أدوات شخصية
User menu

المجاهرة بالمعصية

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


المجاهرة لغة

مصدر قولهم: جاهر يجاهر مجاهرة، وهو مأخوذ من مادة (ج هـ ر) التي تدل على إعلان الشيء وكشفه وعلوه، يقال: جهرت بالكلام، أعلنت به، ورجل جهير الصوت، أي عاليه، قال الشاعر:

أخاطب جهرا إذ لهن تخافت ... وشتان بين الجهر والمنطق الخفت «1»

وقولهم: جهرت البئر واجتهرتها معناه نقيتها وأخرجت ما فيها من الحمأة، وهي بئر مجهورة (أي منقاة صافية) ، وقول الله تعالى: حتى نرى الله جهرة ... (البقرة/ 55) أي عيانا يكشف ما بيننا وبينه «2» ، وأصل الجهر الظهور، ومن ذلك: الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها والمجاهرة بالمعاصي، المظاهرة بها، ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشيء «3» ، وقد لخص الفيروز ابادي معاني هذه المادة فقال: المادة موضوعة لإظهار الشيء بإفراط لحاسة البصر أو لحاسة السمع، أما البصر فنحو قولك: رأيته جهارا (بفتح الجيم وكسرها) وأما للسمع فنحو قولهم: جهر بالكلام «4» ، ومن الأخير ما جاء في حديث عمر- رضي الله عنه- أنه كان مجهرا، أي صاحب جهر ورفع لصوته «5» ، أما المجاهرون في قوله صلى الله عليه وسلم «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» «6» فهم الذين جاهروا بمعاصيهم، وأظهروها وكشفوا ما ستر الله عليهم منها فيتحدثون به «7» .

وقال ابن منظور: يقال: جهر بالقول، إذا رفع به صوته فهو جهير، وأجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت، وجهر الشيء علن وبدا، وجهر بكلامه ودعائه وصوته وصلاته وقراءته يجهر جهرا وجهارا، وأجهر بذلك أعلنه وأظهره، وفرق بعضهم بين جهر وأجهر فقال: جهر: أعلى الصوت، وأجهر: أعلن، وكل إعلان جهر وجاهرهم بالأمر مجاهرة وجهارا:

عالنهم، وأمر مجهر أي واضح بين، وقد أجهرته أنا إجهارا أي شهرته، فهو مجهور به مشهور، والمجهورةمن الآبار: المعمورة عذبة كانت أو ملحة، والجهر أيضا: الاستخراج «1» ومن ذلك ما جاء في حديث خيبر: «وجد الناس بها بصلا وثوما فجهروه» أي استخرجوه وأكلوه (من قولهم: جهرت البئر إذا كانت مندفنة فأخرجت ما فيها) «2» ، والأجهر من الرجال الذي لا يبصر في الشمس، والمجاهرة بالعداوة:

المبادأة بها «3» والمجاهرة بالسوء من القول في قوله عز وجل:

لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..

(النساء/ 148) فقد جاء في تفسيرها: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به» «4» ، وقال ابن كثير: فيما يرويه عن ابن عباس في هذه الآية: المعنى، لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما فقد رخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: «إلا من ظلم» وإن صبر فهو خير له» «5» .

المعصية لغة

انظر صفة العصيان

المجاهرة بالمعصية اصطلاحا

أن يرتكب الشخص الإثم علانية، أو يرتكبه سرا فيستره الله عز وجل، ولكنه يخبر به بعد ذلك مستهينا بستر الله له.

قال ابن حجر: والمجاهر الذي أظهر معصيته، وكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها «6» ، أما المجاهرون في الحديث الشريف «كل أمتي معافى إلا المجاهرين «7» فيحتمل أن يكون بمعنى: من جهر بالمعصية وأظهرها، ويحتمل أن يكون المراد: الذين يجاهر بعضهم بعضا بالتحدث بالمعاصي، قال ابن حجر:

وبقية الحديث تؤكد المعنى الأول. «8»

أنواع المجاهرة

مما سبق يتضح أن المجاهرة تكون على أنواع ثلاثة:

1- المجاهرة بمعنى إظهار المعصية وذلك كما يفعل المجان والمستهترون بحدود الله، والذي يفعل المعصية جهارا يرتكب محذورين: الأول: إظهار المعصية والآخر: تلبسه بفعل المجان، والمجانة (أي المجون) ، مذمومة شرعا وعرفا» «9» .

2- المجاهرة بمعنى إظهار ما ستر الله على العبد من فعله المعصية، كأن يحدث بها تفاخرا أو استهتارا بستر الله تعالى وهؤلاء هم الذين لا يتمتعون بمعافاة الله عز وجل.

3- المجاهرة بمعنى أن يجاهر بعض الفساق بعضا بالتحدث بالمعاصي.

هجر المجاهرين بالمعاصي

قال شيخ الإسلام (ابن تيمية) : إن المظهر للمنكر يجب الإنكار عليه علانية، ولا تبقى له غيبة، ويجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك، وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتا- إذا كان فيه ردع لأمثاله- فيتركون تشييع جنازته «1» .

وقال صاحب الآداب الكبرى: يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية، وقيل:

يجب ذلك إن ارتدع به، وإلا كان مستحبا، وقيل:

يجب هجره مطلقا إلا من السلام بعد ثلاثة أيام، وقيل ترك السلام على من جهر بالمعاصي حتى يتوب فرض كفاية، وظاهر كلام الإمام أحمد (بن حنبل) ترك السلام والكلام مطلقا «2» .

ونقل ابن حجر عن الإمام النووي قوله: من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: التفريط والإفراط الفسوق- الفجور- الكذب- الخداع- المكر.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: التقوى- الصدق- اليقين- محاسبة النفس] .

الآيات الواردة في «المجاهرة بالمعصية»

1-* لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (118) «1»

الآيات الواردة في «المجاهرة بالمعصية» معنى

2-* قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) «2»

3- قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (33) «3»

4- إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) «4»

الأحاديث الواردة في ذم (المجاهرة بالمعصية)

1-* (عن سالم بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» ) * «1» .

الأحاديث الواردة في ذم (المجاهرة بالمعصية) معنى

2-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال:

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشترى الثمرة حتى تطعم «2» ، وقال: إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» ) *» .

3-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه» ، وقال: «ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله» ) * «4» .

4-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «5» .

5-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها» ) * «1» .

6-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف» . قالت، قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا ظهر الخبث» ) * «2» .

7-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يحب الفحش، أو يبغض الفاحش والمتفحش، قال: ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وقال: ألا إن موعدكم حوضي، عرضه وطوله واحد، وهو كما بين أيلة ومكة، وهو مسيرة شهر، فيه مثل النجوم أباريق، شرابه أشد بياضا من الفضة، من شرب منه مشربا لم يظمأ بعده أبدا» ) * «3» .

8-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله قال: ما أنا عليه وأصحابي» ) * «4» .

من الآثار الواردة في النهي عن (المجاهرة بالمعصية)

1-* (عن عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- قال: كان يقال: إن الله- تبارك وتعالى- لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم) * «5» .

2-* (قال النووي- رحمه الله تعالى-: إن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به) * «6» .

3-* (وقال- أيضا- الذي يجاهر بالمعصيةيكون من جملة المجان، والمجانة مذمومة شرعا وعرفا فيكون الذي يظهر المعصية قد ارتكب محذورين:

إظهار المعصية وتلبسه بفعل المجان) * «1» .

4-* (قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تذل أهلها، ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد، ومن التعزير إن لم يوجب حدا، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين، رحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك) * «2» .

5-* (وقال ابن حجر- رحمه الله تعالى- من قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربه، فلم يستره، ومن قصد التستر بها حياء من ربه، ومن الناس من الله عليه بستره إياه) * «3» .

6-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول (النساء- 148) :

قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما، فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن يصبر فهو خير له) * «4» .

7-* (وعن الحسن- رضي الله عنه- في الآية نفسها قال: هو الرجل يظلم فلا يدع عليه (أي على الظالم) ، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، حل بينه وبين ما يريد ونحو هذا) * «5» .

8-* (وعن قتادة- رضي الله عنه- في الآية نفسها قال: عذر الله المظلوم- كما تسمعون- أن يدعو) * «6» .

9-* (عن مجاهد في قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن) * «7» .

10-* (وعنه أيضا في الآية نفسها قال: ضاف رجل رجلا فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلانا فلم يؤد إلي حق ضيافتي، قال: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم حتى يؤدي الآخر إليه حق ضيافته) * «8» .

11-* (قال ابنالمنير: إلا من ظلم معناه إلا من أكره على أن يجهر بالسوء كفرا ونحوه، فذلكمباح) * «1» .

12-* (وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في الآية نفسها: «هو الرجل يشتمك فتشتمه ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه لقوله تعالى: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (الشورى/ 41)) * «2» .

13-* (وقال القاضي أبو حسين في التمام:

لا تختلف الرواية في وجوب هجر أهل البدع وفساق الملة. وظاهر إطلاقه لا فرق بين المجاهر وغيره كالمبتدع والفاسق، فينبغي لك إن كنت متبعا سنن من سلف أن كل من جاهر بمعاصي الله لا تعاضده ولا تساعده ولا تقاعده ولا تسلم عليه، بل اهجره ولاقه بوجه مكفهر) * «3» .

14-* (وقال ابن تميم: وهجران أهل البدع كافرهم وفاسقهم، والمتظاهر بالمعاصي، وترك السلام عليهم فرض كفاية، ومكروه لسائر الناس) * «4» .

15-* (قال صاحب منظومة الآداب:

وهجران من أبدى المعاصي سنة ... وقد قيل إن يردعه أوجب وأكد وقيل على الإطلاق ما دام معلنا ... ولاقه بوجه مكفهر مربد) * «5» .

16-* (قال السفاريني في شرح البيتين السابقين: «ولا فرق بين كون المعاصي فعلية أو قولية أو اعتقادية ... وهذا الهجر يثاب الإنسان عليه لأنه هجر لله تعالى وغضب لارتكاب معاصيه أو إهمال أوامره.

قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: إذا علم أنه مقيم على معصية وهو يعلم بذلك لم يأثم أن جفاه حتى يرجع، وإلا كيف يتبين للرجل ما هو عليه، إذا لم ير منكرا ولا جفوة من صديق) * «6» .

من مضار (المجاهرة بالمعصية)

(1) المجاهر بالمعصية ما جن أثيم يغضب الله عز وجل.

(2) المجاهر يحرم نفسه من عفو الله تعالى.

(3) المجاهرون بالمعاصي محتقرون من الناس مهجورون، لا يكلمهم الصالحون ولا يسلمون عليهم.

(4) المجاهر بالمعصية يحل عرضه بحديث الناس عنه وعن جرائمه.

(5) الجهر بالمعصية يؤدي إلى الإخلال بالقيم الدينية والأخلاقية في المجتمع.

(6) الجهر بالمعاصي يستوجب ردع المجتمع للمجاهر وإنزال العقوبة اللائقة به.

(7) المجاهر بالمعصية مفضوح بين الخلق حيا أو ميتا، إذ لا يشترك الصالحون في تشييع جنازته، خاصة إذا كان في ذلك ردع لأمثاله.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٩ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١٣:١٠.
  • تم عرض هذه الصفحة ٤٬٢١٥ مرة.