أدوات شخصية
User menu

العدل والمساواة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


محتويات

أولا: العدل

العدل لغة

مصدر عدل يعدل عدلا وهو مأخوذ من مادّة (ع د ل) الّتي تدلّ- كما يقول ابن فارس- على معنيين متقابلين: أحدهما يدلّ على الاستواء، والآخر على اعوجاج، ويرجع لفظ العدل هنا إلى المعنى الأوّل، وإذا كان العدل مصدرا فمعناه: خلاف الجور وهو ما قام في النّفوس أنّه مستقيم، وقد يستعمل هذا المصدر استعمال الصّفات، فيقال: رجل عدل، والعدل من النّاس المرضيّ المستقيم الطّريقة، ويستوي في هذا الوصف المفرد والمثنّى والجمع والمذكّر والمؤنّث. يقال: رجل عدل، ورجلان عدل ورجال عدل، وامرأة عدل، كلّ ذلك على معنى: ذو عدل، أو ذوو عدل، أو ذوات عدل.

فإن رأيته مثنّى أو مجموعا أو مؤنّثا فعلى أنّه قد أجري مجرى الوصف الّذي ليس بمصدر كما في قولهم: قوم عدل وعدول أيضا، وحكى ابن جنّي:

امرأة عدلة: ومعنى قولهم رجل عدل، بيّن العدل والعدالة أي أنّه رضا ومقنع في الشّهادة.

ويرادف العدل (في معناه المصدريّ) العدالة والعدولة والمعدلة والمعدلة يقال: بسط الوالي عدله ومعدلته ومعدلته بمعنى، وفلان من أهل المعدلة أي من أهل العدل، وتعديل الشّهود أن تقول إنّهم عدول، والعدل والعدل والعديل سواء أي النّظير والمثيل، وقيل هو المثل وليس بالنّظير عينه وفي التّنزيل أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً (المائدة/ 95) ، والعدل بالفتح أصله مصدر قولك: عدلت بهذا عدلا تجعله اسما للمثل، لتفرّق بينه وبين عدل المتاع، وقال الرّاغب: العدل والعدل يتقاربان، لكنّ العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، والعدل والعديل فيما يدرك بالحاسّة كالموزونات والمعدودات والمكيلات، وقد فرّق سيبويه بين العدل والعديل فقال: العديل من عادلك من النّاس، والعدل لا يكون إلّا للمتاع خاصّد.

وفيما يتعلّق بالفعل المشتقّ من هذه المادّة؛ فإنّ معناه يختلف باختلاف التّجرّد والزّيادة من ناحية وباعتبار التّعدّي واللّزوم من ناحية ثانية وباعتبار حرف الجرّ المتعلّق به من ناحية ثالثة، ومن أمثلة ما أوردته كتب اللّغة من ذلك قولهم:

عدل في الحكم: لم يجر فيه، وعدل عليه في القضيّة: أنصفه، وعدل عن الحقّ: جار، ويقال: فلان يعدل فلانا: يساويه، وما يعدلك عندنا شيء: أي لا يقع شيء موقعك، وعدلت فلانا بفلان: سوّيت بينهما، وعدل فلان: صار ذا عدل، وعدل بالله: أشرك، وعدل عن الشّيء: حاد عنه، وعدل إليه: رجع، وعدل الفحل عن الإبل: ترك الضّراب، ومن أمثلة الصّيغ المزيدة قولهم: عدّل الشّيء قوّمه والحكم أقامه، وعدّل الشّاهد:

زكّاه، وعادل الشّيء، وازنه، وعادل الأمر ارتبك فيه، وتأتي عادل في معنى انعدل أي اعوجّ، أمّا اعتدل فيراد بها استقام، وقد يحتمل الفعل عدل أكثر من معنى كما في قوله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (النمل/ 60) يصحّ أن يكون على تقدير يعدلون به أي يشركون، ويصحّ أن يكون من قولهم: عدل عن الحقّ: جار «1» .

«العدل» من أسماء الله- عز وجل

ومن أسماء الله- تعالى- العدل. وهو الّذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سمّي به فوضع موضع (اسم الفاعل) العادل والمصدر أبلغ منه لأنّه جعل المسمّى نفسه عدلا «2» .

ويقول الغزاليّ- رحمه الله-: من أراد أن يفهم وصف الله- عزّ وجلّ- بالعدل ينبغي له أن يحيط علما بأفعال الله- تعالى- من ملكوت السّماوات إلى منتهى الثّرى.

حتّى إذا لم ير في خلق الرّحمن من تفاوت، ثمّ رجع إليه بصره فما رأى من فطور، ثمّ رجع مرّة أخرى فانقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير، وقد بهره جمال ما رأى، وحيّره اعتداله وانتظامه، فعند ذلك يعبق بفمه شيء من معاني عدله، تعالى وتقدّس.

وقد خلق الله أقسام الموجودات، جسمانيّها وروحانيّها، كاملها وناقصها، وأعطى كلّ شيء خلقه، وهو بذلك جواد، ورتّبها في مواضعها اللّائقة بها وهو بذلك عدل، ولينظر الإنسان إلى بدنه فإنّه مركّب من أعضاء مختلفة، فقد ركّبه من العظم واللّحم والجلد، وجعل العظم عمادا مستبطنا، واللّحم صوانا له مكتنفا إيّاه، وكذلك جعل الجلد صوانا للّحم، فلو عكس هذا التّرتيب وأظهر ما أبطن لبطل النّظام واختلّ العدل، وعلى هذا ينبغي أن تعلم أنّه لم يخلق شيء في موضع إلّا لأنّه متعيّن له، ولو تيامن عنه أو تياسر أو تسفّل أو تعلّى، لكان ناقصا أو باطلا، أو قبيحا، أو خارجا عن المتناسب، كريها في المنظر، ألم تر أنّه مثلا لو خلق الأنف على غير وسط الوجه أو لو خلق على الجبهة أو على والعدل (أيضا) الحكم بالحقّ، وفي قول الله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (الطلاق/ 2) قال سعيد بن المسيّب: ذوي عقل، وقال إبراهيم (النّخعيّ) : العدل الّذي لم تظهر منه ريبة (ومن معاني) العدل أن تعدل الشّيء عن وجهه أي تصرفه عنه «1» .

الخدّ لتطرّق النّقص إليه. ثمّ إنّ الإنسان لو ترقّى ونظر في ملكوت السّماوات والأرض وعجائبها لرأى ما يستحقر فيه عجائب بدنه، وكيف لا؟ وخلق السّماوات والأرض أكبر من خلق النّاس.

هذا هو الطّريق لمعرفة هذا الاسم؛ لأنّ معرفة الأسامي المشتقّة من الأفعال لا تفهم إلّا بعد فهم الأفعال وأنت تعلم أنّ كلّ ما في الوجود من أفعال الله.

فإذا كان الأمر كذلك فإنّ الواجب على العبد بعد إيمانه بأنّ الله عدل أنّه لا يعترض عليه في تدبيره وحكمه وسائر أفعاله، وافق مراده أم لم يوافق؛ لأنّ كلّ ذلك عدل، وتيقّنه أنّه لو لم يفعل- سبحانه وتعالى- ما فعله لحصل في الوجود أمر آخر هو أعظم ضررا ممّا حصل كما أنّ المريض لو لم يحتجم لتضرّر ضررا يزيد على ألم الحجامة «1» .

العدل اصطلاحا

هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله- سبحانه وتعالى- وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم لا الحكم بالرّأي المجرّد «2» .

وقيل: بذل الحقوق الواجبة وتسوية المستحقّين في حقوقهم «3» .

وقال ابن حزم: هو أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه «4» .

وقال الجرجانيّ: العدل الأمر المتوسّط بين الإفراط والتّفريط.

والعدالة في الشّريعة: عبارة عن الاستقامة على طريق الحقّ بالاجتناب ممّا هو محظور دينا «5» .

فضيلة العدل

قال الفيروز اباديّ- رحمه الله تعالى-: العدل:

هو القسط على سواء، وعلى هذا روي: بالعدل قامت السّماوات والأرض، تنبيها على أنّه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائدا على الآخر أو ناقصا عنه على مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظما.

أنواع العدل وأنحاؤه

والعدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخا، ولا يوصف بالاعتداء بوجه، نحو الإحسان إلى من أحسن إليك، وكفّ الأذى عمّن كفّ أذاه عنك.

وعدل يعرف كونه عدلا بالشّرع. ويمكن أن يكون منسوخا في بعض الأزمنة، كالقصاص وأرش الجنايات، وأخذ مال المرتدّ، ولذلك قال تعالى:

فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ (البقرة/ 194) ، وقال: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (الشورى/ 40) فسمّى ذلك سيّئة واعتداء.

وهذا النّحو هو المعنيّ بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (النحل/ 90 مكية) .

فإنّ العدل هو المساواة فيالمكافأة إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ، والإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه والشّرّ بأقلّ منه «1» .

أقسام العدل وكيفية تحقيقها

قال الماورديّ: إنّ ممّا تصلح به حال الدّنيا قاعدة العدل الشّامل، الّذي يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطّاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكبر معه النّسل، ويأمن به السّلطان.

وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنّه ليس يقف على حدّ، ولا ينتهي إلى غاية، ولكلّ جزء منه قسط من الفساد حتّى يستكمل.

ونقل عن بعض البلغاء قوله: إنّ العدل ميزان الله الّذي وضعه للخلق، ونصبه للحقّ فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلّتين: قلّة الطّمع، وكثرة الورع.

فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدّنيا الّتي لا انتظام لها إلّا به، ولا صلاح فيها إلّا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثمّ بعدله في غيره.

فأمّا عدله في نفسه، فيكون بحملها على المصالح وكفّها عن القبائح، ثمّ بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين: من تجاوز أو تقصير، فإنّ التّجاوز فيها جور، والتّقصير فيها ظلم، ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجور.

فأمّا عدله مع غيره، فقد تنقسم حال الإنسان مع غيره على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: عدل الإنسان فيمن دونه، كالسّلطان في رعيّته، والرّئيس مع صحابته، فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء:

باتّباع الميسور، وحذف المعسور، وترك التّسلّط بالقوّة، وابتغاء الحقّ في السّيرة، فإنّ اتّباع الميسور أدوم، وحذف المعسور أسلم، وترك التّسلّط أعطف على المحبّة، وابتغاء الحقّ أبعث على النّصرة.

القسم الثّاني: عدل الإنسان مع من فوقه.

كالرّعيّة مع سلطانها، والصّحابة مع رئيسها، ويكون ذلك بثلاثة أشياء:

بإخلاص الطّاعة، وبذل النّصرة، وصدق الولاء؛ فإنّ إخلاص الطّاعة أجمع للشّمل، وبذل النّصرة أدفع للوهن، وصدق الولاء أنفى لسوء الظّنّ.

وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلّط عليه من كان يدفع عنه واضطرّ إلى اتّقاء من كان يقيه ... وفي استمرار هذا حلّ نظام شامل، وفساد صلاح شامل.

القسم الثّالث: عدل الإنسان مع أكفائه، ويكون بثلاثة أشياء: بترك الاستطالة، ومجانبة الإدلال، وكفّ الأذى؛ لأنّ ترك الاستطالة آلف، ومجانبة الإدلال أعطف، وكفّ الأذى أنصف، وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء، ففسدوا وأفسدوا.

وقد يتعلّق بهذه الطّبقات أمور خاصّة يكون العدل فيها بالتّوسّط في حالتي التّقصير والسّرف، لأنّ العدل مأخوذ من الاعتدال، فما جاوز الاعتدال فهو خروج عن العدل، وإذا كان الأمر كذلك فإنّ كلّ ما خرج عن الأولى إلى ما ليس بأولى خروج عن العدلإلى ما ليس بالعدل.

ولست تجد فسادا إلّا وسبب نتيجته الخروج فيه عن حال العدل، إلى ما ليس بعدل من حالتي الزّيادة والنّقصان، وإذا لا شيء أنفع من العدل كما أنّه لا شيء أضرّ ممّا ليس بعدل «1» .

عدالة الشهود وعلاقتها بالمروءة

قال بعض العلماء: والعدالة صفة توجب مراعاتها الاحتراز عمّا يخلّ بالمروءة عادة ظاهرا، فالمرّة الواحدة من صغائر الهفوات، وتحريف الكلام لا تخلّ بالمروءة ظاهرا لاحتمال الغلط والنّسيان والتّأويل، بخلاف ما إذا عرف منه ذلك وتكرّر، فيكون الظّاهر الإخلال، ويعتبر عرف كلّ شخص وما يعتاده من لبسه، وتعاطيه للبيع، والشّراء وحمل الأمتعة، وغير ذلك، فإذا فعل ما لا يليق به لغير ضرورة قدح وإلّا فلا «2» .

ثانيا: المساواة

المساواة لغة

مصدر قولهم: ساواه يساويه إذا عادله، قال الرّاغب: المساواة هي المعادلة المعتبرة بالذّرع والوزن والكيل، يقال: هذا الثّوب مساو لذاك الثّوب، وهذا الدّرهم مساو لذلك الدّرهم، (وهذا التّمر مساو لهذا التّمر) «3» ، وقد يعتبر بالكيفيّة، ولاعتبار المعادلة الّتي فيه (أي في لفظ السّواء) استعمل استعمال العدل، وتسوية الشّيء (بالشّيء) جعلهما سواء، إمّا بالرّفعة وإمّا بالضّعة، والسّويّ: يقال فيما يصان عن الإفراط والتّفريط من حيث القدر والكيفيّة «4» .

وقال ابن منظور: سواء الشّيء مثله، وجمعه أسواء، قال الشّاعر:

النّاس أسواء وشتّى في الشّيم ويقال أيضا: سيّ الشّيء- كما يقال عدّه وعديده أي مثله، وسوى (بالقصر) يكون بمعنيين: يكون بمعنى نفس الشّيء، وبمعنى غير، وقولهم: سواسية، وسواس وسواسوة، كلّها جمع سواء من غير لفظه، وهم سواسية إذا استووا في اللّؤم والخسّة والشّرّ «5» ، وأمّا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «النّاس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا» فالمعنى كما قال ابن الأثير: إنّهم يتساوون إذا رضوا بالنّقص وتركوا التّنافس في طلب الفضائل، وقد يكون ذلك خاصّا في الجهل، وذلك أنّ النّاس لا يتساوون في العلم، وإنّما في الجهل، وقيل أراد بالتّساوي: التحزّب والتّفرّق» «6» وقال ابن منظور:

وأصل هذا التّساوي في الشّرّ لأنّ الخير إمّا يكون فيالنّادر من النّاس، فإذا استوى النّاس في الشّرّ ولم يكن فيهم ذو خير هلكوا «1» .

وقال الفيروز اباديّ: يقال: استوى الشّيئان، وتساويا (تماثلا) وساوى أحدهما صاحبه، وساوى بين الشّيئين، وسوّى بينهما، وساويت هذا بهذا وسوّيته به «2» .

وهما سيّان أي مثلان، ولا سيّما زيد أي لا مثيل زيد و «ما» زائدة «3» وفلان وفلان سواء أي متساويان «4» .

لفظ سواء في القرآن الكريم

قال ابن الجوزيّ: ذكر أهل التّفسير أنّ «السّواء» في القرآن الكريم على خمسة أوجه:

1- المعادلة والمماثلة، ومنه قوله تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ ... (الحج/ 25) .

2- العدل، ومنه قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ (آل عمران/ 64) .

3- الوسط، ومنه قوله عزّ من قائل: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (الدخان/ 47) .

4- الأمر البيّن ومنه قوله عزّ وجلّ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ (الأنبياء/ 109) .

5- القصد، ومنه قوله تعالى وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (المائدة/ 77) «5» .

المساواة اصطلاحا

تعني المساواة- في المجال الأخلاقيّ- أن يكون للمرء مثل ما لأخيه من الحقوق وعليه مثل ما عليه من الواجبات دون زيادة أو نقصان.

قال ابن مسكويه «وأقلّ ما تكون المساواة بين اثنين، ولكنّها تكون في معاملة مشتركة بينهما في شيء ما أو أكثر» «6» .

والمساواة قيمة لا تنقسم ولا يوجد لها أنواع، وهي أشرف نسب العلاقات بين الأشياء، لأنّها هي المثل بالحقيقة «7» » أي أنّها تجعل كلا طرفيها للآخر سواء بسواء.

الفرق بين العدالة والمساواة

المساواة هي الغاية الّتي تسعى العدالة إلى تحقيقها، وهي الغاية المرجوّة منها، والعادل- في مجال الحكم- هو الحاكم بالسّويّة لأنّه يخلف صاحب الشّريعة في حفظ المساواة «8» ، ومن هنا فقد جاء في تعريف العدل أنّه القسط اللّازم للاستواء «9» (أي لتحقيق المساواة بين الطّرفين دون زيادة أو نقصان) ، وإذا كانت العدالة خلقا فإنّ المساواة قيمة وهدف.

ولمّا كانت العدالة خلقا أو هيئة نفسانيّة تصدر عنها المساواة فقد اقترن الأمران وارتبطا ارتباطا وثيقالأنّ العادل من شأنه أن يساوي بين الأشياء الّتي هي غير متساوية، لمّا كان الأمر كذلك فإنّ كليهما قد يستعمل استعمال الآخر تسامحا «1» ، ولكنّهما غالبا ما يستعملان معا.

من صور المساواة في الإسلام

للمساواة في الإسلام صور عديدة فصّلها الشّرع الحكيم، وأشرنا إلى بعضها في «تكريم الإنسان» «2» ، ومنها:

- المساواة بين الرّجل والمرأة في أداء الواجبات الشّرعيّة والإثابة عليها.

- المساواة بين الزّوجات في حقوق الزّوجيّة (في حالة التّعدّد) .

- المساواة بين الأجناس والأعراق في التّمتّع بالحقوق المشروعة لكلّ منهم.

- المساواة بين الأبناء في الهبة والوصيّة ونحوهما.

- المساواة بين الخصوم في مجالس القضاء وفي سماع الحجّة منهم والقصاص من المعتدي أيّا كانت منزلته.

- المساواة في حقّ الكرامة الإنسانيّة، فلا يؤذى أحد بسبب لونه أو جنسه أو مذهبه أو عقيدته.

- المساواة في حقّ إبداء الرّأي من المسلم وغير المسلم قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ (آل عمران/ 64) .

- المساواة في حرمة الدّماء والأموال والأعراض.

- المساواة في إيقاع الجزاء بكلّ من ينتهك حدّا من حدود الله، فلا يعفى أحد من العقوبة لشرفه أو قرابته من الحاكم فتلك الّتي أهلكت الأمم السّابقة، أمّا في الإسلام فلا أدلّ على المساواة الكاملة في هذه النّاحية من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطع محمّد يدها» «3» .

- المساواة في نيل الجزاء في الدّنيا والثّواب في الآخرة لكلّ من يعمل عملا صالحا.

- المساواة بين المسلمين في الحضور لأماكن العبادة كالمسجد الحرام وغيره.

[للاستزادة: انظر صفات: الحكم بما أنزل الله- الاتباع- الإنصاف- القسط- المروءة- الإحسان- تكريم الإنسان- التناصر- المسئولية- السلم- المراقبة- الأمانة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الحكم بغير ما أنزل الله- الظلم- انتهاك الحرمات- البغي- التطفيف- العدوان- الطغيان- اتباع الهوى- الحرب والمحاربة- العتو] .

الآيات الواردة في «العدل والمساواة»

أولا: العدل

آيات العدل فيها عام

1- أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) «1»

2- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) «2»

3-* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) «3»

4- فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) «4»


آيات العدل فيها في الشهادة

5- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) «5»


6-* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) «1»

7- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) «2»

8- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) «3»


9- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (1) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) «4» .


آيات العدل فيها في الحكم

10-* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) «5» .

11- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (95) «6»

12-* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) «1»


13- وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) «2»

ثانيا: المساواة

أ- بين المسلمين وغيرهم

14- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) «3»

15- وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58) «4»

16- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109) «5»

17- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) «6»

آيات العدل فيها فيمن تحت الولاية من اليتامى والنساء

18- وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (3) «7»

19- وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) «8»

ب- بين الرجل والمرأة (ثوابا وعقابا)

20- فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) «1»

21- وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) «2» .

22- وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) «3»

23- مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (97) «4»

24- الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) «5»

25- إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35) «6»

26- وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (58) «7»

27- مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (40) «8»

وانظر صفة (القسط)

الأحاديث الواردة في (العدل)

1-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإنّ الله- عزّ وجلّ- محسن يحبّ المحسنين» ) * «1» .

2-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن- عزّ وجلّ- وكلتا يديه يمين، الّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» ) * «2» .

3-* (عن عامر قال: سمعت النّعمان بن بشير- رضي الله عنهما- وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطيّة، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتّى يشهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّي أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيّة، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال: «أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟» . قال: لا، قال «فاتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم» قال: فرجع فردّ عطيّته) * «3» .


4-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ أحبّ النّاس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم منه مجلسا: إمام عادل، وأبغض النّاس إلى الله، وأبعدهم منه مجلسا: إمام جائر» ) * «4» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة. فإذا أوصى حاف في وصيّته فيختم له بشرّ عمله، فيدخل النّار، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّرّ سبعين سنة.

فيعدل في وصيّته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنّة» قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... إلى قوله: عَذابٌ مُهِينٌ (النساء/ 13- 14) * «5» .

6-* (عن عوف بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة، وما هي؟» .

فناديت بأعلى صوتي ثلاثمرّات: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أوّلها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلّا من عدل، وكيف يعدل مع قرابته؟» ) * «1» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ لي على قريش حقّا، وإنّ لقريش عليكم حقّا ما حكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدّوا، واسترحموا فرحموا» ) * «2» .

8-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» ) * «3» .

9-* (عن عبادة بن الصّامت- رضي الله عنه- قال: بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على السّمع والطّاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكارهنا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالعدل أين كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم) * «4» .

10-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقسّم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل. قال: «لقد شقيت إن لم أعدل» ) * «5» .

11-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاث كفّارات، وثلاث درجات، وثلاث منجيات، وثلاث مهلكات.

فأمّا الكفّارات: فإسباغ الوضوء في السبرات «6» ، وانتظار الصّلوات بعد الصّلوات، ونقل الأقدام إلى الجماعات.

وأمّا الدّرجات: فإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، والصّلاة باللّيل والنّاس نيام. وأمّا المنجيات:

فالعدل في الغضب والرّضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السّر والعلانية. وأمّا المهلكات: فشحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه» ) * «7» .

12-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاثة لا تردّ دعوتهم، الإمام العادل، والصّائم حتّى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السّماء ويقول: بعزّتي، لأنصرنّك ولو بعد حين» ) * «8» .

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سبعة يظلّهم الله- تعالى- في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: إمام عدل، وشابّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ) * «1» .

14-* (عن حسين بن الحارث الجدليّ، من جديلة قيس، أنّ أمير مكّة خطب ثمّ قال: عهد إلينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن ننسك للرّؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، قال أبو مالك الأشجعيّ:

فسألت الحسين بن الحارث: من أمير مكّة؟ قال: لا أدري ثمّ لقيني بعد، فقال: هو الحارث بن حاطب أخو محمّد بن حاطب.

ثمّ قال الأمير: إنّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منّي وشهد هذا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأومأ بيده إلى رجل، فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الّذي أومأ إليه الأمير، قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق، وكان أعلم بالله منه، فقال: بذلك أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) * «2» .


15-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ سلامى من النّاس عليه صدقة، «3» كلّ يوم تطلع فيه الشّمس يعدل بين النّاس صدقة» ) * «4» .


16-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: لمّا كان يوم حنين آثر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أناسا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فاثرهم يومئذ في القسمة.

قال رجل: والله إنّ هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأتيته فأخبرته.


فقال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى. فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ) * «5» .

17-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو لم يبق من الدّنيا إلّا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلا منّي أو من أهل بيتي، يواطأ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلماوجورا» ) * «1» .

18-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أصاب أحدا قطّ همّ ولا حزن، فقال: اللهمّ إنّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك.

أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي. إلّا أذهب الله همّه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا» . قال فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلّمه؟. فقال:

«بلى، ينبغي لمن سمعه أن يتعلّمه» ) * «2» .

19-* (عن عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أصاب حدّا فعجّل الله عقوبته في الدّنيا فالله أعدل من أن يثنّي على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حدّا فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود إلى شيء قد عفا عنه» ) * «3» .

20-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنّما الإمام جنّة يقاتل من ورائه، ويتّقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإنّ له بذلك أجرا، وإن قال بغيره؛ فإنّ عليه منه» ) * «4» .


21-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والله، لينزلنّ ابن مريم حكما عدلا. فليكسرنّ الصّليب، وليقتلنّ الخنزير.

وليضعنّ الجزية. ولتتركنّ القلاص «5» فلا يسعى عليها. ولتذهبنّ الشّحناء والتّباغض والتّحاسد، وليدعونّ إلى المال فلا يقبله أحد» ) * «6» .

22-* (عن إبراهيم بن عبد الرّحمن العذريّ- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» ) * «7» .

الأحاديث الواردة في (العدل) معنى

23-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرّجل الّذي اشترى العقار «1» في عقاره جرّة «2» فيها ذهب.

فقال له الّذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي، إنّما اشتريت منك الأرض، ولم أبتع منك الذّهب. فقال الّذي شرى الأرض «3» ، إنّما بعتك الأرض وما فيها.

قال: فتحاكما إلى رجل، فقال الّذي تحاكما إليه: ألكما ولد، فقال أحدهما: لي غلام.

وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدّقا» ) * «4» .

24-* (عن عليّ- رضي الله عنه- قال:

بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن فقلت: تبعثني إلى قوم ذوي أسنان، وأنا حديث السّنّ. قال:

«إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل» قال عليّ: فما زلت قاضيا) * «5» .

25-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الأشعريّين إذا أرملوا «6» في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسّويّة، فهم منّي، وأنا منهم» ) * «7» .

26-* (عن هانىء بن يزيد بن نهيك- رضي الله عنه- قال: إنّه لمّا وفد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع قومه سمعهم وهم يكنّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له: «إنّ الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنّى أبا الحكم؟» فقال: إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أحسن هذا! فمالك من الولد؟» قال: لي شريح وعبد الله. قال: «فمن أكبرهم. قال: شريح، قال: «فأنت أبو شريح» ) * «8» .

27-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا، كلّ مال نحلته عبدا حلال، وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم.

وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم «9» عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا، وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب.

وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك،وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء «1» ، تقرؤه نائما ويقظان، وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت:

ربّ، إذا يثلغوا رأسي «2» فيدعوه خبزة. قال:

استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك. وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال.

قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له «3» ، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا، والخائن الّذي لا يخفى له طمع وإن دقّ إلّا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» وذكر البخل أو الكذب «والشّنظير «4» الفحّاش» ) * «5» .

28-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا كلّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته، فالأمير الّذي على النّاس راع، وهو مسئول عن رعيّته، والرّجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيّده وهو مسئول عنه، ألا فكلّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته» ) * «6» .

29-* (عن عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله! ترسلني وأنا حديث السّنّ ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: «إنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخركما سمعت من الأوّل، فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء» قال: فمازلت قاضيا، أو ما شككت في قضاء بعد» ) * «7» .

30-* (عن بريدة بن الحصيب- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنّة، واثنان في النّار، فأمّا الّذي في الجنّة فرجل عرف الحقّ فقضى به، ورجل عرف الحقّ فجار في الحكم، فهو في النّار، ورجل قضى للنّاس على جهل، فهو في النّار» ) * «8» .

31-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: إنّ أناسا نزلوا على حكم سعد بن معاذ،فأرسل إليه، فجاء على حمار، فلمّا بلغ قريبا من المسجد، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا إلى خيركم، أو سيّدكم» . فقال:


«يا سعد، إنّ هؤلاء نزلوا على حكمك» . قال: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم. قال: «حكمت بحكم الله، أو بحكم الملك» ) * «1» .

32-* (عن أبي ذرّ الغفاريّ- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أمّرني قال: «الإمارة أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة، إلّا من أمر بحقّ وأدّى بالحقّ عليه فيها» ) * «2» .

33-* (عن أبي أمامة الباهليّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك، إلّا أتى الله- عزّ وجلّ- مغلولا يوم القيامة، يده إلى عنقه، فكّه برّه، أو أوبقة إثمه، أوّلها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة» ) * «3» .

34-* (عن معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقدّس الله أمّة لا يقضى فيها بالحقّ، ويأخذ الضّعيف حقّه من القويّ غير متعتع» ) * «4» .

35-* (عن أبي بكرة- رضي الله عنه-: قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقضينّ حكم بين اثنين وهو غضبان» ) * «5» .

36-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبّيك وسعديك يا ربّ، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمّته: هل بلّغكم؟.

فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّته.

فيشهدون أنّه قد بلّغ، ويكون الرّسول عليكم شهيدا، فذلك قوله- جلّ ذكره- وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «6» لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة/ 143) » والوسط العدل) * «7» .

الأحاديث الواردة في (المساواة)

37-* (عن أبي حسّان (الأعرج) أنّ عليّا كان يأمر بالأمر فيؤتى، فيقال: فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: إنّ هذا الّذي تقول: قد تفشّغ «1» في النّاس، أفشيء عهده إليك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال عليّ: ما عهد إليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشيء خاصّة دون النّاس، إلّا شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي، قال: فلم يزالوا به حتّى أخرج الصّحيفة فإذا فيها: من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.. وإذا فيها:

المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «2» .

38-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّ قريشا أهمّتهم المرأة المخزوميّة الّتي سرقت فقالوا:

من يكلّم فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن يجترأ عليه إلّا أسامة حبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فكلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟» ثمّ قام فخطب فقال: «يا أيّها النّاس، إنّما ضلّ من كان قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق الشّريف تركوه، وإذا سرق الضّعيف فيهم أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطع محمّد يدها» ) * «3» .

39-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قد أذهب الله عنكم عبّيّة الجاهليّة «4» وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، والنّاس بنو آدم، وآدم من تراب» ) * «5» .

40-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التّقوى هاهنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرّات) بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» ) * «6» .

41-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ) * «7» .

42-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: لمّا نزلت هذه الآية: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ (المائدة/ 42) قال: كان بنو النّضير إذا قتلوا من بني قريظة أدّوا نصف الدّية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النّضير أدّوا إليهم الدّية كاملة، فسوّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينهم» ) * «1» .


43-* (عن عبد الله بن الزّبير- رضي الله عنهما- قال: قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «أنّ الخصمين يقعدان بين يدي الحكم» ) * «2» .


44-* (عن النّعمان بن بشير- رضي الله عنهما- «أنّ أمّه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها فالتوى بها سنة، ثمّ بدا له، فقالت: لا أرضى حتّى تشهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ما وهبت لابني فأخذ أبي بيدي.

وأنا يومئذ غلام فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إنّ أمّ هذا، بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الّذي وهبت لابنها. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا بشير ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم. فقال: «أكلّهم وهبت له مثل هذا؟ «قال: لا.

قال «فلا تشهدني إذا، فإنّي لا أشهد على جور» ) * «3» .

45-* (عن النّعمان بن بشير، قال: انطلق به أبوه يحمله إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: اشهد أنّي قد نحلت النّعمان من مالي كذا وكذا. قال، «فكلّ بنيك نحلت مثل الّذي نحلت النّعمان؟ «قال: لا.

قال: فأشهد على هذا غيري» قال: أليس يسرّك أن يكونوا لك في البرّ سواء؟ قال: بلى. قال «فلا إذا» ) * «4» .

46-* (عن ابن عبّاس، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

«المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ويردّ على أقصاهم» ) * «5» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (العدل والمساواة)

47-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: يا ابن أختي (لعروة بن الزّبير) كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يفضّل بعضنا على بعض في القسم، من مكثه عندنا، وكان قلّ يوم إلّا وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كلّ امرأة من غير مسيس حتّى يبلغ إلى الّتي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنّت، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منها قالت: تقول في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها- أراه قال- وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ...

(النساء/ 128) » ) * «6» .

48-* (عن عائشة- رضي الله عنها-قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقسم فيعدل، ويقول: «اللهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب) *) * «1» .

49-* (عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرّحمن عن أبيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين تزوّج أمّ سلمة- رضي الله عنها- قال لها: «ليس بك على أهلك هوان. إن شئت سبّعت عندك. وإن شئت ثلّثت، ثمّ درت» قالت: ثلّث» ) * «2» .

50-* (عن أمّ سلمة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته «3» من بعض فأقضي له على نحو ممّا أسمع منه، فمن قطعت له من حقّ أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنّما أقطع له به قطعة من النّار» ) * «4» .

51-* (عن سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومخرفة العبد بزّا من هجر، فأتينا به مكّة، فجاءنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فساومنا سراويل وعندنا وزّان يزن بالأجر، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يا وزّان، زن وأرجح» ) * «5» .

52-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة على عائشة وحفصة، فخرجتا معه جميعا.

وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا كان باللّيل سار مع عائشة يتحدّث معها، فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين اللّيلة بعيري، وأركب بعيرك، فتنظرين وأنظر؟ قالت: بلى.

فركبت عائشة على بعير حفصة، وركبت حفصة على بعير عائشة. فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى جمل عائشة، وعليه حفصة، فسلّم ثمّ سار معها حتّى نزلوا فافتقدته عائشة فغارت.

فلمّا نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر «6» وتقول: يا ربّ سلّط عليّ عقربا أو حيّة تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا) * «7» .

53-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمّها، وجعل فيها الطّعام وقال: «كلوا» وحبس الرّسول والقصعة حتّى فرغوا، فدفع القصعة الصّحيحة، وحبس المكسورة) * «8» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (العدل والمساواة)

1-* (قدم على عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- رجل من أهل العراق فقال: لقد جئتك لأمر ماله رأس ولا ذنب، فقال عمر- رضي الله عنه-:

«ما هو؟» . قال: شهادات الزّور ظهرت بأرضنا. فقال عمر: «أو قد كان ذلك؟» . قال: نعم. فقال عمر:

«والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول» ) * «1» .

2-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه-:

«إنّ الله إنّما ضرب لكم الأمثال، وصرّف لكم القول لتحيا القلوب، فإنّ القلوب ميّتة في صدورها حتّى يحييها الله، من علم شيئا فلينفع به، إنّ للعدل أمارات وتباشير، فأمّا الأمارات فالحياء والسّخاء والهين واللّين.

وأمّا التّباشير فالرّحمة.

وقد جعل الله لكلّ أمر بابا، ويسّر لكلّ باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزّهد، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال. والزّهد أخذ الحقّ من كلّ أحد قبله حقّ، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء ... » ) * «2» .

3-* (عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه-:

أنّه خطب يوم الجمعة فذكر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذكر أبا بكر.

قال: «إنّي رأيت كأنّ ديكا نقرني ثلاث نقرات، وإنّي لا أراه إلّا حضور أجلي، وإنّ أقواما يأمرونني أن أستخلف، وإنّ الله لم يكن ليضيّع دينه ولا خلافته، ولا الّذي بعث به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم.

فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء السّتّة، الّذين توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو عنهم راض، وإنّي قد علمت أنّ أقواما يطعنون في هذا الأمر. أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام.


فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضّلّال. ثمّ إنّي لا أدع بعدي شيئا أهمّ عندي من الكلالة. ما راجعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شيء، ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه. حتّى طعن بأصبعه في صدري» ، فقال: «يا عمر، ألا تكفيك آية الصّيف الّتي في آخر سورة النّساء» وهي قوله تعالى يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ (النساء/ 176) ؟ وإنّي إن أعش أقض فيها بقضيّة يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن.

ثمّ قال: «اللهمّ إنّي أشهدك على أمراء الأمصار. وإنّي بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم، وليعلّموا النّاس دينهم، وسنّة نبيّهم صلّى الله عليه وسلّم ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إليّ ما أشكل عليهم من أمرهم، ثمّ إنّكم أيّها النّاس تأكلون شجرتين لا أراهما إلّا خبيثتين.

هذا البصل والثّوم، لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع. فمن أكلهما فليمتهما طبخا» ) * «3» .

4-* (كتب عمر إلى أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنهما- أنّ القضاء فريضة محكمة، وسنّة متّبعة، فافهم إذا أدلي إليك فإنّه لا ينفع تكلّم حقّ لا نفاذ له، وآس بين النّاس في وجهك ومجلسك وقضائك حتّى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر.

والصّلح جائز بين المسلمين إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا، ومن ادّعى حقّا غائبا، أو بيّنة فاضرب له أمدا ينتهي إليه؛ فإن جاء ببيّنة أعطيته بحقّه فإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضيّة؛ فإنّ ذلك أبلغ في العذر، وأجلى للعمى، ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه لرأيك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحقّ؛ لأنّ الحقّ قديم لا يبطل الحقّ شيء، ومراجعة الحقّ خير من التّمادي في الباطل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشّهادة إلّا مجلود في حدّ، أو مجرّب عليه شهادة الزّور، أو ظنين في ولاء أو قرابة، فإنّ الله- عزّ وجلّ- تولّى من العباد السّرائر وستر عليهم الحدود إلّا بالبيّنات والأيمان، ثمّ الفهم الفهم فيما أدلي إليك ممّا ليس في قرآن ولا سنّة، ثمّ قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال والأشباه، ثمّ اعمد إلى أحبّها إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحقّ، وإيّاك والغضب والقلق والضّجر والتّأذّي بالنّاس عند الخصومة والتّنكّر؛ فإنّ القضاء في مواطن الحقّ يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذّخر، فمن خلصت نيّته في الحقّ ولو كان على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين النّاس، ومن تزيّن لهم بما ليس في قلبه شانه الله، فإنّ الله- تبارك وتعالى- لا يقبل من العباد إلّا ما كان له خالصا، وما ظنّك بثواب من عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته) * «1» .


5-* (عن خرشة بن الحرّ قال: شهد رجل عند عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- بشهادة فقال له: لست أعرفك، ولا يضرّك أن لا أعرفك، إئت بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، قال: بأيّ شىء تعرفه؟. قال:

بالعدالة والفضل. فقال: فهو جارك الأدنى الّذي تعرفه ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال:

فمعاملك بالدّيا نار والدّرهم اللّذين بهما يستدلّ على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السّفر الّذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق؟ قال:

لا. قال: لست تعرفه، ثمّ قال للرّجل: إئت بمن يعرفك» ) * «2» .

6-* (عن عمرو بن ميمون قال: «رأيت عمر ابن الخطّاب- رضي الله عنه- قبل أن يصاب بأيّام بالمدينة.

ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حمّلتما الأرض ما لا تطيق؟ قال: حمّلناها أمرا هي له مطيقة.

ما فيها كبير فضل قال: انظرا أن تكونا حمّلتما الأرض ما لا تطيق. قالا: لا. فقال عمر: لئن سلّمني الله لأدعنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا. قال: فما أتت عليه إلّا رابعة حتّى أصيب. قال:

إنّي لقائم، ما بيني وبينه إلّا عبد الله بن عبّاس غداة أصيب- وكان إذا مرّ بين الصّفّين قال: استووا، حتّى إذا لم ير فيهم خللا تقدّم فكبّر، وربّما قرأ سورة يوسف أو النّحل أو نحو ذلك في الرّكعة الأولى حتّى يجتمع النّاس- فما هو إلّا أن كبّر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني- الكلب، حين طعنه، فطار العلج «1» بسكّين ذات طرفين، لا يمرّ على أحد يمينا ولا شمالا إلّا طعنه، حتّى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة فلمّا رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلمّا ظنّ العلج أنّه مأخوذ نحر نفسه. وتناول عمر يد عبد الرّحمن بن عوف فقدّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الّذي أرى وأمّا نواحي المسجد فإنّهم لا يدرون غير أنّهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله.

فصلّى بهم عبد الرّحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلمّا انصرفوا قال: يا ابن عبّاس، انظر من قتلني.

فجال ساعة ثمّ جاء فقال: غلام المغيرة قال:

الصّنع «2» ؟ قال: نعم قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الّذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدّعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العبّاس أكثرهم رقيقا. فقال:

إن شئت فعلت- أي إن شئت قتلنا. قال: كذبت، بعد ما تكلّموا بلسانكم، وصلّوا قبلتكم، وحجّوا حجّكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأنّ النّاس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ: فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول أخاف عليه. فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه.

ثمّ أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنّه ميّت، فدخلنا عليه، وجاء النّاس فجعلوا يثنون عليه. وجاء رجل شابّ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثمّ ولّيت فعدلت، ثمّ شهادة.

قال: وددت أنّ ذلك كفاف لا عليّ ولا لي. فلمّا أدبر إذا إزاره يمسّ الأرض، قال: ردّوا عليّ الغلام. قال:

يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنّه أنقى لثوبك، وأتقى لربّك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليّ من الدّين، فحسبوه فوجدوه ستّة وثمانين ألفا أو نحوه.

قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلّا فسل في بني عديّ بن كعب؛ فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّ عنّي هذا المال.

انطلق إلى عائشة أمّ المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السّلام- ولا تقل أمير المؤمنين، فإنّي لست اليوم للمؤمنين أميرا- وقل: يستأذن عمر بن الخطّاب أن يدفن مع صاحبيه فسلّم واستأذن، ثمّ دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطّاب السّلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه.

فقالت: كنت أريده لنفسي. ولأوثرنّه به اليوم على نفسي. فلمّا أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. 

قال: ارفعوني. فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الّذي تحبّ يا أمير المؤمنين، أذنت. قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيتفاحملوني، ثمّ سلّم فقل: يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين.

وجاءت أمّ المؤمنين حفصة والنّساء تسير معها، فلمّا رأيناها قمنا، فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرّجال، فولجت داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الدّاخل.

فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر- أو الرّهط- الّذين توفيّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو عنهم راض: فسمّى عليّا وعثمان والزّبير وطلحة وسعدا وعبد الرّحمن وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء- كهيئة التّعزية له- فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلّا فليستعن به أيّكم ما أمّر، فإنّي لم أعزله عن عجز ولا خيانة.

وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأوّلين، أن يعرف لهم حقّهم، ويحفظ لهم حرمتهم.

وأوصيه بالأنصار خيرا، الّذين تبوّؤا الدّار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنّهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدوّ، وألّا يؤخذ منهم إلّا فضلهم عن رضاهم.


وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنّهم أصل العرب، ومادّة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويردّ على فقرائهم. وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلّفوا إلّا طاقتهم.

فلمّا قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلّم عبد الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطّاب:

قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه فلمّا فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرّهط، فقال عبد الرّحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزّبير: قد جعلت أمري إلى عليّ.

فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرّحمن ابن عوف فقال عبد الرّحمن: أيّكما تبرّأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام «1» لينظرنّ أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشّيخان. فقال عبد الرّحمن: أفتجعلونه إليّ، والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قال: نعم.

فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ، ولئن أمّرت عثمان لتسمعنّ ولتطيعنّ.

ثمّ خلا بالآخر فقال مثل ذلك. فلمّا أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له عليّ، وولج «2» أهل الدّار فبايعوه» ) * «3» .


7-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين افتتح خيبر اشترط عليهم أنّ له الأرض، وكلّ صفراء وبيضاء.

يعني الذّهب والفضّة، وقال له أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض، فأعطناها على أن نعملها ويكون لنا نصف الثّمرة ولكم نصفها، فزعم أنّه أعطاهم على ذلك. فلمّا كان حينيصرم النّخل «1» ، بعث إليهم، ابن رواحة، فحزر النّخل «2» ، وهو الّذي يدعونه أهل المدينة الخرص، فقال:

في ذا كذا وكذا. فقالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة. فقال: فأنا أحزر النّخل وأعطيكم نصف الّذي قلت. قال: قالوا: هذا الحقّ، وبه تقوم السّماء والأرض.

فقالوا: قد رضينا أن نأخذ بالّذي قلت) * «3» .

8-* (عن بلال بن رباح الحبشيّ- رضي الله عنه- قال: إنّه جاء إلى عمر بن الخطّاب وهو بالشّام وحوله أمراء الأجناد جلوس، فقال: يا عمر، فقال ها أنا عمر، فقال له بلال: إنّك بين الله وبين هؤلاء، وليس بينك وبين الله أحد، فانظر عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك، ومن خلفك، هؤلاء الّذين خلفك إن يأكلوا إلّا الطّير، قال: «صدقت، والله لا أقوم من مجلسي هذا، تكفّلوا لكلّ رجل من المسلمين طعامه وحظّه من الزّيت والخلّ، فقالوا: إليك يا أمير المؤمنين قد أوسع الله عليك من الرّزق وأكثر من الخير» ) * «4» .


9-* (قال ربعيّ بن عامر- رضي الله عنه- لرستم قائد الفرس لمّا سأله ما جاء بكم؟: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدّنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه حتّى نفيء إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنّة لمن مات على قتال من أبى، والظّفر لمن بقي» ) * «5» .

10-* (قال سعيد بن جبير في جواب لعبد الملك عن العدل: «العدل على أربعة أنحاء: العدل في الحكم لقوله تعالى: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ (المائدة/ 42) والعدل في القول لقوله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا (الأنعام/ 152) والعدل في الفدية لقوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ (البقرة/ 123) والعدل في الإشراك، قال تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (الأنعام/ 1)) * «6» .


11-* (كتب بعض عمّال عمر بن عبد العزيز إليه: أمّا بعد، فإنّ مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لها مالا يرمّها به فعل.

فكتب إليه عمر، «أمّا بعد، فقد فهمت كتابك وما ذكرت أنّ مدينتكم قد خربت، فإذا قرأت كتابي هذا فحصّنها بالعدل، ونقّ طرقها من الظّلم، فإنّه مرمّتهاوالسّلام» ) * «1» .

12-* (قال طاوس وإبراهيم وشريح: «البيّنة العادلة أحقّ من اليمين الفاجرة» ) * «2» .

13-* (قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: «إنّ حظّ العبد من العدل أمر ظاهر لا يخفى، فأوّل شيء يجب عليه من العدل في صفات نفسه أن يجعل الشّهوة والغضب أسيرين تحت إشارة العقل والدّين، فإنّه لو جعل العقل خادما للشّهوة والغضب فقد ظلمه، هذا في الجملة، أمّا تفصيلات ما يجب عليه في العدل في نفسه فمراعاة حدود الشّرع كلّها، وإنّ عدله في كلّ عضو أنّه يستعمله على الوجه الّذي أذن الشّرع فيه.

وأمّا عدله في أهله وذويه فأمر ظاهر يدلّ عليه العقل الّذي وافقه الشّرع، وأمّا إن كان من أهل الولاية فإنّ العدل في الرّعيّة من أوجب واجباته» ) * «3» .

14-* (قال ابن حزم- رحمه الله تعالى:

«أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبّه، وعلى الحقّ وإيثاره» ) * «4» .

15-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-:

«إنّ النّاس لم يتنازعوا في أنّ عاقبة الظّلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: الله ينصر الدّولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدّولة الظّالمة، ولو كانت مؤمنة» ) * «5» .

16-* (وقال أيضا: «أخبر الله في كتابه أنّه أنزل الكتاب والحديد ليقوم النّاس بالقسط، فقال تعالى:

لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحديد/ 25) .

ولهذا أمر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمّته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين النّاس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور من طاعة الله تعالى» ) * «6» .

17-* (وقال أيضا: «بالصّدق في كلّ الأخبار، والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال تصلح جميع الأعمال، وهما قرينان كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا (الأنعام/ 115)) * «7» .

18-* (وقال: يجب على كلّ وليّ أمر أن يستعين بأهل الصّدق والعدل، وإذا تعذّر ذلك، استعان بالأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وظلم، فإنّ الله يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، والواجب إنّما هو فعل المقدور) * «8» .

19-* (وقال: فأيّ (يعني فكلّ) من عدل في ولاية من الولايات فساسها بعلم وعدل، وأطاع اللهورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار الصّالحين) * «1» .

20-* (وقال أيضا: «أمور النّاس تستقيم في الدّنيا مع العدل، أكثر ممّا تستقيم مع الظّلم في الحقوق.

ويقال: الدّنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظّلم والإسلام» ) * «2» .

21-* (وقال أيضا: «العدل نظام كلّ شيء.

فإذا أقيم أمر الدّنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق. ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة» ) * «3» .

22-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-:

«إنّ من له ذوق في الشّريعة واطّلاع على كمالها وتضمّنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغية العدل الّذي يسع الخلائق يجد أنّه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمّنته من المصالح، تبيّن له أنّ السّياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأنّ من أحاط علما بمقاصدها ووضعها موضعها وحسن فهمه فيها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها ألبتّة.

فإنّ السّياسة نوعان: سياسة ظالمة، فالشّريعة تحرّمها. وسياسة عادلة تخرج الحقّ من الظّالم الفاجر فهي من الشّريعة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها» ) * «4» .

23-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى:

«التّوحيد والعدل هما جمّاع «5» صفات الكمال» ) * «6» .

24-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: من عرض له قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله- عزّ وجلّ- فليقض بما قضى به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله- عزّ وجلّ- ولم يقض به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم فليقض بما قاله الصّالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ولم يقض به الصّالحون، فليجتهد رأيه، فإن لم يحسن فليقرّ، ولا يستحي) * «7» .

25-* (قال القرطبيّ- رحمه الله تعالى: وأمّا تفريق بعضهم بين المسكينة والّتي لها قدر (من الجمال) ، فغير جائز لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد سوّى بين أحكامهم في الدّماء فقال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» «8» وإذا كانوا في الدّماء سواء، فهم في غير ذلك شيء واحد) * «9» .

26-* (وقال ابن كثير- رحمه الله تعالى- جميع النّاس في الشّرف بالنّسبة الطّينيّة إلى آدم وحوّاء- عليهما السّلام- سواء، وإنّما يتفاضلونبالأمور الدّينيّة وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا قال سبحانه بعد النّهي عن الغيبة واحتقار بعض النّاس بعضا منبّها على تساويهم في البشريّة يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا (الحجرات/ 13)) * «1» .


من فوائد (العدل)

(1) الأمن لصاحبه في الدّنيا والآخرة.

(2) دوام الملك وعدم زواله.

(3) رضا الرّبّ قبل رضا الخلق عن العادل.

(4) سلامة الخلق من شرّه.

(5) أصحابه أهل للولاية والحكم والتّقدّم والرّفعة.

(6) الصّدع بالحقّ وعدم ممالأة الباطل.

(7) يسدّ مسدّ كثير من أعمال البرّ والطّاعة.

(8) عموم العدل في الإسلام حتّى إنّه ليشمل الأبعدين فضلا عن الأقربين والكافرين مع المسلمين، ويشمل التّسوية حتّى مع أعضاء الإنسان نفسه.

(9) طريق موصل إلى الجنّة.

أما عن فوائد (المساواة) فمنها

(10) تحقيق الاستقرار والطّمأنينة في المجتمع المسلم لما يشعر به كلّ فرد من أنّه ليس أقلّ من غيره وأنّه سيحصل على حقّه في التّعليم والوظائف العامّة ونحوها.


(11) الشّعور بالمساواة يقضي على الفتن الطّائفيّة نظرا لشعور الذّمّيّين بأنّ لهم حقّ المواطنة على قدم المساواة مع المسلمين.

(12) المساواة بين الرّجل والمرأة في حقّ العبادة وحصول الثّواب يجعل المرأة تشعر بقيمتها وأنّها لا تشكّل الجانب الأضعف.

(13) روح المساواة تقضي على الغرور عند من يظنّون أنفسهم فوق النّاس، كما يقضي على الوهن والضّعف وخور العزيمة عند من يظنّون أنفسهم دونهم.

(14) بالمساواة يطمئنّ كلّ فرد إلى عدالة الحكم وأنّ السّياسة الّتي تقوم على ذلك هي سياسة عادلة لا تفرّق بين النّاس تبعا لأعراقهم ووضعهم الاجتماعيّ، أو موقعهم من السّلطة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٥ مارس ٢٠١٥ الساعة ٠٩:٥٦.
  • تم عرض هذه الصفحة ١١٬٥٧٩ مرة.