أدوات شخصية
User menu

النصيحة والتواصي

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


النصيحة لغة

هي الاسم من النّصح، وكلاهما مأخوذ من مادّة (ن ص ح) الّتي تدلّ على ملاءمة بين شيئين وإصلاح لهما، وأصل ذلك النّاصح وهو الخيّاط، والنّصاح: هو الخيط يخاط به، ومن المادّة النّصح، والنّصيحة: خلاف الغشّ، يقال:

نصحته أنصحه، وهو ناصح الجيب مثل يضرب لمن وصف بخلوص العمل، والتّوبة النّصوح منه «1» ، كأنّها صحيحة ليس فيها خرق ولا ثلمة.

وناصح العسل خالصه، كأنّه الخالص الّذي لا يتخلّله ما يشوبه، وقال الرّاغب: النّصح مأخوذ من قولهم: نصحت له الودّ، أي أخلصته أو من قولهم: نصحت الجلد: خطته. واستخدام الفعل باللّام أفصح، قال تعالى:

وَأَنْصَحُ لَكُمْ (الأعراف/ 62) ، والنّصيح:

النّاصح، وجمعه نصحاء، ورجل ناصح الجيب أي:

نقيّ القلب، قال الأصمعيّ: النّاصح: الخالص من العسل وغيره، وكلّ شيء خلص فقد نصح، وانتصح فلان أي قبل النّصيحة، يقال: انتصحني إنّني لك ناصح، وتنصّح أي تشبّه بالنّصحاء، واستنصحه: عدّه نصيحا، والتّوبة النّصوح هي الصّادقة، والنّصح بالفتح مصدر قولهم نصحت الثّوب: خطته.

وقال ابن منظور: نصح الشّيء: خلص والنّاصح الخالص من العمل وغيره.

والنّصح: الإخلاص والصّدق في المشورة والعمل.

وقال ابن الأثير: النّصيحة كلمة يعبّر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له «2» .

واصطلاحا

كلمة جامعة تتضمّن قيام النّاصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا، وتشمل النّصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمّة المسلمين وعامّتهم «3» .

وقال الجرجانيّ: هي الدّعاء إلى ما فيه الصّلاح والنّهي عمّا فيه الفساد «4» .

وقال في الذّريعة: النّصح إخلاص المحبّة للغير بإظهار ما فيه صلاحه «1» .

أول النصح

أوّل النّصح أن ينصح الإنسان نفسه، فمن غشّها فقلّما ينصح غيره، وحقّ من استنصح أن يبذل غاية النّصح وإن كان ذلك في شيء يضرّه، ويتحرّى فيه قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (النساء/ 135) ، وقال تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى (الأنعام/ 152) ، وقال ابن عبّاس- رضي الله عنهما-: لا يزال الرّجل يزداد فى صحّة رأيه ما نصح لمستشيره، فإذا غشّه سلبه الله نصحه ورأيه، ولا يلتفتنّ إلى من قال: إذا نصحت الرّجل فلم يقبل منك فتقرّب إلى الله بغشّه، فذلك قول ألقاه الشّيطان على لسانه، اللهمّ إلّا أن يريد بغشّه السّكوت عنه، فقد قيل: كثرة النّصيحة تورث الظّنّة، ومعرفة النّاصح من الغاشّ صعبة جدّا، فالإنسان- لمكره- يصعب الاطّلاع على سرّه، إذ هو قد يبدي خلاف ما يخفي، وليس كالحيوانات الّتي يمكن الاطّلاع على طبائعها «2» .

لمن تكون النصيحة؟ وكيف؟

النّصيحة- كما جاء في الحديث- تكون لله ولرسوله ولكتابه ولأئمّة المسلمين وعامّتهم «3» .

وقد أوضح العلماء معنى هذه النّصيحة فيما يحكيه ابن حجر قال: النّصيحة لله وصفه بما هو له أهل، والخضوع له ظاهرا وباطنا، والرّغبة في محابّه بفعل طاعته، والرّهبة من مساخطه بترك معصيته، والجهاد في ردّ العاصين إليه.

والنّصيحة لكتاب الله تعلّمه، وتعليمه، وإقامة حروفه في التّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهّم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذبّ تحريف المبطلين عنه، والنّصيحة لرسوله تعظيمه، ونصره حيّا وميّتا، وإحياء سنّته بتعلّمها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله، ومحبّته ومحبّة أتباعه، والنّصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على ما حمّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسدّ خلّتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، وردّ القلوب النّافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظّلم بالّتي هي أحسن.

ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النّصيحة لهم ببثّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظّنّ بهم، والنّصيحة لعامّة المسلمين الشّفقة عليهم، والسّعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكفّ وجوه الأذى عنهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه «4» .

وقال عبد الرّحمن بن ناصر السّعديّ: النّصيحة لله ورسوله تكون بصدق الإيمان، وإخلاص النّيّة في الجهاد والعزم عليه عند القدرة، وفعل المستطاع من الحثّ والتّرغيب والتّشجيع للمسلمين عليه «5» .

التواصي لغة

التّواصي مصدر قولهم: تواصى فلان وفلان وقال الكفويّ: النّصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظّ للمنصوح له «5» .

وقال الرّاغب: النّصح: تحرّي فعل أو قول فيه صلاح صاحبه «6» .

أي أوصى كلّ منهما صاحبه بمعنى عهد إليه، وأوصى الرّجل ووصّاه بمعنى، والاسم من ذلك: الوصيّة والوصاة، قال الشّاعر:

ألا من مبلغ عنّي يزيدا ... وصاة من أخي ثقة ودود «1» .

وقول الله تعالى: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الأنعام/ 151) إشارة إلى ما تقدّم من قوله سبحانه قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ... قال القرطبيّ:

هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيّه بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرّم الله، وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلّغوا النّاس ويبيّنوا لهم ما حرّم عليهم ممّا أحلّ. وقوله ذلِكُمْ إشارة إلى هذه المحرّمات (والمأمورات) ، والوصيّة هي الأمر المؤكّد المقدور «2» ، وقال أبو حيّان: في لفظ وصّاكم من اللّطف والرّأفة ما لا يخفى من الإحسان، قال الأعشى:

أجدّك لم تسمع وصاة محمّد ... نبيّ الإله حين أوصى وأشهدا وقد وصف بها (أي الوصيّة) ما فرضه الله عزّ وجلّ على عباده في كلّ الشّرائع كما يقول ابن عبّاس رضي الله عنهما- في هذه الآية الكريمة والآيتين بعدها (الآيات 151- 153 من سورة الأنعام) «3» .

فهذه هي الآيات المحكمات الّتي أجمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قطّ في ملّة «4» ، وقال الطّبريّ في معنى قوله تعالى: وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (العصر/ 3) أي أوصى بعضهم بعضا بلزوم العمل بما أنزل في كتابه من أمره واجتناب ما نهى عنه فيه، والحقّ كتاب الله تعالى، أمّا التّواصي بالصّبر فمعناه: أوصى بعضهم بعضا بالصّبر على العمل بطاعة الله «5» .

وقال النّيسابوريّ وفي لفظ التّواصي دون الدّعاء أو النّصيحة تأكيد بليغ كأنّه أمر مهتمّ به كالوصيّة «6» .

التواصي اصطلاحا

لم تذكر كتب المصطلحات- الّتي وقفنا عليها- التّواصي مصطلحا، ويمكن تعريفه في ضوء ما ذكره اللّغويّون والمفسّرون: أن يوصي بعض النّاس بعضا بالعمل بكتاب الله وبطاعته وبالانتهاء عمّا نهى الله عنه.


أمّا الوصيّة (يرادفها الوصاة) فإنّ لها في الشّرع معنيان:

الأوّلّ: عهد خاصّ مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التّبرّع «7» ، وعرّف صاحب المغني هذا النّوع فقال: هي التّبرّع بالمال بعد الموت «8» ، وقد عقد الفقهاء لذلك باب الوصايا.

الآخر: وهو المراد هنا، ما يقع به الزّجر عن المنهيّات والحثّ على المأمورات «9» ويكون ذلك منالمولى عزّ وجلّ ومن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ومن صالح المسلمين، والموصى به في هذا النّوع يشمل أمورا كثيرة منها: الوصيّة بكتاب الله تعالى، وبتقواه والصّبر على الطّاعة وبرّ الوالدين وإكرام الجار، ونحو ذلك.

الوصية بكتاب الله عزّ وجلّ

قال ابن حجر: المراد بالوصيّة بكتاب الله تعالى حفظه حسّا ومعنى، فيكرّم ويصان، ولا يسافر به إلى أرض العدوّ، ويتّبع ما فيه فيعمل بأوامره وتجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته وتعلّمه وتعليمه «1» .

النّصيحة والوصيّة (الوصاة) والتّواصي

بين هذه الأمور الثّلاثة تقارب في المعنى، فجميعها يراعى فيه إرادة الخير للمنصوح أو الموصى ودعاؤه إلى ما فيه صلاحه، بيد أنّ النّصيحة يراعى فيها قيد الإخلاص وضدّها الغشّ، أمّا الوصيّة فيراعى فيها المحبّة والتّأكيد ومزيد الاهتمام، وكلاهما يقتضي طرفين أحدهما معط والآخر متلقّ فالمعطي هو النّاصح أو الموصي، أمّا المتلقّي فهو المنصوح أو الموصى، أمّا في التّواصي فإنّ كلا الطرفين معط ومتلقّ في آن واحد، لأنّه يوصي غيره ويوصيه غيره في حال حياتهما.

التواصي والشورى

لقد أقسم المولى- عزّ وجلّ- أنّ الإنسان لفي خسر واستثنى من ذلك من توفّرت فيه أربع خصال هي:

الإيمان، والعمل الصّالح، والتّواصي بالحقّ، والتّواصي بالصّبر، وذلك قوله سبحانه: وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وقد قال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-: «لو تدبّر النّاس هذه السّورة لوسعتهم» «2» ، وقد صدق أبو عبد الله (الشّافعيّ) ، لأنّها تنظّم حياة الفرد والمجتمع، ونصيب الفرد فيها الإيمان والعمل الصّالح، أمّا نصيب المجتمع فهو أن يوصى بعض النّاس بعضا بالحقّ وبالصّبر أي بأداء الطّاعات وترك المحرّمات من ناحية، وعلى تحمّل البلايا والأذى من ناحية أخرى، ولا يتحقّق هذا التّواصي إلّا عند الاجتماع والتّشاور في أمور الدّين والدّنيا، وأمر المؤمنين- كما أخبر المولى عزّ وجلّ- إنّما هو- شورى بينهم «3» ، ولا تكون هذه الشّورى ذات جدوى إلّا إذا تضمّنت التّواصي بالحقّ وبالصّبر وبالمرحمة ونحو ذلك ممّا أمرنا الله به ورسوله، وهكذا فإنّه إذا صلح أمر المسلم بالإيمان والعمل الصّالح، صلح أمر الأمّة كلّها بالشّورى القائمة على التّواصي بالحقّ ونحوه.

[للاستزادة: انظر صفات: الإصلاح- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- التذكير- الشورى- الكلم الطيب- الإرشاد- الإيمان- التبليغ- الهدى.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف- الضلال- الغي والإغواء- الإعراض- التفريط والإفراط- التهاون] .

الآيات الواردة في «النصيحة»

آيات فيها نصح من الرسل

1- لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62) «1»


2-* وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) «2»


3- فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) «3»


4- وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93) «4»


آيات فيها نفع النصح مرهون بإرادة الله

5- قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33)وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) «1»

آيات النصح فيها علامة إخلاص

6- لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) «2»

7- وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) * وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) «3»

8- وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) «4»

9- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) «5»

آيات النصح فيها مدّعى

10- لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (9) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) «6»


11- وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) «7»

الآيات الواردة في «الوصية والتواصي»

12- وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) «1»

13- وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) «2»

14-* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) «3»


15- قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31) «4»

16- وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) «5»

17- وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) «6»

18-* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) «1»

19- وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16) «2»

20- وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (18) «3»

21- وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3) «4»

الأحاديث الواردة في (النصيحة)

1-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا نصح العبد لسيّده وأحسن عبادة الله فله أجره مرّتين» ) * «1» .

2-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكث تسع سنين لم يحجّ ... » - حديث صفة حجّته صلّى الله عليه وسلّم وفيه: «وأنتم مسئولون عنّي، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت) * «2» .

3-* (عن جرير بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: «بايعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على إقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والنّصح لكلّ مسلم» ) * «3» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «حقّ المسلم على المسلم ستّ» . قيل: ما هنّ يا رسول الله؟.

قال: «إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فسمّته «4» . وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتّبعه» ) * «5» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح» ) * «6» .

6-* (عن يزيد بن حكيم- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دعوا النّاس يرزق الله بعضهم من بعض، وإذا استشار أحدكم أخاه فلينصحه» ) * «7» .

7-* (عن تميم الدّاريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الدّين النّصيحة» . قلنا: لمن؟. قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم» ) * «8» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الرّؤيا ثلاث: فرؤيا حقّ، ورؤيا يحدّث بها الرّجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشّيطان.

فمن رأى ما يكره فليقم فليصلّ» . وكان يقول: «يعجبني القيد وأكره الغلّ. القيد ثبات في الدّين» .

وكان يقول: «من رآني فإنّي أنا هو، فإنّه ليسللشّيطان أن يتمثّل بي» ، وكان يقول: «لا تقصّ الرّؤيا إلّا على عالم أو ناصح» ) * «1» .

9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عرض عليّ أوّل ثلاثة يدخلون الجنّة: شهيد، وعفيف متعفّف، وعبد أحسن عبادة الله، ونصح لمواليه» ) * «2» .

10-* (عن جرير بن عبد الله- رضي الله عنه- أنّه يوم مات المغيرة بن شعبة- رضي الله عنهما-:

«قام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: عليكم باتّقاء الله وحده لا شريك له والوقار والسّكينة، حتّي يأتيكم أمير (وكان المغيرة أميرا عليهم) فإنّما يأتيكم الآن. ثمّ قال: استغفروا لأميركم، فإنّه كان يحبّ العفو. ثمّ قال:

أمّا بعد، فإنّي أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قلت: أبايعك على الإسلام، فشرط عليّ «والنّصح «3» لكلّ مسلم» فبايعته على ذلك، وربّ هذا المسجد إنّي لناصح لكم، ثمّ استغفر ونزل) * «4» .

11-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «للمؤمن على المؤمن ستّ خصال: يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويسلّم عليه إذا لقيه، ويشمّته إذا عطس، وينصح له إذا غاب أو شهد» ) * «5» .

12-* (عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «للمملوك الّذي يحسن عبادة ربّه، ويؤدّي إلى سيّده الّذي له عليه من الحقّ والنّصيحة والطّاعة، أجران» ) * «6» .

13-* (عن معقل بن يسار- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من عبد يسترعيه الله رعيّة فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنّة» ) * «7» .

14-* (عن جبير بن مطعم- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فبلّغها، فربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب مؤمن:

إخلاص العمل لله، والنّصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم» ) «8» .

الأحاديث الواردة في (النصيحة) معنى

15-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرّجل الّذي اشترى العقار «1» في عقاره جرّة «2» فيها ذهب.

فقال له الّذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي، إنّما اشتريت منك الأرض، ولم أبتع منك الذّهب.

فقال الّذي شرى الأرض «3» : إنّما بعتك الأرض وما فيها. قال: فتحاكما إلى رجل. فقال الّذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟.

فقال أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية.

قال: أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدّقا» ) * «4» .

16-* (عن حكيم بن حزام- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا- أو قال حتّى يتفرّقا- فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» ) * «5» .

17-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة، إلّا كانت له بطانتان. بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى» ) * «6» .

18-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المستشار مؤتمن» ) * «7» . 19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه» ) * «8» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (النصيحة)

20-* (عن جابر- رضي الله عنه- قال:

أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر «9» فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقال: «ألك مال غيره؟» فقال: لا.

فقال: «من يشتريه منّي؟» فاشتراه نعيم بن عبد الله العدويّ بثمانمائة درهم. فجاء بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدفعها إليه. ثمّ قال: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها.

فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك) * «1» .

21-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: إنّ عبد الله هلك وترك تسع بنات (أو قال: سبع) فتزوّجت امرأة ثيّبا. فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا جابر، تزوّجت؟» قال: قلت: نعم. قال:

فبكر أم ثيّب؟» قال: قلت: بل ثيّب يا رسول الله! قال: «فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك (أو قال تضاحكها وتضاحكك) » قال: قلت له: إنّ عبد الله هلك وترك تسع بنات (أو سبع) وإنّي كرهت أن آتيهنّ أو أجيئهنّ بمثلهنّ. فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهنّ وتصلحهنّ.

قال: «فبارك الله لك» أو قال لي خيرا) * «2» .


22-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنّي رأيت الجيش بعينيّ، وإنّي أنا النّذير العريان «3» ، فالنّجاء «4» ، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا «5» فانطلقوا على مهلتهم. وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم.

فصبّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم «6» . فذلك مثل من أطاعني واتّبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب ما جئت به من الحقّ» ) * «7» .

23-* (عن فاطمة بنت قيس- رضي الله عنها- أنّ أبا عمرو بن حفص طلّقها البتّة، وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال:

والله! ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكرت ذلك له، فقال لها: ليس لك عليه نفقة، فأمرها أن تعتدّ في بيت أمّ شريك، ثمّ قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي.

اعتدّي عند ابن أمّ مكتوم، فإنّه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني «8» ، قالت: فلمّا حللت ذكرت له أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه «9» ، وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد» فكرهته، ثمّ قال:

«انكحي أسامة» ، فنكحته، فجعل الله فيه خيرا كثيرا واغتبطت) * «10» .

24-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تنكح المرأة لأربع.

لمالها،ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدّين تربت يداك «1» » ) * «2» .

25-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: كنت عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأتاه رجل فأخبره أنّه تزوّج امرأة من الأنصار. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أنظرت إليها؟» قال: لا. قال: فاذهب فانظر إليها، فإنّ في أعين الأنصار شيئا «3» » ) * «4» .

26-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلمّا أضاءت ما حولها جعل الفراش «5» وهذه الدّوابّ الّتي في النّار يقعن فيها.

وجعل يحجزهنّ ويغلبنه فيتقحّمن فيها. قال فذلكم مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم «6» عن النّار. هلمّ عن النّار، هلمّ عن النّار، فتغلبوني تقحّمون «7» فيها» ) * «8» .

الأحاديث الواردة في (الوصية والتواصي)

27-* (عن مصعب بن سعد عن أبيه- رضي الله عنهما-، أنّه نزلت فيه آيات من القرآن، قال:

حلفت أمّ سعد ألّا تكلّمه أبدا حتّى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أنّ الله وصّاك بوالديك، وأنا أمّك وأنا آمرك بهذا، قال (سعد) :

مكثت ثلاثا حتّى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله عزّ وجلّ في القرآن هذه الآية: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ وفيها: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً (لقمان 14/ 15) » ) * «9» . الحديث «10» .

28-* (عن طلحة بن مصرّف- رضي الله عنه- قال: «سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: لا، قلت: فلم كتب على المسلمين الوصيّة «11» ، أو فلم أمروا بالوصيّة؟ قال:

أوصى بكتاب الله «12» عزّ وجلّ» ) *.

29-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما-قال: «يوم الخميس! وما يوم الخميس! «1» ، ثمّ بكى حتّى بلّ دمعه الحصى، الحديث، وفيه: أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم «2» ، قال: وسكت عن الثّالثة، أو قالها فأنسيتها» ) * «3» ، «4» .


30-* (عن سليمان بن بريدة عن أبيه- رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أمّر أميرا على جيش أو سريّة، أوصاه في خاصّته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا «5» ، ثمّ قال: اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا ... » ) * الحديث «6» .


31-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

«أوصاني خليلي صلّى الله عليه وسلّم بثلاث: بصيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وركعتي الضّحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» ) * «7» .

32-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال:

«قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه» ) * «8» .


33-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- قال: «إنّ خليلي صلّى الله عليه وسلّم أوصاني: إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه، ثمّ انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف» ) * «9» .

34-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرا فليتكلّم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنّساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج شيء في الضّلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنّساء خيرا» ) * «10» .


35-* (عن أبي ذرّ الغفاريّ- رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط «11» فاستوصوا بأهلها خيرا فإنّ لهم ذمّة ورحما، فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها» ) * «12» .


36-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- «أنّ رجلا قال للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أوصني، قال: لا تغضب، فردّد مرارا، قال: لا تغضب» ) * «13» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (النصيحة)

1-* (قال عمر بن الخطّاب- رضوان الله عليه- وهو على المنبر: «أنشدكم الله! لا يعلم أحد منّي عيبا إلّا عابه» فقال رجل: نعم يا أمير المؤمنين، فيك عيبان. قال: وما هما: قال: تديل بين البردين «1» ، وتجمع بين الأدمين «2» ولا يسع ذلك النّاس. قال: فما أدال بين بردين، ولا جمع بين أدمين حتّى لقي الله تعالى» ) * «3» .

2-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- «ولكلّ جعلنا موالي» قال: ورثة: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ كان المهاجرون لمّا قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاريّ دون ذوي رحمه للأخوّة الّتي آخى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بينهم، فلمّا نزلت وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ... (النساء/ 133) نسخت، ثمّ قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ... (النساء/ 13) من النّصر والرّفادة والنّصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له» ) * «4» .


3-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: كنت أقرىء عبد الرّحمن بن عوف، فلمّا كان آخر حجّة حجّها عمر، فقال عبد الرّحمن بمنى: لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل قال: إنّ فلانا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانا، فقال عمر: لأقومنّ العشيّة فأحذّر هؤلاء الرّهط الّذين يريدون أن يغصبوهم، قلت: لا تفعل، فإنّ الموسم يجمع رعاع النّاس يغلبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزّلوها على وجهها، فيطير بها كلّ مطير، فأمهل حتّى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السّنّة فتخلص بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المهاجرين والأنصار فيحفظوا مقالتك وينزّلوها على وجهها.

فقال: والله لأقومنّ به في أوّل مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عبّاس: فقدمنا المدينة، فقال: إنّ الله بعث محمّدا صلّى الله عليه وسلّم بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل آية الرّجم» ) * «5» .


4-* (عن المسور بن مخرمة وعبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يغوث- رضي الله عنهما- أنّهما قالا لعبيد الله بن عديّ بن الخيار: ما يمنعك أن تكلّم خالك عثمان (يعني ابن عفّان) في أخيه الوليد بن عقبة (يعني أخاه من الرّضاع) وكان أكثر النّاس فيما فعل به.

قال عبيد الله: فانتصبت لعثمان حين خرج إلى الصّلاة فقلت له: إنّ لي إليك حاجة، وهي نصيحة.

فقال: أيّها المرء، أعوذ بالله منك. فانصرفت. فلمّا قضيت الصّلاة جلست إلى المسور وإلى ابن عبد يغوث فحدّثتهما بما قلت لعثمان وقال لي.

فقالا: قد قضيت الّذي كان عليك. فبينما أنا جالس معهما جاءني رسول عثمان، فقالا لي قد ابتلاك الله.

فانطلقت حتّى دخلت عليه، فقال: ما نصيحتك الّتي ذكرت آنفا؟ قال: فتشهّدت ثمّ قلت: إنّ الله بعث محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، وأنزل عليه الكتاب وكنت ممّن استجاب لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وآمنت به وهاجرت الهجرتين الأوليين، وصحبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورأيت هديه. وقد أكثر النّاس في شأن الوليد بن عقبة، فحقّ عليك أن تقيم عليه الحدّ ... الأثر» ، وفيه «فجلد الوليد أربعينجلدة، وأمر عليّا أن يجلده، وكان هو يجلده» ) * «1» .

5-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله-:

«ما زال لله تعالى نصحاء، ينصحون لله في عباده، وينصحون لعباد الله في حقّ الله، ويعملون لله تعالى في الأرض بالنّصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض» ) * «2» .

6-* (قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- يوصي ابنه عبد الملك بعد ما تولّى الخلافة: «أمّا بعد:

فإنّ أحقّ من تعاهدت بالوصيّة والنّصيحة بعد نفسي أنت، وإنّ أحقّ من رعى ذلك وحفظه عنّي أنت، وإنّ الله- تعالى- له الحمد قد أحسن إلينا إحسانا كثيرا بالغا في لطيف أمرنا وعامّته، ... إلى أن قال له:

وإنّي لأعظك بهذا، وإنّي لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري، ولو أنّ المرء لم يعظ أخاه حتّى يحكم نفسه، ويكمل في الّذي خلق له لعبادة ربّه، إذا تواكل النّاس الخير، وإذا يرفع الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، واستحلّت المحارم، وقلّ الواعظون والسّاعون لله بالنّصيحة في الأرض، فلله الحمد ربّ السّموات والأرض ربّ العالمين وله الكبرياء في السّموات والأرض وهو العزيز الحكيم» ) * «3» .


7-* (قال مسعر بن كدام- رحمه الله تعالى:

«رحم الله من أهدى إليّ عيوبي في سرّ بيني وبينه، فإنّ النّصيحة في الملأ تقريع» ) * «4» .

8-* (قال معمر بن راشد بن همّام الصّنعانيّ: «كان يقال: أنصح النّاس لك من خاف الله فيك» ) * «5» .

9-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-:

تعهّدني بنصحك في الفرادى ... وجنّبني النّصيحة في الجماعه فإنّ النّصح بين النّاس نوع ... من التّوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تغضب إذا لم تعط طاعه ) * «6» .

10-* (قال الفضيل بن عياض- رحمه الله تعالى-: «الحبّ أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان، أحدهما يحبّك والآخر يخافك، فالّذي يحبّك ينصحك شاهدا كنت أو غائبا لحبّه إيّاك، والّذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخافك ويغشّك إذا غبت ولا ينصحك» .

وقال أيضا: المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعيّر» ) * «7 » .

11-* (قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-:

«ليس على المسلم نصح الذّمّيّ، وعليه نصح المسلم» ) * «8» .

12-* (قال الآجرّيّ- رحمه الله تعالى-: «لا يكون ناصحا لله تعالى ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم إلّا من بدأ بالنّصيحة لنفسه، واجتهد في طلب العلم والفقه ليعرف به ما يجب عليه، ويعلمعداوة الشّيطان له وكيف الحذر منه، ويعلم قبيح ما تميل إليه النّفس حتّى يخالفها بعلم» ) * «1» .

13-* (قال ابن عبد البرّ- رحمه الله تعالى:

محّض أخاك النّصيحة وإن كانت عنده فضيحة) * «2» .

14-* (قال أبو زكريّا (النّوويّ) - رحمه الله تعالى: قالوا مدار الدّين على أربعة أحاديث، وأنا أقول بل مداره على حديث «الدّين النّصيحة» ) * «3» .

15-* (قال ابن رجب- رحمه الله تعالى-:

«الواجب على المسلم أن يحبّ ظهور الحقّ ومعرفة المسلمين له، سواء كان ذلك في موافقته أو مخالفته. وهذا من النّصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمّة المسلمين وعامّتهم، وذلك هو الدّين كما أخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم» ) * «4» .

16-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى-: «من عرف منه أنّه أراد بردّه على العلماء النّصيحة لله ورسوله، فإنّه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتّعظيم كسائر أئمّة المسلمين الّذين كان يردّ على المخطىء منهم، ومن عرف أنّه أراد بردّه عليهم التّنقيص والذّمّ وإظهار العيب، فإنّه يستحقّ أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرّذائل المحرّمة» ) * «5» .


17-* (وقال- رحمه الله-: «فشتّان بين من قصده النّصيحة، وبين من قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلّا على من ليس من ذوي العقول الصّحيحة» ) * «6» .

18-* (وقال- رحمه الله-: «إنّ النّاصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنّما غرضه إزالة المفسدة الّتي وقع فيها، ولذلك فإنّه ينبغي أن تكون سرّا فيما بين الآمر والمأمور، وأمّا الإشاعة وإظهار العيوب فهو ممّا حرّمه الله ورسوله، ومن حبّ إشاعة الفاحشة في المؤمنين» ) * «7» .

19-* (قال عبّاد بن عبّاد الخوّاص الشّاميّ أبو عتبة: «أمّا بعد: اعقلوا والعقل نعمة، فربّ ذي عقل قد شغل قلبه بالتّعمّق فيما هو عليه ضرر عن الانتفاع بما يحتاج إليه حتّى صار عن ذلك ساهيا ... إلى أن قال:

وناصحوا الله في أمّتكم إذ كنتم حملة الكتاب والسّنّة. فإنّ الكتاب لا ينطق حتّى ينطق به، وإنّ السّنّة لا تعمل حتّى يعمل بها، فمتى يتعلّم الجاهل إذا سكت العالم، فلم ينكر ما ظهر ولم يأمر بما ترك، وقد أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه ... ولا تكتفوا من السّنّة بانتحالها بالقول دون العمل بها، فإنّ انتحال السّنّة دون العمل بها كذب بالقول مع إضاعة العلم، ولا تعيبوا بالبدع تزيّنا بعيبها فإنّ فساد أهل البدع ليس بزائد في صلاحكم، ولا تعيبوها بغيا على أهلها.

فإنّ البغي من فساد أنفسكم، وليس ينبغي للمطبّب أن يداوي المرضى بما يبرئهم ويمرضه، فإنّه إذا مرض اشتغل بمرضه عن مداواتهم، ولكن ينبغي أن يلتمس لنفسه الصّحّة ليقوى بها على علاج المرضى، فليكن أمركم فيما تنكرون على إخوانكم نظرا منكم لأنفسكم، ونصيحة منكم لربّكم، وشفقة منكم على إخوانكم، وأن تكونوا مع ذلك بعيوبأنفسكم أعنى منكم بعيوب غيركم، وأن يستعظم بعضكم بعضا النّصيحة، وأن يحظى عندكم من بذلها لكم وقبلها منكم. وقد قال عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه-:


«رحم الله من أهدى إليّ عيوبي» ، تحبّون أن تقولوا فيحتمل لكم، وإن قيل لكم مثل الّذي قلتم غضبتم، تجدون على النّاس فيما تنكرون من أمورهم وتأتون مثل ذلك، أفلا تحبّون أن يؤخذ عليكم ... » ) * «1» .

20-* (قال بعض الشّعراء:

اصف ضميرا لمن تعاشره ... واسكن إلى ناصح تشاوره وارض عن المرء في مودّته ... ممّا يؤدّي إليك ظاهره من يكشف النّاس لا يجد أحدا ... تنصح منهم له سرائره أوشك أن لا يدوم وصل أخ ... في كلّ زلّاته تنافره «2» .

21-* (وقال آخر:

وأجب أخاك إذا استشارك ناصحا ... وعلى أخيك نصيحة لا تردد «3» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الوصية والتواصي)

22-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- عندما قيل له: أوصنا يا أمير المؤمنين، قال: أوصيكم بذمّة الله، فإنّه ذمّة نبيّكم، ورزق عيالكم» ) * «4» .

23-* (عن جابر- رضي الله عنه- لمّا حضر أحد «5» . دعاني أبي من اللّيل فقال: ما أراني إلّا مقتولا في أوّل من يقتل من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإنّي لا أترك بعدي أعزّ عليّ منك، غير نفس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنّ عليّ دينا فاقضه «6» ، واستوص بأخواتك خيرا) * «7» .

24-* (قال جندب لأصحابه وهو يوصيهم:

إنّ أوّل ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع ألّا يأكل إلّا طيّبا فليفعل، ومن استطاع ألّا يحال بينه وبين الجنّة بملء كفّ من دم هراقه فليفعل» ) * «8» .

25-* (عن الشّافعيّ- رضي الله عنه- قال في قوله تعالى وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (العصر/ 1- 3) . لو تدبّر النّاس هذه السّورة لوسعتهم» ) * «9» .

26-* (سأل بعضهم شيخ الإسلام ابن تيميّة أن يوصيه بما فيه صلاح دينه ودنياه، فأجاب- رحمه الله-: أمّا الوصيّة فما أعلم وصيّة أنفع من وصيّة اللهورسوله لمن عقلها واتّبعها، قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ (النساء/ 131) ، ووصّى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم معاذا لمّا بعثه إلى اليمن فقال: «اتّق الله حيثما كنت وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن» «1» . فهذه وصيّة جامعة لمن عقلها، مع أنّها تفسير للوصيّة القرآنيّة، أمّا بيان جمعها فلأنّ العبد عليه حقّان: حقّ لله عزّ وجلّ، وحقّ لعباده، ثمّ الحقّ الّذي عليه لا بدّ أن يخلّ ببعضه أحيانا، إمّا بترك المأمور به أو فعل المنهيّ عنه، وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اتّق الله حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التّقوى في السّرّ والعلانيّة (وفي كلّ زمان ومكان) ، ثمّ قال: «وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها» لأنّه لمّا كان الذّنب للعبد كأنّه أمر حتم كان الكيّس هو الّذي لا يزال يأتي من الحسنات ما يمحو به السّيئات، وفي هذا إرشاد للخاصّة والعامّة بما يخلّص النّفوس من ورطات الذّنوب وهو إتباع السّيّئات الحسنات، ولمّا قضى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بهاتين الكلمتين حقّ الله من عمل الصّالح وإصلاح الفاسد، قال:


«وخالق النّاس بخلق حسن» وهو حقّ النّاس، وأمّا بيان أنّ هذا كلّه في وصيّة الله فهو أنّ اسم «تقوى الله يجمع فعل كلّ ما أمر به الله به إيجابا واستحبابا، وما نهى عنه تحريما وتنزيها، وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد) * «2» .

من فوائد (النصيحة والتواصي)

(1) النّصيحة لبّ الدّين وجوهر الإيمان.

(2) دليل حبّ الخير للآخرين، وبغض الشّرّ لهم

(3) تكثير الأصحاب؛ إذ إنّه يؤمن منه الجانب، وتقليل الحسّاد؛ إذ إنّه لا يحبّ لغيره الشّرّ والفساد.

(4) صلاح المجتمع؛ إذ تشاع فيه الفضيلة، وتستر فيه الرّذيلة.

(5) إحلال الرّحمة والوداد مكان القسوة والشّقاق.

(6) الاشتغال بالنّفس لاستكمال الفضائل من تمام النّصح.

(7) بيان خطأ المخطىء في المسألة والمسائل- وإن كرهه- من النّصيحة الواجبة لا من الغيبة المحرّمة.

(8) من قام بها على وجهها يستحقّ الإكرام لا اللّوم والتّقريع.

(9) في التّواصي بالحقّ وبالصّبر ونحوهما ما يكفل حياة مستقرّة للمجتمع الإسلاميّ.

(10) في الأخذ بوصيّة الله- عزّ وجلّ- ووصيّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم صلاح حال الفرد والمجتمع معا.

(11) للوصيّة الصّادقة تأثير بالغ في النّفس وهي دافع قويّ لتنفيذ الموصى به.

(12) الوصيّة وسيلة من وسائل التّقوى والتّذكّر والتّعقّل «3» .

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٠ مارس ٢٠١٥ الساعة ١٠:٢٤.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٩٢٩ مرة.