أدوات شخصية
User menu

الفرح

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الفرح لغة

مصدر قولهم: فرح يفرح، وهو مأخوذ من مادّة (ف ر ح) الّتي تدلّ على خلاف الحزن يقال: فرح بكذا فهو فرح، قال تعالى: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ والمفراح: الّذي يفرح كلّما سرّه الدّهر، ويقال: فرح به: سرّ، والفرح أيضا: البطر، ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (القصص/ 76) معناه- والله أعلم-: لا تفرح بكثرة المال في الدّنيا، لأنّ الّذي يفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة وقيل: لا تفرح لا تأشر ولا تبطر، والمعنيان متقاربان؛ لأنّه إذا سرّ ربّما أشر وبطر وتكبّر.

وأفرحه: سرّه، يقال: ما يسرّني بهذا الأمر مفرح ومفروح به، ولا تقل مفروح، والتّفريح مثل الإفراح، ويقال: رجل فرح وفرحان وامرأة فرحة وفرحى.

وقال ابن منظور: الفرح: نقيض الحزن، وقال ثعلب: هو أن يجد في قلبه خفّة. ورجل فرح وفرح ومفروح، عن ابن جنّي. وفرحان من قوم فراحى وفرحى، وامرأة فرحة وفرحى وفرحانة.

والمفراح: الّذي يفرح كلّما سرّه الدّهر. وهو الكثير الفرح، وقد أفرحه وفرّحه.

والفرحة والفرحة: المسرّة، والفرحة أيضا: ما تعطيه المفرّح لك أو تثيبه به مكافأة له. وفي حديث التّوبة: «لله أشدّ فرحا بتوبة عبده ... » ، وصفة الفرح ثابتة عن الله- عزّ وجلّ- على ما يليق بجلاله وكماله.

والتّفريح: مثل الإفراح، وتقول: لك عندي فرحة إن بشّرتني «1» .

قال الأزهريّ: فالمفروح هو الشّيء الّذى أنا أفرح به، والمفرح هو الشّيء الّذي يفرحني «2» .

واصطلاحا

قال الرّاغب: الفرح: انشراح الصّدر بلذّة عاجلة، وأكثر ما يكون في اللّذّات البدنيّة «3» .

وقال المناويّ: الفرح: انفتاح القلب بما يلتذّ به «4» .

وقال الكفويّ: الفرح ما يورث أشرا أو بطرا، ولذلك كثيرا ما يذمّ كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ويتولّد هذا عن القوّة الشّهويّة. وقيل: شرحالصّدر بلذّة عاجلة، وقيل: لذّة القلب لنيل المشتهى «1» .


من معاني كلمة «الفرح» في القرآن الكريم

جاء «الفرح» في القرآن الكريم على نوعين:

مطلق ومقيّد.

فالمطلق: جاء في الذّمّ. كقوله تعالى إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (القصص/ 76) ، وقوله إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (هود/ 10) .

والمقيّد: نوعان أيضا: مقيّد للدّنيا. ينسي صاحبه فضل الله ومنّته، فهو مذموم، كقوله تعالى حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (الأنعام/ 44) .

والثّاني: مقيّد بفضل الله ورحمته. وهو نوعان أيضا:

فضل ورحمة بالسّبب، وفضل بالمسبّب. فالأوّل: كقوله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس/ 58) والثّاني: كقوله تعالى: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (آل عمران/ 170)

الفرح نعيم القلب

فالفرح بالله، وبرسوله، وبالإيمان، وبالسّنّة، وبالعلم، وبالقرآن: من أعلى مقامات الدّين. قال الله تعالى وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (التوبة: 124) .

وقال: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (الرعد: 36) .

فالفرح بالعلم والإيمان والسّنّة: دليل على تعظيمه عند صاحبه ومحبّته له، وإيثاره له على غيره. فإنّ فرح العبد بالشّيء عند حصوله له: على قدر محبّته له، ورغبته فيه. فمن ليس له رغبة في الشّيء لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه فواته.

فالفرح تابع للمحبّة والرّغبة. والفرق بينه وبين الاستبشار: أنّ الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار: يكون به قبل حصوله. إذا كان على ثقة من حصوله، ولهذا قال تعالى: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ (آل عمران/ 170) . والفرح: صفة كمال.


ولهذا يوصف الرّبّ تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحه بتوبة التّائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته الّتي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها، واليأس من حصولها. والمقصود: أنّ «الفرح» أعلى نعيم القلب، ولذّته وبهجته. والفرح والسّرور نعيمه. والهمّ والحزن عذابه. والفرح بالشّيء فوق الرّضا به.

فإنّ الرّضا طمأنينة وسكون وانشراح. والفرح لذّة وبهجة وسرور «2» .

أنواع الفرح

من الفرح ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود، فالمذموم ما كان مطلقا غير مقيّد، وهو الّذي يورث الأشر والبطر، والممدوح ما كان مقيّدا بفضل الله ورحمته، ومن ذلك الفرح بالعلم والإيمان والسّنّة.

الفرق بين الفرح والسرور

قال الرّاغب: السّرور انشراح الصّدر بلذّة فيها طمأنينة النّفس، عاجلا وآجلا، وذلك في الحقيقة إذا لم يخف زواله ولا يكون ذلك إلّا في القنيات الاخرويّة، والفرح انشراح الصّدر بلذّة عاجلة وذلك يكون في اللّذّات البدنيّة الدّنيويّة «1» .

وقال في الكلّيّات: السّرور: لذّة في القلب عند حصول نفع أو توقّعه أو اندفاع ضرر وهو والفرح والحبور أمور متقاربة، لكن السّرور هو الخالص المنكتم، والحبور: ما يرى حبره أي أثره في ظاهر البشرة، وهما مستعملان في المحمود، وأمّا الفرح فكثيرا ما يذمّ، والأوّلان يكونان عن القوّة الفكريّة، والفرح يكون عن القوّة الشّهويّة «2» .

وقال أبو هلال العسكريّ: الفرق بين السّرور والفرح أنّ السّرور لا يكون إلّا بما هو نفع أو لذّة على الحقيقة ... وقد يكون الفرح بما ليس بنفع ولا لذّة، كفرح الصّبيّ بالرّقص والعدو والسّباحة وغير ذلك ممّا يتعبه ويؤذيه ولا يسمّى ذلك سرورا، ألا ترى أنّك تقول: الصّبيان يفرحون بالسّباحة والرّقص ولا تقول:

يسرّون بذلك، ونقيض السّرور: الحزن، ومعلوم أنّ الحزن يكون بالمرازي، فينبغي أن يكون السّرور بالفوائد وما يجري مجراها من الملاذّ، ونقيض الفرح:

الغمّ.

وقد يغتمّ الإنسان بضرر يتوهّمه من غير أن يكون له حقيقة وكذلك يفرح بما لا حقيقة له كفرح الحالم بالمنيّ وغيره، ولا يجوز أن يحزن أو يسرّ بما لا حقيقة له، وصيغة الفرح والسّرور فى العربيّة تنبىء عمّا قلناه فيهما «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: السرور- الرضا- طلاقة الوجه- التفاؤل- البشارة- التودد.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الحزن- العبوس- الكرب- الغضب- اليأس- القنوط- الجزع- السخط] .

الآيات الواردة في «الفرح»

1- وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) «1»

2- يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) «2»

3- وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (37) «3»

4- الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) «4»

5- وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) «5»

الآيات الواردة في «الفرح» ولها معنى آخر

6- إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) «6»

7- لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) «7»

8- فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) «1»

9- إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) «2»

10- فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (81) «3»

11- هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) «4»

12- وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) «5»

13- اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ (26) «6»

14- فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) «7»

15- فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) «8»

16-* إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) «9»


17- مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) «10»

18- ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) «11»

19- فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83) «12»

20- ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (23) «13»

الأحاديث الواردة في (الفرح)

1-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا حضر المؤمن» أتته ملائكة الرّحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيّا عنك، إلى روح الله «2» وريحان «3» ، وربّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتّى إنّه ليناوله بعضهم بعضا، حتّى يأتون به باب السّماء، فيقولون: ما أطيب هذه الرّيح الّتي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدّ فرحا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه.

فيسألونه: ماذا فعل فلان؟. ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنّه كان في غمّ الدّنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمّه الهاوية. وإنّ الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح «4» فيقولون:


اخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى عذاب الله- عزّ وجلّ- فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتّى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الرّيح، حتّى يأتون به أرواح الكفّار» ) * «5» .

2-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا صار أهل الجنّة إلى الجنّة، وصار أهل النّار إلى النّار، أتي بالموت حتّى يجعل بين الجنّة والنّار.

ثمّ يذبح. ثمّ ينادي مناد: يا أهل الجنّة لا موت. ويا أهل النّار! لا موت.

فيزداد أهل الجنّة! فرحا إلى فرحهم. ويزداد أهل النّار حزنا إلى حزنهم» ) * «6» .

3-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: دخلت على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو يوعك فوضعت يدي عليه. فوجدت حرّه بين يديّ، فوق اللّحاف. فقلت: يا رسول الله! ما أشدّها عليك! قال: «إنّا كذلك.

يضعّف لنا البلاء ويضعّف لنا الأجر» قلت: يا رسول الله! أيّ النّاس أشدّ بلاء؟ قال: «الأنبياء» قلت: يا رسول الله! ثمّ من؟ قال: «ثمّ الصّالحون. إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر.

حتّى ما يجد أحدهم إلّا العباءة يحوّيها. وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرّخاء» ) * «7» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قال الله- عزّ وجلّ-: كلّ عمل ابن آدم له إلّا الصّيام فإنّه لي وأنا أجزي به.

والصّيام جنّة «8» وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث «9» ولا يصخب «10» ، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إنّي امرؤ صائم، والّذي نفس محمّد بيده لخلوف «11» فمالصّائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصّائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربّه فرح بصومه» ) * «1» .

5-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ قال: يؤتى بالموت كأنّه كبش أملح حتّى يوقف على السّور بين الجنّة والنّار، فيقال: يا أهل الجنّة فيشرئبّون، ويقال: يا أهل النّار فيشرئبّون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت فيضجع فيذبح، فلولا أنّ الله قضى لأهل الجنّة الحياة فيها والبقاء، لماتوا فرحا. ولولا أنّ الله قضى لأهل النّار الحياة فيها والبقاء لماتوا ترحا» ) * «2» .

6-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لله أشدّ فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل بأرض دويّة «3» مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتّى أدركه العطش، ثمّ قال: أرجع إلى مكاني الّذي كنت فيه. فأنام حتّى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت.

فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» ) * «4» .


7-* (عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنّها قالت: ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مستجمعا «5» ضاحكا حتّى أرى منه لهواته «6» . إنّما كان يتبسّم.

قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا، عرف ذلك في وجهه فقالت: يا رسول الله أرى النّاس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر.

وأراك إذا رأيته، عرفت في وجهك الكراهية؟ قالت: فقال «يا عائشة!، ما يؤمّنني أن يكون فيه عذاب. قد عذّب قوم بالرّيح.

وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا» ) * «7» .

الأحاديث الواردة في (الفرح) معنى

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يقول الله- عزّ وجلّ- أنا عند ظنّ عبدي بي. وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ هم خير منهم. وإن تقرّب منّي شبرا تقرّبت إليه ذراعا.

وإن تقرّب إليّ ذراعا، تقرّبت منه باعا. وإن أتاني يمشى أتيته هرولة «8» » ) * «9» .

9-* (عن النّعمان بن بشير- رضي الله عنهما-قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله.

اشهد أنّي قد نحلت «1» النّعمان كذا وكذا من مالي. فقال: «أكلّ بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النّعمان؟» قال: لا.

قال: «فأشهد على هذا غيري» . ثمّ قال: «أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواء؟» قال:

بلى. قال: «فلا، إذا» ) * «2» .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: إنّ أعرابيّا أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: دلّني على عمل إذا عملته دخلت الجنّة.

قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصّلاة المكتوبة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان» .

قال: والّذي نفسي بيده: لا أزيد على هذا. فلمّا ولّى قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا» ) * «3» .

11-* (عن قرّة بن إياس- رضي الله عنه- أنّ رجلا أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعه ابن له فقال له:

«أتحبّه؟» فقال: أحبّك الله كما أحبّه. فمات ففقده فسأل عنه. فقال: «ما يسرّك ألاتأتي بابا من أبواب الجنّة إلّا وجدته عنده يسعى يفتح لك» ) * «4» .

12-* (عن عمرو بن عوف- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرميّ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافقت صلاة الصّبح مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا انصرف تعرّضوا له، فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين رآهم وقال: «أظنّكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنّه جاء بشيء» .

قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدّنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم» ) * «5» .

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: إنّ ناسا قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا:

لا، يا رسول الله. قال «هل تضارّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنّكم ترونه كذلك ... الحديث وفيه: ثمّ يقول الله تبارك وتعالى: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره فيقول: لا أسألك غيره. ويعطي ربّه من عهود ومواثيق ما شاء الله.

فيصرف الله وجهه عن النّار. فإذا أقبل على الجنّة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت. ثمّ يقول: أي ربّ، قدّمني إلى باب الجنّة.

فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الّذي أعطيتك.


ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك! فيقول: أي ربّ، ويدعوالله حتّى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا.

وعزّتك، فيعطي ربّه ما شاء الله من عهود ومواثيق. فيقدّمه إلى باب الجنّة. فإذا قام على باب الجنّة انفهقت «1» له الجنّة.

فرأى ما فيها من الخير والسّرور. فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثمّ يقول: أي ربّ، أدخلني الجنّة.

فيقول الله تبارك وتعالى له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألاتسأل غير ما أعطيت؟ ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول:

أي ربّ، لا أكون أشقى خلقك. فلا يزال يدعو الله حتّى يضحك الله تبارك وتعالى منه. فإذا ضحك الله منه، قال: ادخل الجنّة. فإذا دخلها قال الله له: تمنّه.

فيسأل ربّه ويتمنّى. حتّى إنّ الله ليذكّره من كذا وكذا، حتّى إذا انقطعت به الأمانيّ. قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه» . قال أبو هريرة: وذلك الرّجل آخر أهل الجنّة دخولا الجنّة» ) * «2» .

14-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: يا أيّها النّاس إنّي قمت فيكم كمقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فينا، فقال:

أوصيكم بأصحابي، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يفشو الكذب، حتّى يحلف الرّجل ولا يستحلف، ويشهد الشّاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلّا كان ثالثهما الشّيطان، عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشّيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد.

من أراد بحبوحة «3» الجنّة فليلزم الجماعة. من سرّته حسنته وساءته سيّئته فذلك المؤمن» ) * «4» .

15-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنّيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث «5» ، قالت: وليستا بمغنّيتين «6» .

فقال أبو بكر: أبمزمور الشّيطان «7» في بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أبا بكر، إنّ لكلّ قوم عيدا، وهذا عيدنا» ) *» .

16-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد النّاس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال:

«لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث.

أسعد النّاس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلّا الله خالصا من قبل نفسه» ) * «9» .

17-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيّ النّساء خير؟ قال: «الّتي تسرّه إذا نظر «1» ، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره» ) * «2» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الفرح)

18-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم سمع صوتا من قبر فقال: «متى مات هذا؟» قالوا: مات في الجاهليّة.

فسرّ بذلك «3» وقال: «لولا أن لا تدافنوا «4» لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر» ) * «5» .

19-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل عليّ مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: «ألم تري أنّ مجزّزا «6» نظر آنفا «7» إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد.

فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض» ) * «8» .

20-* (عن جرير بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عليهم الصّوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة فحثّ النّاس على الصّدقة، فأبطأوا عنه، حتّى رؤي ذلك في وجهه.

قال: ثمّ إنّ رجلا من الأنصار جاء بصرّة من ورق. «9» وجاء آخر. ثمّ تتابعوا، حتّى عرف السّرور في وجهه.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها.

ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة، فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء» ) * «10» .

21-* (عن زيد بن أرقم- رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنّا نبتدر «11» الماء، وكان الأعراب يسبقوننا إليه، فسبق أعرابيّ أصحابه، فسبق الأعرابيّ فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النّطع «12» عليه حتّى تجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصارأعرابيّا فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع قباض «1» الماء، فرفع الأعرابيّ خشبته فضرب بها رأس الأنصاريّ فشجّه، فأتى عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه، فغضب عبد الله ابن أبيّ ثمّ قال كما حكى القرآن الكريم ذلك: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا (المنافقون/ 7) ، يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند الطّعام، فقال عبد الله:

إذا انفضّوا من عند محمّد فأتوا محمّدا بالطّعام، فليأكل هو ومن معه، ثمّ قال لأصحابه كما حكى القرآن الكريم ذلك:


لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ (المنافقون/ 8) قال زيد: وأنا ردف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

قال: فسمعت عبد الله بن أبيّ فأخبرت عمّي، فانطلق فأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأرسل إليه «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحلف وجحد. قال: فصدّقه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكذّبني.

قال: فجاء عمّي إليّ، فقال: ما أردت إلّا أن مقتك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكذّبك والمسلمون. قال:

فوقع عليّ من الهمّ ما لم يقع على أحد. قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر قد خفقت برأسي من الهمّ، إذ أتاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرّني أنّ لي بها الخلد في الدّنيا.

ثمّ إنّ أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قلت: ما قال شيئا، إلّا أنّه عرك أذني وضحك في وجهي. فقال:


أبشر، ثمّ لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلمّا أصبحنا قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سورة المنافقين» ) * «3» .


22-* (عن أبي بكرة- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: كان إذا أتاه أمر «4» يسرّه أو يسرّ به، خرّ ساجدا، شكرا لله- تبارك وتعالى-» ) * «5» .

23-* (عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يخرج سفرا، أقرع بين نسائه.

فأيّتهنّ خرج سهمها، خرج بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه ... الحديث وفيه: قالت: فو الله ما رام «6» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتّى أنزل الله- عزّ وجلّ- على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم.


فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء «7» عند الوحي. حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان «8» من العرق، في اليوم الشّات، من ثقل القول الّذي أنزل عليه.

قالت: فلمّا سرّي «9» عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة، أمّا الله فقد برّأك» فقالت لي أمّي: قومي إليه.

فقلت: والله لا أقوم إليه. ولا أحمد إلّا الله. هو الّذي أنزل براءتي. قالت:


فأنزل الله- عزّ وجلّ-: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ (24/ النور/ 11) عشر آيات. فأنزل الله- عزّ وجلّ- هؤلاء الآيات براءتي.

قالت فقال أبوبكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا. بعد الّذي قال لعائشة. فأنزل الله- عزّ وجلّ-: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى (24/ النور/ 22) إلى قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ «1» .


24-* (عن كعب بن مالك- رضي الله عنه- قال: لم أتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة غزاها قطّ. إلّا في غزوة تبوك. غير أنّي قد تخلّفت في غزوة بدر.


ولم يعاتب أحدا تخلّف عنه. إنّما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون يريدون عير قريش حتّى جمع الله بينهم وبين عدوّهم، على غير ميعاد ... الحديث. وفيه:. فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر الله- عزّ وجلّ- منّا.


قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع «2» يقول، بأعلى صوته:

يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدا. وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فاذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّاس «3» بتوبة الله علينا، حين صلّى صلاة الفجر.

فذهب النّاس يبشّروننا. فذهب قبل صاحبيّ مبشّرون. وركض رجل إليّ فرسا. وسعى ساع من أسلم قبلي. وأوفى الجبل. فكان الصّوت أسرع من الفرس.

فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته يبشّرني. فنزعت له ثوبيّ فكسوتهما إيّاه ببشارته. والله، ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما.

فانطلقت أتأمّم «4» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يتلقّاني النّاس فوجا فوجا «5» ، يهنّئوني بالتّوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك. حتّى دخلت المسجد. فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس في المسجد وحوله النّاس.

فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتّى صافحني وهنّأني. والله، ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال:

فكان كعب لا ينساها لطلحة.

قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال، وهو يبرق وجهه من السّرور ويقول: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» قال فقلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ فقال «لا.

بل من عند الله» وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سرّ استنار وجهه. كأنّ وجهه قطعة قمر. قال: وكنّا نعرف ذلك.... الحديث» ) * «6» .


من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الفرح)

1-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- قال: دخلت أسماء بنت عميس، وهي ممّن قدم معنا، على حفصة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم زائرة .

وقد كانت هاجرت إلى النّجاشيّ فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر:

الحبشيّة هذه؟ البحريّة هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم منكم.

فغضبت، وقالت كلمة: كذبت يا عمر! كلّا، والله كنتم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم. وكنّا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء «1» في الحبشة وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

ونحن كنّا نؤذى ونخاف. وسأذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأسأله.

ووالله لا أكذب ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك. قال: فلمّا جاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: يا نبيّ الله، إنّ عمر قال كذا وكذا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السّفينة هجرتان» قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السّفينة يأتوني أرسالا «2» .

يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدّنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم ممّا قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» ) * «3» .


2-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أمّ مكتوم، وكانوا يقرئون النّاس، فقدم بلال وسعد وعمّار ابن ياسر ثمّ قدم عمر بن الخطّاب في عشرين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ قدم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فما قدم حتّى قرأت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى في سور من المفصّل» ) *» .

3-* (عن أبي سعيد- رضي الله عنه- قال:

لمّا كان يوم بدر ظهرت الرّوم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت الم* غُلِبَتِ الرُّومُ (الروم/ 1- 2) إلى قوله يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ (الروم/ 4- 5) .

قال: ففرح المؤمنون بظهور الرّوم على فارس» ) * «5» .

4-* (عن سهل- رضي الله عنه- قال: «كنّا نفرح يوم الجمعة. قلت لسهل: ولم؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلى بضاعة: نخل بالمدينة «6» فتأخذ من أصول السّلق «7» فتطرحه في قدر وتكركر «8» حبّات من شعير، فإذا صلّينا الجمعة انصرفنا ونسلّم عليها، فتقدّمه إلينا، فنفرح من أجله، وما كنّا نقيل «9» ولا نتغدّى إلّا بعد الجمعة» ) * «10» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

كنت أدعو أمّي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أكره، فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله.

إنّي كنت أدعو أمّي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليومفأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ اهد أمّ أبي هريرة» فخرجت مستبشرا بدعوة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف «1» ، فسمعت أمّي خشف قدميّ «2» ، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء «3» .

قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثمّ قالت:


يا أبا هريرة، أشهد ألاإله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأتيته وأنا أبكي من الفرح.

قال: قلت: يا رسول الله، أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أمّ أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال: «خيرا» .

قال: قلت يا رسول الله، ادع الله أن يجبّبني أنا وأمّي إلى عباده المؤمنين ويحبّبهم إلينا.

قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ حبّب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة- وأمّه إلى عبادك المؤمنين، وحبّب إليهم المؤمنين، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلّا أحبّني «4» .

6-* (قال ابن القيّم- رحمه الله-: «ثمرة الرّضا: الفرح والسّرور بالرّبّ تبارك وتعالى» ) * «5» .

من فوائد (الفرح)

1- الفرح بفضل الله يستتبع الشكر ومزيد الفضل.

2- الفرح بفضل الله علامة الإيمان به، وكونه المصدر الحقيقيّ له.

3- الفرح بفضل الله يشيع المودّة بين المؤمنين.

4- الفرح بالابتلاء دليل القرب من الله والرّضا بقضائه.

5- فرح الله بتوبة عبده باعث إلى المسارعة بها وإقلاع العبد عن المعصية.

6- فرح المرء باستقامة الاخرين يشيع الحبّ في المجتمع. ويجلب القرب من الله تعالى.

7- الفرح بفضل الله ثمرة الرّضا من الله على العبد.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٠٧٢ مرة.