أدوات شخصية
User menu

المداراة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


المداراة لغة

مصدر قولهم دارى فلان فلانا بمعنى ختله وخدعه، يقول ابن فارس: الدّال والرّاء والحرف المعتلّ (الياء) أصلان: أحدهما: قصد الشّيء واعتماده طلبا، والآخر حدّة تكون في الشّيء، وأمّا المهموز (درأ) فأصل واحد وهو دفع الشّيء، ومن المعنى الأوّل للمعتلّ (درى) قولهم: ادّرى بنو فلان مكان كذا، أي اعتمدوه بغزو أو غارة، والدّريّة الدّابّة الّتي يستتر بها الّذى يرمي الصّيد ليصيده، ومن الأصل الآخر قولهم:

شاة مدراة: حديدة القرنين، وأمّا الأصل المهموز فمنه قولهم: درأت الشّيء دفعته، قال تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ (النور/ 8) .

وقال الجوهريّ: ومداراة النّاس تهمز ولا تهمز، وهي المداجاة (أي المساندة للعداوة) والملاينة، وتدّراه وادّراه بمعنى أي ختله، قال سحيم:

وماذا تدّري الشّعراء منّي ... وقد جاوزت حدّ الأربعين وقولهم: السّلطان ذو تدرإ أي ذو عدّة وقوّة على دفع أعدائه عن نفسه، والمدارأة: المخالفة والمدافعة ويقال: فلان لا يدارىء ولا يمارىء، فأمّا المداراة ففي حسن الخلق والمعاشرة؛ لأنّه يهمز ولا يهمز، تقول داريته ودارأته، إذا اتّقيته ولاينته.

وقال ابن منظور: المداراة: المخالفة والمدافعة، يقال فلان: ذو تدرأ، أي حفاظ ومنعة وقوّة على أعدائه ومدافعة، وذلك في الحرب والخصومة.

وأصله مهموز، فيقال: دارأته مدارأة وغير مهموز فيقال:

داريته وذلك إذا اتّقيته ولاينته. ومنهم من فرّق بين المهموز وغيره فجعل المهموز بمعنى الاتّقاء لشرّه وغير المهموز لمعنى الختل، فيقال: فلان لا يداري ولا يماري، وكذلك في حديث قيس بن السّائب- رضي الله عنه-: قال: كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شريكي فكان خير شريك، لا يداري ولا يماري.


قال أبو عبيد: معناه هنا المشاغبة والمخالفة على الشّريك؛ لأنّه من المهموز يعني درأت، ومنه كذلك قوله تعالى: فَادَّارَأْتُمْ فِيها (البقرة/ 72) يعني اختلافهم في القتل. والمدارأة أيضا:

الاعوجاج والاختلاف والنّشوز، قال الشّعبيّ في المرأة المختلعة: إذا كان الدّرء من قبلها فلا بأس أن يأخذ منها. ويقال: درأ الدّريئة للصّيد يدرؤها: إذا ساقها واستتر بها فإذا أمكنه الصّيد رمى، كما يقال: ادّرأت للصّيد إذا اتّخذت له دريئة «1» .

واصطلاحا

قال المناويّ: المداراة: الملاينة والملاطفة، وأصلها المخاتلة ومنه: الدّراية وهو العلم مع تكلّف وحيلة «1» .

قال ابن بطّال- رحمه الله تعالى-: المداراة:

خفض الجناح للنّاس، ولين الكلام وترك الإغلاظ لهم في القول. وقال ابن حجر: المداراة الدّفع برفق «2» .

المداراة لا بد منها في الحياة

قال ابن حبّان- رحمه الله تعالى-: الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة من غير مفارقة المداهنة، إذ المداراة من المداري صدقة له، والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عليه، والفصل بين المداراة والمداهنة: هو أن يجعل المرء وقته في الرّياضة لإصلاح الوقت الّذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثلم في الدّين من جهة من الجهات، فمتى ما تخلّق المرء بخلق شابه بعض ما كره الله منه في تخلّقه فهذا هو المداهنة، لأنّ عاقبتها تصير إلى قلّ ويلازم المداراة لأنّها تدعو إلى صلاح أحواله، ومن لم يدار النّاس ملّوه، وقد أنشد عليّ بن محمّد البسّاميّ:


دار من النّاس ملا لاتهم ... من لم يدار النّاس ملّوه ومكرم النّاس حبيب لهم ... من أكرم النّاس أحبّوه فالواجب على العاقل أن يداري النّاس مداراة الرّجل السّابح في الماء الجاري، ومن ذهب إلى عشرة النّاس من حيث هو كدّر على نفسه عيشه، ولم تصف له مودّتهم، لأنّ وداد النّاس لا يستجلب إلّا بمساعدتهم على ما هم عليه.

إلّا أن يكون مأثما، فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة، والبشر قد ركّب فيهم أهواء مختلفة وطبائع متباينة، فكما يشقّ عليك ترك ما جبلت عليه فكذلك يشقّ على غيرك مجانبة مثله، فليس إلى صفو ودادهم سبيل إلّا بمعاشرتهم من حيث هم، والإغضاء عن مخالفتهم في كلّ الأوقات، إذ إنّ من لم يعاشر النّاس على لزوم الإغضاء عمّا يأتون من المكروه، وترك التّوقّع لما يأتون من المحبوب كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء أقرب منه إلى أن ينال منهم الوداد، وترك الشّحناء، ومن لم يدار صديق السّوء كما يداري صديق الصّدق ليس بحازم، ولقد أحسن الّذي يقول:


تجنّب صديق السّوء واصرم حباله ... وإن لم تجد عنه محيصا فداره وأحبب حبيب الصّدق واحذر مراءه ... تنل منه صفو الودّ ما لم تماره وذلك لأنّه إذا كان كلّما رأى من أحد زلّة رفضه لزلّته بقي وحيدا، لا يجد من يعاشر، وفريدا لا يجد من يخادن، بل يغضي على الأخ الصّادق زلّاته ولا يناقش الصّديق السّيّيء على عثراته.

وقد قال منصور بن محمّد الكريزيّ:أغمّض عيني عن صديقي كأنّني ... لديه بما يأتي من القبح جاهل وما بي جهل غير أنّ خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما أحاول متى ما يربني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي في نهوضي مفاصل ولكن أداريه، وإن صحّ شدّني ... فإن هو أعيا كان فيه تحامل «1»

مداراة الأعداء واجب للحذر من شرهم

قال الماورديّ- رحمه الله تعالى-: إذا كان للإنسان عدوّ وقد استحكمت شحناؤه، واستوعرت سرّاؤه، واستخشنت ضرّاؤه، فهو يتربّص بدوائر السّوء انتهاز فرصة ويتجرّع بمهانة العجز مرارة غصّة، فإذا ظفر بنائبة ساعدها، وإذا شاهد نعمة عاندها، فالبعد عن هذا حذرا أسلم، والكفّ عنه متاركة أغنم، لأنّه لا يسلم من عواقب شرّه، ولا يفلت من غوائل مكره إلّا بالبعد عنه أو مداراته. وقد قال لقمان لابنه: يا بنيّ، كذب من قال إنّ الشّرّ بالشّرّ يطفأ، فإن كان صادقا فليوقد نارين، ولينظر هل تطفىء إحداهما الأخرى، وإنّما يطفىء الخير الشّرّ كما يطفىء الماء النّار.

وأمّا إذا كان هذا العدوّ لئيم الطّبع خبيث الأصل فمثل هذا لا يستقبح الشّرّ، ولا يكفّ عن المكروه فهذا حاله أطمّ وضرره أعمّ ولا سلامة من مثله إلّا بالبعد عنه والانقباض، ولا خلاص منه إلّا بالصّفح والإعراض لأنّه كالسّبع الضّاري في سوارح الغنم وكالنّار بطبع لا يزول، وجوهر لا يتغيّر «2» .

الفرق بين المداراة والمداهنة

قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذمّ، والفرق بينهما أنّ المداري يتلطّف بصاحبه حتّى يستخرج منه الحقّ أو يردّه عن الباطل، والمداهن يتلطّف به ليقرّه على باطله ويتركه على هواه. فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النّفاق.

وقد ضرب مثل لذلك مطابق، وهو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطّبيب المداوي الرّفيق، فتعرّف حالها ثمّ أخذ في تليينها، حتّى إذا نضجت أخذ في بطّها برفق وسهولة، حتّى إذا أخرج ما فيها وضع على مكانها من الدّواء والمرهم ما يمنع فسادها، ثمّ تابع عليها بالمراهم الّتي تنبت اللّحم، ثمّ يذرّ عليها بعد نبات اللّحم ما ينشّف رطوبتها، ثمّ يشدّ عليها الرّباط، ثمّ لم يزل يتابع ذلك حتّى صلحت، أمّا المداهن فقال لصاحبها لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيون بخرقة ثمّ اله عنها، فلا تزال مدّتها تقوى وتستحكم حتّى عظم فسادها «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: التودد- الحكمة- الشفقة- حسن الخلق- الحلم- حسن المعاملة- الستر. وفي ضد ذلك: انظر صفات: البذاءة- الفحش- الفضح- المجاهرة بالمعصية- الطيش- الحمق- الإساءة- سوء الخلق- سوء المعاملة- النفاق] .

الآيات الواردة في «المداراة» معنى

1-* وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) «1»

2- ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) «2»

3- وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (41) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (43) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47) «3»

4- وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (37) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (44)قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (45) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (46) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (47) «1»


5- وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) «2» 6- وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (27) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (29) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (31) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33) «3»


الأحاديث الواردة في (المداراة)

1-* (عن السّائب- رضي الله عنه- أنّه قال: أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فجعلوا يثنون عليّ ويذكروني، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أعلمكم به، قلت: صدقت بأبي وأمّي- كنت شريكي فنعم الشّريك، كنت لا تداري ولا تماري» ) * «1» .

2-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مداراة النّاس صدقة» ) * «2» .

الأحاديث الواردة في (المداراة) معنى

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لم يكذب إبراهيم النّبيّ- عليه السّلام- قطّ إلّا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله «3» ، قوله: إنّي سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا.

وواحدة في شأن سارة. فإنّه قدم أرض جبّار ومعه سارة، وكانت أحسن النّاس، فقال لها: إنّ هذا الجبّار، إن يعلم أنّك امرأتي يغلبني عليك.

فإن سألك فأخبريه أنّك أختي، فإنّك أختي في الإسلام. فإنّي لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك.

فلمّا دخل أرضه رآها بعض أهل الجبّار أتاه فقال له: لقد دخل أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلّا لك. فأرسل إليها فأتي بها.

فقام إبراهيم عليه السّلام إلى الصّلاة. فلمّا دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرّك. فعلت. فعاد. فقبضت أشدّ من القبضة الأولى. فقال لها مثل ذلك.

ففعلت. فعاد، فقبضت أشدّ من القبضتين الأوليين. فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله «4» أن لا أضرّك، ففعلت. وأطلقت يده.

ودعاالّذي جاء بها فقال له: إنّك إنّما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر.

قال: فأقبلت تمشي، فلمّا رآها إبراهيم عليه السّلام انصرف، فقال لها: مهيم؟ «1» قالت: خيرا. كفّ الله يد الفاجر. وأخدم خادما) * «2»

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (المداراة)

4-* (عن عروة بن الزّبير أنّ عائشة أخبرته أنّه استأذن على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجل فقال صلّى الله عليه وسلّم: «ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة» .

فلمّا دخل ألان له الكلام. فقلت له: يا رسول الله، قلت ما قلت، ثمّ ألنت له في القول.

فقال: «أي عائشة، إنّ شرّ النّاس منزلة عند الله من تركه أو ودعه النّاس اتّقاء فحشه» ) * «3» .

5-* (عن أبي الدّرداء- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّا نكشر «4» في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم» ) * «5»

6-* (عن ابن أبي مليكة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أهديت له أقبية من ديباج مزرّدة بالذّهب، فقسمها فى أناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل فجاء ومعه ابنه المسور بن مخرمة، فقام على الباب، فقال: ادعه لي، فسمع النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم صوته فأخذ قباء فتلقّاه به واستقبله بأزراره فقال: يا أبا المسور، خبأت هذا لك، وكان في خلقه شيء» ) * «6» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المداراة)

1-* (روي أنّ داود- عليه السّلام- جلس كئيبا خاليا فأوحى الله إليه يا داود، مالي أراك خاليا؟ قال: «هجرت النّاس فيك قال: أفلا أدلّك على شيء تبلغ به رضائي؟ خالق النّاس بأخلاقهم واحتجر الإيمان فيما بيني وبينك» ) * «7» .

2-* (قال أبو الدّرداء- رضي الله عنه- لأمّالدّرداء: «إذا غضبت فرضّيني، وإذا غضبت رضّيتك فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق» ) * «1» .

3-* (قال معاوية- رضي الله عنه-: «لو أنّ بيني وبين النّاس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف؟ قال: لأنّهم إن مدّوها خلّيتها، وإن خلّوا مددتها» ) * «2» .

4-* (قال ابن مفلح- رحمه الله تعالى-:

«أعطى الحسن بن عليّ- رضي الله عنهما- شاعرا فقيل له: لم تعطي من يقول البهتان ويعصي الرّحمن؟ فقال: إنّ خير ما بذلت من مالك ما وقيت به من عرضك، ومن ابتغى الخير اتّقى الشّرّ» ) * «3» .

5-* (قال محمّد ابن الحنفيّة- رحمه الله تعالى-: «ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدّا، حتّى يجعل الله له فرجا- أو قال مخرجا- وأنشد المتنبّي:

ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ «4»

6-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-:

«كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول هي العقل كلّه» ) * «5» .

7-* (قال أبو يوسف- رحمه الله تعالى-:

«خمسة يجب على النّاس مداراتهم: الملك المسلّط، والقاضي المتأوّل، والمريض، والمرأة، والعالم ليقبس من علمه» ) * «6» .

8-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-:

لمّا عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من همّ العداوات إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيته ... لأدفع الشّرّ عنّي بالتّحيّات وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنّما قد حشا قلبي محبّات النّاس داء وداء النّاس قربهم ... وفي اعتزالهم قطع المودّات «7»

9- (قال ابن حبّان- رحمه الله تعالى-:

«من التمس رضا جميع النّاس التمس ما لا يدرك، ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بدّا، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها واستقباح أشياء كان يستحسنها، ما لم يكن مأثما، فإنّ ذلك من المداراة، وما أكثر من دارى فلم يسلم فكيف توجد السّلامة لمن لا يداري» ) * «8» .

10-* (قال أبو سليمان الخطّابيّ- رحمه الله تعالى-:

ما دمت حيّا فدار النّاس كلّهم ... فإنّما أنت في دار المداراةمن يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى ... عمّا قليل نديما للنّدامات «1»

11-* (قال القاضي التّنوخيّ:

الق العدوّ بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات فأحزم النّاس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودّات الرّفق يمن وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات «2»

12-* (قال صالح بن عبد القدّوس:

أرضى عن المرء ما أصفى مودّته ... وليس شيء من البغضاء يرضينى والله لو كرهت كفّى مصاحبتي ... لقلت إذ كرهت يوما لها بيني ثمّ انثنيت على الأخرى فقلت لها ... إن تسعديني وإلّا مثلها كوني إنّي كذاك إذا أمر تعرّض لي ... خشيت منه على دنياي أو ديني خرجت منه وعرضي ما أدنّسه ... ولم أقم غرضا للنّذل يرميني وملطف بي مدار ذي مكاشرة ... مغض على وغر في الصّدر مكنون ليس الصّديق الّذي تخشى بوادره ... ولا العدوّ على حال بمأمون يلومني النّاس فيما لو أخبّرهم ... بالعذر فيه يوما لم يلوموني «3»

13-* (قال ابن بطّال- رحمه الله تعالى-:

المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي من أقوى أسباب الألفة بينهم. فإن قال بعضهم إنّ المداراة هي المداهنة، وهذا غلط، لأنّ المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرّمة، والفرق بينهما أنّ المداهنة من الدّهان، وهو الّذي يظهر الشّيء، ويستر باطنه وقد فسّرها العلماء بأنّها معاشرة الفاسق وإظهار الرّضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرّفق بالجاهل في التّعليم وبالفاسق في النّهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيّما إذا احتيج إلى تألّفه) * «4» .

14-* (وقال الماورديّ- رحمه الله تعالى- أيضا: إنّ الإنسان إن كان مأمورا بتألّف الأعداء، ومندوبا إلى مقاربتهم، فإنّه لا ينبغي له أن يكون لهم راكنا وبهم واثقا، بل يكون منهم على حذر، ومن مكرهم على تحرّز، فإنّ العداوة إذا استحكمت في الطّباع صارت طبعا لا يستحيل، وجبلّة لا تزول، وإنّما يستكفي بالتّألّف إظهارها «5» ، ويستدفع بهأضرارها، كالنّار يستدفع بالماء إحراقها، ويستفاد به إنضاجها، وإن كانت محرقة متأجّجة في يابس الحطب لا يقربها إلّا تالف، ولا يدنو منها إلّا هالك) * «1» .

15-* (قال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى-:

من الابتلاء العظيم إقامة الرّجل في غير مقامه، مثل أن يحتاج الرّجل الصّالح إلى مداراة الظّالم والتّردّد إليه، وإلى مخالطته من لا يصلح، وإلى أعمال لا تليق به، وإلى أمور تقطع عليه مراده الّذي يؤثره، فقد يقال للعالم: تردّد على الأمير وإلّا خفنا عليك سطوته، فيتردّد فيرى ما لا يصلح له ولا يمكنه أن ينكر أو يحتاج إلى شيء من الدّنيا وقد منع حقّه، فيحتاج أن يعرّض بذكر ذلك أو يصرّح لينال بعض حقّه، ويحتاج إلى مداراة من تصعب مداراته، بل يتشتّت همّه لتلك الضّرورات) * «2» .

16-* (قال بعض العلماء: رأس المداراة ترك المماراة) * «3» .

17-* (وقال شاعر:

ما يقي عنك قوما أنت خائفهم ... كمثل دفعك جهّالا بجهّال قعّس «4» إذا حدبوا واحدب إذا قعسوا ... ووازن الشّر مثقالا بمثقال) * «5» .

18-* (قال زهير:

ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم) * «6» .

19-* (قال النّمر بن تولب:

وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما وأحبب حبيبك حبّا رويدا ... فليس يعولك أن تصرما) * «7» .

من فوائد (المداراة)

1- الرّاحة في الدّنيا، والأجر والثّواب في الآخرة.

2- لا بدّ منها لاتّقاء شرّ الأشرار، ودوام معاشرة الأخيار.

3- يحتاج إليها مع الأصدقاء كما يحتاج إليها مع الأعداء.

4- دليل كمال العقل، وحسن الخلق، ومتانة الدّين.

5- المداراة تكون في الأمور الدّنيويّة فقط، وتحرم إذا كانت في أمور الدّين وهذه هي المداهنة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٦٬٤٩٠ مرة.