أدوات شخصية
User menu

العصيان

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


العصيان لغة

العصيان اسم من عصى يعصي عصيا وعصيانا ومعصية، وتدل مادته على أصلين متباينين، يدل أحدهما على التجمع، ويدل الآخر على الفرقة.

فمن الأول: العصا، وسميت بذلك لاشتمال يد ممسكها عليها، والأصل الآخر: العصيان والمعصية، يقال عصا، وهو عاص، والجمع عصاة وعاصون «1» .

وجعل الراغب العصيان من العصا فقال:

وعصا عصيانا إذا خرج عن الطاعة، وأصله أن يمتنع بعصاه، قال تعالى: وعصى آدم ربه (طه/ 121) وقال:

ومن يعص الله ورسوله (النساء/ 14) ويقال فيمن فارق الجماعة: فلان شق العصا «2» .

وقال القرطبي: في قوله تعالى: لا يعصون الله ما أمرهم (التحريم/ 9) أي لا يخالفونه في أمر من زيادة أو نقصان «3» » وقال ابن كثير في قوله تعالى:

وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان (الحجرات/ 7) والعصيان وهي جميع المعاصي «4» .

وقيل: العصيان ترك الانقياد، وهو خلاف الطاعة.

يقال: عصى العبد ربه إذا خالف أمره، وعصى فلان أميره يعصيه عصيا وعصيانا ومعصية إذا لم يطعه، فهو عاص وعصي، وعاصاه أيضا: مثل عصاه. ويقال للجماعة إذا خرجت عن طاعة السلطان: قد استعصت عليه.

وفي الحديث: لولا أن نعصي الله ما عصانا. أي لم يمتنع عن إجابتنا إذا دعوناه، فجعل الجواب بمنزلة الخطاب فسماه عصيانا كقوله تعالى: ومكروا ومكر الله (آل عمران/ 54) .

وفي الحديث: أنه غير اسم العاصي؛ إنما غيره لأن شعار المؤمن الطاعة، والعصيان ضدها.

والعاصي: الفصيل إذا لم يتبع أمه «5» .

العصيان اصطلاحا

قال الجرجاني: العصيان هو ترك الانقياد «6» (لما أمر الله به أو نهى عنه) .

وقال المناوي: هو الامتناع عن الانقياد (لما أمر الله به) أو نهى عنه «7» .

وقال الكفوي: العصيان بحسب أصل اللغة هو المخالفة لمطلق الأمر، أما في الشرع فيراد به المخالفة للأمر التكليفي خاصة «8» .

وقيل: هو ترك المأمورات، وفعل المحظورات، أو ترك ما أوجب وفرض من كتابه أو على لسان رسوله، وارتكاب ما نهى الله عنه أو رسوله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأعمال الظاهرة أو الباطنة «1» .

الفرق بين العصيان والابتداع

قال الكفوي: العاصي: من يفعل محظورا لا يرجو الثواب بفعله، والمبتدع: من يفعل محظورا يرجو الثواب بفعله في الآخرة. قال: والعاصي والفاسق في الشرع سواء «2» .

أقسام العصاة

يؤخذ مما ذكره الماوردي عن أحوال الناس في فعل الطاعات واجتناب المعاصي أن العصاة على قسمين:

الأول: من يرتكب المعاصي ويمتنع عن الطاعات، وهذه أخبث أحوال المكلفين وشر صفات المتعبدين.

الثاني: من يرتكب المعاصي ويفعل الطاعات، وهذا يستحق عذاب المجترئ؛ لأنه تورط بغلبة الشهوة على الإقدام على المعصية، وإن سلم من التقصير في فعل الطاعة «3» .

حكم العصيان

يختلف حكم المعصية بحسب نوع هذه المعصية إن كبيرة وإن صغيرة، ولكن إدمان صغيرة أو صغائر بحيث تغلب المعاصي على الطاعات؛ فإن ذلك يجعل هذه الصغيرة أو تلك الصغائر في حكم الكبيرة. يقول الإمام ابن حجر: وكون هذا كبيرة أي مثلها في سقوط العدالة، ونقل عن الرافعي قوله: من ارتكب كبيرة فسق، وردت شهادته، وأما الصغائر فلا يشترط تجنبها بالكلية لكن الشرط ألا يصر عليها فإن أصر كان الإصرار كارتكاب الكبيرة «4» .

أصول الذنوب

قال الغزالي- رحمه الله-: اعلم أن للإنسان أخلاقا وأوصافا كثيرة، لكن تنحصر مسارات الذنوب في أربع صفات:

أحدها: صفات ربوبية، ومنها يحدث الكبر والفخر وحب المدح والثناء، والعز وطلب الاستعلاء، ونحو ذلك. وهذه ذنوب مهلكات، وبعض الناس يغفل عنها، فلا يعدها ذنوبا.

الثانية: صفات شيطانية، ومنها يتشعب الحسد والبغي والحيل والخداع والمكر، والغش والنفاق والأمر بالفساد ونحو ذلك.

الثالثة: الصفات البهيمية، ومنها يتشعب الشر والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، فيتشعب من ذلك الزنى واللواطة والسرقة، وأخذ الحطام لأجل الشهوات.

الرابعة: الصفات السبعية، ومنها يتشعب الغضب والحقد، والتهجم على الناس بالقتل والضرب، وأخذ الأموال، وهذه الصفات لها تدرجفي الفطرة، فهذه أمهات الذنوب ومنابعها، ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع إلى الجوارح: فبعضها في القلب، كالكفر، والبدعة، والنفاق، وإضمار السوء، وبعضها في العين، وبعضها في السمع، وبعضها في اللسان، وبعضها في البطن والفرج، وبعضها في اليدين والرجلين وبعضها على جميع البدن.

ثم الذنوب تنقسم إلى ما يتعلق بحقوق الآدميين وإلى ما بين العبد وبين ربه. فيما يتعلق بحقوق العباد، فالأمر فيه أغلظ، والذي بين العبد وبين ربه، فالعفو فيه أرجى وأقرب إلا أن يكون شركا والعياذ بالله، فذلك الذي لا يغفر «1» .

أنواع المعاصي

1- الذنوب الملكية

فالذنوب الملكية: أن يتعاطى العبد ما لا يصلح له من صفات الربوبية، كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلو، واستعباد الخلق، ونحو ذلك.

ويدخل في هذا الشرك بالرب تعالى، وهو نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته وجعل آلهة أخرى معه، وشرك به في معاملته، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره (وذلك هو الرياء) .

وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره، فمن كان من أهل هذه الذنوب، فقد نازع الله سبحانه في ربوبيته وملكه، وجعل له ندا، وهذا أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل.

2- الذنوب الشيطانية

وأما الشيطانية: فالتشبه بالشيطان في الحسد، والبغي، والغش، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله، وتحسينها، والنهي عن طاعته، وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال. وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.

3- الذنوب السبعية

وأما السبعية: فالعدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثب على الضعفاء والعاجزين، ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان.

4- الذنوب البهيمية

وأما الذنوب البهيمية فمثل الشره، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنها يتولد الزنى، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشح، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك.

وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية، ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى منازعة الربوبية، والشرك في الوحدانية «2» .

أضرار المعاصي

قال ابن القيم رحمه الله: مما ينبغي أن يعلم: أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا بد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا بسبب الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعمة والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى، وبالإيمان كفرا؟ وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟.

وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، والأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟.


وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس «1» بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرا؟ «2» .

[للاستزادة: انظر صفات: اتباع الهوى- الزنا- شرب الخمر- الضلال- الفسوق- الإعراض- انتهاك الحرمات- ترك الصلاة- التفريط والإفراط- الغفلة- الأمن من المكر.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الطاعة- الإيمان- الإسلام- التقوى- تعظيم الحرمات- الاستقامة- الصلاة- الاتباع- اليقين- الخوف- الخشية- تذكر الموت- بر الوالدين] .

الآيات الواردة في «العصيان»

أ- آيات العصيان فيها سبب عقوبة

1- وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) «1»

2- كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) «2»

3- ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) «3»

4- لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) «4»

5-* وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) «5»

6- وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59)وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) «1»

7- فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) «2»

8- وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) «3»

9- إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) «4»

10- هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) «5»

ب- آيات العصيان فيها في سياق الإعراض والنجوى

11-* ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) «6»

12- كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111)ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) «1»

13- من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46) «2»

14- وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) «3»

15- واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) «4»

16- ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) «5»

17- قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) «6»

ج- آيات العصيان فيها في سياق الخوف من عذاب الله

18- فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41)يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) «1»

19-* وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) «2

20- ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) «3»

21-* وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب (61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) «4»

22- وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) «5»

23- قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) «6»

د- آيات العصيان فيها في سياق التهديد أو التوبيخ

24- ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) «1»

25- ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) «2»

26- وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) «3»

27- قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) «4»

هـ- آيات العصيان فيها في سياق التنزه عنه

28- فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) «5»

29- يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) «6»

30- يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) «7»

31- يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (12) «1»

32- يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) «2»

الأحاديث الواردة في ذم (العصيان)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى- عليهما السلام- عند ربهما فحج آدم موسى. قال موسى:

أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى:

بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ (طه/ 121) . قال: نعم. قال:

أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«فحج آدم موسى «1» » ) * «2» .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع- وكانت تعجبه- فنهس «3» منها نهسة فقال «أنا سيد الناس يوم القيامة. وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والاخرين في صعيد واحد «4» .

فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر «5» . وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون. فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض:

ائتوا آدم. فيأتون آدم. فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر.

خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك. اشفع لنا إلى ربك. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله. وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي.


نفسي ... الحديث) * «6» .

3-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: ألا أخبركم بما سمعت من في رسول الله «7» صلى الله عليه وسلم؟ سمعته أذناي ووعاه قلبي: «إن عبدا قتل تسعة وتسعين نفسا «8» ثم عرضت له التوبة «9» ... الحديث، وفيه: «فخرج يريد القرية الصالحةفعرض له أجله «1» في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. قال إبليس: أنا أولى به؛ إنه لم يعصني ساعة قط. قال: فقالت ملائكة الرحمة: إنه خرج تائبا» ) * «2» .

4-* (عن عدي بن حاتم- رضي الله عنه- أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعص الله ورسوله» ) * «3» .

5-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علقمة بن مجزز على بعث- وأنا فيهم- فلما انتهى إلى رأس غزاته «4» - أو كان ببعض الطريق- استأذنته طائفة من الجيش فأذن لهم وأمر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي- فكنت فيمن غزا معه- فلما كان ببعض الطريق أوقد القوم نارا ليصطلوا أو ليصنعوا عليها صنيعا.

فقال عبد الله (وكانت فيه دعابة) «5» : أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى. قال: فما أنا بآمركم بشيء إلا صنعتموه؟ قالوا: نعم. قال: فإني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار. فقام ناس فتحجزوا فلما ظن أنهم واثبون. قال: أمسكوا على أنفسكم.

فإنما كنت أمزح معكم. فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه» ) * «6» .

6-* (عن عياض بن حمار المجاشعي- رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته:


«ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كل مال نحلته «7» عبدا حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء «8» كلهم.

وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم «9» عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، أمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم «10» ، عربهموعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك «1» .

وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشا. فقلت: رب إذا يثلغوا «2» رأسي فيدعوه خبزة.

قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك «3» ، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك.

قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط «4» متصدق موفق. ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له «5» ، الذين هم فيكم تبعا لا يتبعون «6» أهلا ولا مالا. والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق «7» إلا خانه.

ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» . وذكر البخل أو الكذب، «والشنظير «8» الفحاش» ) * «9» .

7-* (عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- وكان شهد بدرا- وهو أحد النقباء ليلة العقبة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- وحوله عصابة من أصحابه:

بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم «10» ولا تعصوا في معروف.

فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه. فبايعناه على ذلك» ) * «11» .

8-* (عن لقيط بن عامر أنه خرج وافدا إلىرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق «1» قال لقيط «2» : فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانسلاخ رجب فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة ... الحديث وفيه «فمن عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين» ) * «3» .

9-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء.

فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا. فانطلقوا على مهلهم «4» فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش «5» فأهلكهم واجتاحهم «6» ..

فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق) * «7» .

10-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا قال:

فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا جعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة.

فقالوا: أولوها له يفقهها. فقال بعضهم: إنه نائم.

وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا:

فالدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله ومن عصى محمدا صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس) * «8» .

11-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا يدعو على رعل وذكوان ولحيان وعصية عصت الله ورسوله. قال أنس: أنزل الله- عز وجل- في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه.

وعند البخاري: «فرضي عنا وأرضانا ثم رفع ذلك بعد) * «1» .

12-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شر الطعام طعام الوليمة. يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» ) * «2» .

13-* (عن ركب المصري «3» - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسألة، وأنفق مالا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة. طوبى لمن طاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله» ) * «4» .

14-* (عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد كان نومه ونبهه أجرا كله.

وأما من غزا رياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض فإنه لا يرجع بالكفاف» ) * «5» .

15-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» ) * «6» .

16-* (عن مطيع بن الأسود- رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة:

«لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة «7» » قال: ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع.

كان اسمه العاصي فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيعا» ) * «8» .

17-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن دوسا عصت وأبت فادع الله عليها- فقيل: هلكت دوس- قال: «اللهم اهد دوسا وأت بهم» ) * «9» .

18-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا منأبى» . قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» ) * «1» .

19-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك. ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا» ) * «2» .

20-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله. فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت فبكت فقال: ما يبكيك. أكرهت؟ قالت: لا.

ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ قال: ثم نزل فقال: اذهبي والدنانير لك. قال: ثم قال: والله لا يعصي الكفل ربه أبدا.

فمات من ليلته، وأصبح مكتوبا على بابه: قد غفر للكفل» ) * «3» .

21-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (البقرة/ 284) قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم بركوا على الركب. فقالوا: أي رسول الله؛ كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة.

وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.» فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم.

فأنزل الله في إثرها آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (البقرة/ 285) فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى. فأنزل الله- عز وجل- لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا (قال: نعم) ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا (قال: نعم) ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به (قال: نعم) واعف عناواغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (قال: نعم) (البقرة/ 286) * «1» .


22-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه. ويتقى به. فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإن عليه منه «2» » ) * «3» .

23-* (عن عقبة بن عامر- رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو قد عصى» ) * «4» .

24-* (عن عائشة- رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» ) * «5» .

25-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة- فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ «6» ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار» ) * «7» .

الأحاديث الواردة في ذم (العصيان) معنى

26-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه «1» ؟» قالوا: لا يبقي من درنه شيئا. قال:

«فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» ) * «2» .

27-* (عن شداد بن أوس- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على سيد الاستغفار:

اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء «3» إليك بنعمتك علي، وأعترف بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. لا يقولها أحد حين يمسي فيأتي عليه قدر قبل أن يصبح إلا وجبت له الجنة، ولا يقولها حين يصبح فيأتي عليه قدر قبل أن يمسي إلا وجبت له الجنة» ) * «4» .

28-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال:

«أذنب عبد ذنبا. فقال: اللهم اغفر لي ذنبي.

فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب.

فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى:

عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي.


فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا. فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئت، فقد غفرت لك» ) * «5» .

29-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما فهل من توبة؟ قال: «هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم.

قال: «فبرها» ) * «6» .

30-* (عن أبي سعيد- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال بخطاياهم) فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهمضبائر ضبائر «1» . فبثوا على «2» أنهار الجنة. ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» ) * «3» .

31-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزلت عليه وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين قال الرجل: ألي هذه؟ قال: «لمن عمل بها من أمتي» ) * «4» .

32-* (عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- أنه قال: إن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله. فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع. قال:

«لا استطعت» ما منعه إلا الكبر قال: فما رفعها إلى فيه» ) * «5» .

33-* (عن أنس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو بالموت فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف» ) * «6» .

34-* (وعن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- قالت: إنها اشترت نمرقة «7» فيها تصاوير، فلما راها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهة، فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم. ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما بال هذه النمرقة؟» قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها «8» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون.

فيقال لهم أحيوا ما خلقتم» . وقال: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» ) * «9» .

35-* (عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يكسب ألف حسنة؟» فسأله سائل من جلسائه:


كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: «يسبح الله مائة تسبيحة تكتب له ألف حسنة وتحط عنه ألف سيئة» ) * «10» .

36-* (عن أم سلمة- رضي الله عنها- في حديث هجرة الحبشة ومن كلام جعفر في مخاطبةالنجاشي: فقال له:

أيها الملك. كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام،- قال: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا، واتبعناه على ما جاء به ... الحديث) * «1» .

37-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال:

قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» ) * «2» .

38-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها «3» .

وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها» ) * «4» .

39-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله- عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل.

فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا عملها أكتبها له بمثلها» .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قالت الملائكة: رب، ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة (وهو أبصر به) فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جراي «5» » ) * «6» .

40-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن) فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها «7» يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة كان مشتها رجلاه «8» مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) حتى يخرج نقيا من الذنوب» ) * «9» .

41-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا أخطأ نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل «1» قلبه وإن عاد زيد فيه حتى تعلو قلبه وهو الران «2» الذي ذكر الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (المطففين/ 14) » ) * «3» .

42-* (عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» ) * «4» .

43-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن مسحهما «5» يحط الخطايا» ) * «6» .

44-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الميت يصير إلى القبر. فيجلس الرجل الصالح في قبره، غير فزع ولا مشعوف «7» . ثم يقال له: فيم كنت «8» ؟ فيقول: كنت في الإسلام.

فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه.

فيقال له:

هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله فيفرج له فرجة قبل النار. فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله.

ثم يفرج له قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: هذا مقعدك.

ويقال له: على اليقين كنت. وعليه مت. وعليه تبعث إن شاء الله «9» . ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشعوفا فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري.

فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولا فقلته. فيفرج له قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك. ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا.

فيقال له: هذا مقعدك على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله تعالى» ) * «10» .

45-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها. رجل يؤتىبه يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه.

فيقال: عملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا. فيقول: نعم- لا يستطيع أن ينكر- وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه- فيقال له:

فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا» . فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه) * «1» .

46-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أريد سفرا فزودني. قال: «زودك الله التقوى» . قال: زدني.

قال: «وغفر ذنبك» . قال: زدني بأبي أنت وأمي. قال:

«ويسر لك الخير حيثما كنت» ) * «2» .

47-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارا، لك ذكارا، لك رهابا، لك مطيعا، إليك مخبتا، إليك أواها منيبا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي «3» ، وأجب دعوتي، واهد قلبي، وسدد لساني، وثبت حجتي، واسلل سخيمة قلبي» ) * «4» .

48-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قلت له: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» . قلت: ثم أي؟ قال:

«ثم أن تزاني حليلة جارك» ) * «5» .

49-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت علي أعمال أمتي: حسنها وسيئها.

فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن» ) * «6» .

50-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال:

«من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر) * «7» .

51-* (عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه.

فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي. فخرجت معرسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك بعدما أنزل الحجاب ...

الحديث وفيه: قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: «أما بعد. يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه» ) * «1» .

52-* (عن سمرة بن جندب- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» . قال:

فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني «2» ، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه «3» فيتدهده «4» الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق. انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه ليشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال:

وربما قال أبو رجاء فيشق. قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى. قال: قلت:

سبحان الله! ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات.

قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا «5» قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال:

فانطلقنا، فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر «6» له فاه فيلقمه حجرا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه. كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا.

قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المراة كأكره ما أنت راء رجلا مرآة، وإذا عنده نار يحشها «7» ويسعى حولها.

قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق.

قال: فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثرولدان رأيتهم قط. قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن.

قال: قالا لي: ارق. فارتقيت فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء.

قال: قال لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر. قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فساروا في أحسن صورة. قال:

قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك. قال: فسما بصري صعدا. فإذا قصر مثل الربابة البيضاء. قال:

قالا لي هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما.

ذراني فأدخله. قالا: أما الآن فلا وأنت داخله. قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكرية المراة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم.

وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطرا منهم حسن وشطرا قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، تجاوز الله عنهم) * «1» .

53-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» ) * «2» .

54-* (عن أبي الدرداء- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا» ) * «3» .

55-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه «4» ويستره فيقول: أتعرفذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب.

حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال:

سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد «1» : «هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» ) * «2» .

56-* (عن عبد الله بن السعدي- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل» .

فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل» ) * «3» .

57-* (عن البراء- رضي الله عنه- قال:

لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله وقال: لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا.

فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن قد بدت خلا خلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة.

فقال عبد الله: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلا. وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه.

فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله. أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: اعل هبل «4» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل» . قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه» .

قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: «الله مولانا ولا مولى لكم» . قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني) * «5» .

58-* (قال كعب بن مالك- رضي الله عنه-: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط. إلا في غزوة تبوك. غير أني قد تخلفت في غزوة بدر.

ولم يعاتب أحدا تخلف عنه. إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.

ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام- وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها «1» - وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة.

والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا «2» ، واستقبل عدوا كثيرا. فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم.

فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير. ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الديوان) .

قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال.

فأنا إليها أصعر «3» فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد.

فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو «4» .

فهممت أن أرتحل فأدركهم، فياليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي. فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة.

إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق «5» ، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟» . قال رجل من بني سلمة:

يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه «6» فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا.

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب «7» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» .

فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري- وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون- فقال كعب بن مالك:

فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا «8» من تبوك حضرني بثي «9» فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟، وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي.

فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلمقادما- وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين- ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له- وكانوا بضعة وثمانين رجلا- فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: «تعال» .

فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» .

قال قلت: يا رسول الله إني- والله- لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا.

ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه «1» إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق. فقم حتى يقضي الله فيك» .

فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك.

قال: فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟.

قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟. قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة. قال:

فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه.


قال: فاجتنبنا الناس. وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف.

فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم. فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد.

وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة. فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟. ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر. فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي.

فسلمت عليه. فو الله ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟.

قال: فسكت. فعدت فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضتعيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة. يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان- وكنت كاتبا- فقرأته فإذا فيه: أما بعد. فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة. فالحق بنا نواسك «1» . قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء.

فتياممت «2» بها التنور فسجرتها بها. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي «3» إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال:

فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟. قال: لا. بل اعتزلها. فلا تقربنها. قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك.

قال: فقلت لا مرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.

قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟. قال: «لا. ولكن لا يقربنك» . فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، وو الله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.

قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك؟. فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه.

قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب؟ قال: فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا.

قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا. قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع «4» يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال:

فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي «5» ، وأوفى الجبل «6» فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته.

والله ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما. فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فيالمسجد- وحوله الناس- فقام طلحة ابن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني. والله ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة.

قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- وهو يبرق وجهه من السرور ويقول-: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» . قال: فقلت:

أمن عندك. يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: «لا.

بل من عند الله» - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر- قال: وكنا نعرف ذلك.

قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك بعض مالك.

فهو خير لك» . قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال: وقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فو الله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به.

والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.

قال: فأنزل الله عز وجل: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم* وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم (التوبة/ 117- 118) حتى بلغ:

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (التوبة/ 119) . قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا.

إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد. وقال الله: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون* يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (التوبة/ 95، 96) .

قال كعب: كنا خلفنا- أيها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له. فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه.

فبذلك قال الله- عز وجل-: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه) * «1» .

59-* (عن أنس- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليصيبن أقواما سفع من النار «2» بذنوبأصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته يقال لهم الجهنميون» ) * «1» .

60-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية «2» ، ومن قاتل تحت راية عمية «3» يغضب لعصبة «4» ، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش «5» من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه) * «6» .

61-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ) * «7» .


62-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم: إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» ) * «8» .

63-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم» ) * «9» .

64-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» ) * «10» .

65-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم- فيما روى عن الله تبارك وتعالى- أنه قال:

«يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته. فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته. فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار- وأنا أغفر الذنوب جميعا- فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغواضري فتضروني. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.


يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم. كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم.

قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» ) * «1» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذم (العصيان)

1-* (قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- «لا تصحب الفجار لتعلم من فجورهم، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين- ولا أمين إلا من خشي الله- وتخشع عند القبور، وذل عند الطاعة، واستعصم عند المعصية، واستشر الذين يخشون الله» ) * «2» .

2-* (عن عمر- رضي الله عنه- قال:

«يأهل مكة اتقوا الله في حرمكم هذا: أتدرون من كان ساكن حرمكم هذا من قبلكم؟ كانوا فيه بنو فلان.

فأحلوا حرمته فهلكوا، وبنو فلان فأحلوا حرمته فهلكوا، حتى عد ما شاء الله، ثم قال: والله لأن أعمل عشر خطايا بغيره أحب إلي من أعمل واحدة بمكة» ) * «3» .

3-* (قال عمر- رضي الله عنه- يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «فيم ترون هذه الآية نزلت أيود أحدكم أن تكون له جنة؟ (البقرة/ 266) قالوا: الله أعلم. فغضب عمر. فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر: يا بن أخي قل ولا تحقر نفسك.

قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله- عز وجل- ثم بعث الله له الشياطين فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله» ) «4» .

4-* (عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: توشك القرى أن تخرب وهي عامرة. قيل:

وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقوها» ) * «1» .

5-* (قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لفضيل بن زيد الرقاشي قال: لا يلهينك الناس عن ذات نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع النهار بكيت وكيت؛ فإنه محفوظ عليك ما قلته، ولم تر شيئا أحسن طلبا، ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثه لذنب قديم) * «2» .

6-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

«أقلوا الذنوب فإنكم لن تلقوا الله بشيء أفضل من قلة الذنوب» ) * «3» .

7-* (قال رجل لابن عباس- رضي الله عنهما-: أرأيت رجلا كثير الذنوب كثير العمل أو رجلا قليل الذنوب قليل العمل؟ قال ما أعدل بالسلامة شيئا» ) * «4» .

8-* (قال أبو أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- «إن الرجل ليعمل الحسنة حتى يأتي الله وقد حظر به، وإن الرجل ليعمل السيئة فيفرق منها حتى يأتي الله آمنا» ) * «5» .

9-* (كتب أبو الدرداء إلى سلمة بن مخلد: أما بعد، فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله، وإذا أحبه الله حببه إلى خلقه، وإذا عمل بمعصية الله أبغضه الله، فإذا أبغضه بغضه إلى خلقه) * «6» .

10-* (عن أبي الدرداء- رضي الله عنه- قال: «ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ثم قال: تدري مم هذا؟ قلت: لا. قال: إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر) * «7» .

11-* (قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- في قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته (آل عمران/ 102) قال: «أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر» ) * «8» .

12-* (قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا» ) * «9» .

13-* (عن أبي الشعثاء- رضي الله عنه- قال: كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي. فأتبعه أبو هريرة بصرهحتى خرج من المسجد. فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» ) * «1» .

14-* (عن سعيد بن المسيب- رضي الله عنه- قال: كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وما كافيت من عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه) * «2» .

15-* (قال كعب- رحمه الله-: «إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فرقا «3» من الرب جل جلاله أن يطلع عليها» ) * «4» .

16-* (قال الحسن البصري- رحمه الله-:

«إن الرجل يذنب الذنب فما ينساه وما يزال كئيبا حتى يدخل الجنة» ) * «5» .

17-* (وقال أيضا: «إن المؤمن لا يصبح إلا خائفا ولا يصلحه إلا ذاك، لأنه بين ذنبين؛ ذنب مضى لا يدري كيف يصنع الله فيه وآجل أو قال آخر لا يدري ما كتب عليه فيه» ) * «6» .

18-* (وقال أيضا: «اعملوا لله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليكم. إن المؤمن جمع إيمانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا) * «7» .

19-* (سئل الحسن البصري- رحمه الله-:

ما بر الوالدين؟ قال: «أن تبذل لهما ما ملكت، وأن تطيعهما فيما أمراك به إلا أن يكون معصية) * «8» . 20-* (قال الإمام علي زين العابدين:

ليس الغريب غريب الشام واليمن ... إن الغريب غريب اللحد والكفن إن الغريب له حق لغربته ... على المقيمين في الأوطان والسكن لا تنهرن غريبا حال غربته ... الدهر ينهره بالذل والمحن سفري بعيد وزادي لن يبلغني ... وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوب لست أعلمها ... الله يعلمها في السر والعلن ما أحلم الله عني حيث أمهلني ... وقد تماديت في ذنبي ويسترني «9» 21-* (وقال أيضا:

يا نفس كفي عن العصيان واكتسبي ... فعلا جميلا لعل الله يرحمنييا نفس ويحك توبي واعملي حسنا ... عسى تجازين بعد الموت بالحسن «1»

22-* (عن جبير بن نفير قال: لما فتحت قبرص فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير. ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره. بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى) * «2» .

23-* (قال سفيان: «من أذنب ذنبا فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجا غفرانه غفر الله له ذنبه» ) * «3» .

24-* (وذكر عن مالك بن دينار قال: قرأت في الحكمة: «يقول الله عز وجل: «أنا الله مالك الملوك. قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم» ) * «4» .

25-* (قال عبد الله بن المبارك- رحمه الله- أيضمن لي فتى ترك المعاصي ... وأرهنه الكفالة بالخلاص أطاع الله قوم فاستراحوا ... ولم يتجرعوا غصص المعاصي «5»

26-* (عن عبد الله بن المبارك، في ذكر شروط التوبة، قال: الندم، والعزم على عدم العود، ورد المظلمة وأداء ما ضيع من الفرائض، وأن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطاعة، كما أذاقها لذة المعصية» ) * «6» .

27-* (عن عروة بن عامر- رحمه الله- قال:

المؤمن تعرض عليه ذنوبه يوم القيامة فيمر بالذنب من ذنوبه يقول: أما إني كنت منك مشفقا فيغفر له» ) * «7» .

28-* (قال طلق بن حبيب: «التقوى:

العمل بطاعة الله رجاء رحمة الله، على نور من الله، والتقوى ترك معاصي الله، مخافة عقاب الله، على نور من الله» ) * «8» .

29-* (قال مالك- رحمه الله-: «دخل عمر ابن عبد العزيز على فاطمة امرأته فطرح عليها خلق ساج عليه، ثم ضرب على فخذها فقال: يا فاطمة لنحن ليالي دابق أنعم منا اليوم «9» ، فذكرها ما كانت نسيته من عيشها، فضربت يده ضربة فيها عنففنحتها عنها وقالت: لعمري لأنت اليوم أقدر منك يومئذ، فقام وهو يقول بصوت حزين: يا فاطمة إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. فبكت فاطمة وقالت: اللهم أعذه من النار» ) * «1» .

30-* (عن الفضيل بن عياض قال: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني» ) * «2» .

31-* (قال ابن السماك الواعظ:

يا مدمن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثانيكا؟ أغرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا؟ 32-* (قال أبو عمران السلمي منشدا: وإني لآتي الذنب أعرف قدره ... وأعلم أن الله يعفو ويغفر لئن عظم الناس الذنوب فإنها ... وإن عظمت في رحمة الله تصغر «3»

33-* (عن العباس العمي- رحمه الله- قال: «بلغني أن داود عليه السلام قال: سبحانك تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض، فأقرب خلقك إليك أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك، وما حكمة من لم يطع أمرك؟» ) * «4» .

34-* (قال الشافعي- رحمه الله-: تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا وربي في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع ) *.

35-* (قال محمود الوراق: هذا الدليل لمن أرا وأراد ... دغنى يدوم بغير مال عزا لم توط ... ده العشائر بالقتال ومهابة من غير سل ... طان وجاها فى الرجال فليعتصم بدخوله ... في عز طاعة ذي الجلال وخروجه من ذلة العاصي له في كل حال) * «5» .

36-* (قال إبراهيم الألبيري: ونفسك ذم لا تذمم سواها ... لعيب فهي أجدر من ذممتا فأنت أحق بالتفنيد مني ... ولو كنت اللبيب لما نطقتا ولو بكت الدما عيناك خوفا ... لذنبك لم أقل لك قد أمنتا ومن لك بالأمان وأنت عبد ... أمرت فما ائتمرت ولا أطعتا ثقلت من الذنوب ولست تخشى ... لجهلك أن تخف إذا وزنتا «6»

37-* (قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لفظالمعصية والفسوق والكفر إذا أطلقت المعصية لله ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق كقوله: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (الجن: 23) وقال تعالى:

وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد) (هود: 59) * «1» .

38-* (قال جمال الدين الصرصري:

أنا العبد الذي كسب الذنوبا ... وصدته الأماني أن يتوبا أنا العبد الذي أضحى حزينا ... على زلاته قلقا كئيبا أنا العبد الذي سطرت عليه ... صحائف لم يخف فيها الرقيبا أنا العبد المسيء عصيت سرا ... فمالي الآن لا أبدي النحيبا ) * «2» .

39-* (قال صالح بن عبد القدوس:

دع عنك ما [قد] كان في زمن الصبا ... واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب واذكر مناقشة الحساب فإنه ... لا بد يحصى ما جنيت ويكتب لم ينسه الملكان حين نسيته ... بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح فيك وديعة أودعتها ... ستردها بالرغم منك وتسلب ) *.

40-* (قال ابن القيم- رحمه الله- من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عنه الإجابة. وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره. وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له.

وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته. وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته.

وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره، ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه) * «3» .

41-* (وقال- رحمه الله- مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت فأكلت ثمرها وغرست نواها، فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمره وغرست نواه وكذلك تداعي المعاصي، فليتدبر اللبيب هذا المثال) * «4» .

42-* (قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله-:

قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجها إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة كان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فاجتمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه، وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسهبنشرها، وقالوا: ألا نسقيك مرقدا حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر؟ فقال: لا والله ما كنت أظن أحدا يشرب شرابا أو يأكل شيئا يذهب عقله، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة، فإني لا أحس بذلك، ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي، احتياطا أنه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، فما تضور ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال:

اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت وإن كنت قد أبليت فلطا لما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت، فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه ذلك بذنب عظيم أحدثه، فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أوس:

لعمرك ما أهويت كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة ... وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي «1»

43-* (قال الأمير الصنعاني:

القلب أعلم يا عذول بدائه ... ما غير داء الذنب من أدوائه والذنب أولى ما بكاه أخو التقى ... وأحق منك بجفنه وبمائه فومن أحب لأعصين عواذلي ... قسما به في أرضه وسمائه من ذا يلوم أخا الذنوب إذا بكى ... إن الملامة فيه من أعدائه «2»

44-* (قال الشاعر:

إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد ... فرب العباد سريع النقم وإياك والظلم مهما استطعت ... فظلم العباد شديد الوخم وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر آثار من قد ظلم ) * «3» .

45-* (وقال شاعر آخر:

اعتبر يأيها المغرور بالعمر المديد أنا شداد بن عاد ... صاحب الحصن المشيد وأخو القوة والبأ ... ساء والملك الحشيددان أهل الأرض طرا ... لي من خوف وعيدي وملكت الشرق والغر ... ب بسلطان شديد فأتى هود وكنا ... في ظلال قبل هود فدعانا لو قبلنا ... هـ إلى الأمر الرشيد فعصيناه ونادى ... ما لكم هل من محيد؟ فأتتنا صيحة ته ... وي من الأفق البعيد فمضينا كزروع ... وسط بيداء حصيد ) * «1» .

46-* (وقال آخر: رأيت الذنوب تميت القلوب ... ويورثها الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها «2»

47-* (وقال آخر: خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى) * «3» .

48-* (وقال آخر: أذنبت كل ذنوب لست أنكرها ... قد رجوتك يا ذا المن تغفرها أرجوك تغفرها في الحشر يا سندي ... إذ كنت يا أملي في الأرض تسترها ) * «4» .

49-* (وقال آخر: ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسب ... وتجمع في لوح حفيظ وتكتب وقلبك في سهو ولهو وغفلة ... وأنت على الدنيا حريص معذب تباهي بجمع المال من غير حله ... وتسعى حثيثا في المعاصي وتذنب أما تذكر الموت المفاجيك في غد ... أما أنت من بعد السلامة تعطب ) * «5» .

من مضار (العصيان)

(1) حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفأ ذلك النور.

(2) حرمان الرزق، فكما أن التقوى مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر

(3) حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن الطاعة لكان في ذلك كفاية من الحرمان.

(4) أن المعاصي توهن القلب والبدن.


(5) أن المعاصي تقصر العمر، وتمحق البركة.

(6) أن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضا.

(7) أن الذنوب تضعف القلب عن إرادته، فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا إلى أن تنسلخ من القلب إرادة التوبة بالكلية.

(8) أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله- عز وجل-.

(9) أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه.

(10) أن غير المذنب من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم.

(11) أن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله.

(12) أن المعصية تورث الذل، والعز كل العز في طاعة الله.

(13) أن المعاصي تفسد العقل، فإن للعقل نورا، والمعصية تطفأ نور العقل، وإذا طفىء نوره ضعف ونقص.

(14) أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، قال الله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (المطففين/ 14) .

(15) أن الذنوب تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن، قال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (الروم/ 41) .

(16) ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير وذهابه ذهاب الخير أجمعه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحياء خير كله» رواه البخاري ومسلم.

(17) أن الذنوب دليل ضعف إيمان العبد، وجرأته على ارتكاب المعاصي دليل على ظلمة قلبه، وانعدام بصيرته، وحرمانه من توقير ربه سبحانه وتعالى واستشعار عظمته.

(18) أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطان وهناك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة.

(19) أن الذنوب تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه ثواب المحسنين، فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي.

(20) أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة» .

قال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (الشورى/ 30) .

وقوله تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الأنفال/ 53) .

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٤ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١١:٠٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٨٧٣ مرة.