أدوات شخصية
User menu

الهجر

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الهجر لغة

مصدر قولهم: هجر الشيء يهجره، وهو مأخوذ من مادة (هـ ج ر) التي تدل على القطيعة «1» ، ومن هذا:

الهجر ضد الوصل وكذلك الهجران، وهاجر القوم من دار إلى دار، تركوا الأولى للثانية كما فعل المهاجرون حين هاجروا من مكة إلى المدينة، وتهجر الرجل وتمهجر: أي تشبه بالمهاجرين، ومن الباب الهجر بمعنى الهذيان، والهجر أيضا الإفحاش في المنطق والخنا.

ورماه بالهاجرات، وهي الفضائح، وسمي هذا كله (هجرا) لأنه من المهجور الذي لا خير فيه «2» وأهجرت بالرجل: استهزأت به. وقلت فيه قولا قبيحا.

وقال ابن منظور: يقال: هجره يهجره هجرا وهجرانا: صرمه. وهما يهتجران ويتهاجران والاسم الهجرة: والتهاجر: التقاطع. وهجر الشيء وأهجره:

تركه. والهجر: الاسم من الإهجار. يقال هجر المريض يهجر هجرا بالضم فهو هاجر والكلام مهجور. قال أبو عبيد: يروى عن إبراهيم النخعي ما يثبت هذا القول في قوله تعالى ... إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (الفرقان/ 30) . قال: قالوا فيه غير الحق. ألم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحق، وعن مجاهد نحوه. والهجر: الكلام المهجور لقبحه.

وفي الحديث: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا» . وأهجر فلان: إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد. وهجر المريض: إذا أتى بذلك من غير قصد «3» .

وقال ابن الأثير: وفي الحديث «لا هجرة بعد ثلاث» يريد به الهجر ضد الوصل، يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة، أو تقصير يقع في حدود العشرة والصحبة، دون ما كان من ذلك في جانب الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مر الأوقات ما لم تظهر منهم التوبة، والرجوع إلى الحق، ومن ذلك أيضا ما جاء في الحديث لا يذكر الله إلا هجرا، يريد الترك له والإعراض عنه، يقال:

هجرت الشيء إذا تركته وأغفلته، أما ما رواه ابن قتيبة من قوله صلى الله عليه وسلم «ولا يسمعوا القول إلا هجرا» (بالضم) فالمراد الخنا، والقبيح من القول، وقول الله تعالى:

واهجروهن في المضاجع (النساء/ 34) أي فيالمنام توصلا إلى طاعتهن «1» ، وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قيل الهجر في المضاجع ألا يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها، وقيل: جنبوا مضاجعهن، أي أبعدوها من الهجران وهو البعد. وقيل:

واهجروهن مأخوذ من الهجر وهو القبيح من الكلام، أي غلظوا عليهن في القول، وقيل غير ذلك وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر «2» .

أنواع الهجر

يختلف الهجر باختلاف المهجور ويمكن تلخيص ذلك في الأنواع الآتية:

1- هجر القرآن. وهذا ما سنتحدث عنه في الصفة التالية (انظر هجر القرآن) .

2- هجر الرجل زوجته، أو نساءه.

3- هجر الأقارب (وهو نوع من قطيعة الرحم) .

4- هجر أهل البدع والأهواء.

5- هجر المسلمين بعضهم بعضا، ويسمى بالتهاجر.

الفرق بين التهاجر والتدابر والتشاحن:

قال ابن حجر التهاجر: أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام لغير غرض شرعي.

والتدابر: هو الإعراض عن المسلم بأن يلقى أخاه فيعرض عنه بوجهه.

والتشاحن: هو تغير القلوب المؤدي إلى التهاجر والتدابر «3» .

حكم الهجر

يختلف حكم الهجر باختلاف المهجور فإن تعلق الهجر بالمرأة كان ذلك جائزا، بل مأمورا به في بعض الأحيان وذلك عند النشوز أو مخافته مصداقا لقوله تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع» (النساء/ 34) (انظر الشاهد القرآنى رقم 1) .

وإن تعلق الهجر بالمسلم فإنه يعد كبيرة كما صرح بذلك ابن حجر. شريطة أن يكون فوق ثلاث وليس بغرض شرعي لما في ذلك من التقاطع والإيذاء والفساد، ويستثنى من تحريم هذا الهجر مسائل حاصلها أنه متى عاد (الهجر) إلى صلاح دين الهاجر والمهجور جاز وإلا فلا «4» .

وإذا كان المهجور من ذوي الرحم فإنه كبيرة حتى وإن لم تبلغ المدة ثلاثة أيام؛ لأن الهجر هنا أضيف إليه قطيعة الرحم، وقد عد الإمام الذهبي هجر الأقارب مطلقا من الكبائر «5» ، أما هجر أهل البدع والأهواء فإنه مطلوب على مر الأوقات ما لمتظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق، كما قال ابن الأثير «1» ، وفيما يتعلق بحكم هجر القرآن (انظر صفة هجر القرآن) .

بم يكون الهجر؟

والهجر والهجران: يكون بالبدن وباللسان وبالقلب، وقوله تعالى واهجروهن في المضاجع (النساء/ 34) أي بالأبدان. وقوله تعالى إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (الفرقان/ 30) باللسان أو بالقلب.

وقوله تعالى واهجرهم هجرا جميلا (المزمل/ 10) محتمل للثلاثة. وقوله تعالى والرجز فاهجر (المدثر/ 5) حث على المفارقة بالوجوه كلها «2» .

واصطلاحا

قال المناوي: الهجر والهجران: مفارقة الإنسان غيره. إما بالبدن. أو اللسان. أو القلب «3» .

وقال الكفوي:

الهجر بالفتح: الترك والقطيعة.

والهجر بالضم: الفحش في المنطق «4» .

[للاستزادة: انظر صفات: قطيعة الرحم- هجر القرآن- الإعراض.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: صلة الرحم- إفشاء السلام- تلاوة القرآن- التودد- حسن العشرة- الإخاء] .

الآيات الواردة في «الهجر»

1- الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) «1»

2- واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (4) «2»

3- يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) «3»

4- يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) «4»

الأحاديث الواردة في ذم (الهجر)

1-* (عن عوف بن مالك بن الطفيل- هو ابن الحارث وهو ابن أخي عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لأمها- أن عائشة حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم.

قالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا.

فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت:

لا، والله لا أشفع فيه أبدا، ولا أتحنث إلى نذري. فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث- وهما من بني زهرة- وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا: كلنا؟ قالت:

نعم، ادخلوا كلكم- ولا تعلم أن معهما ابن الزبير- فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة؛ فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول:

إني نذرت والنذر شديد. فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير. وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة. وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها» ) * «1» .

2-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: «أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا، ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا، ورب إبراهيم، قالت: قلت: أجل، والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك» ) * «2» .

3-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس. فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا. أنظروا هذين حتى يصطلحا.

أنظروا هذين حتى يصطلحا» .

وفيه رواية عن عبد العزيز الدراوردي: «إلا المتهاجرين» من رواية ابن عبدة. وقال قتيبة: «إلا المهتجرين» ) * «3» .

4-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الهجرة فوق ثلاثة أيام، فإن التقيا فسلم أحدهما فرد الآخر اشتركا في الأجر، وإن لم يرد برىء هذا من الإثم، وباء به الآخر،وأحسبه قال: وإن ماتا وهما متهاجران لا يجتمعان في الجنة» ) «1» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تهجر امرأة فراش زوجها إلا لعنتها ملائكة الله- عز وجل-» ) * «2» .

6-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تهجروا «3» ، ولا تدابروا، ولا تحسسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد الله إخوانا» ) * «4» .

7-* (عن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» ) * «5» .

8-* (عن هشام بن عامر بن أمية الأنصاري رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث ليال، فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما وأولهما فيئا يكون سبقه بالفيء كفارة له، وإن سلم فلم يقبل ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة، ورد على الآخر الشيطان، فإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا أبدا» ) * «6» .

ورواه أبو بكر بن أبي شيبة إلا أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل أن يصطرما فوق ثلاث، فإن اصطرما فوق ثلاث لم يجتمعا في الجنة أبدا، وأيهما بدأ صاحبه كفرت ذنوبه، وإن هو سلم فلم يرد عليه ولم يقبل سلامه رد عليه الملك، ورد على ذلك الشيطان» .

9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات، دخل النار» ) * «7» .

10-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يكون لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاثة، فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرار كل ذلك لا يرد عليه، فقد باء بإثمه» ) * «8» .

11-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما (التحريم/ 4) . حتى حج عمر وحججت معه. فلما كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز، ثم أتاني فسكبت على يديه، فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان منأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله- عز وجل- لهما: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما (التحريم/ 4) قال عمر:

وا عجبا لك يا ابن عباس (قال الزهري: كره، والله ما سأله عنه ولم يكتمه) قال: هي حفصة وعائشة، ثم أخذ يسوق الحديث. قال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء.

فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم.

قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي «1» . فتغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني.

فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: نعم.

فقلت: أتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم.

قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر. أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك «2» هي أوسم «3» وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك (يريد عائشة) .

قال: وكان لي جار من الأنصار. فكنا نتناوب النزول «4» إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يوما وأنزل يوما، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل «5» لتغزونا. فنزل صاحبي، ثم أتاني عشاء فضرب بابي، ثم ناداني، فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم. قلت: ماذا؟ أجاءت غسان؟ قال: لا. بل أعظم من ذلك وأطول.

طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت. قد كنت أظن هذا كائنا. حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي. ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في هذه المشربة.

فأتيت غلاما له أسود فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إلي. فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى انتهيت إلى المنبر فجلست. فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم. فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد، ثم أتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إلي فقال:

قد ذكرتك له فصمت. فوليت مدبرا. فإذا الغلام يدعوني. فقال: ادخل فقد أذن لك. فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا هو متكىء على رمل حصير «6» .

قد أثر في جنبه. فقلت: أطلقت، يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال: «لا» فقلت: الله أكبر. لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضبت على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني.

فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أنأراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر. أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم. فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت: يا رسول الله، قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك. فتبسم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: «نعم» فجلست، فرفعت رأسي في البيت فو الله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهبا ثلاثة.

فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك؛ فقد وسع على فارس والروم- وهم لا يعبدون الله- فاستوى جالسا، ثم قال: «أفي شك أنت يابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» . فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن. حتى عاتبه الله عز وجل» ) * «1» .

12-* (عن أبي خراش السلمي- رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه» ) * «2» .

13-* (عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من اليمن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هجرت الشرك ولكنه الجهاد.

هل باليمن أبواك» ؟ قال: نعم. قال: «أذنا لك؟ «قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجع إلى أبويك فإن فعلا وإلا فبرهما» ) * «3» .

14-* (عن معاوية القشيري- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت» أو «اكتسبت» «ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» ) * «4» .

الأحاديث الواردة في ذم (الهج) معنى

15-* (عن أبي واقد الليثي- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه- إذ أقبل نفر ثلاثة فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب واحد. قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة «5» في الحلقة «6» فجلس فيها.

وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا.

فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله «1» ، وأما الآخر فاستحيا «2» ، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» ) * «3» .

16-* (عن جابر- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس:

فمن مستغفر فيغفر له، ومن تائب فيتاب عليه ويرد أهل الضغائن «4» بضغائنهم حتى يتوبوا» ) * «5» .

17-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- في قوله تعالى: عبس وتولى (عبس/ 1) جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلم أبي بن خلف فأعرض عنه فأنزل الله- عز وجل- عبس وتولى* أن جاءه الأعمى (عبس/ 1- 2) فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه» ) * «6» .

18-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا، عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم.

لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» ) * «7» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذم (الهجر)

1-* (قال أنس بن مالك- رضي الله عنه-:

«التدابر التصارم» ) * «8» .

2-* (قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه: «ما اهتجر رجلان في الإسلام إلا خرج أحدهما منه» ) * «9» .

وهذا من باب الزجر عن المهاجرة.

3-* (عن مجاهد في قوله تعالى ولا تصعر خدك للناس (لقمان/ 18) . قال: «هو الرجل يكونبينه وبين الرجل حنة «1» فيعرض عنه» ) * «2» .

4-* (وعن مجاهد- رحمه الله- قال:

«الأقلف «3» موقوف عمله حتى يختتن، والصارم «4» الظالم موقوف عمله حتى يفيء» ) * «5» .

5-* (قال ابن مفلح- رحمه الله-: «يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية» ) «6» .

6-* (عن أبي الحسن المدائني قال: «جرى بين الحسن بن علي وأخيه الحسين كلام حتى تهاجرا فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام من هجر أخيه فأقبل إلى الحسين وهو جالس فأكب على رأسه فقبله، فلما جلس الحسن قال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك والقيام إليك أنك أحق بالفضل مني فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به» ) * «7» .

7-* (قال ابن منظور: «إن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مر الأوقات ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق» ) * «8» .

8-* (قال ابن تميم: «هجران أهل البدع كافرهم وفاسقهم والمتظاهرين بالمعاصي، وترك السلام عليهم فرض كفاية، ومكروه لسائر الناس، ولا يسلم أحد على فاسق معلن، ولا مبتدع معلن داعية، ولا يهجر مسلما مستورا غيرهما من السلام فوق ثلاثة أيام» ) * «9» .

من مضار (الهجر)

(1) الهجر صفة قبيحة تسخط الله- عز وجل- على المتهاجرين.

(2) وهو سبب في تأخير المغفرة من الله- عز وجل-.

(3) الهجر بين الإخوان فوق ثلاث حرام، ويسبب تفككا اجتماعيا.

(4) هجر المرأة فراش زوجها سبب في لعنة الله والملائكة لها.

(5) الهجر من حبائل الشيطان. يغوي بها أتباعه حتى يسوقهم إلى الجحيم.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٣٩٠ مرة.