أدوات شخصية
User menu

المسئولية

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


المسئولية لغة

المسئوليّة مصدر صناعيّ «1» مأخوذ من مادّة (س أل) الّتي تدلّ على استدعاء معرفة أو ما يؤدّي إلى المعرفة، أو استدعاء مال أو ما يؤدّي إلى المال، قال الرّاغب: فاستدعاء المعرفة جوابه على اللّسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال جوابه على اليد، واللّسان خليفة لها إمّا بوعد أو بردّ، والسّؤال للمعرفة يكون تارة للاستعلام، وتارة للتّبكيت كما في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (التكوير/ 8) والسّؤال إذا كان للتّعريف تعدّى إلى المفعول الثّاني تارة بنفسه وتارة بالجارّ، تقول سألته كذا، وسألته عن كذا وبكذا، والأكثر «عن» ، وإذا كان السّؤال لاستدعاء مال فإنّه يتعدّى بنفسه أو بمن، وذلك كما في قول الله تعالى وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً ...

(الأحزاب/ 53) وقوله عزّ من قائل: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ (النساء/ 32) . يقال: سألته الشّيء، وسألته عن الشّيء سؤالا، ومسألة والأمر منه اسأل، وقد تخفّف همزته فيقال: سال، والأمر منه سل، وقال ابن سيده:

والعرب قاطبة تحذف الهمز منه في الأمر فإذا وصلوا بالفاء أو الواو همزوا وكقولك: فاسأل واسأل،

ورجل سؤلة: كثير السّؤال، وتساءلوا: سأل بعضهم بعضا، وأسألته سؤلته ومسألته، أي قضيت حاجته، وقول الله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (الصافات/ 24) قال الزّجّاج: سؤالهم سؤال توبيخ وتقرير، لإيجاب الحجّة عليهم لأنّ الله- جلّ ثناؤه- عالم بأعمالهم.

أمّا قوله سبحانه فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (الرحمن/ 39) أي لا يسأل ليعلم ذلك منه، لأنّ الله قد علم أعمالهم، وقال ابن برّيّ:


يقال: سألته الشّيء بمعنى استعطيته، وسألته عن الشّيء استخبرته، وقال ابن الأثير: السّؤال في كتاب الله والحديث الشّريف نوعان:

أحدهما: ما كان على وجه التّبيّن والتّعلّم ممّا تمسّ الحاجة إليه فهو مباح أو مندوب، أو مأمور به.

والآخر: ما كان على طريق التّكلّف والتّعنّت فهو مكروه ومنهيّ عنه، فكلّ ما كان من هذا الوجه ووقع السّكوت عن جوابه فإنّما هو ردع وزجر للسّائل، وإن وقع الجواب عنه، فهو عقوبة وتغليظ، قال ابن منظور: وما جاء في الحديث من أنّه «كره المسائل وعابها» أراد المسائل الدّقيقة الّتي لا يحتاج إليها، وفي حديث الملاعنة: لمّا سأله عاصم عن أمر من يجد معأهله رجلا..» فأظهر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الكراهة في ذلك إيثارا لستر العورة، وكراهة لهتك الحرمة، وفي الحديث: أنّه نهى عن كثرة السّؤال، قيل هو من هذا، وقيل هو سؤال النّاس أموالهم من غير حاجة «1» ولفظ «المسئوليّة» من الألفاظ المحدثة الّتي يراد بها التّبعة يقال: أنا بريء من مسئوليّة هذا العمل أي من تبعته، وقيل:

المسئوليّة ما يكون به الإنسان مسئولا ومطالبا عن أمور أو أفعال أتاها. والمسئوليّة عند أرباب السّياسة: هي الأعمال الّتي يكون الإنسان مطالبا بها «2» .

واصطلاحا

قال الدّكتور دراز: تعني المسئوليّة كون الفرد مكلّفا بأن يقوم ببعض الأشياء وبأن يقدّم عنها حسابا إلى غيره وينتج عن هذا التّحديد أنّ فكرة المسئوليّة تشتمل على علاقة مزدوجة من ناحية الفرد المسئول بأعماله وعلاقته بمن يحكمون على هذه الأعمال، والمسئوليّة قبل كلّ شيء هي استعداد فطريّ، إنّها هذه المقدرة على أن يلزم الإنسان نفسه أوّلا، والقدرة على أن يفي بعد ذلك بالتزامه بوساطة جهوده الخاصّة «3» .

وقال الخاقانيّ: يراد بالمسئوليّة الشّعور بأداء الواجب والإخلاص في العمل وليست المسئوليّة مجرّد الإقرار فإنّ الجزم بالشّيء لا يعطي صفة المسئوليّة وإنّما يجد المتحسّس بها أنّ هناك واجبات لا بدّ من الانقياد إليها بغضّ النّظر عن النّتائج، فإنّ إنقاذ الغريق ممّا يشعر الشّخص بالمسئوليّة في إنقاذه إذا كانت له القدرة على الإنقاذ وإنّ دفع الظّلم ممّن له القدرة على دفع الظّلم يجب على ذلك الشّخص أن يدفع عن المظلوم وهو مسئول عن التّرك، فالمسئوليّة تختلف بلحاظ الأفراد وبلحاظ المجتمعات «4» .

وقيل: المسئوليّة حالة يكون فيها الإنسان صالحا للمؤاخذة على أعماله وملزما بتبعاتها المختلفة. وقد قرّرها القرآن في آيات كثيرة، فقال تعالى:

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (المؤمنون/ 115) .

أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (القيامة/ 26) .

هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (الجاثية/ 29) .

مسئوليّة الإنسان أمام الخالق- عزّ وجلّ

عنها واستعداده لتحمّل نتائجها وقبوله بمبدإ الثّواب والعقاب المنوطين بها، أمّا السّموات والأرض والجبال المشار إليها في الآية الكريمة فلا تعدو وظيفتها أداء الدّور الّذي خلقها الله لتؤدّيه بطريقة عفويّة، وعلى نسق واحد «وليس هناك أيّ تدخّل ممكن لمبادرتها الخاصّة، لا من أجل صيانة النّظام الثّابت، ولا من أجل تغييره، أو تعديله في أيّ صورة ما كان، وإذن فلا مسئوليّة مطلقا «1» تقع عليها.


يقول الدّكتور دراز: أمّا في النّظام الأخلاقيّ، فالأمر بالعكس حيث يواجه الفاعل (وهو هنا الإنسان) إمكانات متعدّدة، يستطيع أن يختار من بينها واحدة، توافق هواه، سواء احترم القاعدة (الأخلاقيّة) أو اخترمها، وعلى ذلك فإنّ الإمكان والضّرورة هما الصّفتان اللّتان تكوّنان مجال المسئوليّة أو عدم المسئوليّة «2» ، وجانب الإمكان هو الّذي رصد له الإنسان استعداده.


لقد أبرز القرآن الكريم هذا التّباين الّذي يضع الإنسان العاقل «3» في مقابل الكائنات غير المزوّدة بالعقل من حيث مقدرتها الأخلاقيّة، وذلك قول الله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الآية، والحمل هنا يعني في رأي أكثر المفسّرين- تحمّل التّكاليف، كما في قوله عزّ وجلّ عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ..

(النور/ 54) أو قوله سبحانه مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ (الجمعة/ 5) «4» ، وعلى هذا التّفسير يكون المراد بالإنسان جنس الإنسان عامّة كما قال النّيسابوريّ وغيره «5» .

أمّا المعنى الآخر للحمل وهو تحمّل الخطإ أو الوزر- وهو أيضا معنى وارد، وقال به بعض المفسّرين، فإنّه يحصر الإنسان في الكافر أو المنافق (أو قابيل) ، خاصّة «6» .

وقد لخّص الشّيخ دراز وجهة من قال بذلك من المفسّرين فقال: المعنى: مع أنّ المخلوقات الأخرى قد وفت بمهمّتها حين خضعت للقانون الكونيّ (الّذي خلقها الله عليه) دون اعتراض أو مقاومة قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (فصلت/ 11) ، فإنّ الإنسان الّذي لم يطع القانون الأخلاقيّ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ... الآية (الأعراف/ 172) يبقى محمّلا به وعلى ذلك فالأمر لا يتعلّق بالإنسان بعامّة، بل بالكفّار والعصاة وحدهم، وقال- رحمه الله تعالى- معقّبا على هذا التّفسير: وهو تفسير- لا ريب معقول، في ذاته، ولكنّه فضلا عن ذلك التّقييد الّذي يفرضه على مفهوم الإنسان الّذي جاء غير محدّد في النّصّ، فإنّه لا يحدّد

ذكرنا في صفة «الأمانة» أنّ جمهور المفسّرين قد ذكروا أنّ الأمانة تعمّ جميع وظائف الدّين، وأنّ جميع الأقوال في تفسير قول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ (الأحزاب/ 72) متّفقة وراجعة إلى أنّ الأمانة هي التّكليف وقبول الأوامر والنّواهي «5» .

على وجه الدّقة التّطابق بين الأسماء والضّمائر الّتي ترجع إليها، ولم تعد الأمانة المعروضة كما هي وصار من اللّازم اللّجوء إلى فكرة بعيدة «1» حتّى يتقرّر للكائنات غير العاقلة نوع من الالتزام أو المسئوليّة.


أنواع المسئولية

1- المسئوليّة الدّينيّة: وهي التزام المرء بأوامر الله ونواهيه، وقبوله في حال المخالفة لعقوبتها ومصدرها الدّين.

2- المسئوليّة الاجتماعيّة: هي التزام المرء بقوانين المجتمع ونظمه وتقاليده.

وقيل: هي المسئوليّة الذّاتيّة عن الجماعة، وتتكوّن من عناصر ثلاثة هي: الاهتمام والفهم والمشاركة «2» .

3- المسئوليّة الأخلاقيّة: هي حالة تمنح المرء القدرة على تحمّل تبعات أعماله وآثارها، ومصدرها الضّمير «3» .

وكلّ مسئوليّة قبلناها، وارتضينا الالتزام بها فهي مسئوليّة أخلاقيّة بدليل:

أ- أنّ القرآن يقدّم المسئوليّة الدّينيّة ذاتها في صورة أخلاقيّة محضة حين تحايل بعض النّاس على التّخلّص من بعض تعاليم الصّوم سرّا: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ (البقرة/ 178) .

ب- أنّ القرآن لا يكتفي بتذكير النّاس في كثير من الأحيان بالأمر الإلهيّ، وإنّما يذكّرهم بالعهد الّذي قطعوه على أنفسهم، يقول الله تعالى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (الحديد/ 8) . وقوله تعالى:

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (المائدة/ 7) .

مدى شمولها

قرّر القرآن أنّ شرط هذه المسئوليّة الشّمول:

1- من ناحية الفرد يقول الله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (الحجر/ 92 93) .

فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (الأعراف/ 6) .

2- من ناحية الأعمال الخيّرة والشّرّيرة صغيرة وكبيرة.. ظاهرة وخفيّة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/ 7- 8) .

3- من ناحية الأقوال والألفاظ سرّها ونجواها. يقول الله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق/ 18) .


إنّ حمل هذه الأمانة يعني مسئوليّة الإنسان4- من ناحية السّمع والبصر والملكات:

يقول تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (الإسراء/ 26) .

5- من ناحية النّعيم والمال: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (التكاثر/ 8) .

وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزول قدما عبد حتّى يسأل عن عمره فيم أفناه. وعن شبابه فيم أبلاه. وعن علمه فيم عمل فيه. وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟» .

المسئولية شخصية

من المبادىء الّتي قرّرها الإسلام قصر المسئوليّة على المسئول وحده. قال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة/ 141) .

قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سبأ/ 25) فلا يؤخذ بريء بجريرة مذنب، ولا يشترك أهله فيما اقترفت يداه، أو نسب إليه.

وقد كان التّشريع اليونانيّ القديم يقضي بالإعدام على المجرم نفسه، وعلى جميع أفراد أسرته في الخيانة العظمى، وفي انتهاك الأشياء المقدّسة.

وحماية للإمام المسلم من الانزلاق في الظّلم جاء قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (الإسراء/ 15) .

وقوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ (الإسراء/ 33) .

اشتراك الراعي والرعية

الرّاعي والرّعيّة يدان تتعاونان على خير الأمّة.

ورعاية مصالحها. وكفالة الأمن على حياة النّاس وأعراضهم وأموالهم.

ولا يستقيم أمر الأمّة. ولا تتّسق شئونها إلّا إذا قام كلّ من الحاكم والمحكوم بمسئوليّاته، وأخلص المعاونة لصاحبه.

قال صلّى الله عليه وسلّم: «كلّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته: الإمام راع ومسئول عن رعيّته، والرّجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيّتها، والخادم راع في مال سيّده ومسئول عن رعيّته، والرّجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيّته. وكلّكم راع ومسئول عن رعيّته» .

ولكي تنجح الأمّة في مسيرتها. وتحقّق غايتها لا بدّ من أن ينهض كلّ بمسئوليّاته. وإليك تفصيل ذلك:

أوّلا: مسئوليّة الرّاعي

1- التّسوية بين الرّعيّة: أمر الله الحاكم بالعدالة حتّى يسوّي بين النّاس جميعا. قال تعالى:

وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (المائدة/ 8) .

وقال تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا (النساء/ 135) .

وقال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى (ص/ 20) .

وخرج صلّى الله عليه وسلّم في مرضه الأخير بين الفضل بن العبّاس وعليّ بن أبي طالب حتّى جلس على المنبر ثمّ قال: «أيّها النّاس، من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذامالي فليأخذ منه.

ولا يخش الشّحناء، فإنّها ليست من شأني. ألا وإنّ أحبّكم إليّ من أخذ منّي حقّا إن كان له، أو حلّلني فلقيت ربّي وأنا طيّب النّفس» .


وقال صلّى الله عليه وسلّم لأهل بيته: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عبّاس بن عبد المطّلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفيّة عمّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمّد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» .


هذا الينبوع الفيّاض الغزير سرت منه العدالة إلى الخلفاء والولاة.

2- رعاية مصالح النّاس: على الحاكم رعاية المصالح الدّينيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة بإقامة المساجد للعبادة. وإنشاء المدارس للتّعليم.

ونشر المستشفيات للعلاج. وشقّ التّرع لإحياء الأرض، وتكوين المجتمعات اهتماما للزّراعة والصّناعة والتّجارة. وفتحا لمجالات العمل أمامهم.

فمن عجز عن العلم قامت الدّولة برعايته،:

يحفظ التّاريخ أنّ عمر- رضي الله عنه- رأى شيخا من أهل الذّمّة يسأل، فقال له: ما الّذي يحملك على ذلك؟ قال: الحاجة. قال عمر: لقد فرضنا لك سهما في بيت مال المسلمين. ما كنّا لنأخذ منك الجزية وأنت شابّ، ونضيّعك وأنت شيخ.

قال ابن عمر: إنّ رفقة من التّجّار نزلوا المصلّى، فقال عمر لعبد الرّحمن بن عوف: هل لك أن تحرسهم اللّيلة من السّرقة؟ فباتا يحرسان ويصلّيان ما كتب الله، فسمع عمر في جوف اللّيل بكاء طفل فتوجّه نحوه وقال لأمّه: اتّقي الله، وأصغي إلى طفلك.

ثمّ عاد إلى مكانه. فسمع بكاءه، فعاد إلى أمّه وقال مقالته، وعاد إلى مكانه، فلمّا كان آخر اللّيل سمع بكاء الصّبيّ، فقال لأمّه: ويحك، مالي أرى ابنك لا يقرّ منذ اللّيلة؟ قالت:- وهي لا تعرفه- يا عبد الله، قد أبرمتني طول اللّيل، إنّي أعالجه على الفطام فيأبى إلّا رضاعا.

قال عمر: ولم؟ قالت: لأنّ عمر لا يفرض إلّا للفطيم.

قال: وكم لابنك؟ قالت: كذا وكذا شهرا. قال لها: ويحك لا تعجليه. ثمّ صلّى الفجر، وما يستبين النّاس قراءته من غلبة البكاء!! فلمّا انتهى من صلاته قال: يا بؤسا لعمر! كم قتل من أولاد المسلمين؟ ثمّ أمر مناديا ينادي: لا تعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنّا نفرض لكلّ مولود في الإسلام.

3- حسن اختيار البطانة: حسن اختيار الأعوان من الأمناء المخلصين ذوي الدّراية والكفاية ممّا يحقّق الغايات والأهداف.

ويزيل من دنيا النّاس الوساطة والمحسوبيّة والرّشوة. قال صلّى الله عليه وسلّم: «من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه» .

وقال عمر لبعض عمّاله:

إنّي لم أستعملكم على أمّة محمّد، على أعشارهم ولا على أبشارهم- جلودهم- وإنّما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصّلاة، وتقضوا بينهم بالحقّ، وتقسموا بينهم بالعدل، لا تجلدوا المسلمين فتذلّوهم، ولا تضيّعوا حقوقهم فتفتنوهم.

4- إعطاء القدوة الحسنة: الحاكم سوق ماراج عنده راج عند النّاس. حينما عهد أبو بكر لعمر بالخلافة أوصاه قائلا: اعلم أنّهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله. وقال عمر في خطبة له بعد توليته: من رأى فيّ اعوجاجا فليقوّمه، فقال أعرابيّ:

والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا. ومن شدّة حرصه على مال الدّولة وخوفه من سؤال الله عن الأموال العامّة يقول: لو ماتت شاة على شطّ الفرات ضائعة لظننت أنّ الله سائلني عنها يوم القيامة.

تكافؤ المسئولية والجزاء

حدّد القرآن الجزاء بقدر المسئوليّة مع إيثار جانب الرّحمة والعفو. ومضاعفة الحسنة. قال تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها (الأنعام/ 160) .

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (القصص/ 84) .

ويمثّل القرآن العدل الإلهي بالميزان. ذلك الميزان الّذي جعله أركان رسالة الأنبياء. قال تعالى:

لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد/ 25) .

وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (الرحمن/ 7- 9) .

هذه معالم المسئوليّة في الإسلام: فالإنسان مسئول عن كسبه من خير وشرّ ومجازى عنه. وباب التّوبة مفتوح له ما بقيت الحياة، والجزاء العادل يوم القيامة «1» .

يقول الدّكتور عليّ أبو العينين:

ومسئوليّة الفرد نحو المجتمع تتلخّص في التّالي:

1- الالتزام بقانون الجماعة، وهذا يستلزم من الأفراد الالتزام بعقيدة المجتمع الأساسيّة، الّتي تعتبر أمانة اجتماعيّة.

2- التّعاون مع الجماعة في سبيل الخير العامّ:

وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى (المائدة/ 2) . من مساهمة الاقتصاد وغير ذلك.

3- تقديم العمل الصّالح والتّنافس في هذا السّبيل: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (هود/ 7) .

حيث يجب الإنفاق في سبيل الله، واستثمار الأموال، والاعتدال في الإنفاق وغير ذلك من الجوانب الأخلاقيّة.

4- نشر العلم الّذي يسهم إسهاما إيجابيّا في بناء المجتمع وتطويره واستغلال الذّكاء في هذا السّبيل:

فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (التوبة/ 122) . ومن ذلك، الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

أمّا مسئوليّة الدّولة نحو الأفراد فتتلخّص فيما يلي:

1- توفير العلم لجميع أفراد المجتمع انطلاقا من قاعدة وجوب نشر العلم.

2- إقرار النّظام العامّ المستمدّ من شريعة الله وتوفير الأمن والطّمأنينة للفرد والمجتمع ويشمل ذلك الأقلّيّات..

3- الحفاظ على الوحدة الإسلاميّة.

4- توفير الأمن لجميع أفراد المجتمع، فالمجتمع مسئول عن رفع مستوى أفراده، وتعاونه في سبيل تقوية نفسه.

أمّا قيادة المجتمع، فمهمّتها صعبة، ونجاح القيادة نجاح للمجتمع، وفشلها يعوق المجتمع، ولهذا نجد القرآن يلزم القيادة بالعدل والرّحمة بالجميع واتّباع الحقّ، ويبعدها عن انتظار الأجر من المجتمع، ويحذّرها من الفتنة والميل، ويمنعها من الطّغيان والفرديّة، والإفساد في الأرض، ويوجب عليها استشارة الأمّة، والاستماع إلى آرائها بما فيها الآراء المعارضة «1» .

تحمل الفرد مسئولية إصلاح الجتمع:

قال الدّكتور عبد الكريم زيدان: ومن خصائص النّظام الاجتماعيّ في الإسلام تحميل الفرد مسئوليّة إصلاح المجتمع، بمعنى أنّ كلّ فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتّعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلوب. قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ (المائدة/ 2) .

تعليل مسئولية الفرد عن إصلاح المجتمع

وإذا كان الفرد مسئولا عن إصلاح المجتمع، فما تعليل ذلك؟ ولماذا يطالب الفرد بهذا الواجب مع مطالبته بإصلاح نفسه؟ الّذي نراه، أنّ تعليل هذه المسئوليّة أو هذه المطالبة، ما يأتي:

أوّلا: الفرد يتأثّر بالمجتمع: الإنسان كائن اجتماعيّ يتأثّر بالمجتمع الّذي يعيش فيه، فتمرض روحه أو تهزل، أو تصحّ وتقوى تبعا لصلاح المجتمع أو فساده.

وقد أشار النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم إلى هذه الحقيقة، فقد جاء في الحديث الشّريف «ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ... الخ» فالأبوان بالنّسبة للصّغير مجتمعه الصّغير الّذي يؤثّر فيه، فيدفعه إلى الفساد أو الصّلاح، فإذا كان الأبوان ضالّين دفعاه إلى الضّلال، وأخرجاه عن مقتضى الفطرة السّليمة الّتي خلقه الله عليها، وإذا كانا صالحين أبقياه على الفطرة الّتي خلقه الله عليها.

ونمّيا فيه جانب الخير. وهكذا شأن المجتمع الكبير في تأثيره في الفرد صلاحا وفسادا.

ثانيا: ضرورة قيام المجتمع الصّالح

وقيام المجتمع الصّالح ضروريّ للفرد، لأنّ المطلوب من المسلم تحقيق الغرض الّذي خلق من أجله وهو عبادة الله وحده، قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات/ 56) .

والعبادة اسم جامع لما يحبّه الله تعالى من الأقوال والأفعال والأحوال الظّاهرةوالباطنة وهذا المعنى الواسع للعبادة يقتضي أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرّفاته وعلاقاته مع النّاس على وفق ما جاءت به الشّريعة الإسلاميّة، والمسلم لا يستطيع أن يصوغ حياته هذه الصّياغة الإسلاميّة إلّا إذا كان المجتمع الّذي يعيش فيه منظّما على نحو يسهّل عليه هذه الصّياغة أي أن يكون مجتمعا إسلاميّا صحيحا.

فإن لم يكن كذلك بأن كان مجتمعا جاهليّا صرفا، أو مجتمعا مشوبا بمعاني الجاهليّة، فإنّ المسلم لا يستطيع فيه أن يحيا الحياة الإسلاميّة المطلوبة أو يتعذّر عليه ذلك. ولهذا يأمر الإسلام بالتّحوّل من المجتمع الجاهليّ إلى المجتمع الإسلاميّ، ما دام عاجزا عن إزالة جاهليّته، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (النساء/ 97) وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أنّها نزلت:


في كلّ من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكّنا من إقامة الدّين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع.

ولهذا يجب على كلّ مسلم تعهّد المجتمع الّذي يعيش فيه وإزالة المنكر حال ظهوره أو وقوعه وأن لا يستهين به، لأنّ المنكرات كالجراثيم الّتي تؤثّر في الجسد قطعا، وإذا لم تمرض البعض فإنّها تضعف مقاومته فيسهل عليها فيما بعد التّغلّب عليه.

ولهذا كانت أولى مهمّات الدّولة الإسلاميّة إقامة هذا المجتمع الإسلاميّ الفاضل وإزالة المنكرات منه، قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج/ 41) .

ثالثا: النّجاة من العقاب الجماعيّ

وقيام الأفراد بإصلاح المجتمع ينجّيهم وينجّي المجتمع من الهلاك الجماعيّ أو العقاب الجماعيّ أو الضّيق والضّنك والقلق والشّرّ الّذي يصيب المجتمع.

وتوضيح هذه الجملة يحتاج إلى شيء من التّفصيل لأهميّة الموضوع وخطورته، فنقول: من سنّة الله تعالى، أنّ المجتمع الّذي يشيع فيه المنكر، وتنتهك فيه حرمات الله، وينتشر فيه الفساد، ويسكت الأفراد عن الإنكار والتّغيير، فإنّ الله تعالى يعمّهم بمحن غلاظ قاسية، تعمّ الجميع، وتصيب الصّالح والطّالح، وهذه في الحقيقة سنّة مخيفة وقانون رهيب يدفع كلّ فرد لا سيّما من كان عنده علم وفقه أو سلطان إلى المسارعة والمبادرة فورا لتغيير المنكر دفعا للعذاب والعقاب عن نفسه وعن مجتمعه «1» .


[للاستزادة: انظر صفات: الإخلاص- النظام- الوفاء- الرجولة- الشهامة- القوة- قوة الإرادة- النزاهة- النبل.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإمعة- الإهمال- التخاذل- التفريط والإفراط- التهاون- الخيانة- نقض العهد- الغلول- الغدر] .

الآيات الواردة في «المسئولية»

1- فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) «1»

2- وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (57) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (59) «2»

3- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) «3»

4- وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (36) «4»

5- وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) «5»

6- لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (23) «6»

7- وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (13) «7»

8- وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (15) «8»

9-* قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) «9»

10- فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44) «10»

الآيات الواردة في «المسئولية» معنى

11- قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) «1»

12- مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) «2»

13- قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) «3»

14- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) «4»

15- وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (13) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) «5»

16- أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) «6»

17- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) «7»

18- مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84) «8»

19- إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (72) «9»

20- وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) «1»

21- مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) «2»

22- هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31) «3»

23- وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) «4»

24- أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) «5»

25- وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) «6»

26- مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) «7»

27- كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) «8»

28- إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) «9»

29- يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) «10»

الأحاديث الواردة في (المسئولية)

1-* (عن لقيط بن عامر- رضي الله عنه- أنّه خرج وافدا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه صاحب له، يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط فخرجت أنا وصاحبي حتّى قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لانسلاخ رجب فأتينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في النّاس خطيبا، فقال «أيّها النّاس، إنّي قد خبّأت لكم صوتي منذ أربعة أيّام، ألا لأسمعنّكم ألا فهل من امرئ بعثه قومه» . فقالوا:

اعلم لنا ما يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ألا ثمّ لعلّه أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضّلال ألا إنّي مسئول هل بلّغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا، قال: فجلس النّاس وقمت أنا وصاحبي حتّى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله، وهزّ رأسه، وعلم أنّي أبتغي لسقطه، فقال «ضنّ ربّك- عزّ وجلّ- بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلّا الله» ، وأشار بيده ... الحديث) * «1» .

2-* (عن محمّد بن عليّ، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله. فسأل عن القوم «2» . حتّى انتهى إليّ.

فقلت: أنا محمّد بن عليّ بن حسين. فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زرّي الأعلى «3» . ثمّ نزع زرّي الأسفل.

ثمّ وضع كفّه بين ثدييّ وأنا يومئذ غلام شابّ. فقال:

«مرحبا بك. يا ابن أخي! سل عمّا شئت» . فسألته ...

الحديث وفيه: فخطب النّاس وقال: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا «4» ، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهليّة موضوعة، وإنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهليّة موضوع، وأوّل ربا أضع ربانا، ربا عبّاس ابن عبد المطّلب، فإنّه موضوع كلّه، فاتّقوا الله في النّساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان الله، واسحللتم فروجهنّ بكلمة الله «5» ، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه «6» ، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّضربا غير مبرّح «1» ، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله «2» ، وأنتم تسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السّبّابة يرفعها إلى السّماء وينكتها إلى النّاس «3» : «اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد.

ثلاث مرّات ثمّ أذّن، ثمّ أقام فصلّى الظّهر، ثمّ أقام فصلّى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئا، ثمّ ركب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات «4» وجعل حبل المشاة بين يديه «5» واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتّى غربت الشّمس، وذهبت الصّفرة قليلا حتّى غاب القرص «6» ، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد شنق للقصواء «7» الزّمام.. الحديث) * «8» .


3-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أنّه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيّته، الإمام راع ومسئول عن رعيّته، والرّجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيّتها، والخادم راع في مال سيّده ومسئول عن رعيّته» . قال:

وحسبت أنّه قد قال: «والرّجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيّته، وكلّكم راع ومسئول عن رعيّته» ) * «9» .

الأحاديث الواردة في تحمل (المسئولية) معنى

4-* (عن أبي حميد السّاعديّ- رضي الله عنه- قال: استعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا من الأسد «10» يقال له ابن اللّتبيّة- قال عمرو وابن أبي عمر: على الصّدقة- فلمّا قدم قال: هذا لكم. وهذا لي، أهدي لي.

قال: فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المنبر. فحمد الله وأثنى عليه. وقال: «ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمّه حتّى ينظر أيهدى إليه أم لا.

والّذي نفس محمّد بيده! لا ينال أحد منكم منها شيئا إلّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء. أو بقرة لها خوار. أو شاة تيعر «1» » .

ثمّ رفع يديه حتّى رأينا عفرتي إبطيه «2» » . ثمّ قال: اللهمّ! هل بلّغت؟» . مرّتين) * «3» .

5-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن- وكلتا يديه يمين- الّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» ) * «4» .

6-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: تضمّن الله «5» لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلّا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي «6» .

فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة. أو أرجعه إلى مسكنه الّذي خرج منه.

نائلا ما نال من أجر أو غنيمة «7» . والّذي نفس محمّد بيده! ما من كلم يكلم في سبيل الله «8» ، إلّا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك.

والّذي نفس محمّد بيده! لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة «9» تغزو في سبيل الله أبدا.

ولكن لا أجد سعة فأحملهم «10» . ولا يجدون سعة «11» . ويشقّ عليهم أنيتخلّفوا عنّي «1» .

والّذي نفس محمّد بيده! لوددت أنّي أغزو في سبيل الله فأقتل. ثمّ أغزو فأقتل. ثمّ أغزو فأقتل» ) * «2» .

7-* (عن أبي مريم الأزديّ- رحمه الله- قال: دخلت على معاوية، فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان؟ - وهي كلمة تقولها العرب- فقلت: حديثا سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من ولّاه الله- عزّ وجلّ- شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلّته وفقره» ، قال: فجعل رجلا على حوائج النّاس) * «3» .

وفي رواية التّرمذيّ: عن عمرو بن مرّة الجهنيّ:

أنّه قال لمعاوية: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلّة والمسكنة، إلّا أغلق الله أبواب السّماء دون خلّته وحاجته ومسكنته» .

فجعل معاوية رجلا على حوائج النّاس) * «4» .

8-* (عن الحسن، قال: عاد عبيد الله بن زياد، معقل بن يسار المزنيّ. في مرضه الّذي مات فيه. فقال معقل: إنّي محدّثك حديثا سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. لو علمت أنّ لي حياة ما حدّثتك.

إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعيّة، يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيّته، إلّا حرّم الله عليه الجنّة» » ) * «5» .

9-* (عن عديّ بن عميرة الكنديّ- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من عبد استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا فما فوقه، كان غلولا يأتي به يوم القيامة.

قال: فقام إليه رجل أسود، من الأنصار. كأنّي أنظر إليه. فقال: يا رسول الله، اقبل عنّي عملك. قال: «ومالك؟» قال:

سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الآن. من استعملناه منكم على عمل فليجأ بقليله وكثيره. فما أوتي منه أخذ. وما نهي عنه انتهى» ) * «6» .

10-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- قال:

قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبيّ. ثمّ قال: «يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف. وإنّها أمانة «7» .

وإنّها يوم القيامة خزي وندامة. إلّا من أخذها بحقّها، وأدّى الّذي عليه فيها» ) * «8» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المسئولية)

1-* (دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك، فقال: تكلّم يا أعرابيّ. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي مكلّمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإنّ وراءه ما تحبّ إن قبلته. فقال: «يا أعرابيّ، إنّا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا نأمن غشّه فكيف بمن نأمن غشّه ونرجو نصحه؟ فقال الأعرابيّ:

يا أمير المؤمنين، إنّه قد تكنّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، ابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربّهم، خافوك في الله تعالى، ولم يخافوا الله فيك، فلا تأمنهم على من ائتمنك الله عليه، فإنّهم لم يألوا في الأمانة تضييعا، وفي الأمّة خسفا وعسفا، وأنت مسئول عمّا اجترحوا، وليسوا بمسئولين عمّا اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإنّ أعظم النّاس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره» ) * «1» .

2-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال:

«دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أنّ أباك غير مستخلف؟ قال قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنّه فاعل. قال: فحلفت أنّي أكلّمه في ذلك. فسكتّ.

حتّى غدوت. ولم أكلّمه. قال: فكنت كأنّما أحمل بيميني جبلا حتّى رجعت فدخلت عليه. فسألني عن حال النّاس. وأنا أخبره. قال: ثمّ قلت له: إنّي سمعت النّاس يقولون مقالة. فآليت أن أقولها لك.

زعموا أنّك غير مستخلف. وإنّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاءك وتركها رأيت أن قد ضيّع.

فرعاية النّاس أشدّ. قال: فوافقه قولي. فوضع رأسه ساعة ثمّ رفعه إليّ. فقال: إنّ الله- عزّ وجلّ- يحفظ دينه. وإنّي لئن لا أستخلف فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يستخلف. وإن أستخلف فإنّ أبا بكر قد استخلف.

قال: فو الله! ما هو إلّا أن ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر.

فعلمت أنّه لم يكن ليعدل برسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحدا. وأنّه غير مستخلف» ) * «2» .

3-* (قال د. حسن عليّ الحجّاجيّ: يرى ابن القيّم أنّ مسئوليّة التّربية تقع على الآباء والمربّين لا سيّما إذا كان النّاشىء في أوّل مراحل نموّه، فإنّه في أمسّ الحاجة إلى تقويم أخلاقه وتوجيه سلوكه، وهو بمفرده لا يستطيع القيام بذلك، فالمسئوليّة على وليّ أمره، يقول- رحمه الله-: ( ... وممّا يحتاج إليه الطّفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنّه ينشأ على ما عوّده المربّي في صغره من حرد وغضب، ولجاج، وعجلة، وخفّة مع هواه وطيش، وحدّة، وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك.

وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة، فلو تحرّز منها غاية التّحرّز فضحته ولا بدّ يوما ما، ولهذا تجد أكثر النّاس منحرفة أخلاقهم، وذلك من قبل التّربية الّتي نشأعليها) .

فابن القيّم يبيّن أنّ للتّربية أهمّية قصوى في تهذيب الخلق وتقويم السّلوك، كما يوضّح أنّ التّربية السّليمة هي الّتي تجعل للتّدريب والتّعويد شأنا في رسوخ الصّفات الطّيّبة.

وفي هذا القول أيضا يحمّل ابن القيّم التّربية مسئوليّة انحراف الأخلاق والسّلوك» ) * «1» .


4-* (قال د. محمّد عليّ الهاشميّ: «الفرد المسلم يشعر بمسئوليّته عن رعيّته: ذلك أنّه ما من تقصير أو تهاون أو تفريط في جنب الله ورسوله، يقع فيه أحد أفراد أسرة هذا المسلم إلّا وهو مسئول عنه:


«كلّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته ... » . وهذه المسئوليّة الّتي يحسّها المسلم الصّادق من جرّاء تفريط أحد أفراد أسرته تخزّ جنبه، فلا يطيق عليها صبرا، ويسارع في إزالة أسبابها مهما تكن النّتائج، فما يصبر على هذه المسئوليّة، وما يطيق السّكوت عليها إلّا رجل في إيمانه ضعف، وفي دينه رقّة) * «2» .

5-* (قال الدّكتور عليّ أبو العينين: «من المقوّمات الأساسيّة الّتي يقوم عليها المجتمع المسلم أنّه مجتمع مسئول، كلّ فرد فيه مطالب بالمشاركة في تسيير أمور مجتمعه، والمسلمون مسئولون عن بعضهم، ومأمورون بالدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر» ) * «3» .

من فوائد (المسئولية)

(1) تشعر بوجوب أداء الأمانة أمام الله وأمام النّاس.

(2) الإخلاص في العمل والثّبات عليه.

(3) كسب ثقة النّاس واعتزازهم به.

(4) يشعر الشّخص المسئول بالسّعادة تغمره كلّما قام بتنفيذ عمل نافع.

(5) كلّ مسئول بقدر استطاعة تحمّله ولا يخلو أحد من المسئوليّة مهما قلّت منزلته في المجتمع.

(6) تجعل بنيان الدّولة قويّا غير قابل للتّصدّع عند التّعرّض للمحن والحروب.

(7) المسئوليّة تجعل للإنسان قيمة في مجتمعه.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٩ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٥:٠٠.
  • تم عرض هذه الصفحة ٣٬٣٧٦ مرة.