أدوات شخصية
User menu

النزاهة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


النزاهة لغة

هي الاسم من التّنزّه، وهذا الاسم مأخوذ من مادّة (ن ز هـ) الّتي تدلّ على بعد في مكان أو غيره، يقال منه: رجل نزيه أي بعيد عن المطامع الدّنيّة، ونزه النّفس، ونازه النّفس: ظلفها (أي بعيدها) عن المدانس، وقولهم:

خرجنا نتنزّه، إذا تباعدوا عن الماء والرّيف، ومكان نزيه:

خال ليس به أحد. وقال ابن الأثير: أصل النّزه: البعد، وتنزيه الله تعالى: تبعيده عمّا لا يجوز عليه من النّقائص.

قال ابن منظور: والتّنزّه: التّباعد، والاسم النّزهة.

ومكان نزه ونزيه، وقد نزه نزاهة ونزاهية. وخرجنا نتنزّه في الرّياض وأصله من البعد، وقد نزهت الأرض. وهو يتنزّه عن الشّيء إذا تباعد عنه.

وفي حديث عمر رضي الله عنه: الجابية أرض نزهة أي بعيدة عن الوباء (والجابية قرية بدمشق) قال ابن سيده: وتنزّه الإنسان خرج إلى الأرض النّزهة. قال:

والعامّة يضعون الشّيء في غير موضعه ويغلطون فيقولون خرجنا نتنزّه: إذا خرجوا إلى البساتين فيجعلون التّنزّه الخروج إلى البساتين والخضر والرّياض، وإنّما التّنزّه: التّباعد عن الأرياف والمياه حيث لا يكون ماء ولا ندى ولا جمع ناس. ومنه قيل: فلان يتنزّه عن الأقذار وينزّه نفسه عنها، أي يباعد نفسه عنها.

ورجل نزه الخلق ونزهه. ونازه النّفس: عفيف متكرّم يحلّ وحده ولا يخالط البيوت بنفسه ولا ماله.

والاسم النّزه والنّزاهة. ونزّه نفسه عن القبيح: نحّاها.

والنّزاهة: البعد عن السّوء. وإنّ فلانا لنزيه كريم إذا كان بعيدا من اللّؤم، وهو نزيه الخلق. قال الأزهريّ:

التّنزّه: رفعه نفسه عن الشّيء تكرّما ورغبة عنه.

والتّنزيه: تسبيح الله- عزّ وجلّ- وإبعاده عمّا يقول المشركون وتقديسه عن الأنداد والأشباه. وفي الحديث:

كان يصلّي من اللّيل فلا يمرّ بآية فيها تنزيه الله إلّا نزّهه. ومنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

الإيمان نزه أي بعيد عن المعاصي.

ومنه الحديث في تفسير سبحان الله: هو تنزيهه أي إبعاده عن السّوء وتقديسه.

وفي حديث المعذّب في قبره: كان لا يستنزه من البول أي لا يستبرأ ولا يتطهّر ولا يستبعد منه، وقوم أنزاه أي يتنزّهون عن الحرام، الواحد نزيه مثل مليء وأملاء، ورجل نزيه ونزه أي ورع، ويقال أيضا:

فلان نزيه أي بعيد (عن الماء) ، وتنزّهوا بحرمكم عن القوم أي تباعدوا، وهذا مكان نزيه: خلاء بعيد عن النّاس ليس فيه أحد، فأنزلوا فيه حرمكم، ونزه الفلا: ما تباعد منها عن المياه والأرياف «1» .

واصطلاحا

قال الجرجانيّ: النّزاهة: هي عبارة عن اكتساب مال من غير مهانة ولا ظلم للغير «1» وأضاف المناويّ إلى عدم المهانة والظّلم قيدا آخر في تعريف النّزاهة:

هو «الإنفاق في المصارف الحميدة، فقال: النّزاهة: هي اكتساب المال من غير مهانة ولا ظلم، وإنفاقه في المصارف الحميدة «2» .

وقال الماورديّ: النّزاهة تكون عن المطامع الدّنيّة ومواقف الرّيبة «3» .

أنواع النزاهة

قال الماورديّ: النّزاهة نوعان: أحدهما:

النّزاهة عن المطامع الدّنيّة. والثّاني: النّزاهة عن مواقف الرّيبة، فأمّا المطامع الدّنيّة، فلأنّ الطمع ذلّ، والدّناءة لؤم، وهما أدفع شيء للمروءة وقد كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول في دعائه: اللهمّ إنّي أعوذ بك من طمع يهدي إلى طبع، أي إلى شين وعيب.

وقال بعض الشّعراء:

لا تخضعنّ لمخلوق على طمع ... فإنّ ذلك نقص منك في الدّين واسترزق الله ممّا في خزائنه ... فإنّما هو بين الكاف والنّون والباعث على ذلك شيئان: الشّره، وقلّة الأنفة، فلا يقنع بما أوتي وإن كان كثيرا، لأجل شرهه، ولا يستنكف ممّا منع وإن كان حقيرا، لقلّة أنفته. وهذه حال من لا يرضى لنفسه قدرا، ويرى المال أعظم خطرا، فيرى بذل أهون الأمرين لأجلّهما مغنما، وليس لمن كان المال عنده أجلّ، ونفسه عليه أقلّ، إصغاء لتأنيب، ولا قبول لتأديب.

وحسم هذه المطامع شيئان: اليأس، والقناعة. وقد روى عبد الله بن مسعود، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إنّ روح القدس نفث في روعي «4» : أنّ نفسا لن تموت حتّى تستوفي رزقها؛ فاتّقوا الله وأجملوا في الطّلب، ولا يحملنّكم إبطاء الرّزق على أن تطلبوه بمعاصي الله تعالى، فإنّ الله- عزّ وجلّ- لا يدرك ما عنده إلّا بطاعته» فهذا شرط.

وأمّا مواقف الرّيبة فهي التّردّد بين منزلتي حمد وذمّ، والوقوف بين حالتي سلامة وسقم، فتتوجّه إليه لائمة المتوهّمين، ويناله ذلّة المريبين، وكفى بصاحبها موقفا، إن صحّ افتضح، وإن لم يصحّ امتهن.

وقد قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . والدّاعي إلى هذه الحال شيئان: الاسترسال، وحسن الظّنّ.


والمانع منهما شيئان: الحياء والحذر. وربّما انتفت الرّيبة بحسن الثّقة، وارتفعت التّهمة بطول الخبرة «5» .

[للاستزادة: انظر صفات: الشهامة- العفة- المروءة- الورع- الرجولة- الشرف- علو الهمة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاحتكار- أكل الحرام- التطفيف- الغلول- التناجش- صغر الهمة- الدياثة- الخنوثة] .

الأحاديث الواردة في (النزاهة)

1-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على قبرين. فقال: «أما إنّهما ليعذّبان، وما يعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان يمشي بالنّميمة، وأمّا الآخر فكان لا يستتر من بوله» . قال:

فدعا بعسيب «1» رطب فشقّه باثنين، ثمّ غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا، ثمّ قال: «لعلّه أن يخفّف عنهما، ما لم ييبسا» .

وعن سليمان الأعمش، بهذا الإسناد. غير أنّه قال: «وكان الآخر لا يستنزه عن البول (أو من البول) » ) * «2» .

الأحاديث الواردة في (النزاهة) معنى

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اشترى رجل من رجل عقارا «3» له.

فوجد الرّجل الّذي اشترى العقار في عقاره جرّة «4» فيها ذهب. فقال له الّذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي.

إنّما اشتريت منك الأرض. ولم أبتع منك الذّهب.

فقال الّذي شرى الأرض «5» : إنّما بعتك الأرض وما فيها.

قال: فتحاكما إلى رجل. فقال الّذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية.

قال: أنكحوا الغلام الجارية. وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدّقا» ) * «6» .

3-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سئل: أيّ الكلام أفضل؟. قال: «ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده» ) * «7» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ لله- تبارك وتعالى- ملائكة سيّارة «8» فضلا «9» يتّبّعون «10» مجالس الذّكر.

فإذاوجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم. وحفّ «1» بعضهم بعضا بأجنحتهم. حتّى يملأوا ما بينهم وبين السّماء الدّنيا. فإذا تفرّقوا عرجوا وصعدوا إلى السّماء. قال: فيسألهم الله- عزّ وجلّ- وهو أعلم بهم:


من أين جئتم؟. فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبّحونك ويكبّرونك ويهلّلونك ويحمدونك ويسألونك. قال: وما يسألوني؟.

قالوا: يسألونك جنّتك. قال: وهل رأوا جنّتي؟. قالوا: لا. أي ربّ، قال: فكيف لو رأوا جنّتي؟. قالوا: ويستجيرونك «2» . قال: وممّ يستجيرونني؟.

قالوا: من نارك. يا ربّ، قال: وهل رأوا ناري؟. قالوا: لا. قال:

فكيف لو رأوا ناري؟. قالوا: ويستغفرونك. قال:

فيقول: قد غفرت لهم. فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم ممّا استجاروا. قال: فيقولون: ربّ، فيهم فلان. عبد خطّاء «3» .

إنّما مرّ فجلس معهم. قال: فيقول: وله غفرت. هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» ) * «4» .

5-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- عن جويرية- رضي الله عنها- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج من عندها بكرة حين صلّى الصّبح، وهي في مسجدها «5» ، ثمّ رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة. فقال: «ما زلت على الحال الّتي فارقتك عليها؟» . قالت: نعم.

قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرّات. لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد «6» كلماته» ) * «7» .

6-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «أنّه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشّهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا.

قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمّى. فخرج في البحر فقضى حاجته، ثمّ التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الّذي أجّله فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثمّ زجّج موضعها «8» ، ثمّ أتى بها إلى البحر فقال: اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت تسلّفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك.

وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بذلك. وإنّي جهدتأن أجد مركبا أبعث إليه الّذي له فلم أقدر، وإنّي أستودعكها.

فرمى بها في البحر حتّى ولجت فيه، ثمّ انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرّجل الّذي كان أسلفه ينظر لعلّ مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة الّتي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلمّا نشرها وجد المال والصّحيفة، ثمّ قدم الّذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركبة لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الّذي أتيت فيه.

قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟. قال: أخبرك أنّي لم أجد مركبا قبل الّذي جئت فيه. قال: فإنّ الله قد أدّى عنك الّذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدّينار راشدا» ) * «1» .


7-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلّا الصّدق، فليدع كلّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه.

فقال واحد منهم: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرزّ، فذهب وتركه، وأنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقرا، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت له:

إعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرزّ. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنّها من ذلك الفرق، فساقها، دفإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة.

فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، وكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتّى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا.

فانساخت عنهم الصّخرة حتّى نظروا إلى السّماء. فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عمّ من أحبّ النّاس إليّ، وأنّي راودتها عن نفسها فأبت إلّا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتّى قدرت، فأتيتها بها فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعدت بين رجليها فقالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلّا بحقّه، فقمت وتركت المائة الدّينار.

فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، ففرّج الله عنهم فخرجوا» ) * «2» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

جاء الفقراء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: ذهب أهل الدّثور من الأموال بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم: يصلّون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدّقون. قال:

«ألا أحدّثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم،ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه، إلّا من عمل مثله: تسبّحون وتحمّدون وتكبّرون خلف كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين» ، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبّح ثلاثا وثلاثين، ونحمّد ثلاثا وثلاثين، ونكبّر أربعا وثلاثين. فرجعت إليه، فقال:

«تقول سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتّى يكون منهنّ كلّهنّ ثلاث وثلاثون» ) * «1» .

9-* (عن النّعمان بن بشير- رضي الله عنهما- يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من النّاس.

فمن اتّقى المشبّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه.

ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا إنّ حمى الله في أرضه محارمه.

ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» ) * «2» .

10-* (عن حكيم بن حزام- رضي الله عنه- قال: سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني.

ثمّ قال: «إنّ هذا المال خضرة حلوة «3» ، فمن أخذه بطيب نفس «4» بورك له فيه. ومن أخذه بإشراف نفس «5» لم يبارك له فيه.

وكان كالّذي يأكل ولا يشبع «6» . واليد العليا خير من اليد السّفلى» ) * «7» .

11-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن معه بالمدينة الظّهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثمّ بات بها حتّى أصبح، ثمّ ركب حتّى استوت به على البيداء، حمد «8» الله وسبّح وكبّر، ثمّ أهلّ بحجّ وعمرة، وأهلّ النّاس بهما، فلمّا قدمنا أمر النّاس فحلّوا، حتّى كان يوم التّروية أهلّوا بالحجّ.

قال: ونحر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بدنات بيده قياما، وذبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة كبشين أملحين) * «9» . 12-* (عن أبي الحوراء السّعديّ؛ قال:

قلت للحسن بن عليّ: ما حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فإنّ الصّدق طمأنينة، وإنّ الكذب ريبة» ) * «1» .

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده» ) * «2» .

14-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كيف أنت إذا بقيت في حثالة من النّاس؟» .

قال: قلت: يا رسول الله، كيف ذلك؟. قال: «إذا مرجت عهودهم وأماناتهم وكانوا هكذا» ، وشبّك يونس بين أصابعه، يصف ذاك، قال: قلت: ما أصنع عند ذاك يا رسول الله؟. قال:

«اتّق الله- عزّ وجلّ- وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصّتك، وإيّاك وعوامّهم» ) * «3» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (النزاهة)

15-* (عن حذيفة- رضي الله عنه- قال:

صلّيت مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة قال فافتتح (البقرة) فقرأ حتّى بلغ رأس المائة. فقلت: يركع ثمّ مضى حتّى بلغ المائتين.

فقلت: يركع ثمّ مضى حتّى ختمها قال: فقلت: يركع. ثمّ افتتح سورة آل عمران حتّى ختمها، قال: فقلت: يركع.

ثمّ افتتح سورة النّساء فقرأها، قال: ثمّ ركع، قال: فقال في ركوعه: «سبحان ربّي العظيم» . قال:

وكان ركوعه بمنزلة قيامه، ثمّ سجد فكان سجوده مثل ركوعه، وقال في سجوده: «سبحان ربّي الأعلى» .

قال: وكان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله عزّ وجلّ- سبّح) * «4» .

16-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:» «إنّي لأنقلب إلى أهلي، فأجد التّمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثمّ أخشى أن تكون صدقة فألقيها» ) «5» .

17-* (عن عبد الرّحمن بن سمرة- رضي الله عنهما- وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

إذ كسفت الشّمس. فنبذتها، فقلت: والله! لأنظرنّ إلى ما حدث لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كسوف الشّمس، قال: فأتيته وهو قائم في الصّلاة.

رافع يديه، فجعل يسبّح ويحمّد ويهلّل ويكبّر ويدعو، حتّى حسر عنها. قال: فلمّا حسر عنها، قرأ سورتين وصلّى ركعتين) * «6» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (النزاهة)

1-* (عن عائشة- رضي الله عنها- «قالت: «كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر- رضي الله عنه-: وما هو؟ قال: (كنت) تكهّنت لإنسان في الجاهليّة، وما أحسن الكهانة، إلّا أنّي خدعته فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الّذي أكلت منه، قالت: فأدخل أبو بكر يده فقاء كلّ شيء في بطنه» ) * «1» .

2-* (عن عاصم بن عمر بن الخطّاب قال:

بعث إليّ عمر عند الفجر أو عند صلاة الصّبح، فأتيته فوجدته جالسا في المسجد، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد، فإنّي لم أكن أرى شيئا من هذا المال يحلّ لي قبل أن أليه إلّا بحقّه، ثمّ ما كان أحرم عليّ منه يوم وليته، فعاد بأمانتي، وإنّي كنت أنفقت عليك من مال الله شهرا، فلست بزايدك عليه وإنّي كنت أعطيتك ثمرتي بالعالية العام، فبعه فخذ ثمنه، ثمّ ائت رجالا من تجّار قومك فكن إلى جنبه، فإذا ابتاع شيئا فاستشركه، وأنفقه عليك وعلى أهلك» ، قال: «فذهبت ففعلت» ) * «2» .


3-* (عن الحسن قال: «بينما عمر بن الخطّاب يمشي ذات يوم في نفر من أصحابه، إذا صبيّة في السّوق يطرحها الرّيح لوجهها من ضعفها، فقال عمر: يا بؤس هذا، من يعرف هذه؟ قال له عبد الله:

أو ما تعرفها؟ هذه إحدى بناتك، قال: وأيّ بناتي؟ قال: بنت عبد الله بن عمر، قال: فما بلغ بها ما أرى من الضّيعة؟ قال: إمساكك ما عندك، قال: إمساكي ما عندي عنها يمنعك أن تطلب لبناتك ما تطلب الأقوام، أما والله ما لك عندي إلّا سهمك مع المسلمين، وسعك أو عجز عنك، بيني وبينكم كتاب الله» ) * «3» .

4-* (عن عمر- رضي الله عنه- قال: «إنّه لا أجده يحلّ لي، أن آكل من مالكم هذا، إلّا كما كنت آكل من صلب مالي: الخبز والزّيت، والخبز والسّمن، قال: فكان ربّما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزّيت، وممّا يليه منها سمن، فيعتذر إلى القوم ويقول: إنّي رجل عربيّ، ولست أستمري الزّيت» ) * «4» .

5-* (وعن زيد بن أسلم أنّ عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- شرب لبنا فأعجبه، فقال للّذي سقاه: من أين لك هذا اللّبن؟ فأخبره أنّه ورد على ماء قد سمّاه، فإذا نعم من نعم الصّدقة وهم يسقون فحلبوه لي من ألبانها، فجعلته في سقائي وهو هذا، فأدخل عمر يده فاستقاءه» ) * «5» .

6-* (وعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- «سبحان الله» . قال: «تنزيه الله نفسه عن السّوء» ) * «1» .

7-* (عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: أكثروا على عبد الله (ابن مسعود) ذات يوم، فقال عبد الله:

«إنّه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثمّ إنّ الله- عزّ وجلّ- قدّر علينا: أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيّه، فليقض بما قضى به الصّالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، ولا قضى به الصّالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقل: إنّي أخاف، فإنّ الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبين ذلك أمور متشابهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ) * «2» .

8-* (قال محمّد بن المنكدر- رحمه الله تعالى:- «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الّذين كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن مجالس اللهو ومزامير الشّيطان، أسكنوهم بياض المسك، ثمّ يقول للملائكة:

أسمعوهم تمجيدي وتحميدي» ) * «3» .

9-* (قال ابن الجوزيّ- رحمه الله-:

«الكمال عزيز، والكامل قليل الوجود، وأوّل أسباب الكمال تناسب أعضاء البدن وحسن صورة الباطن، فصورة البدن تسمّى خلقا، وصورة الباطن تسمّى خلقا، ودليل كمال صورة البدن حسن السّمت واستعمال الأدب، ودليل كمال صورة الباطن حسن الطّبائع والأخلاق، فالطّبائع العفّة والنّزاهة والأنفة من الجهل، ومباعدة الشّره، والأخلاق: الكرم والإيثار وستر العيوب وابتداء المعروف والحلم عن الجاهل. فمن رزق هذه الأشياء رقّته إلى الكمال، وظهر عنه أشرف الخلال، وإن نقصت خلّة أوجبت النّقص» ) * «4» .

10-* (قال أبو يزيد الفيض: «سألت موسى ابن أعين عن قول الله- عزّ وجلّ- إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (المائدة/ 27)، قال: «تنزّهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسمّاهم متّقين» ) * «5» .

11-* (قال ابن أبي الدّنيا: أنشدني الحسين ابن عبد الرّحمن:

نزهة المؤمن الفكر ... لذّة المؤمن العبر نحمد الله وحده ... نحن كلّ على خطر ربّ لاه وعمره ... قد تقضّى وما شعر ربّ عيش قد كان فو ... ق المنى مونق الزّهرفي خرير من العيو ... ن وظلّ من الشّجر وسرور من النّبا ... ت وطيب من الثّمر غيّرته وأهله ... سرعة الدّهر بالغير نحمد الله وحده ... إنّ في ذا لمعتبر إنّ في ذا لعبرة ... للبيب إن اعتبر ) * «1»

من فوائد (النزاهة)

(1) تنزيه الله- عزّ وجلّ- عمّا لا يليق به من الأسماء والصّفات والأفعال وهو التّسبيح.

(2) المؤمن التّقيّ يتنزّه عن أشياء من الحلال مخافة أن يقع في الحرام، لتبقى العلاقة بينه وبين الله- عزّ وجلّ- ناصعة لا تشوبها شائبة.

(3) من نزّه نفسه عمّا في أيدي النّاس وصانها عن مواقف الرّيبة والتّهم أحبّه النّاس وكان موضع ثقتهم.

(4) إنّ الّذين ينزّهون أنفسهم وأسماعهم في الحياة الدّنيا عن مجالس اللهو ومزامير الشّيطان يسكنهم الله في الآخرة بياض المسك، ثمّ يقول للملائكة: أسمعوهم تمجيدي وتحميدي.


(5) النّزيه يحبّه الله ويحبّه النّاس.

(6) النّزاهة تثمر الورع وتنمّي التّقوى.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٠ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٠:٠٤.
  • تم عرض هذه الصفحة ٨٬٧١٨ مرة.