أدوات شخصية
User menu

المواساة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


المواساة لغة

المواساة مصدر قولهم: واسيته وهي لغة في آسيته، يقول ابن فارس: الهمزة والسّين والواو أصل واحد يدلّ على المداواة والإصلاح.

يقال: أسوت الجرح إذا داويته، ولذلك يسمّى الطّبيب الآسي.

قال الحطيئة:

هم الآسون أمّ الرّأس لمّا ... تواكلها الأطبّة والإساء ويقال: أسوت بين القوم، إذا أصلحت بينهم، ومن هذا الباب قولهم: لي في فلان أسوة (بضمّ الهمزة وكسرها) ، أي قدوة، أي أنّي أقتدي به، وأسّيت فلانا إذا عزّيته من هذا، أي قلت له: ليكن لك بفلان أسوة فقد أصيب بمثل ما أصبت به فرضي وسلّم، ومن هذا الباب آسيته بنفسي (وواسيته) .

وقال الرّاغب: الأسو: إصلاح الجرح وأصله:

إزالة الأسى، والآسى: طبيب الجرح، جمعه: إساء وأساة، والمجروح مأسيّ وأسيّ معا، ويقال آسيته (أصلحته) ، قال الشّاعر:

آسى أخاه بنفسه.

وقال: آخر:

فآسى وآذاه فكان كمن جنى.

وقال الجوهريّ: في مادّة (وس ى) : وواساه لغة ضعيفة في آساه، تبنى على يواسي، وقد استوسيته:

أي قلت له واسني، وقال في مادّة (أسا) يقال: آسيته بمالي مواساة، أي جعلته أسوتي فيه، والإسوة والأسوة (بالكسر والضّمّ) هي ما يأتسي به الحزين ويتعزّى به، والجمع إسى وأسى، ثمّ سمّي الصّبر أسى، وتآسوا:

أي آسى بعضهم بعضا، والأسى: المداواة والعلاج، وهو الحزن أيضا والإساء: الدّواء بعينه والإساء (أيضا) الأطبّة. جمع الآسي.

وقال ابن منظور: الأسا (مفتوح مقصور) المداواة والعلاج، وهو الحزن أيضا، وأسا الجرح أسوا وأسا:

داواه، والأسوّ على فعول: دواء تأسو به الجرح، ويقال: أسا بينهم أسوا أصلح، وتآسوا أي آسى بعضهم بعضا، قال الشّاعر:

وإنّ الألى بالطّفّ من آل هاشم ... تآسوا فسنّوا للكرام التّآسيا قال ابن برّيّ: وهذا البيت تمثّل به مصعب (بن الزّبير) يوم قتل، وتآسوا فيه من المؤاساة لا من التّأسّي، والمواساة: المساواة والمشاركة في المعاش والرّزق وأصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا وفي حديث الحديبية:

إنّ المشركين واسونا للصّلح، جاء به على التّخفيف، وعلى الأصل جاء الحديث الآخر: ما أحد عنديأعظم يدا من أبي بكر آساني بنفسه وماله، ويقال: آساه بماله: أناله منه وجعله فيه أسوة، وقيل لا يكون منه ذلك إلّا من كفاف، فإن كان من فضلة فليس بمؤاساة.

قال أبو طالب: أصل الكلمة إمّا أن يكون أساه يأسوه، إذا عالجه وداواه، وإمّا أن يكون من آس يئوس: إذا عاض، فأخّر الهمزة وليّنها ولكلّ مقال.

وأمّا قولهم: واساه فلغة ضعيفة في آساه. وقال أبو بكر في قولهم: ما يواسي فلان فلانا ثلاثة أقوال:

أحدها: ما يشارك فلان فلانا فالمواساة المشاركة. وأنشد لهذا المعنى:

فإن يك عبد الله آسى ابن أمّه ... وآب بأسلاب الكميّ المغاور وثانيها: ما يصيبه بخير. من قول العرب: آس فلانا بخير أي أصبه.

ثالثها: ما يعوّضه من مودّته ولا قرابته شيئا أي ما يعوّضه وهو مأخوذ من الأوس وهو العوض. ويقال: قد استوسيته: أي قلت له: واسني «1» .

واصطلاحا

قال ابن مسكويه: المواساة: معاونة الأصدقاء والمستحقّين ومشاركتهم في الأموال والأقوات «2» .

وقال ابن حجر- رحمه الله تعالى-: المواساة: أن يجعل صاحب المال يده ويد صاحبه في ماله سواء «3» .

وقال غيرهما: المواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرّزق «4» .

أنواع المواساة

قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى: المواساة للمؤمنين أنواع:

الأوّل: مواساة بالمال.

الثّاني: مواساة بالجاه.

الثّالث: مواساة بالبدن والخدمة.

الرّابع: مواساة بالنّصيحة والإرشاد.

الخامس: مواساة بالدّعاء والاستغفار لهم.

السّادس: مواساة بالتّوجّع لهم.

قال: وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلّما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلّما قوي قويت، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعظم النّاس مواساة لأصحابه بذلك، فلا أتباعه من المواساة بحسب اتّباعهم له، ودخلوا على بشر الحافي في يوم شديد البرد، وقد تجرّد وهو ينتفض، فقالوا: ما هذا يا أبا نصر؟ فقال: ذكرت الفقراء وبردهم، وليس لي ما أواسيهم، فأحببت أن أواسيهم في بردهم» «5» .

وهذا النّوع الأخير الّذي يعني المشاركة إنّما يرمي إلى جبر خاطر المحتاجين عندما يتعذّر القيام بسدّ هذه الحاجة، وفي هذا ما يعينهم على الرّضا الصّبر وتحمّل المشاقّ.


من المواساة جبر خاطر المسلم وإدخال السّرور على قلبه

لمّا كانت المواساة لا تقتصر على مشاركة المسلم لأخيه في المال والجاه أو الخدمة والنّصيحة.. أو غير ذلك فإنّ من المواساة مشاركة المسلم في مشاعره خاصّة في أوقات حزنه، وعند تعرّضه لما يعكّر صفوه، وهنا فإنّ إدخال السّرور عليه وتطييب خاطره بالكلمة الطّيّبة، أو المساعدة الممكنة بالمال أو الجاه، أو المشاركة الوجدانيّة هو من أعظم المواساة وأجلّ أنواعها، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم يواسي بالقليل والكثير «1» ، وقد علّمنا؟ أنّ من أقال مسلما من عثرته أقال الله عثرته «2» ، وأنّ الله عزّ وجلّ لا يزال في حاجة العبد مادام العبد في حاجة أخيه «3» .

إنّ حاجة المسلم تتنوّع وتختلف من موقف إلى آخر، فهناك من تكون حاجته إلى المال، وهناك من تكون حاجته إلى عمل أو وظيفة، وهناك من تكون حاجته إلى كلمة طيّبة، وهناك من تكون حاجته إلى دفع الظّلم عنه، وهناك من تكون حاجته إلى مشاركة النّاس له في أتراحه أو أفراحه، وهناك من تكون حاجته في وضع الدّين عنه أو إرجائه، إلى غير ذلك من الحاجات وكلّ ذلك يدخل في إطار القاعدة العامّة للمواساة، وهي أن يكون المسلم في حاجة أخيه، وعلى المسلم أن يعرف أنّ فائدة هذه المواساة لا ترجع إلى صاحب الحاجة (المواسى) فقط، وإنّما تشمل أيضا المواسي لأنّ الله عزّ وجلّ يقف إلى جانبه ويكون في حاجته، هذا في الدّنيا، ويجازيه عليها أفضل جزاء يوم القيامة، وقد أخبر الصّادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم أنّ من لقي أخاه بما يحبّ ليسرّه بذلك سرّه الله عزّ وجلّ يوم القيامة «4» ، لقد حفلت سير أعلام النّبلاء بنماذج مشرّفة من المواساة، ومن تأمّل هذه الصّفحات المشرقة الّتي حفلت بها سير هؤلاء يتّضح أنّ مجالسة المساكين والتّحدّث معهم فيه جبر خاطرهم وإدخال السّرور عليهم «5» ، وإذا كان الإنسان واجدا فإنّه كان يتكفّل بنفقة هؤلاء وإعالتهم مع المحافظة على كرامتهم وتقديم المعونة لهم سرّا «6» .


[للاستزادة: انظر صفات: الإغاثة- الإنفاق- البر- بر الوالدين- تفريج الكربات- حق الجار- السخاء- صلة الرحم- عيادة المريض- كفالة اليتيم تكريم الإنسان- الكرم- الجود- الصدقة.


وفي ضد ذلك انظر صفات: الأثرة- البخل- التخاذل- الشح- الإعراض- التفريط والإفراط- التهاون- قطيعة الرحم- عقوق الوالدين- الكنز] .

الأحاديث الواردة في (المواساة)

1-* (عن أبي الدّرداء- رضي الله عنه- قال:

كنت جالسا عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتّى أبدى عن ركبته، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا صاحبكم فقد غامر» فسلّم وقال: يا رسول الله إنّي كان بيني وبين ابن الخطّاب شيء «فأسرعت إليه ثمّ ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ، فأقبلت إليك، فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر» (ثلاثا) ثمّ إنّ عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فجعل وجه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتمعّر (أي تذهب نضارته من الغضب) حتّى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال:

يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم (مرّتين) فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر:

صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» (مرّتين) فما أوذي بعدها) * «1» .

2-* (عن أنس قال: لمّا قدم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوما أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ حتّى خفنا أن يذهبوا بالأجر كلّه، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم» ) * «2» .

3-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثّناء. قالت: فغرت يوما، فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشّدق، قد أبدلك الله- عزّ وجلّ- بها خيرا منها.

قال: «ما أبدلني الله- عزّ وجلّ- خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي النّاس، وصدّقتني إذ كذّبني النّاس، وواستني بمالها إذ حرمني النّاس، ورزقني الله عزّ وجلّ- ولدها إذ حرمني أولاد النّساء» ) * «3» .

الأحاديث الواردة في (المواساة) معنى

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال:

قال أبو القاسم صلّى الله عليه وسلّم: «لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت شعب الأنصار أو وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار» فقال أبو هريرة: فما ظلم بأبي وأمّي صلّى الله عليه وسلّم، لآووه ونصروه، قال: وأحسبه قال: وواسوه) * «4» .

5-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الأشعريّين إذا أرملوا «1» في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثمّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسّويّة، فهم منّي، وأنا منهم» ) * «2» .

6-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«أربعون خصلة- أعلاهنّ منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلّا أدخله الله بها الجنّة» قال حسّان بن عطيّة- أحد الرّواة- فعددنا ما دون منيحة «3» العنز. من ردّ السّلام وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطّريق ونحوه فما استطعنا أن نبلّغ خمس عشرة خصلة) * «4» .

7-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكّوا العاني» ) * «5» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:


قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بعسّ «6» وتروح بعسّ إنّ أجرها لعظيم» ) * «7» .

9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «طعام الاثنين كافي الثّلاثة، وطعام الثّلاثة كافي الأربعة» ) * «8» .

10-* (عن إياس بن سلمة عن أبيه قال:

خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة فأصابنا جهد «9» حتّى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا «10» ، فأمر نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فجمعنا مزاودنا «11» فبسطنا له نطعا «12» فاجتمع زاد القوم على النّطع.

قال: فتطاولت لأحزره «13» كم هو؟ فحزرته كربضة العنز «14» ونحن أربع عشرة مائة. قال:

فأكلنا حتّى شبعنا جميعا ثمّ حشونا جربنا «15» فقال نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم: «فهل من وضوء» ؟ قال: فجاء رجل بإداوة «16»

له فيها نطفة «1» فأفرغها في قدح فتوضّأنا كلّنا ندغفقه دغفقة «2» أربع عشرة مائة) * «3» .

11-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبينهم النّخل، قال:

«لا» قال: «يكفوننا المئونة، ويشركوننا في الثّمر» قالوا:

سمعنا وأطعنا) * «4» .

12-* (عن زيد بن ثابت- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزال الله في حاجة العبد ما دام في حاجة أخيه» ) * «5» .

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أقال مسلما أقاله الله عثرته» ) * «6» .

14-* (عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من ضحّى منكم فلا يصبحنّ في بيته بعد ثالثة شيئا، فلمّا كان في العام المقبل، قالوا: يا رسول الله!، نفعل كما فعلنا عام أوّل؟ فقال:

«لا، إنّ ذاك عام كان النّاس فيه بجهد فأردت أن يفشو فيهم «7» » ) * «8» .

15-* (عن جابر بن عبد الله قال: كنّا فى زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نأخذ الأرض بالثّلث أو الرّبع الماذيانات «9» ، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ذلك فقال: من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها، فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها» ) * «10» .

16-* (عن عبد الرّحمن بن أبي بكر- رضي الله عنهما- أنّ أصحاب الصّفّة كانوا ناسا فقراء، وإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال مرّة: «من كان عنده طعام اثنين، فليذهب بثلاثة.

ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس» أو كما قال: وإنّ أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم بعشرة، وأبو بكر بثلاثة، قال: فهو وأنا وأبي وأمّي- ولا أدري هل قال: وامرأتي وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر- قال: وإنّ أبا بكر تعشّى عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

ثمّ لبث حتّى صلّيت العشاء، ثمّ رجع فلبث حتّى نعس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجاء بعدما مضى من اللّيل ما شاء الله، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ - أو قالت: ضيفك- قال: أو ما عشيّتهم؟ قالت: أبوا حتّى تجيء.

قد عرضوا عليهمفغلبوهم. قال: فذهبت أنا فاختبأت. وقال: يا غنثر! فجدّع وسبّ «1» ، وقال: كلوا. لا هنيئا. وقال: والله لا أطعمه أبدا.

قال: فايم الله! ما كنّا نأخذ من لقمة إلّا ربا من أسفلها أكثر منها. قال: حتّى شبعنا وصارت أكثر ممّا كانت قبل ذلك.

فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا؟ قالت: لا.

وقرّة عيني! لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار. قال: فأكل منها أبو بكر وقال: إنّما كان ذلك من الشّيطان. يعني يمينه. 

ثمّ أكل منها لقمة. ثمّ حملها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأصبحت عنده، قال: وكان بيننا وبين قوم عقد فمضى الأجل.

فعرّفنا «2» اثنا عشر رجلا، مع كلّ رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كلّ رجل، إلّا أنّه بعث معهم فأكلوا منها أجمعون، أو كما قال) * «3» .

17-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: بينما نحن في سفر مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان معه فضل ظهر «4» فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتّى رأينا أنّه لا حقّ لأحد منّا في فضل) * «5» .

18-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّي مجهود «6» .

فأرسل إلى بعض نسائه. فقالت: والّذي بعثك بالحقّ! ما عندي إلّا ماء. ثمّ أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك. حتّى قلن كلّهنّ مثل ذلك: لا.

والّذي بعثك بالحقّ! ما عندي إلّا ماء. فقال: «من يضيف هذا، اللّيلة، رحمه الله» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا. يا رسول الله!، فانطلق به إلى رحله.

فقال لامرأته: هل عندك شيء؟. قالت: لا. إلّا قوت صبياني. قال:

فعلّليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السّراج وأريه أنّا نأكل. فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السّراج حتّى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضّيف، فلمّا أصبح غدا على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما اللّيلة» ) * «7» .

19-* (عن عبد الرّحمن بن أبي بكر- رضي الله عنهما- قال: كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثلاثين ومائة، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هل مع أحد منكم طعام؟» فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن، ثمّ جاء رجل مشرك مشعانّ «8» طويل بغنم يسوقها، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أبيع أم عطيّة- أو قال: هبة-؟» قال: لا، بل بيع.

قال:فاشترى منه شاة. فصنعت، فأمر نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم بسواد البطن «1» يشوى، وايم الله ما من الثّلاثين ومائة إلّا قد حزّ له حزّة «2» من سواد بطنها، إن كان شاهدا أعطاها إيّاه، وإن كان غائبا خبّأها له، ثمّ جعل فيها قصعتين، فأكلنا أجمعون وشبعنا، وفضل في القصعتين فحملته على البعير، أو كما قال) * «3» .

20-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّه قال: قدم علينا عبد الرّحمن بن عوف وآخى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بينه وبين سعد بن الرّبيع- وكان كثير المال- فقال سعد: قد علمت الأنصار أنّي من أكثرها مالا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلّقها حتّى إذا حلّت تزوّجتها.

فقال عبد الرّحمن: بارك الله لك في أهلك، فلم يرجع يومئذ حتّى أفضل شيئا من سمن وأقط، فلم يلبث إلّا يسيرا حتّى جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليه وضر من صفرة «4» ، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مهيم؟» «5» قال: تزوّجت امرأة من الأنصار.

قال: «ما سقت فيها؟» قال: وزن نواة من ذهب- أو نواة من ذهب- فقال: «أولم ولو بشاة» ) * «6» .

21-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «كان رجل يداين النّاس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه، لعلّ الله يتجاوز عنّا، فلقي الله تعالى فتجاوز عنه» ) * «7» .


22-* (عن عبد الله بن أبي قتادة- رضي الله عنهما- أنّ أبا قتادة طلب غريما له، فتوارى عنه، ثمّ وجده، فقال: إنّي معسر، فقال: آلله؟ قال: آلله «8» ، قال:

فإنّي سمعت، رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من سرّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفّس عن معسر، أو يضع عنه» ) * «9» .

23-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من لقي أخاه المسلم بما يحبّ ليسرّه بذلك، سرّه الله عزّ وجلّ يوم القيامة» ) * «10» .

24-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أحبّ الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السّرور على المسلم» ) * «11» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (المواساة)

25-* (عن المقداد- رضي الله عنه- أنّه قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد «1» فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فليس أحد منهم يقبلنا «2» .

فأتينا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فانطلق بنا إلى أهله. فإذا ثلاثة أعنز.

فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «احتلبوا هذا اللّبن بيننا» قال: فكنّا نحتلب فيشرب كلّ إنسان منّا نصيبه.

ونرفع للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نصيبه. قال: فيجيء من اللّيل فيسلّم تسليما لا يوقظ نائما. ويسمع اليقظان. قال: ثمّ يأتي المسجد فيصلّي. ثمّ يأتي شرابه فيشرب.

فأتاني الشّيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي. فقال: محمّد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم. ما به حاجة إلى هذه الجرعة «3» . فأتيتها فشربتها. فلمّا أن وغلت في بطني «4» وعلمت أنّه ليس إليها سبيل. قال: ندّمني الشّيطان.

فقال: ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمّد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك. فتذهب دنياك وآخرتك.

وعليّ شملة إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النّوم.

وأمّا صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسلّم كما كان يسلّم.


ثمّ أتى المسجد فصلّى. ثمّ أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا. فرفع رأسه إلى السّماء فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك. فقال: «اللهمّ! أطعم من أطعمني.

واسق من أسقاني» قال: فعمدت إلى الشّملة فشددتها عليّ

. وأخذت الشّفرة فانطلقت إلى الأعنز أيّها أسمن فأذبحها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإذا هي حافلة «5» .

وإذا هنّ حفّل كلّهنّ، فعمدت إلى إناء لآل محمّد صلّى الله عليه وسلّم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتّى علته رغوة «6» . فجئت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فقال: «أشربتم شرابكم اللّيلة؟» قال: قلت: يا رسول الله! اشرب، فشرب ثمّ ناولني، فقلت: يا رسول الله اشرب. فشرب ثمّ ناولني، فلمّا عرفت أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد روي، وأصبت دعوته، ضحكت حتّى ألقيت إلى الأرض.

قال: فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إحدى سوآتك «7» يا مقداد» فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما هذه إلّا رحمة من الله أفلا كنت آذنتني،فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها» قال: فقلت: والّذي بعثك بالحقّ! ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك. من أصابها من النّاس) * «1» .

26-* (عن عثمان بن عفّان- رضي الله عنه- أنّه قال وهو يخطب: إنّا والله قد صحبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في السّفر والحضر، يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإنّ ناسا يعلموني به عسى أن لا يكون أحدهم رآه قطّ) * «2» .

27-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنّه قال: كنت جالسا في داري. فمرّ بي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فأشار إليّ. فقمت إليه. فأخذ بيدي. فانطلقنا حتّى أتى بعض حجر نسائه. فدخل.

ثمّ أذن لي. فدخلت الحجاب عليها «3» . فقال: «هل من غداء» فقالوا: نعم. فأتي بثلاثة أقرصة. فوضعن على نبيّ «4» .

فأخذ رسول الله قرصا فوضعه بين يديه. وأخذ قرصا آخر فوضعه بين يديّ. ثمّ أخذ الثّالث فكسره باثنين. فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يديّ.

ثمّ قال: «هل من أدم؟» قالوا: لا. إلّا شيء من خلّ. قال: «هاتوه. فنعم الأدم هو» ) * «5» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المواساة)

1-* (قال إبراهيم بن أدهم- رحمه الله تعالى-:

المواساة من أخلاق المؤمنين) * «6» .

2-* (قال أبو الأعرج- رضي الله عنه- لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم- رضي الله عنه- أربعين فقيها أدنى خصلة فينا التّواسي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه مماريين ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا) * «7» .

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

كنّا نسمّي جعفرا أبا المساكين، كان يذهب إلى بيته، فإذا لم يجد لنا شيئا، أخرج لنا عكّة أثرها عسل، فنشقّها ونلعقها) * «8» .

4-* (قال الذّهبيّ: قيل: كانت لأبي برزة الأسلميّ جفنة من ثريد غدوة، وجفنة عشيّة للأرامل واليتامى والمساكين) * «9» .

5-* (عن شعبة- رضي الله عنه- قال: لمّا توفّي الزّبير لقي حكيم (بن حزام) عبد الله بن الزّبير، فقال: كم ترك أخي من الدّين؟ قال: ألف ألف، قال:

عليّ خمسمائة ألف) * «1» .

6-* (قال ابن عيينة: كان سعيد بن العاص إذا قصده سائل وليس عنده شيء قال: اكتب عليّ سجلا بمسألتك إلى الميسرة) * «2» .

7-* (عن أبي حمزة الثّماليّ- رضي الله عنه- قال: إنّ عليّ بن الحسين كان يحمل الخبز باللّيل على ظهره يتّبع به المساكين في الظّلمة، ويقول: إنّ الصّدقة في سواد اللّيل تطفيء غضب الرّبّ) * «3» .

8-* (عن عمرو بن ثابت- رضي الله عنه- قال: لمّا مات عليّ بن الحسين وجدوا بظهره أثرا ممّا كان ينقل الجرب «4» باللّيل إلى منازل الأرامل) * «5» .

9-* (عن محمّد بن إسحاق- رضي الله عنه- قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون، لا يدرون من أين كان معاشهم، فلمّا مات عليّ بن الحسين، فقدوا ذلك الّذي كانوا يؤتون باللّيل) * «6» .

10-* (وقال شيبة بن نعامة: لمّا مات عليّ (بن الحسين) - رضي الله عنهما- وجدوه يعول مائة أهل بيت، قال الذّهبيّ: قلت ولهذا كان يبخّل فإنّه كان ينفق سرّا ويظنّ أهله أنّه كان يجمع الدّراهم) * «7» .

11-* (عن بكر بن عبد الله «8» - رضي الله عنه- قال: إنّي لأرجو أن أعيش عيش الأغنياء، وأموت موت الفقراء، قال الذّهبيّ: فكان رحمه الله كذلك، يلبس كسوته، ثمّ يجيء إلى المساكين، فيجلس معهم يحدّثهم ويقول: لعلّهم يفرحون بذلك) * «9» .

12-* (قال أبو حمزة- رضي الله عنه- اختلفت إلى إبراهيم الصّائغ نيّفا وعشرين سنة، ما علم أحد من أهل بيتي أين ذهبت، ولا من أين جئت، قال الذّهبيّ لأنّ إبراهيم كان في السّجن، ولا يذهب إليه أحد إلّا متخفّيا) * «10» .

13-* (عن محمّد بن عليّ بن الحسن- رضي الله عنهم- قال: أراد جار لأبي حمزة السّكّريّ أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدّار، وبألفين جوار أبي حمزة، فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجّه إليه بأربعة آلاف، وقال لا تبع دارك» ) * «11» .

14-* (قال الحاكم (النّيسابوريّ) صحبت ابن أبي ذهل حضرا وسفرا ... قيل لي: إنّ عشر غلّتهتبلغ ألف حمل، وحدّثني أبو أحمد الكاتب أنّ النّسخة بأسامي من يمونهم تزيد على خمسة آلاف بيت، وقد عرضت عليه ولايات جليلة فأبى» ) * «1» .

15-* (حكى الذّهبيّ أنّ الرّفاعيّ (أبا العبّاس أحمد بن أبي الحسن المغربيّ ثمّ البطائحيّ، كان يجمع الحطب، ويجيء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم بالجرّة» ) * «2» .


من فوائد (المواساة)

(1) تورث حبّ الله- عزّ وجلّ- ثمّ حبّ الخلق.

(2) دليل حبّ الخير للآخرين.

(3) تشيع روح الأخوّة بين المسلمين.

(4) تقوّي العلاقات بين المسلمين.

(5) تساعد على قضاء حاجات المحتاجين وسدّ عوز المعوزين.

(6) تدخل السّرور على المسلم وترفع من معنويّاته فيقبل على الحياة مسرورا.

(7) المواساة تجعل صاحبها من المسرورين يوم القيامة.

(8) المواساة من أحبّ الأعمال إلى الله- عزّ وجلّ-.

(9) المواساة تدعو إلى الألفة وتؤكّد معنى الإخاء وتنشر المحبّة.

(10) المواساة تدفع الغيظ وتذهب الغلّ وتميت الأحقاد.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٠ مارس ٢٠١٥ الساعة ٠٩:٥٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٣٬٩٥٨ مرة.