، والتّصرّف في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حدّث، وحلاوة لفظه إذا حدّث، فخلوت معه ليلة فقلت له، والله إنّي لمسرور بك لما شاهدته من كثرة تصرّفك وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال: إن تعش قليلا فسترى العيون طامحة إليّ والأعناق نحوي متطاولة، فإذا صار الأمر إليّ فلعلّك أن تنقل إليّ ركابك، فلأملأنّ يديك.

فلمّا أفضت إليه الخلافة توجّهت إليه فوافيته يوم الجمعة وهو يخطب على المنبر، فلمّا رآني أعرض عنّي فقلت: لعلّه لم يعرفني، أو عرفني وأظهر لي نكرة، فلمّا قضيت الصّلاة ودخل بيته لم ألبث أن خرج الحاجب، فقال: أين مالك بن عمارة.


فقمت فأخذ بيدي وأدخلني عليه فمدّ إليّ يده وقال:

إنّك تراءيت لي في موضع لا يجوز فيه إلّا ما رأيت، فأمّا الآن فمرحبا، وأهلا، كيف كنت بعدي، فأخبرته، فقال لي: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قلت:

نعم، فقال: والله ما هو بميراث وعيناه، ولا أثر رويناه، ولكنّي أخبرك بخصال منّي سمت بها نفسي إلى الموضع الّذي ترى.

ما خنت ذا ودّ قطّ، ولا شمتّ بمصيبة عدوّ قطّ، ولا أعرضت عن محدّث حتّى ينتهي حديثه، ولا قصدت كبيرة من محارم الله تعالى متلذّذا بها.

فكنت أؤمّل بهذه أن يرفع الله تعالى منزلتي، وقد فعل ثمّ دعا بغلام له، فقال: يا غلام بوّئه منزلا في الدّار، فأخذ الغلام بيدي، وأفرد لي منزلا حسنا،فكنت في ألذّ حال وأنعم بال، وكان يسمع كلامي، وأسمع كلامه، ثمّ أدخل عليه في وقت عشائه وغدائه فيرفع منزلتي، ويقبل عليّ ويحادثني ويسألني مرّة عن العراق، ومرّة عن الحجاز، حتّى مضت عشرون ليلة، فتغدّيت يوما عنده، فلمّا تفرّق النّاس نهضت قائما، فقال: على رسلك، فقعدت، فقال: أيّ الأمرين أحبّ إليك: المقام عندي مع النّصفة لك في المعاشرة، أو الرّجوع إلى أهلك ولك الكرامة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين فارقت أهلي وولدي على أنّي أزور أمير المؤمنين، وأعود إليهم فإن أمرني أمير المؤمنين اخترت رؤيته على الأهل والولد، فقال: لا بل أرى لك الرّجوع إليهم، والخيار لك بعد في زيارتنا، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار كسوة، وحملناك، أتراني قد ملأت يديك؟ فلا خير فيمن ينسى إذا وعد وعدا، وزرنا إذا شئت، صحبتك السّلامة) * «1» .

9-* (قال الشّاعر:

رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين ) * «2» .

10- قال القاضي عليّ بن عبد العزيز الجرجانيّ:

يقولون لي فيك انقباض وإنّما ... رأوا رجلا عن موقف الذّلّ أحجما «3» أرى النّاس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزّة النّفس أكرما ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما وما كلّ برق لاح لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت أرضاه منعما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما أنهنهها «4» عن بعض ما لا يشينها «5» ... مخافة أقوال العدا فيم أولما؟ ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت، لكن لا أخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّة ... إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النّفوس لعظّما ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه «6» بالأطماع حتّى تجهّما ) * «7» .

11-* (قال الشّاعر:

وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام ) * «1» .

12-* (قال الشّاعر:

سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرّا وبنقلها الدّرر النّفيسة ... بدّلت بالبحر نحرا ) * «2» .

13-* (وقال آخر: لا يدرك المجد من لا يركب الخطرا ... ولا ينال العلا من قدّم الحذرا ومن أراد العلا صفوا بلا كدر ... قضى ولم يقض من إدراكه وطرا وأحزم النّاس من لو مات من ظمأ ... لا يقرب الورد حتّى يعرف الصّدرا «3» ) * «4» .

من فوائد (الطموح)

1- دليل شرف النّفس ونبلها.

2- يكسب معالي الأمور وعظائمها.

3- ينزّه النّفس عن سفاسف الأمور.

4- يكسب النّشاط في طلب العلم.

5- يرفع الصّغير ويسمو بالحقير.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٤ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٥:٣٩.
  • تم عرض هذه الصفحة ٨٬٩٥٩ مرة.