أدوات شخصية
User menu

الفطنة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الفطنة لغة

مصدر فطن للشيء يفطن فطنة وفطانة، قال ابن فارس: الفاء والطّاء والنّون كلمة واحدة تدلّ على ذكاء وعلم بشيء، يقال رجل فطن وفطن (إذا كان ذا فطنة، يقال: فطنت للشّيء وفطنت له، وقال ابن منظور:

الفطنة: كالفهم. والفطنة: الحذق والفهم، وقد تفسّر بجودة تهيّؤ النّفس لتصوّر ما يرد عليها من الغير وهي: ضدّ الغباوة. ورجل فطن بيّن الفطنة والفطن.

وقد فطن لهذا الأمر- بالفتح- يفطن فطنة. وقد فطن (بالكسر) فطنة وفطانة وفطانية والجمع فطن، والأنثى فطنة. وفطن- بالضّمّ- إذا صارت الفطانة سجيّة له.

وأمّا الفطن فذو فطنة للأشياء. وفطّنه لهذا الأمر تفطينا: فهّمه، ويتعدّى بالتّضعيف فيقال: فطّنته للأمر. وفي المثل: لا يفطّن القارة- أنثى الدّببة- إلّا الحجارة. وفاطنه في الحديث راجعه. قال الرّاعي:

إذا فاطنتنا في الحديث تهزهزت ... إليها قلوب، دونهنّ الجوانح «1»

واصطلاحا

هي قوّة للنّفس تشمل الحواسّ الظّاهرة والباطنة معدّة لاكتساب العلوم.

وقيل: هي الاستعداد التّامّ لإدراك العلوم والمعارف بالفكر.

وقال الكفويّ: هي التّنبّه للشّيء الّذي يقصد معرفته «2» .

الفرق بين الفهم والفطنة والفقه

قال الكفويّ: الفهم: هو التّعلّق غالبا بلفظ من مخاطبك، والفقه: هو العلم بغرض المخاطب من خطابه، والفطنة: هي التّنبّه للشّيء الّذي يقصد معرفته «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: الحكمة- الإسلام الإيمان- العلم- الفقه- التقوى- البصيرة- النظر والتبصر- التبين (التثبت) .

وفي ضد ذلك: انظر صفات: البلادة والغباء- الحمق- السفاهة- الغفلة- الإعراض- الجهل- الطيش] .

الأحاديث الواردة في (الفطنة)

1-* (عن أبي سعيد- رضي الله عنه- أنّ رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب، فقال: «صلّ ركعتين» . ثمّ جاء الجمعة الثانية والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخطب فقال: «صلّ ركعتين» .

ثمّ جاء الجمعة الثّالثة. فقال: «صلّ ركعتين» . ثمّ قال:

«تصدّقوا» . فتصدّقوا فأعطاه ثوبين، ثمّ قال:

«تصدّقوا» . فطرح أحد ثوبيه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«ألم تروا إلى هذا إنّه دخل المسجد بهيئة بذّة، فرجوت أن تفطنوا له فتتصدّقوا عليه، فلم تفعلوا فقلت:

تصدّقوا فتصدّقتم فأعطيته ثوبين، ثمّ قلت تصدّقوا فطرح أحد ثوبيه، خذ ثوبك» وانتهره) * «1» .

2-* (عن جابر- رضي الله عنه- قال:

انكسفت الشّمس في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فقال النّاس: إنّما انكسفت لموت إبراهيم. فقام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فصلّى بالنّاس ستّ ركعات بأربع سجدات.

بدأ فكبّر. ثمّ قرأ فأطال القراءة. ثمّ ركع نحوا ممّا قام.

ثمّ رفع رأسه من الرّكوع، فقرأ قراءة دون القراءة الأولى. ثمّ ركع نحوا ممّا قام. ثمّ رفع رأسه من الرّكوع فقرأ قراءة دون القراءة الثّانية.

ثمّ ركع نحوا ممّا قام. ثمّ رفع رأسه من الرّكوع. ثمّ انحدر بالسّجود فسجد سجدتين.

ثمّ قام فركع أيضا ثلاث ركعات. ليس فيها ركعة إلّا الّتي قبلها أطول من الّتي بعدها. وركوعه نحوا من سجوده. ثمّ تأخّر، وتأخّرت الصّفوف خلفه.

حتّى انتهينا. (وقال أبو بكر «2» : حتّى انتهى إلى النّساء) ثمّ تقدّم، وتقدّم النّاس معه. حتّى قام في مقامه. فانصرف حين انصرف، وقد آضت الشّمس «3» .

فقال: «يا أيّها النّاس إنّما الشّمس والقمر آيتان من آيات الله. وإنّهما لا ينكسفان لموت أحد من النّاس (وقال أبو بكر: لموت بشر) فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلّوا حتّى تنجلي.

ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه. لقد جيء بالنّار. وذلكم حين رأيتموني تأخّرت مخافة أن يصيبني من لفحها «4» .


وحتّى رأيت فيها صاحب المحجن يجرّ قصبه «5» في النّار كان يسرق الحاجّ بمحجنه «6» . فإن فطن له قال:

إنّما تعلّق بمحجني. وإن غفل عنه ذهب به.

وحتّى رأيت فيها صاحبة الهرّة الّتي ربطتها فلم تطعمها. ولمتدعها تأكل من خشاش الأرض. حتّى ماتت جوعا.

ثمّ جيء بالجنّة. وذلكم حين رأيتموني تقدّمت حتّى قمت في مقامي. ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه.

ثمّ بدا لي أن لا أفعل. فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه» ) * «1» .

3-* (عن عبد الله بن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بفناء بيته بمكّة جالس، إذ مرّ به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«ألا تجلس؟» . قال: بلى، قال: فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مستقبله، فبينما هو يحدّثه إذ شخص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببصره إلى السّماء، فنظر ساعة إلى السّماء، فأخذ يضع بصره حتّى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، وأخذ ينغض «2» رأسه كأنّه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلمّا قضى حاجته واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السّماء كما شخص أوّل مرّة، فأتبعه بصره حتّى توارى في السّماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، قال: يا محمّد، فيم كنت أجالسك وآتيك؟ ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة.


قال: «وما رأيتني فعلت؟» . قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السّماء، ثمّ وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرّفت إليه، وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنّك تستفقه شيئا يقال لك، قال: «وفطنت لذاك؟» .

قال عثمان: نعم، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس» ، قال: رسول الله؟.

قال: «نعم» ، قال: فما قال لك؟ قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل/ 90) قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإيمان في قلبي وأحببت محمّدا) * «3» .


4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس المسكين الّذي يطوف على النّاس تردّه اللّقمة واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس» ) * «4» .

5-* (عن صهيب- رضي الله عنه- قال:

كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا صلّى العصر همس، والهمس في بعض قولهم: تحرّك شفتيه كأنّه يتكلّم، فقيل له: إنّك يا رسول الله إذا صلّيت العصر همست. قال: إنّ نبيّا من الأنبياء كان أعجب بأمّته، فقال:

من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيّرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلّط عليهم عدوّهم، فاختار النّقمة، فسلّط عليهم الموت، فمات منهم في يوم سبعون ألفا. قال: وكان إذا حدّث بهذا الحديث حدّث بهذا الحديث الآخر.


قال: «كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلاما فهما أو قال: فطنا لقنا فأعلّمه علمي هذا، فإنّي أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه.

قال: فنظروا له على ما وصف، فأمره أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه، فجعل يختلف إليه وكان على طريق الغلام راهب في صومعة- قال معمر: أحسب أنّ أصحاب الصّوامع كانوا يومئذ مسلمين- قال:

فجعل الغلام يسأل ذلك الرّاهب كلّما مرّ به، فلم يزل به حتّى أخبره، فقال: إنّما. أعبد الله. قال: فجعل الغلام يمكث عند الرّاهب ويبطىء على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنّه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الرّاهب بذلك، فقال له الرّاهب: إذا قال لك الكاهن أين كنت؟ فقل عند أهلي، وإذا قال لك أهلك أين كنت، فأخبرهم أنّك كنت عند الكاهن.

قال: فبينما الغلام على ذلك إذ مرّ بجماعة من النّاس كثير قد حبسهم دابّة، فقال بعضهم: إنّ تلك الدّابّة أسد. قال: فأخذ الغلام حجرا قال: اللهمّ إن كان ما يقول الرّاهب حقّا فأسألك أن أقتلها.

قال: ثمّ رمى فقتل الدّابّة. فقال النّاس: من قتلها؟ قالوا: الغلام، ففزع النّاس وقالوا:


لقد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد. قال: فسمع به أعمى، فقال له: إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا.

قال له: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرك أتؤمن بالّذي يردّه عليك؟ قال: نعم. قال:

فدعا الله فردّ عليه بصره. فآمن الأعمى، فبلغ الملك أمرهم، فبعث إليهم، فأتي بهم، فقال: لأقتلنّ كلّ واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، فأمر بالرّاهب والرّجل الّذي كان أعمى، فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى.

ثمّ أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلمّا انتهوا به إلى ذلك المكان الّذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردّون، حتّى لم يبق منهم إلّا الغلام.


قال: ثمّ رجع، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلق به إلى البحر، فغرّق الله الّذين كانوا معه وأنجاه، فقال الغلام للملك: إنّك لا تقتلني حتّى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني: بسم الله ربّ هذا الغلام.

قال: فأمر به فصلب ثمّ رماه، فقال: بسم الله ربّ هذا الغلام. قال: فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثمّ مات، فقال النّاس: لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنّا نؤمن بربّ هذا الغلام.


قال: فقيل للملك أجزعت أن خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلّهم قد خالفوك. قال: فخدّ أخدودا ثمّ ألقى فيها الحطب والنّار، ثمّ جمع النّاس.

فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النّار، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود.

قال: يقول الله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (البروج/ 4- 5) حتّى بلغ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (البروج/ 8) قال: فأمّا الغلام فإنّه دفن، فيذكر أنّهأخرج في زمن عمر بن الخطّاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل) * «1» .

6-* (عن صهيب- رضي الله عنه- قال:

كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا صلّى العصر همس شيئا لا أفهمه ولا يخبرنا به قال: «أفطنتم لي؟» . قلنا: نعم.

قال: «إنّي ذكرت نبيّا من الأنبياء أعطي جنودا من قومه فقال من يكافىء هؤلاء؟ أو من يقوم لهؤلاء؟ أو غيرها من الكلام، فأوحي إليه أن اختر لقومك إحدى ثلاث: إمّا أن نسلّط عليهم عدوّا من غيرهم، أو الجوع أو الموت.

فاستشار قومه في ذلك فقالوا: أنت نبيّ الله فكلّ ذلك إليك، خر لنا، فقام إلى الصّلاة كانوا إذا فزعوا فزعوا إلى الصّلاة فصلّى ما شاء الله.

قال: ثمّ قال: أي ربّ أمّا عدوّ من غيرهم فلا، أو الجوع فلا، ولكن الموت، فسلّط عليهم الموت فمات منهم سبعون ألفا، فهمسي الّذي ترون أنّي أقول:

اللهمّ بك أقاتل وبك أصاول ولا حول ولا قوّة إلّا بالله» ) * «2» .

7-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلّي في رمضان. فجئت فقمت إلى جنبه. وجاء رجل آخر فقام أيضا. حتّى كنّا رهطا «3» .

فلمّا حسّ «4» النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّا خلفه، جعل يتجوّز «5» في الصّلاة.

ثمّ دخل رحله «6» فصلّى صلاة لا يصلّيها عندنا. قال: قلنا له، حين أصبحنا: أفطنت لنا اللّيلة؟ قال: فقال: «نعم.

ذاك الّذي حملني على الّذي صنعت» . قال: فأخذ يواصل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وذاك في آخر الشّهر. فأخذ رجال من أصحابه يواصلون. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما بال رجال يواصلون، إنّكم لستم مثلي.

أما والله لو تمادّ لي الشّهر «7» لواصلت وصالا يدع المتعمّقون تعمّقهم «8» » ) * «9» .

الأحاديث الواردة في (الفطنة) معنى

8-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّاس، وقال: إنّ الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله.

قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن عبد خيّر، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته. لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ، إلّا باب أبي بكر» ) * «1» .

9-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّ امرأة من الأنصار، قالت للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: كيف أغتسل من المحيض؟ قال: «خذي فرصة ممسّكة، فتوضّئي ثلاثا» . ثمّ إنّ النّبيّ استحيا فأعرض بوجهه أو قال:

«توضّئى بها» ، فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم) * «2» .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرّجل الّذي اشترى العقار في عقاره جرّة فيها ذهب، فقال له الّذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي، إنّما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذّهب.

وقال الّذي له الأرض: إنّما بعتك الأرض وما فيها، فتحا كما إلى رجل، فقال الّذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال:

أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدّقا» ) * «3» .

11-* (عن عبد الله بن أبي قتادة؛ أنّ أباه حدّثه قال: انطلقنا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم، فأنبئنا بعدوّ بغيقة «4» ، فتوجّهنا نحوهم، فبصر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته، فحملت عليه الفرس، فطعنته فأثبتّه، فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني، فأكلنا منه.

ثمّ لحقت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخشينا أن نقتطع، أرفع فرسي شأوا وأسير عليه شأوا «5» .

فلقيت رجلا من بني غفار في جوف اللّيل فقلت له: أين تركت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: تركته بتعهن «6» ، وهو قائل السّقيا «7» . فلحقت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أتيته، فقلت:


يا رسول الله! إنّ أصحابك أرسلوا يقرأون عليكالسّلام ورحمة الله وبركاته، وإنّهم قد خشوا أن يقتطعهم العدوّ دونك، فانظرهم «1» ففعل.

فقلت: يا رسول الله إنّا اصّدنا «2» حمار وحش، وإنّ عندنا فاضلة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: «كلوا» وهم محرمون) * «3» .

12-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من الشّجر شجرة لا يسقط ورقها. وإنّها مثل المسلم. فحدّثوني ما هي؟» .

فوقع النّاس في شجر البوادي. قال عبد الله:

ووقع في نفسي أنّها النّخلة. فاستحييت. ثمّ قالوا:

حدّثنا ما هي يا رسول الله؟. قال: فقال: «هي النّخلة» . قال فذكرت ذلك لعمر. قال: لأن تكون قلت: هي النّخلة، أحبّ إليّ من كذا وكذا) * «4» .

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما. جاء الذّئب فذهب بابن إحداهما. فقالت هذه لصاحبتها:

إنّما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك. فتحا كمتا إلى داود. فقضى به للكبرى.

فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السّلام. فأخبرتاه.

فقال: ائتوني بالسّكّين أشقّه بينكما. فقالت الصّغرى:

لا، يرحمك الله «5» هو ابنها. فقضى به للصّغرى» .

قال: قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسّكّين قطّ إلا يومئذ. ما كنّا نقول إلّا المدية «6» » ) * «7» .

14-* (عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه- قال: جاء أعرابيّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقال علّمني كلاما أقوله.

قال: «قل: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، سبحان الله ربّ العالمين، لا حول ولا قوّة إلّا بالله العزيز الحكيم» .

قال: فهؤلاء لربّي. فما لي؟. قال: «قل اللهمّ اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني» ) * «8» .

15-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- قال:

حدّثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حديثين رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر: حدّثنا أنّ الأمانة نزلت فى جذر قلوب الرّجال، ثمّ علموا من القرآن، ثمّ علموا من السّنّة.

وحدّثنا عن رفعها. قال: «ينام الرّجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل أثر الوكت.

ثمّ ينام النّومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط «9» . فتراه منتبرا وليس فيه شيء، فيصبح النّاس يتبايعون فلا يكاد أحدهم يؤدّي الأمانة، فيقال: إنّ في بني فلان رجلا أمينا.

ويقال للرّجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان.

ولقد أتى عليّ زمان وماأبالي أيّكم بايعت. لئن كان مسلمّا ردّه عليّ الإسلام، وإن كان نصرانيّا ردّه عليّ ساعيه، فأمّا اليوم فما كنت أبايع إلّا فلانا وفلانا» . قال الفربريّ قال أبو جعفر:

حدّثت أبا عبد الله فقال: سمعت أبا أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول: قال الأصمعيّ وأبو عمرو وغيرهما جذر قلوب الرّجال (الجذر الأصل من كلّ شيء.

والوكت أثر الشّيء اليسير منه. والمجل أثر العمل في الكفّ إذا غلظ) * «1» .

16-* (عن المسور بن مخرمة- رضي الله عنهما- قال: قدمت على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقبية «2» ، فقال لي أبي مخرمة: انطلق بنا إليه عسى أن يعطينا منها شيئا.


فقام أبي على الباب فتكلّم، فعرف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صوته، خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «3» ومعه قباء وهو يريه محاسنه وهو يقول «خبأت هذا لك، خبأت هذا لك» ) * «4» .

17-* (عن ربيعة بن كعب الأسلميّ- رضي الله عنه- قال: كنت أبيت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فأتيته بوضوئه وحاجته

فقال لي: «سل» . فقلت: أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: «أو غير ذلك؟» .

قلت: هو ذاك. قال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود» ) * «5» .

18-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن شيء. فكان يعجبنا أن يجيء الرّجل من أهل البادية العاقل «6» .

فيسأله ونحن نسمع. فجاء رجل من أهل البادية.

فقال: يا محمّد أتانا رسولك. فزعم «7» لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك؟ قال: «صدق» . قال: فمن خلق السّماء «8» قال: «الله» .

قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله» . قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» . قال: فبالّذي خلق السّماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال. آلله أرسلك؟ قال: «نعم» . قال:

وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا.

قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أنّ علينا زكاة فيأموالنا. قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: «صدق» قال: فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: «صدق» . قال، ثمّ ولّى. قال: والّذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ ولا أنقص منهنّ. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لئن صدق ليدخلنّ الجنّة» ) * «1» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الفطنة)

1-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: «كان عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- يدني ابن عبّاس، فقال له عبد الرّحمن بن عوف: إنّ لنا أبناء مثله، فقال: إنّه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عبّاس عن هذه الآية إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (النصر/ 1) .

فقال: أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلمه إيّاه، فقال: ما أعلم منها إلّا ما تعلم» ) * «2» .

2-* (عن محمّد بن سيرين قال: «كنت في حلقة فيها عبد الرّحمن بن أبي ليلى، وكان أصحابه يعظّمونه، فذكر آخر الأجلين، فحدّثت بحديث سبيعة بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة، قال: فضمز لي «3» بعض أصحابه، قال محمّد ففطنت له فقلت: إنّي إذا لجريء إن كذبت على عبد الله بن عتبة، وهو في ناحية الكوفة.

فاستحيا وقال: لكنّ عمّه لم يقل ذاك، فلقيت أبا عطيّة مالك بن عامر فسألته، فذهب يحدّثني حديث سبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئا؟ فقال: كنّا عند عبد الله، فقال: أتجعلون عليها التّغليظ ولا تجعلون عليها الرّخصة؟ لنزلت «4» سورة النّساء القصرى «5» بعد الطّولى «6» وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (الطلاق/ 4)) * «7» .

3-* (عن عيسى قال: سمعت الشّعبيّ يقول: إنّما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنّسك، فإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قال: هذا أمر لا يناله إلّا العقلاء.

فلم يطلبه، وإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا قال: هذا أمر لا يناله إلّا النّسّاك فلم يطلبه، فقال الشّعبيّ: ولقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليست فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك» ) * «8» .

4-* (من أخبار الأذكياء: جاء رجل إلى سليمان بن داود عليهما السّلام وقال: يا نبيّ الله إنّ جيرانا يسرقون إوزّي فلا أعرف السّارق.

فنادى الصّلاة جامعة، ثمّ خطبهم وقال في خطبته: وإنّ أحدكم ليسرق إوزّ جاره، ثمّ يدخل المسجد والرّيش على رأسه، فمسح الرّجل رأسه، فقال سليمان: خذوه فهو صاحبكم» ) * «1» .

5-* (ومن أخبار القاضي إياس: أنّ رجلا قصد الحجّ فاستودع إنسانا مالا، فلمّا عاد طلبه منه فجحده المستودع، فأخبر بذلك القاضي إياسا. فقال:

أعلم بأنّك جئتني؟ قال: لا. قال: فعد إليّ بعد يومين.

ثمّ إنّ القاضي إياسا بعث إلى ذلك الرّجل فأحضره، ثمّ قال له: اعلم أنّه قد تحصّلت عندي أموال كثيرة لأيتام وغيرهم وودائع للنّاس، وإنّي مسافر سفرا بعيدا، وأريد أن أودعها عندك لما بلغني من دينك وتحصين منزلك. فقال: حبّا وكرامة.

قال: فاذهب وهيّء موضعا للمال، وقوما يحملونه، فذهب الرّجل وجاء صاحب الوديعة، فقال له القاضي إياس:

امض إلى صاحبك، وقل له ادفع إليّ مالي، وإلّا شكوتك للقاضي إياس. فلمّا جاء قال له ذلك، فدفع إليه ماله واعتذر إليه، فأخذه وأتى إلى القاضي إياس وأخبره.

ثمّ بعد ذلك أتى الرّجل لطلب الأموال الّتي ذكرها له القاضي.

فقال له القاضي بعد أن أخذ الرّجل ماله منه: امض لشأنك لا أكثر الله في النّاس من أمثالك» ) * «2» .

6-* (قال الأبشيهيّ: «قد يخصّ الله تعالى بألطافه الخفيّة من يشاء من عباده، فيفيض عليه من خزائن مواهبه رزانة عقل، وزيادة معرفة، تخرجه عن حدّ الاكتساب، ويصير بها راجحا على ذوي التّجارب والآداب» ) * «3» .

7-* (قال الأبشيهيّ أيضا: «يستدلّ على رجاحة عقل الرّجل بأمور متعدّدّة منها: ميله إلى محاسن الأخلاق، وإعراضه عن رذائل الأعمال، ورغبته في إسداء صنائع المعروف، وتجنّبه ما يكسبه عارا، ويورثه سوء السّمعة» ) * «4» .

8-* (قال عليّ بن عبيدة: «العقل ملك والخصال رعيّة، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها، فسمعه أعرابيّ فقال: هذا كلام يقطر عسله» ) * «5» .

9-* (قيل: من بيّضت الحوادث سواد لمّته «6» ، وأخلقت التّجارب لباس جدّته «7» وأراه الله تعالى لكثرة ممارسته تصاريف أقداره وأقضيته كان جديرا برزانة العقل ورجاحة الدّراية» ) * «8» .

10-* (حدّث الشّعبيّ قال: «جاءت امرأةإلى عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- فقالت: أشكو إليك خير أهل الدّنيا إلّا رجل سبقه بعمل أو عمل مثل عمله، يقوم اللّيل حتّى يصبح، ويصوم النّهار حتّى يمسي، ثمّ أخذها الحياء، فقالت: أقلني يا أمير المؤمنين. فقال: جزاك الله خيرا فقد أحسنت الثّناء. قد أقلتك.

فلمّا ولّت، قال كعب بن سور: يا أمير المؤمنين! لقد أبلغت إليك في الشّكوى، فقال: ما اشتكت؟. قال:

زوجها، قال: عليّ بالمرأة وزوجها، فجيء بهما. فقال لكعب: اقض بينهما. قال: أأقضي وأنت شاهد؟ قال: إنّك قد فطنت ما لم أفطن إليه قال:

فإنّ الله يقول: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (النساء/ 3) صم ثلاثة أيّام وأفطر عندها يوما، وقم ثلاث ليال وبت عندها ليلة. فقال عمر: لهذا أعجب إليّ من الأوّل، فرحله بدابّة وبعثه قاضيا» ) * «1» .

11-* (سرق من رجل خمسمائة دينار، فحمل المتّهمون إلى الوالي، فقال الوالي: أنا ما أضرب أحدا منكم، بل عندي خيط ممدود في بيت مظلم، فادخلوا فليمرّ كلّ منكم يده عليه من أوّل الخيط إلى آخره، ويلفّ يده في كمّه ويخرج، فإنّ الخيط، يلفّ على يد الّذي سرق، وكان قد سوّد الخيط بسخام، فدخلوا فكلّهم جرّيده على الخيط في الظّلمة إلّا واحدا منهم، فلمّا خرجوا نظر إلي أيديهم مسودّة إلّا واحدا، فألزمه بالمال، فأقرّ به» ) * «2» .

من فوائد (الفطنة)

(1) الفطنة هبة من الله- عزّ وجلّ- تستحقّ زيادة الشّكر.

(2) تعين العبد على التّفكير في آلاء الله ونعمه.

(3) كلّما ازداد تفكّرا في آلاء الله ازداد خشوعا لله وتعظيما.

(4) الفطن يحبّه مجتمعه ويحبّ التّقرّب إليه.

(5) والفطنة تخرج صاحبها من المواقف الحرجة سالما.

(6) الفطن يعيش سعيدا بين أفراد مجتمعه، ويموت حميدا.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٨ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٤:٣٧.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٢٠٠ مرة.