أدوات شخصية
User menu

المراقبة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


المراقبة لغة

مصدر قولهم: راقب مراقبة وهو مأخوذ من مادّة رقب الّتي تدلّ على «انتصاب» لمراعاة شيء ومن ذلك:

الرّقيب وهو الحافظ، يقال منه: رقبت أرقب رقبة ورقبانا، والمرقب: المكان العالي يقف عليه النّاظر ومن ذلك اشتقاق الرّقبة لأنّها منتصبة، ولأنّ النّاظر لا بدّ ينتصب عند نظره، ويقال أرقبت فلانا هذه الدّار، وذلك أن تعطيه إيّاها يسكنها، ثمّ يقول له إن متّ قبلي رجعت إليّ، وإن متّ قبلك فهي لك، وهذا من المراقبة كأنّ كلّ واحد منهما يرقب موت صاحبه، والرّقوب: المرأة الّتي لا يعيش لها ولد كأنّها ترقبه لعلّه يبقى لها، وجاء في الصّحاح: والرّقيب: المنتظر، والرّقيب الموكّل بالضّريب، والرّقيب:

الثّالث من سهام الميسر، والتّرقّب: الانتظار، وكذلك: الارتقاب.

قال تعالى: وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (هود/ 93) .

وقال ابن منظور: راقب الله تعالى في أمره أي خافه، ورقبه يرقبه رقبة ورقبانا، بالكسر فيهما، ورقوبا، وترقّبه، وارتقبه: انتظره ورصده، وارتقب: أشرف وعلا، والمرقب والمرقبة: الموضع المشرف، يرتفع عليه الرّقيب.

ورقب الشّيء يرقبه: حرسه، وفي أسماء الله تعالى:

(الرّقيب) : وهو الحافظ الّذي لا يغيب عنه شيء، فعيل بمعنى فاعل «1» .

المراقبة اصطلاحا

قال ابن القيّم: المراقبة دوام علم العبد وتيقّنه باطّلاع الحقّ سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه «2» . وقال المحاسبيّ: المراقبة: دوام علم القلب بعلم الله- عزّ وجلّ- في السّكون والحركة علما لازما مقترنا بصفاء اليقين.

أمّا أوّل المراقبة فهو علم القلب بقرب الرّبّ عزّ وجلّ «3» .

بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها

اعلم أنّ حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرّقيب وانصراف الهمم إليه، فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره، يقال إنّه يراقب فلانا، ويراعي جانبه، ويعني بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة، وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب.

أمّا الحالة فهي مراعاة القلب للرّقيب واشتغالهبه والتفاته إليه وملاحظته إيّاه وانصرافه إليه.

وأمّا المعرفة الّتي تثمر هذه الحالة فهي العلم بأنّ الله مطّلع على الضّمائر، عالم بالسّرائر، رقيب على أعمال العباد، قائم على كلّ نفس بما كسبت، وأنّ سرّ القلب في حقّه مكشوف كما أنّ ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشدّ من ذلك.

فهذه المعرفة إذا صارت يقينا- أعني أنّها خلت عن الشّكّ- ثمّ استولت بعد ذلك على القلب قهرته؛ فربّ علم لا شكّ فيه لا يغلب على القلب كالعلم بالموت، فإذا استولت على القلب استجرّت القلب إلى مراعاة جانب الرّقيب وصرفت همّه إليه؛ والموقنون بهذه المعرفة هم المقرّبون، وهم ينقسمون إلى الصّدّيقين وإلى أصحاب اليمين «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الإحسان- مجاهدة النفس- محاسبة النفس- القوة- قوة الإرادة- اليقين- الخوف- الخشية.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- الشك- الغفلة- اتباع الهوى- أكل الحرام] .

الأحاديث الواردة في (المراقبة) معنى

1-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «بينما ثلاثة نفر يتمشّون أخذهم المطر. فأووا إلى غار في جبل.

فانحطّت على فم غارهم صخرة من الجبل. فانطبقت عليهم. فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها، لعلّ الله يفرجها عنكم.

فقال أحدهم: اللهمّ إنّه كان لي والدان شيخان كبيران، وامرأتي، ولي صبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم «1» ، حلبت، فبدأت بوالديّ فسقيتهما قبل بنيّ، وإنّه نأى بي ذات يوم الشّجر فلم آت حتّى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب، فقمت عند رءوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصّبية قبلهما، والصّبّية يتضاغون «2» عند قدميّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتّى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، نرى منها السّماء، ففرج الله منها فرجة، فرأوا السّماء.

وقال الآخر: اللهمّ إنّه كانت لي ابنة عمّ أحببتها كأشدّما يحبّ الرّجال النّساء، وطلبت إليها نفسها. فأبت حتّى آتيها بمائة دينار.

فتعبت حتّى جمعت مائة دينار، فجئتها بها، فلمّا وقعت بين رجليها «3» قالت: يا عبد الله! اتّق الله، ولا تفتح الخاتم إلّا بحقّه «4» فقمت عنها، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم. وقال الآخر: اللهمّ إنّي كنت استأجرت أجيرا بفرق أرزّ، فلمّا قضى عمله قال: أعطني حقّي، فعرضت عليه فرقه فرغب عنه.

فلم أزل أزرعه حتّى جمعت منه بقرا ورعاءها، فجاءني فقال: اتّق الله ولا تظلمني حقّي. قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها، فخذها.

فقال: اتّق الله، ولا تستهزأ بي. فقلت: إنّي لا أستهزئ بك. خذ ذلك البقر ورعاءه.

فأخذه فذهب به. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا ما بقي، ففرج الله ما بقي» ) * «5» .

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه-، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ) * «1» .

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول صلّى الله عليه وسلّم: «قال الله- عزّ وجلّ- إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل.

فإن عملها أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيّئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها.

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قالت الملائكة ربّ! ذاك عبدك يريد أن يعمل سيّئة (وهو أبصر به) فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة. فإنّه تركها من جرّاي «2» ) * «3» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بارزا يوما للنّاس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه وبرسله وتؤمن بالبعث» . قال: ما الإسلام؟ قال:

«الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصّلاة وتؤدّي الزّكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» ، قال: متى السّاعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السّائل، وسأخبرك عن أشراطها. إذا ولدت الأمة ربّتها.

وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهنّ إلّا الله، ثمّ تلا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية (لقمان/ 34) ، ثمّ أدبر فقال: ردّوه فلم يروا شيئا. فقال: «هذا جبريل جاء يعلّم النّاس دينهم» ) * «4» .

5-* (عن معاذ- رضي الله عنه-، قال:

يا رسول الله، أوصني. قال: «اعبد الله كأنّك تراه، واعدد نفسك من الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كلّه؟ قال: هذا» وأشار بيده إلى لسانه) * «5» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المراقبة)

1-* (قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- إلى مكّة فعرّسنا في بعض الطّريق فانحدر عليه راع من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم؟ فقال: إنّي مملوك، فقال:

قل لسيّدك: أكلها الذّئب؟ قال: فأين الله؟ قال: فبكى عمر- رضي الله عنه- ثمّ غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه، وأعتقه وقال: أعتقتك في الدّنيا هذه الكلمة وأرجو أن تعتقك في الآخرة) * «6» .

2-* (قال ابن المبارك لرجل: راقب الله تعالى، فسأله عن تفسيرها فقال: كن أبدا كأنّك ترى الله عزّوجلّ) * «1» .

3-* (قال سفيان الثّوريّ: عليك بالمراقبة ممّن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرّجاء ممّن يملك الوفاء) * «2» .

4-* (قال أبو عثمان: قال لي أبو حفص: إذا جلست للنّاس فكن واعظا لنفسك وقلبك، ولا يغرّنّك اجتماعهم عليك فإنّهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك) * «3» .

5-* (قال الجريريّ: أمرنا هذا مبنيّ على أصلين: أن تلزم نفسك المراقبة لله- عزّ وجلّ- ويكون العلم على ظاهرك قائما) * «4» .

6-* (قال أبو عثمان المغربيّ: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطّريقة المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم) * «5» .

7-* (قال رجل للجنيد: بم أستعين على غضّ البصر؟ فقال: بعلمك أنّ نظر النّاظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه) * «6» .

8-* (قال حميد الطّويل لسليمان بن عليّ:

عظني، فقال: لئن كنت إذا عصيت خاليا ظننت أنّه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم، ولئن كنت تظنّ أنّه لا يراك فلقد كفرت) * «7» .

9-* (سئل ذو النّون: بم ينال العبد الجنّة؟ فقال: بخمس: استقامة ليس فيها روغان، واجتهاد ليس معه سهو، ومراقبة الله تعالى في السّرّ والعلانية، وانتظار الموت بالتّأهّب له، ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب) * «8» .

10-* (قال عبد الواحد بن زيد: إذا كان سيّدي رقيبا عليّ فلا أبالي بغيره) * «9» .

11-* (قال ابن عطاء: أفضل الطّاعات مراقبة الحقّ على دوام الأوقات) * «10» .

12-* (قال ابن الجوزيّ- رحمه الله-: الحقّ عزّ وجلّ- أقرب إلى عبده من حبل الوريد. لكنّه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه، فأمر بقصد نيّته، ورفع اليدين إليه، والسّؤال له.

فقلوب الجهّال تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو تحقّقت مراقبتهم للحاضر النّاظر لكفّوا الأكفّ عن الخطايا. والمتيقّظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط) * «11» .

13-* (سئل المحاسبيّ عن المراقبة فقال:

أوّلها علم القلب بقرب الله تعالى) * «12» .

14-* (قال ابن منظور- رحمه الله-: فسّر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الإحسان حين سأله جبريل، صلوات الله عليهما وسلامه، فقال: «هو أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك.

أراد بالإحسان الإشارة إلى المراقبة وحسن الطّاعة فإنّ من راقب الله أحسن عمله) * «1» .

15-* (ينبغي أن يراقب الإنسان نفسه قبل العمل وفي العمل، هل يحرّكه عليه هوى النّفس أو المحرّك له هو الله تعالى خاصّة؟ فإن كان الله تعالى، أمضاه، وإلّا تركه، وهذا هو الإخلاص.

قال الحسن: رحم الله عبدا وقف عند همّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخّر.

فهذه مراقبة العبد في الطّاعة، وهو أن يكون مخلصا فيها، ومراقبته في المعصية تكون بالتّوبة والنّدم والإقلاع، ومراقبته في المباح تكون بمراعاة الأدب، والشّكر على النّعم، فإنّه لا يخلو من نعمة لا بدّ له من الشّكر عليها، ولا يخلو من بليّة لا بدّ من الصّبر عليها، وكلّ ذلك من المراقبة) * «2» .

16-* (سئل بعضهم عن قوله تعالى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (البينة/ 8) فقال: معناه:

ذلك لمن راقب ربّه- عزّ وجلّ- وحاسب نفسه وتزوّد لمعاده) * «3» .

17-* (قيل: من راقب الله في خواطره، عصمه في حركات جوارحه) * «4» .

18- (وقيل لبعضهم: متى يهشّ الرّاعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة؟ فقال: إذا علم أنّ عليه رقيبا) * «5» .

19-* (قال الشّاعر:

إذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة ... ولا أنّ ما تخفيه عنه يغيب ألم تر أنّ اليوم أسرع ذاهب ... وأنّ غدا للنّاظرين قريب) * «6» .

من فوائد (المراقبة)

(1) الفوز بالجنّة والنّجاة من النّار.

(2) الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة.

(3) دليل على كمال الإيمان وحسن الإسلام.

(4) تثمر محبّة الله تعالى ورضاه.

(5) دليل على حسن الخاتمة.

(6) مظهر من مظاهر صلاح العبد واستقامته.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬١٣١ مرة.